أوروبا تسن قوانين لدمج المهاجرين لسد احتياجها للأيدي العاملة

اغلبهم يملكون مؤهلات عالية ويرفعون الناتج المحلي

أوروبا تسن قوانين لدمج المهاجرين لسد احتياجها للأيدي العاملة
TT

أوروبا تسن قوانين لدمج المهاجرين لسد احتياجها للأيدي العاملة

أوروبا تسن قوانين لدمج المهاجرين لسد احتياجها للأيدي العاملة

تبدلت التوقعات بأن تعداد سكان العالم سوف يقفز إلى تسعة مليارات نسمة بحلول عام 2015، حيث تتوقع الأمم المتحدة الآن أن يبلغ التعداد عشرة مليارات نسمة تقريبا عند منتصف القرن الحالي، وسوف يتجاوز أحد عشر مليونا بحلول عام 2100. وأفادت أن أغلب معدلات الزيادة السكانية سوف يكون سببها الطبقات الفقيرة من مختلف مناطق العالم التي مزقها الاقتتال والتي يفر مواطنوها إلى أوروبا بحثا عن الأمان وعن حياة أفضل.
قد لا يحب القادة الأوروبيون سماع ذلك الآن في هذا الوقت الذي يحاولون فيه وبشكل محموم إغلاق حدودهم أمام مئات الآلاف من اللاجئين وطالبي اللجوء الهاربين من الجوع وأحداث العنف التي اجتاحت أفريقيا والشرق الأوسط، إلا أنه على هؤلاء القادة التعامل مع طوفان البشر الجامح. قد تبطئ الحدود المحصنة من وتيرة الهجرات إلى حد ما، بيد أنه كلما أسرعت أوروبا في إدراك أنها بالفعل تواجه هجرات من جيرانها قد تستمر لعقود، زادت قدرتها على سن ما تحتاجه من قوانين بهدف دمج أعداد المهاجرين في بنية اقتصادياتها ومجتمعاتها.
لن تتحقق تلك المهمة بسهولة، فقد شكل ذلك تحديا لكل الدول الغنية، إلا أن أداء أوروبا في هذا الاتجاه يعتبر ضعيفا إلى حد كبير. قد لا تكون مفاجأة أن تقريرا حديثا صدر عن منظمة التعاون والتنمية الدولية كشف أن الصعوبة التي يواجهها المهاجرون لإيجاد وظيفة في أي من دول الاتحاد الأوروبي تفوق الصعوبات التي يواجهونها في أي دولة غنية أخرى. غير أن ذلك لا يبرر الصعوبات التي يواجهها أبناء المهاجرين ممن ولدوا في أوروبا ممن يعانون من التفرقة العنصرية بشكل يفوق معاناة آبائهم ويعانون من معدلات بطالة أعلى مما يعانيه أبناء الدولة المضيفة.
فبدلا من تحصين الحدود، من الأجدى للدول الأوروبية أن تعمل على تحسين سجلها في هذا الخصوص، وسوف تكون النتائج باهرة للمواطنين الأوروبيين ولبقية العالم.
عندما وضعت المجر الصيف الماضي أسلاكا شائكة على امتداد حدودها الجنوبية وتحدث قادة أوروبا عن خططهم لتحطيم قوارب المهربين على سواحل شمال أفريقيا، أصدرت شعبة السكان بالأمم المتحدة تقارير عن أحدث تقييم للنمو السكاني في المستقبل.
زاد تعداد مواطني أفريقيا بالفعل بمعدل 50 في المائة منذ بداية القرن الحالي، ومن المتوقع أن يتضاعف ليبلغ 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، وقد يزيد تعداد سكان جنوب آسيا بواقع نصف مليار، في حين يتوقع أن يتضاعف تعداد فلسطين ليصل إلى 1.626 مليون نسمة للكيلومتر المربع (4.211 فرد لكل ميل مربع)، ثلاثة أضعاف المعدل في الهند المكتظة بالسكان.
وعلى مدار العقود القادمة، من المتوقع أن يغادر الملايين تلك المناطق هربا من الحرب وشح فرص العمل والصراع على الموارد نتيجة للتغيرات المناخية، وسوف تكون الدول الأوروبية الغنية الوجهة الأولى للمهاجرين.
وحسب ادير تيرنر، المدير السابق لهيئة الخدمات المالية البريطانية الذي يشغل حاليا منصب مدير معهد التفكير الاقتصادي الجديد: «في ضوء توقعات زيادة سكان أفريقيا بأكثر من ثلاثة مليارات نسمة خلال الـ85 عاما القادمة، قد يواجه الاتحاد الأوروبي موجات من المهاجرين تجعل الجدل المثار حاليا حول قبول بضع مئات الآلاف من طالبي اللجوء أمرا هينا».
وفي أحسن الأحوال، يمكن وصف رد الفعل الأوروبي لتدفق المهاجرين بالمشوش، حيث كرست ألمانيا مصادر حقيقية للمساعدة في توفير الاحتياجات الأساسية لمئات الآلاف من المهاجرين المتوقع استقبالهم بترحاب في ألمانيا هذا العام. بيد أن ذلك الموقف لم يكن هو السائد بين باقي الدول، إذ أن تركيز أوروبا ما زال منصبا على تحصين حدودها، للدرجة التي جعلتها تغلق حتى حدودها الداخلية التي كانت مفتوحة حتى وقت قريب.
غير أن هناك بعض الخيارات الأفضل التي ما زالت متاحة، فالتاريخ الغني للهجرات حول العالم يوحي أنه بالإمكان استيعاب الكثير من السكان المهاجرين للاندماج في النسيج الاجتماعي لأوروبا بشكل يخدم مصلحة الأوروبيين ومصلحة المهاجرين الجدد أنفسهم وكذلك مصلحة المناطق التي هاجروا منها.
ففي بريطانيا، على سبيل المثال، وعدت حكومة ديفيد كاميرون بتقليص عدد المهاجرين الجدد من بضع مئات الآلاف إلى عشرات الآلاف. وبحسب الباحثين في المعهد البريطاني للأبحاث الاقتصادية والاجتماعي وجامعة أوتاوا، فإن تنفيذ تلك السياسة سوف يقلص من دخل بريطانيا، وسوف يزيد النفقات العامة ويرفع ضريبة الدخل. وبالنظر إلى كافة الاعتبارات، فبحلول عام 2060 سوف تتراجع أجور البريطانيين بواقع 3.3 في المائة مقارنة بالوضع في حال تركت الحكومة معدلات الهجرة من دون تغيير. تنطبق آليات العمل المذكورة على مختلف دول العالم النامي. وبحسب فريدريك دوكر، الأستاذ بالجامعة الكاثوليكية ببلجيكا، وكغلر أوزدان، بالبنك الدولي، وجيوفاني بيري، من جامعة كاليفورنيا بديفيس، كانت للهجرة ما بين عامي 1990 – 2000 انعكاسات إيجابية على أجور العاملين المحليين، بما في ذلك العاملون من ذوي الأجور المتدنية في الـ34 دولة الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
تستفيد الدول الغنية ذات معدلات الخصوبة المنخفضة ومعدلات السن الكبيرة من المهاجرين من صغار السن في المساعدة في رفع معدلات العمل المنخفضة وبطيئة النمو. وما بين عامي 2000 و2010، بلغ عدد المهاجرين ثلثي معدل نمو العمالة الأوروبية. كذلك يجلب المهاجرون التنوع للعمالة المحلية؛ عن طريق جلب أساليب مختلفة من التربية والإنتاج وأنماط الاستهلاك.
تعمل العمالة المهاجرة على دعم الاستثمارات عن طريق الاستفادة من العمالة الإضافية، وتشجع العمالة الوافدة العمالة المحلية على الانتقال إلى مهن ترفع من مهاراتهم اللغوية، إضافة إلى غيرها من المزايا. رغم الملاحظات الشائعة التي تتناقض مع ما سبق، غالبا ما يكون المهاجرون ذوي تعليم عالٍ ولا يشكلون عبئا على الميزانية العامة. وأفاد ستيفانو سكرابيتا، مدير إدارة التوظيف والعمل والشؤون الاجتماعية بمؤسسة «أو إي سي دي»، تفوق مساهمة المهاجرين في الضرائب استفادتهم من المنافع العامة التي توفرها الدولة.
وحسب جوليان دي جيوفاني، الأستاذة بجامعة بومبيو فيبرا ببرشلونة، وأندري لوفشنكو، الأستاذ بجامعة ميتشيغان، وفرانسيسكو أورتيغا، الأستاذ بجامعة سيتي بنيويورك: «في نظام التحويلات البنكية، يتم نقل بعض المكاسب من عمل المهاجرين إلى غيرهم ممن بقوا في البلدان الأم». ويقول تيرنر في دفاعه إن الاستجابة المحسوسة للهجرات الكبيرة يجب أن تشمل مساعدة الدول غير المستقرة والفقيرة سواء في أفريقيا أو غيرها من القارات التغلب على الضغط السكاني الذي يعيق تنميتها، حسب دفاع تيرنر.
فالاستثمار في رأس المال البشري والمادي لا يستطيع ببساطة مسايرة النمو السكاني، وكذلك لن تتوفر الوظائف الكافية. وفي ذات السياق، فإن تحقيق التحول الديموغرافي للدول ذات معدلات الوفيات والخصوبة المنخفضة لن يتطلب الاستثمار في تعليم النساء وحثهم على استعمال موانع الحمل فقط، بل يتطلب أيضا تحرير النساء وتشجيعهم على تحديد خياراتهن الإنجابية من تلقاء أنفسهن. إضافة إلى ذلك، فإن التحديات التي تواجه أوروبا حقيقية، إذ أن استقبال ملايين المهاجرين من أجناس، وديانات، وثقافات مختلفة من أماكن بعيدة من شأنه أن يفرض تحديات سياسية، واقتصادية اجتماعية، في الدول الأوروبية التي حافظت على وحدة نسيجها الاجتماعي حتى اليوم.
وأكد علماء الاجتماع على أهمية الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي والثقافي لأوروبا لخلق دعم سياسي لدول تنعم بالرفاهية ومستوى معيشي مرتفع ذات شبكات أمان اجتماعي. فقد كان من السهل على الأوروبيين المسيحيين من ذوي البشرة البيضاء أن يسددوا الضرائب لمصلحة غيرهم من الأوروبيين المسيحيين من ذوي البشرة البيضاء.
ويعتبر الوصول إلى الوظائف شرطا صعبا للنجاح، غير أن المهمة الكبرى أعظم وهي سد الفجوات الاجتماعية والاقتصادية بين المهاجرين وسلفهم من ناحية، والأوروبيين الأصليين من ناحية أخرى. وحسب سكاربتا: «المهم هنا هو اندماج المهاجرين في الدول المضيفة»، مضيفا: «لن يحدث ذلك من تلقاء نفسه». في النهاية، الخيار واضح، حيث إن تحقيق رغبة أوروبا في الرخاء يكمن في الاعتماد على التنوع الذي سيجلبه المهاجرون.

* خدمة «نيويورك تايمز»



الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.