التجارة الإلكترونية بين بلدان الاتحاد الأوروبي لا تزال تواجه تحديات

38 % فقط يثقون في منتجات يشترونها من بلد آخر في التكتل

غالبية شكاوى التجارة الإلكترونية التي تلقتها مراكز خدمة المستهلك الأوروبي تتعلق بالتمييز في الأسعار (أ. ف.ب)
غالبية شكاوى التجارة الإلكترونية التي تلقتها مراكز خدمة المستهلك الأوروبي تتعلق بالتمييز في الأسعار (أ. ف.ب)
TT

التجارة الإلكترونية بين بلدان الاتحاد الأوروبي لا تزال تواجه تحديات

غالبية شكاوى التجارة الإلكترونية التي تلقتها مراكز خدمة المستهلك الأوروبي تتعلق بالتمييز في الأسعار (أ. ف.ب)
غالبية شكاوى التجارة الإلكترونية التي تلقتها مراكز خدمة المستهلك الأوروبي تتعلق بالتمييز في الأسعار (أ. ف.ب)

أظهرت لائحة 2015 التي نشرتها المفوضية الأوروبية في بروكسل الاثنين، حول التجارة الإلكترونية للمستهلك الأوروبي، أن 61 في المائة من المستهلكين في أوروبا يشعرون بالثقة أكثر في منتجات يشترونها من بلدهم، بينما تصل النسبة إلى 38 في المائة فقط للتجارة عبر الحدود من بلد آخر في الاتحاد الأوروبي.
وأشارت المفوضية إلى أهمية السوق الرقمية الموحدة، وقالت إن انعدام الثقة واستمرار القيود الإقليمية المفروضة، والتباين في الأسعار، كلها أمور تشكل حاجزا أمام نجاح التجارة الإلكترونية عبر الحدود «وستقوم المفوضية الأوروبية بتقديم اقتراح قبل نهاية العام الحالي، لجعل التجارة الإلكترونية عبر الحدود أسهل في إطار السوق الرقمية الموحدة، وسوف يشمل المقترح، قواعد على مستوى الاتحاد الأوروبي، تتعلق بالعقود والمشتريات، وحماية المستهلك في عمليات الشراء عبر الإنترنت».
وقالت فيرا جوروفا المفوضة المكلفة شؤون العدل والمساواة والمستهلكين، إن اللائحة التي نشرتها المفوضية، تؤكد أن المستهلك ليس لديه ثقة كاملة في التجارة الإلكترونية عبر الحدود، ولمحت إلى أن استكمال السوق الرقمية الموحدة، بكامل إمكاناتها، يعتبر من أولويات عمل المفوضية الحالية برئاسة جان كلود يونكر : «ولهذا سيتم العمل على رفع الحواجز المتبقية على التجارة الإلكترونية عبر الحدود، ومن خلال مقترحات ستتقدم بها المفوضية قبل حلول نهاية العام الحالي، وتضمن وصولا أفضل للمستهلكين والشركات على السلع والخدمات الرقمية في كل أنحاء أوروبا».
وجاء في لائحة المفوضية الأوروبية، أن غالبية الشكاوى حول التجارة الإلكترونية عبر الحدود، التي تلقتها مراكز خدمة المستهلك الأوروبي، تتعلق بالتمييز في الأسعار، وبعض القيود تعطل نجاح صفقات عبر الحدود، ولهذا جاء في اللائحة، أن المفوضية ترى وجود حاجة إلى مزيد من التوعية حول حقوق المستهلك، وخاصة أن الوعي لا يزال ضعيفا لدى المستهلكين بشأن الحقوق الأساسية التي توفرها لهم التشريعات الأوروبية، ولوحظ أن 9 في المائة فقط من المستهلكين كان لديهم القدرة على الإجابة عن سؤال بشأن حقوقهم، وكانت أدنى المستويات بين الشباب.
كما أشارت اللائحة إلى ضرورة تطوير إجراءات تسوية المنازعات، لجعلها أكثر فعالية، وحتى يتم إنصاف المستهلكين، وخاصة أن أعدادا كبيرة منهم لا تتقدم بشكاوى في حال حدوث مشاكل تخوفا من المشاكل المترتبة على هذا التصرف، والتعقيدات المتعلقة به. وتقول الأرقام إن 25 في المائة ممن يواجهون مثل هذه المشاكل لا يتقدمون بشكوى وهناك البعض الآخر الذي أعرب عن رضاه عن الطريقة، التي تتعامل بها الجهات المختصة، التي تقدم إليها بشكوى: ولكن لا تزال معرفة الطريق، للوصول إلى هذه الجهات، منخفضة بين المستهلكين.
وحول الثقة في سلامة المنتجات، فقد ظلت مستقرة نسبيا في السنوات الماضية، ولكن كانت الثقة لدى تجار التجزئة 75 في المائة أكبر مما هي عليه لدى المستهلكين «69 في المائة وخاصة فيما يتعلق بالمنتجات غير الغذائية في الأسواق». وقالت المفوضية إن لائحة النتائج تعتبر بمثابة تقرير دوري لقياس تكامل سوق التجزئة الداخلي بالاتحاد الأوروبي، من وجهة نظر المستهلك، وأيضا مراقبة نوعية البيئة الوطنية لحماية المستهلك، وتوفر أيضا إحصاءات للمستهلك في كل بلد بشكل منفصل، مما يساعد الهيئات والسلطات الوطنية في تقييم عملها.
وبدأت في البرلمان الأوروبي نقاشات حول هذا الصدد في مايو (أيار) الماضي، وجرى الإعلان وقتها أن المفوضية ستقدم أول اقتراح تشريعي في هذا المجال قبل نهاية عام 2015، وذلك بعد أن وافقت المفوضية الأوروبية على وضع استراتيجية لبناء السوق الموحدة الرقمية. وحسب مصادر بروكسل، فإن صدور مشروع السوق الأوروبية الرقمية الموحدة الذي يهدف إلى الإفادة بأقصى ما يمكن من الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية، يشير إلى أن السوق الأوروبية الرقمية الموحدة، جعلت منها المفوضية الأوروبية إحدى أبرز أولوياتها.
وفي مايو الماضي قال اندروس انسيب المفوض الأوروبي للسوق الرقمية في تصريحات من بروكسل: «هنالك حدود جغرافية رقمية موضوعة تمنع على مائة مليون مواطن أوروبي الحصول عبر الإنترنت على بعض الأفلام السينمائية والكتب والموسيقى». الحواجز الرقمية في أوروبا تشكل عائقا أمام الإفادة من خدمات وعروض عبر الإنترنت أكثر من نصفها تقدمه الولايات المتحدة واثنان وأربعون في المائة منها تقدمها دول الاتحاد الأوروبي مما يؤثر سلبا على النمو الاقتصادي للشركات التي ترغب في بيع موادها خارج الحدود الجغرافية للبلدان التي توجد فيها.
في هذا المجال قال أيضا المفوض الأوروبي لشؤون السوق الرقمية: «من المؤسف القول إنه لا سوق رقمية مشتركة حاليا في الاتحاد الأوروبي بل لدينا ثمان وعشرون سوقا رقمية صغيرة منظمة بشكل يخلق الحواجز بين دول الاتحاد الأوروبي».
وأضاف المسؤول الأوروبي أن السوق الرقمية المشتركة بحاجة إلى تنظيم لشؤون الملكية الفكرية.
وفي هذا المجال تقول البرلمانية الأوروبية الألمانية جوليا رضا في تصريحات لمحطة الأخبار الأوروبية «يورونيوز»: «يبدو أن جان كلود يونكر يطمح إلى إزالة حقوق الملكية الفكرية لذلك لا تذكر هذه الحقوق في هذه المقترحات». ومن خلال بيان صدر ببروكسل عن الجهاز التنفيذي للاتحاد وتلقينا نسخة منه، قال اندروس انسيب المفوض المكلف ملف السوق الرقمية الموحدة، إن مشروع المفوضية الطموح ليس فقط لحل بعض المشكلات الملحة على المدى القصير ولكن أيضا لإعداد أوروبا من أجل مستقبل رقمي مشرق، ولمح إلى أن التخلص من سنوات من الخلافات القانونية الوطنية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي لإيجاد بيئة رقمية مفتوحة، يمكن الوصول إليها دون قيود أو تمييز، لن يتم بين عشية وضحاها، ولهذا جاءت خطة المفوضية بمثابة الأساس المتين لشيء آخر، وقال إن كل شخص يجب أن يتمتع بالوصول الموثوق وعالي السرعة للخدمات والسلع عبر الإنترنت، ويجب أن يطبق ذلك في كل أنحاء الاتحاد الأوروبي. وأقر المسؤول الأوروبي بوجود بعض العوائق، التي يجب إزالتها، وعلى سبيل المثال في مجال تجارة التجزئة 5 في المائة فقط من الشركات تبيع عبر حدود الاتحاد الأوروبي، والسبب في ذلك يعود إلى عدم وجود الثقة في الخدمات عبر الإنترنت، ومشكلة مع قواعد التعامل، ولا بد من مساعدة شركات تجارة التجزئة وتشجيعهم على زيادة النطاق، وتوفر خدماتها للعملاء في جميع أنحاء أوروبا وليس فقط في السوق الوطنية، ونوه المسؤول الأوروبي إلى أهمية الشبكات والخدمات الرقمية، واعتبرها بمثابة العمود الفقري: «ولكن لا بد من توفير البيئة المناسبة والشروط اللازمة، ولهذا لا بد من إصلاح قواعد الاتصالات في الاتحاد الأوروبي لجعلها صالحة للغرض المطلوب في العصر الرقمي».
وشدد على أهمية الصناعة الرقمية في أوروبا، وسوف تلعب دورا رئيسيا في تحقيق هدف الاتحاد الأوروبي بزيادة القيمة الاقتصادية الصناعية من 15 في المائة إلى 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وأشار إلى أن 1.7 في المائة فقط من الشركات في الاتحاد الأوروبي تحقق الاستفادة الكاملة من تقنيات البيانات المتقدمة في حين أن 41 في المائة لا تستخدم هذا الأمر على الإطلاق.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.