الصراع على كاراباخ يؤجج التنافس بين القوى الإقليمية والخارجية

موسكو تعمل للحفاظ على مواقعها جنوب القوقاز ضد التمدد الغربي

محنة اللاجئين (آ ف ب)
محنة اللاجئين (آ ف ب)
TT

الصراع على كاراباخ يؤجج التنافس بين القوى الإقليمية والخارجية

محنة اللاجئين (آ ف ب)
محنة اللاجئين (آ ف ب)

أسفرت العملية العسكرية الخاطفة لأذربيجان في إقليم ناغورنو كاراباخ عن تكريس واقع جيوسياسي جديد في منطقة القوقاز. ولا شك أن التطورات المتلاحقة التي أعقبتها، فتحت على مرحلة جديدة في العلاقات الإقليمية، بما في ذلك على خلفية تعزيز قبضة باكو على الإقليم بعد حل مؤسسات «جمهورية آرتساخ» الأرمنية التي لم تحظَ باعتراف دولي، وكذلك بعد نزوح الغالبية الكبرى من أرمن الإقليم خوفاً من تصفيات وعمليات «تطهير عرقي». العملية العسكرية الأذرية باتت الأخيرة وفقاً لتقديرات كل الأطراف، فقد «أنجزت المهمة». ومهما كانت نتائج جولات المفاوضات المحتملة بين باكو ومَن تبقَّى من أرمن كاراباخ، فقد أسفر تثبيت السيطرة الأذرية على كاراباخ عن تداعيات واسعة النطاق سيكون لها، وفقاً لخبراء، تأثيرات كبرى في اللاعبين الأساسيين في جنوب القوقاز وفي مناطق محيطة بها.

لا شك في أن «الانتصار الأذري» عزّز مواقع باكو بقوة، كقوة إقليمية صاعدة ومهمة، ستكون لها مكانة أساسية في كل الترتيبات الإقليمية اللاحقة، بما في ذلك، في إطار تحوّل أذربيجان إلى عقدة ربط أساسية لطرق التجارة والعبور ونقل المواد الخام. وضمن هذا الإطار ستتركز النقاشات الأساسية في المستقبل القريب على آليات فتح الممرات، وإعادة ترتيب طرق بديلة للتجارة، غير أن التداعيات لا تقف عند المنافسة المحتدمة عالمياً على وضع بدائل لطريق «الحزام» الصينية و«ممر شمال - جنوب» الذي تدعمه موسكو بقوة؛ لأنه يخفف من ضغط العقوبات والحصار الغربي عليها.

واقع الأمر أن المعادلة الجيوسياسية الجديدة تحمل توسيعاً للنفوذ التركي في المنطقة، وحضوراً أقوى لإسرائيل مع الحليف الأذري، فضلاً عن تعزيز حضور وتحركات واشنطن في مقابل جدال كبير بين وجهتَي نظر حول التداعيات المحتملة على نفوذ كل من روسيا وإيران في منطقة جنوب القوقاز.

مقدمات الحسم

حرب كاراباخ «الثالثة»، وفقاً لتعبير مراقبين روس، ستكون حقاً الأخيرة في الصراع الأرمني - الأذري الذي استمر أكثر من 30 سنة. لكن خلافاً لتقديرات جهات عدة، بينها أطراف غربية، كانت العملية العسكرية الأذرية الموجهة لحسم الملف نهائياً متوقَّعة منذ وقت ليس بقصير. ولقد جرى تمهيد الوضع تدريجياً لعمل حاسم يفرض قواعد اللعبة الجديدة في المنطقة.

كان قد وُضع أساس للتسوية النهائية خلال اجتماعات الرئيس الأذري إلهام علييف، ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، في براغ وبروكسل، فضلاً عن المفاوضات الثلاثية بمشاركة روسيا، بما في ذلك تلك التي عُقدت في موسكو في مايو (أيار) 2023، ولقد اعترف في ختام الاجتماعات رئيس الوزراء الأرميني بوحدة أراضي أذربيجان بمساحة 86.6 ألف متر كيلومتر مربع، وهو ما يعني أيضاً إقليم ناغورنو كاراباخ، أي تم حل القضية الاستراتيجية التي ظلت عقبة أمام التقدم في تسوية النزاع. وعملياً، عقد باشينيان «صفقة» مع الأذريين، مغامراً بوقوع اضطرابات داخلية واحتجاجات، وربما ثورة مضادة.

بالنسبة لباشينيان، كان الدافع الرئيسي للاتفاقية المستقبلية حماية السلامة الإقليمية لأرمينيا نفسها. ذلك أن موجة الاشتباكات الكبيرة التي وقعت عام 2022 على حدود الدولتين، كشفت عن ميل ميزان القوى بشكل جليّ نحو أذربيجان وإلى تغير المزاج الروسي بشكل واضح أيضاً حيال قواعد الصراع في المنطقة.

خلال تلك الاشتباكات نجحت أذربيجان في السيطرة على جزء من الأراضي الأرمينية. ولم تحظَ شكاوى يريفان ومطالباتها المتواصلة الجانب الروسي و«منظمة الأمن الجماعي» بالتدخل، باهتمام روسي، أو من جانب المنظمة الإقليمية التي ينص ميثاقها الداخلي على مساعدة أي طرف فيها إذا تعرض لاعتداء خارجي.

أكثر من ذلك، مهَّدت هذه الأجواء، للانتقال إلى مرحلة جديدة عبر فرض أمر واقع على الأرض، يشطب أي مجالات لحوارات مستقبلية حول مصير كاراباخ. وبالنسبة إلى أذربيجان لم تعد هذه النقطة المفصلية مطروحة على جدول أعمال أي مفاوضات. والبديل الوحيد المقترح هو التسليم الكامل بسيطرة باكو وبحث الملفات التكميلية لبلورة ملامح المرحلة المقبلة فقط.

من جهة ثانية، في دفع متواصل نحو اللحظة الحاسمة برزت مع نهاية عام 2022، متغيرات جديدة تمثلت في ظهور أزمة ممر «لاتشين». وكان اتفاق وقف النار الموقَّع عام 2020 قد نص على ضرورة فتح المعابر والممرات التجارية، بما فيها معبر «لاتشين» الواصل بين أرمينيا وكاراباخ. لكن في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2022 سارت باكو خطوة أخرى نحو فرض أمر واقع جديد. إذ أغلق نشطاء البيئة الأذريون طريق «لاتشين - شوشا»، مطالبين بوضع حد للاستغلال غير القانوني لمنجمي «جيزيلبولاغ» و«داميرلي». وفعلياً، فرضت باكو سيطرتها على ممر «لاتشين» على الجانب الشرقي. وبعد ستة أشهر، في أبريل (نيسان) 2023، أنشأت أذربيجان نقطة تفتيش على الجانب الآخر من الطريق بالقرب من الحدود الأرمنية. يمكن القول إنه منذ تلك اللحظة، كان مصير كاراباخ التي باتت محرومة من كل الإمدادات، محدداً مسبقاً.

الأمل الأخير ليريفان وستيباناكيرت (عاصمة كاراباخ) بقي في موسكو ونحو 2000 من قوات حفظ السلام الروسية المتمركزة في كاراباخ. وبحلول ذلك الوقت، كان موقف روسيا بشأن هذا الموضوع مبنياً على تصريحات للرئيس فلاديمير بوتين مفادها أن «الوضع النهائي لكاراباخ لم يُحل» لكن في الوقت ذاته، وجّهت موسكو عدة إشارات إلى أن جوهر الصراع سُوّي باعتراف أرمينيا بسيادة أذربيجان على كاراباخ. وكل التفاصيل اللاحقة ستكون من وجهة النظر الروسية الرسمية شأناً «داخلياً» لأذربيجان.

لاحقاً، اتضح أن حسابات يريفان حول احتمال التدخل الروسي لإبطاء عملية تعزيز القبضة الأذرية على كاراباخ كانت خاطئة. فقد وضع بوتين رؤيته بوضوح خلال خطاب ألقاه في المنتدى الاقتصادي الشرقي في سبتمبر (أيلول) مذكّراً بأن رئيس الوزراء الأرميني اعترف بكاراباخ جزءاً من أذربيجان. وبذا بدا واضحاً أن الموقف الروسي ينطلق من فكرة «تأجيل بحث ملامح التسوية النهائية للصراع، والإبقاء على الوضع الراهن كما هو». هذا الأمر يُرضي موسكو وطهران لكنه لأسباب مختلفة لا يُرضي أذربيجان، ولا أرمينيا، وكان البديل ليريفان هو محاولة تنشيط الدور الغربي في الوساطة مع باكو.

نيكول باشينيان (رويترز)

معاقبة باشينيان

لم تعد المشكلة بالنسبة للكرملين تكمن في القضايا القانونية فقط (اعتراف أرمينيا بسلامة أراضي أذربيجان)، وشكل التسوية المحتملة اللاحقة؛ فخلال الأسابيع الأخيرة، اتخذت يريفان خطوات جريئة للغاية نحو التقارب مع الغرب. وفي بداية سبتمبر (أيلول) بدأت يريفان مسار التصديق على «نظام روما الأساسي» الذي أسس «محكمة الجنايات الدولية»، وهذه خطوة رأت فيها موسكو «تطوراً عدائياً للغاية» على خلفية إصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي. وفي الفترة نفسها، أجرى باشينيان مقابلة مع وسائل إعلام إيطالية، تحدث فيها باستياء واضح عن «دور روسيا عن منطقة القوقاز». ثم شاركت آنا هاكوبيان، زوجة باشينيان، في اجتماع لضيوف أجانب في كييف وتبرّعت خلاله بمساعدات إنسانية لأوكرانيا. وكان وتر التوتر الأخير هو التدريبات العسكرية الأميركية - الأرمنية في أرمينيا، التي أُجريت بين 11 و20 سبتمبر. ونتيجة لذلك، أرسلت وزارة الخارجية الروسية، لأول مرة في تاريخ العلاقات الثنائية، مذكرة احتجاج للسفير الأرمني. وبدا أن «صبر موسكو قد نفد» تجاه تصرفات باشينيان.

جاءت تلك التطورات على خلفية انعدام الود أصلاً بين الكرملين والقيادة الأرمينية. ويقول خبراء روسيا إن بوتين لم يكن من الممكن أن يتسامح مع فكرة أن باشينيان وصل أصلاً إلى السلطة عبر «ثورة ملوّنة» ترفع شعارات التقارب مع الغرب.

وقد حملت تصريحات باشينيان لاحقاً، عن أن الهياكل والمنظمات الأمنية التي تنتمي إليها بلاده حالياً «غير فعّالة»، وقناعته بضرورة الانتقال إلى آليات تحالف جديدة، إشارة مباشرةً وواضحةً إلى تبدل مواقف يريفان حيال روسيا بعد تعرض العلاقات لنكسة قوية بسبب «خذلان» موسكو حليفها في حربي كاراباخ 2020 و2023.

ويُنتظر أن ينعكس ذلك بشكل مباشر على عضوية أرمينيا في «منظمة الأمن الجماعي» التي بدت عاجزة عن حماية أحد أعضائها، خلافاً لبند رئيسي في ميثاقها الداخلي. وبالتالي فقدت أهميتها ليس فقط بالنسبة إلى أرمينيا، بل أيضاً بالنسبة إلى عدد من بلدان آسيا الوسطى التي يواجه بعضها أوضاعاً هشة وتحديات عدة. وللعلم، منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، كانت أرمينيا شريكاً أمنياً مهماً لروسيا، وتستضيف واحدة من القواعد العسكرية الروسية القليلة على أراضٍ أجنبية، ولكن في السنوات الأخيرة قاد باشينيان تحولاً كبيراً في سياسة بلاده الخارجية نحو الاقتراب أكثر من الغرب. ويرى خبراء أن وقوف موسكو على الحياد في الحرب الأخيرة شكّل نوعاً من العقاب لرئيس الوزراء الأرميني. أيضاً، يقول خبراء إن موسكو أرادت من خلال موقفها مع معاقبة باشينيان، فتح أبوابها أمام أذربيجان لتخفيف حدة اندفاعها أكثر من اللازم نحو تركيا، لكن هذه الفرضية ضحلة للغاية؛ لأن نتائج حرب كاراباخ كرّست تحالفاً وثيقاً وقوياً للغاية بين أنقرة وباكو.

التحركات الغربية

العنصر الثاني المهم في تهيئة الأجواء لعملية الحسم الأذري تَمثّل في تنشيط التحركات الغربية في منطقة جنوب القوقاز. فمع صعود باشينيان إلى السلطة خصوصاً بعد حرب كاراباخ الثانية، كثّفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اتصالاتهما مع يريفان.

وفي عام 2022، زار وفد من رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، العاصمة الأرمينية، وأدانت باكو بسبب أكبر تصعيد على الحدود الأرمنية - الأذرية، الذي اتُّهمت هي نفسها بالتحيز فيه. أيضاً زار سياسيون فرنسيون أرمينيا، وأعرب الرئيس إيمانويل ماكرون مراراً عن الحاجة إلى حماية أرمن كاراباخ، واتهم روسيا بزعزعة استقرار الوضع في المنطقة. كذلك حاول الاتحاد الأوروبي أيضاً أن يلعب دوراً نشطاً في حل الصراع. وأرسلت بعثة إنسانية أوروبية إلى حدود الجمهوريتين من أرمينيا. لكن في الوقت نفسه، وفي ضوء انتقال الاتحاد الأوروبي إلى موردين بديلين عن روسيا للنفط والغاز، بدا أن الضغط على باكو لا يمكن أن يكون إلا «محدوداً». إضافةً إلى ذلك، دعم أذربيجان الرئيسُ التركي رجب طيب إردوغان، الذي زادت أهميته بالنسبة لحلف شمال الأطلسي بسبب الأحداث الأوكرانية (الوساطة وصفقة الحبوب). فالغرب لم يكن يريد ولا يستطيع أن يقف ضد أنقرة وباكو في الوقت نفسه فتندفعان إلى أحضان روسيا.

أما المتغير الثالث بعد روسيا والغرب، والذي كان يمكن أن يمنع أذربيجان من التصعيد فهو إيران. وقد أوضحت طهران أنها لن تتسامح مع التغيرات الجيوسياسية في المنطقة. وأشار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، خلال لقاء مع نظيره الأرميني أرمين غريغوريان، في طهران خلال أبريل (نيسان) إلى أن «أي تغيير جغرافي في منطقة جنوب القوقاز يخلق توتراً يستغله أعداء أمن واستقرار المنطقة». وبعد حرب 2020 بدأت إيران إجراء كبرى مناوراتها العسكرية في مناطقها الشمالية. وبحلول يناير (كانون الثاني) 2023، عندما تم إطلاق النار على السفارة الأذرية في إيران، وبدا أن أزمة كاملة قد اشتعلت في العلاقات بين باكو وإيران.

في ظل هذا الوضع الجيوسياسي، تبين أن مهمة فرض السيطرة النهائية على كاراباخ لصالح باكو ممكنة تماماً. وكان اختيار ساعة الصفر في 19 سبتمبر عندما تقدمت القوات المسلحة الأذرية، وأطلقت عملية مركزة للسيطرة على المنشآت الأساسية في كاراباخ. وبعد يوم واحد، لم يكن أمام قيادة جمهورية كاراباخ سوى الرضوخ لشروط باكو، والبدء بتسليم السلاح وصولاً في وقت لاحق إلى إعلان «حل الجمهورية» وإنهاء حلم أرمن كاراباخ في الاستقلال.

الحضور الغربي

على الصعيدين الإقليمي والعالمي، يمكن القول إن عملية أذربيجان لم تخلق واقعاً جيوسياسياً جديداً بل وضعت اللبنة الأخيرة في واقع تبلور تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، وجاءت حرب روسيا في أوكرانيا لتسرّع هذا المسار. وحقاً، يستحيل تجاهل أن التأثير الأوروبي والأميركي في الأحداث الجارية ما زالا محدودين للغاية رغم تزايد نشاطهما أخيراً.

والواقع الذي نشأ بعد حرب كاراباخ الثانية يشير إلى أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية (باستثناء دول معينة مثل المجر) أكثر تعاطفاً مع أرمينيا، خصوصاً مع الأخذ في الاعتبار عامل باشينيان بوصفه «نظاماً ديمقراطياً». وفي الوقت عينه، فإن الغرب عاجز عن تقديم دعم قوي ليريفان، بسبب عدد من العوامل أبرزها أهمية تركيا، والدور المتنامي لموارد الطاقة في بحر قزوين، والنزعة السلمية الأوروبية، وتشتت القوات الأميركية بسبب المواجهة مع روسيا والصين وإيران.

لقد أثبت الغرب أنه عاجز عن التأثير على مسار الصراع، لما كانت العقوبات هي الأداة الأخيرة بين يديه، ورغم تهديد البرلمان الأوروبي باكو قبلاً باتخاذ إجراءات عقابية، فإن عامل الطاقة منع الاتحاد الأوروبي من اتخاذ خطوات صريحة مناهضة لأذربيجان.

إيران وتركيا

بالتأكيد أن انتصار باكو عكس انتصاراً إقليمياً مهماً لتركيا التي عززت نفوذها بشكل غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز. في المقابل، تعرضت إيران لنكسة قوية.

كان نشاط إيران قد ازداد خلال العام الأخير على خلفية تعرضها لخسارة فادحة بسبب نجاح باكو خلال حرب 2020 في فرض سيطرة على الجزء الأعظم من الشريط الحدودي الذي كان يُستخدم بنشاط في الحركة التجارية بين أرمينيا وإيران. أيضاً قاد استبعاد إيران عن جهود روسيا لتسوية الصراع إلى ازدياد الاستياء في طهران بسبب تجاهل مصالحها. ونظر كثيرون في موسكو إلى بعض الاستفزازات الحدودية خلال السنوات الثلاث الماضية، بأنها مدعومة من جانب إيران بسبب رفض فرض تسوية نهائية لا تكون مصالح طهران مضمونة فيها.

العنصر الثاني المهم لإيران يتعلق بملفات التوتر بالوضع الداخلي في إيران على خلفية المزاج الاحتجاجي العام في البلاد. ولا يخفى أن ثمة أقلية قومية أذرية وازنة في إيران، يصل حجمها وفقاً لتقديرات مختلفة بين 25 و35 مليون أذربيجاني، وهي أكبر أقلية قومية في البلاد. ولطالما شكّلت أوضاع هذه الأقلية محور نقاشات وسجالات دائمة، وكانت تبرز إلى السطح عند كل منعطف أو توتر بين البلدين، لجهة اتهامات بانتهاك حقوق أبناء هذه الأقلية ووضعهم الاجتماعي والسياسي... فضلاً على مخاوف طهران من أن يُستخدم كثيرون منهم لتأجيج مزاج احتجاجي في البلاد. وهذا أمر له ما يبرره على خلفية تصريحات المسؤولين الأذربيجانيين الدائمة حول هذا الموضوع. ويكفي أنه في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، قال الرئيس الأذري إلهام علييف إن «الأذريين الإيرانيين هم جزء من أمتنا». وخروج أذربيجان منتصرة بشكل حاسم من معركة كاراباخ سوف يُعزز هذه المخاوف لدى إيران.

مهّدت الأجواء للانتقال إلى مرحلة جديدة عبر فرض أمر واقع يشطب أي حوارات مستقبلية حول مصير كاراباخ

من ميدان القتال في كارباخ (آ ف ب)

قراءات الربح والخسارة في الحصيلة الروسية؟

> للعلم، برز جدال صاخب بين وجهتَي نظر حول تداعيات الحسم الأذري في كاراباخ على الوجود الروسي في منطقة جنوب القوقاز. فمن ناحية، بيّنت خسائر روسيا المباشرة، وفقاً لترجيحات، انتهاء أو على الأقل تقلص أهمية الدور الروسي في منطقة جنوب القوقاز. ويشير خبراء إلى أن أذربيجان ستذهب لاحقاً نحو طلب مغادرة قوات الفصل الروسية المنطقة بسبب انتفاء الحاجة إليها.

وبما أن كل الأطراف تعترف بأن أذربيجان تتصرف «على أراضيها»، فهذا يعني رفض بقاء القوات الروسية لحفظ السلام هناك. لكنّ المفارقة أن مسارعة يريفان إلى تسهيل استقبال أرمن كاراباخ، يخلق وضعاً مناسباً لباكو لإنهاء أي حضور خارجي بذريعة المحافظة على السلام أو ضمان حقوق الأقلية الأرمنية. وهذا بالتأكيد لا يصبّ في مصلحة موسكو التي لن تفقد فقط حضوراً مؤثراً في منطقة حيوية بالنسبة إليها، بل ستتعرض أيضاً لخسارة جديدة لمواقعها ونفوذها في الفضاء السوفياتي السابق كله، بعد تحوّل أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا إلى خصوم، ومراوحة بلدان آسيا الوسطى على خط «الحياد السلبي» في بعض جوانبه إبان مواجهة روسيا الحالية مع الغرب.

وعليه، طبيعيٌّ أن يتزامن تراجع مواقع موسكو في الإقليم مع تنشيط التحركات الأميركية فيه، والواضح أن نشاط واشنطن الكبير يهدف إلى تسريع تحويل جنوب القوقاز إلى «منطقة واحدة تتجه نحو الغرب». وبين الأهداف الجانبية لواشنطن أيضاً احتواء إيران على حدودها الشمالية، وخلق الظروف الأكثر إزعاجاً لمشاريع النقل واللوجيستيات المشتركة التي تروّج لها موسكو وطهران في المنطقة.

رهانات مقابلة

في المقابل، ترى الأوساط المقربة من الكرملين، أن روسيا ستظل القوة الحاسمة في كاراباخ وجنوب القوقاز ككل. ونظرياً، يمكن أن تؤدي الاتهامات بالتخلي عن أرمينيا وأرمن كاراباخ إلى إضعاف موقف موسكو في منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» على المدى الطويل. ويمكن أن تثير يريفان أيضاً مسألة سحب القاعدة العسكرية الروسية رقم 102 من غيومري. لكن في الوقت نفسه، تروّج روسيا لفكرة أنها لم تقف على الحياد، وأن «أرمينيا نفسها وباشينيان شخصياً رفضا التدخل في الأحداث الأخيرة في كاراباخ».

الرهان الروسي يبدو قائماً على أن الاتهامات ضد روسيا لن تغيِّر أي شيء بشكل جذري. وبعد خسارة كاراباخ النهائية، ستبقى أرمينيا بحاجة إلى قاعدة عسكرية روسية كي تشعر بالأمان بجوار البلدين «التركيين» اللذين ترى فيهما تهديداً. ويقول خبراء مقربون من الكرملين إن قوات حفظ السلام الروسية لن تغادر كاراباخ نفسها، على الأقل خلال السنوات المقبلة، وستحافظ أرمينيا على اعتماد مالي واقتصادي كبير على روسيا. إذ ترتبط جميع قطاعات الطاقة والسكك الحديدية وغيرها من مكونات الاقتصاد الأرمني بأنشطة الشركات الروسية، والتي لن يكون من السهل استبدال الشركات الغربية بها بين عشية وضحاها.

ونظراً لاحتفاظ روسيا بالقاعدة العسكرية في غيومري وقوات حفظ السلام في كاراباخ، فضلاً عن وجود معاقل لها في أبخازيا وأوسيتيا، فإن روسيا في المحصلة سوف تظل من وجهة نظرهم القوة المهيمنة في المنطقة.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.