إزالة الحواجز العسكرية لا تخفض الأسعار في دمشق

«تسونامي» الارتفاع مقابل توفر المنتجات يعمق معاناة المواطنين

شاحنة محملة بالفلفل الأحمر الحار في سوق الجملة بالزبلطاني (الشرق الأوسط)
شاحنة محملة بالفلفل الأحمر الحار في سوق الجملة بالزبلطاني (الشرق الأوسط)
TT

إزالة الحواجز العسكرية لا تخفض الأسعار في دمشق

شاحنة محملة بالفلفل الأحمر الحار في سوق الجملة بالزبلطاني (الشرق الأوسط)
شاحنة محملة بالفلفل الأحمر الحار في سوق الجملة بالزبلطاني (الشرق الأوسط)

بخلاف توقعات مصادر مطلعة في سوريا أن يؤدي قرار إزالة الحواجز العسكرية من الطرقات الرئيسية إلى انخفاض في عموم الأسعار بنسب كبيرة، إلا أن الأسعار استمر ارتفاعها في دمشق بشكل كبير، ما تسبب في تعميق المعاناة المعيشية لأغلبية المواطنين.

سائقو شاحنات يعملون في نقل الخضار والفاكهة اعتبروا أن السبب الأبرز في تواصل هذا الارتفاع هو الرفع الحكومي المستمر لأسعار المحروقات، بالإضافة إلى «الإتاوات» وعمليات ما تسمى «الترفيق» التي تفرضها حواجز الجيش والأمن على السائقين.

وفاجأت الحكومة السورية في 30 أغسطس (آب) المواطنين بتسريب قرار يتضمن «إزالة كل الحواجز على الطرق الرئيسية في مختلف أرجاء سوريا». ونقل موقع «صوت العاصمة» المعارض في اليوم التالي عن «مصادر خاصة» أنّ القرار يتضمن «إزالة جميع الحواجز العسكرية وغير الأمنية من الطرق الرئيسية بين المحافظات والمدن السورية».

اللافت في القرار، أنّه يُلزم «الفرقة الرابعة بإزالة جميع حواجزها القديمة الواقعة على الطرق الرئيسية»، وفق المصادر.

وتنشر الفرقة الرابعة التابعة للجيش الرسمي ويقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، حواجز على كافة الطرقات الواصلة بين المحافظات في المناطق الخاضعة للحكومة السورية، وتحوّلت خلال سنوات الحرب إلى سلطة تتحكم بالحركة التجارية وتؤمن مواردها الخاصة عبر فرض مبالغ كبيرة على سائقي شاحنات نقل البضائع والخضار والفاكهة، لقاء ما تسميه عملية «الترفيق» التي يقوم بها عناصرها لتلك الشاحنات بحجة حمايتها، عدا عن الإتاوات التي تفرضها على السيارات التي تمر على حواجزها.

عتال ينقل صناديق من سوق الجملة إلى سوق نصف الجملة (الشرق الأوسط)

ومع تفاؤل عم الشارع الدمشقي بإمكانية خفض الأسعار بعد إزالة الحواجز، اعتبر الخبير الاقتصادي عامر شهدا، أن القرار بمثابة سد للذرائع التي يسوقها التجار لتبرير رفع الأسعار. وقال في منشور له عبر صفحته على «فيسبوك»، إن القرار سيخفض الأسعار بنسبة 50 في المائة.

شاحنتان في سوق الجملة تعرضان البصل (الشرق الأوسط)

وتم فعليا البدء بتنفيذ القرار، وأكد شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» أنه أزيل قبل أيام حاجز الفرقة الرابعة من طريق بلدة جديدة عرطوز بريف العاصمة الجنوبي الغربي، المؤدي إلى مدينة دمشق. كما أزال النظام حاجز الأمن السياسي عند مدخل «مساكن برزة» شمال العاصمة، والحاجز المقابل لـ«مصرف سوريا المركزي» في الطريق القادم من شارع بغداد.

وعاينت «الشرق الأوسط» بالفعل إزالة حواجز الفرقة الرابعة من أرياف طرطوس (غرب) وريف حمص الغربي والمناطق الحدودية مع لبنان ومنطقة تلكلخ، بينما تمت إزالة عدد كبير من الحواجز من مناطق حيوية في وسط ومحيط دمشق، مع الإبقاء على حواجز مداخل العاصمة.

وبعكس توقعات خبراء اقتصاديين تواصل ارتفاع الأسعار رغم البدء بإزالة الحواجز، وجاء هذه المرة في ظل سياسة الحكومة الاقتصادية العاجزة عن كبح ارتفاع الأسعار واتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق، على شكل أشبه بـ«تسونامي» عنيف، أدى إلى تفاقم الانهيار في الوضع المعيشي لفئات واسعة من السوريين الذين يعيش نحو 90 في المائة منهم تحت خط الفقر.

جولة ميدانية

للوقوف على أسباب استمرار ارتفاع الأسعار، قامت «الشرق الأوسط» بجولة في «سوق الجملة» المخصص لبيع الخضار والفاكهة والمواد الغذائية في منطقة الزبلطاني شمال شرقي دمشق، ورصدت توفر كميات كبيرة من الخضار والفاكهة وكذلك من المواد الغذائية، وحالة ازدحام تشهدها السوق بباعة المفرق لشراء حاجياتهم.

شاحنة محملة بالبندورة وعمليات البيع جارية منها في دمشق (الشرق الأوسط)

وقد بدا الإقبال كثيفا في السوق التي تقسم إلى ثلاثة أقسام، أحدها مخصص لمحال بيع الخضار والفواكه بـ«الجملة»، وآخر لبيع كميات قليلة (صندوق أو صندوقين وحتى 10 من الخضار والفواكه) ويسمى سوق «نصف الجملة»، وثالث لبيع المواد الغذائية الرئيسية، علاوة على شراء الخضار والفاكهة من قبل باعة المفرق.

يقر صاحب محل ضخم مخصص لبيع الخضار والفاكهة بـ«الجملة»، بأن الأسعار «مرتفعة جدا وهي غير منطقية»، لكنه نفى أن يكون السبب في ذلك هو عملية التصدير. ويقول: «تدخل كميات كبيرة بشكل يومي إلى السوق وتباع لمحال (نصف الجملة)، ولباعة المفرق، ولأصحاب مشاغل التصدير، وهي تكفي للجميع وتفوق حاجتهم».

شاحنة محملة بالبطاطا في سوق الجملة (الشرق الأوسط)

ويوضح التاجر أن «الفلاحين يتمسكون بالسعر الذي يطلبونه بسبب ارتفاع تكاليف الزراعة بشكل كبير، وهم على حق».

وارتفعت أسعار معظم الخضار والفاكهة في أسواق المفرق منذ منتصف أغسطس الماضي، بنسبة تجاوزت 150 في المائة وبعضها 200 في المائة، إذ يصل حاليا سعر الكيلوغرام الواحد من البطاطا ذات الصنف الممتاز (سبونتا) عند باعة المفرق إلى 6 آلاف ليرة بعدما كان بنحو ألفين، ومثلها البندورة، بينما حلق العنب إلى 12 ألفا صعودا من 5 آلاف.

في أسواق المفرق بجنوب وغرب دمشق، بدت حالة الانفلات السعري والفوضى وغياب رقابة الحكومة واضحة، إذ تكشفت أسعار البضائع في «سوق الجملة» لدى باعة المفرق عن فروقات كبيرة بين الجانبين، إذ يبلغ السقف الأعلى لسعر الكيلوغرام الواحد من البطاطا الممتازة، في الأولى 3600 ليرة، والبندورة 2500، والعنب 8 آلاف.

ارتفاع الوقود

بالنسبة لسائق شاحنة محملة بالباذنجان قادم من محافظة درعا جنوبي سوريا، فإن السبب الرئيسي وراء استمرار ارتفاع الأسعار هو القرارات الحكومية المتواصلة برفع أسعار المحروقات، ويلفت في حديثه لنا أنه أصبح يتقاضى أجرة نقل «الحمل» إلى دمشق مليونا و200 ألف ليرة سورية وهو مبلغ «ضخم»، ويقول: «رفع سعر المازوت والبنزين أهلك الناس لأنه يؤدي إلى رفع أجور النقل، والمواصلات، والري. وأسعار، الخضار، والفاكهة، والحليب، واللبن، والبيض، وبالتالي رفع الأسعار».

شاحنة محملة بالفلفل الأحمر الحار في سوق الجملة بالزبلطاني (الشرق الأوسط)

سائق شاحنة آخر محملة بالفلفل الأحمر الحار قادم من بلدة دير حافر بريف حلب شمال سوريا يوضح لنا أن «الترفيق يرفع الأسعار، لكن غلاء المازوت والبنزين يرفعها بنسب أكبر بكثير» ويضيف «قبل شهرين كان إيجار الحمل مليون ليرة. اليوم 3 ملايين والبعض يطلب 4 والسبب في ذلك هو غلاء المحروقات»، ويوضح أن «الترفيق وإتاوات الحواجز ما بتكلف 200 – 300 ألف. المشكلة بارتفاع أجور النقل».

في القسم المخصص من السوق لبيع المواد الغذائية الرئيسية، بدا المشهد على عكس ما هو عليه في القسم المخصص لبيع الخضار والفاكهة بـ«الجملة»، إذ كانت السوق والمحال خالية إلا من أصحابها والعمال.

«ركود غير طبيعي»، عبارة أجاب بها صاحب محل لبيع البيض على سؤالنا حول مدى إقبال باعة المفرق على الشراء، ويضيف: «الغلاء هو السبب. قبل شهرين كنا نبيع صحن البيض بـ18 ألفا أما اليوم بـ52 ألفا، وكلما ارتفعت الأسعار يتراجع البيع إلى أن وصلنا إلى هذا الحال، لأن معظم الناس مادياتها لا تسمح لها بشراء البيضة بـ2000 ليرة (من البقالية)».

بدوره يصف لنا صاحب محل لبيع السكر والأرز والسمنة والزيوت، الوضع بـ«المبكي» بسبب الركود الحاصل، ويؤكد أن مربحه في كيس السكر (وزن 50 كيلوغراما) لا يتعدى 3 آلاف ليرة، ويقول: «الفواتير موجودة. نشتريه من الشركة بـ642 ألفا ونبيعه لباعة المفرق بـ645 ألفا، أي الكيلو يعود على باعة المفرق بـ12900 ليرة»، ويضيف: «هناك فلتان حاصل في الأسواق. باعة المفرق منهم من يبيع الكيلو بـ14 ألفا وبعضهم 15 وآخرون 16، وقد يصل إلى 17 و18 عند البعض».

بيع البيض في سوق الجملة ويبدو خاليا إلا من العامل (الشرق الأوسط)

ويشير صاحب المحل إلى ارتفاع شبه يومي يحصل في الأسعار والسبب هو التدهور المستمر في سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي (سجل يوم الثلاثاء 13400 في السوق الموازية) والذي يواكبه دائما رفع لأسعار المواد من قبل كبار التجار الذي يحتكرون استيراد هذه المواد وبالتالي يتحكمون بالأسعار.

زيادة رواتب ورفع أسعار

وفي منتصف أغسطس الماضي، صدر مرسوم رئاسي بزيادة الرواتب للعاملين في الدولة بنسبة 100في المائة، لكن الحكومة أتبعته بقرار رفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة تصل إلى 300 في المائة، بشكل التهم الزيادة وكامل الراتب، في زيادة متسارعة بنسبة التضخم قدرتها مصادر اقتصادية بـ3000 في المائة في يوليو (تموز) الماضي.

وبات متوسط إنفاق عائلة بالحد الأدنى شهرياً يصل إلى 500 دولار أمريكي، (نحو 7 ملايين ليرة سورية)، في حين أن راتب موظف الدرجة الأولى لدى الحكومة لا يتجاوز 15دولار.

وتلا ذلك رفع جديد لأسعار المحروقات أواخر الشهر نفسه، إذ أصبح سعر ليتر البنزين «أوكتان 95» 14700 ليرة سورية بدلاً من 13500، وليتر المازوت «الحر» 12800 بدلاً من 11550، لتعود الحكومة وتخفض الأسعار بداية سبتمبر (أيلول) الحالي، ليصبح المازوت «الحر» بـ12360 ليرة، والبنزين (أوكتان 95) 14460، لكنها تراجعت عن الخفض الأخير في الـ18 من ذات الشهر ورفعت المازوت «الحر» إلى 13 ألفا والبنزين (أوكتان 95) إلى 14660.



وفد «حماس» في القاهرة... محادثات بشأن «نزع السلاح» ودفع المرحلة الثانية

طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

وفد «حماس» في القاهرة... محادثات بشأن «نزع السلاح» ودفع المرحلة الثانية

طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تتسارع المحادثات الثنائية بشأن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة؛ فمن اجتماع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى زيارة وفد من حركة «حماس» للقاهرة، والتي تتناول دفع المرحلة الثانية ومساعي نحو تفاهمات بشأن نزع سلاح الحركة...

ذلك الملف الحرج الذي تتمسك به إسرائيل، وتتحفظ «حماس» عليه، وتطالب بمقاربة جديدة، ستحاول القاهرة أن تجد له مخرجاً يحقق مصلحة المنطقة والقضية الفلسطينية، خاصة في ظل مقترح أميركي مطروح، قائم على التدرج في هذا الملف، قبيل أيام من أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، وفق ما يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

أولويات «حماس»

وقال مصدر فلسطيني مطلع، مقرب من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، إن وفداً من الحركة موجود في القاهرة بقيادة خليل الحية، يبحث تنفيذ بنود الاتفاق ومواجهة الخروقات المستمرة من جانب إسرائيل، مؤكداً أنه سيناقش ملفات بينها نزع السلاح أيضاً، لكن الأولوية التي تسعى لها الحركة حالياً هي دعم تعافي الشعب الفلسطيني وزيادة المساعدات، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الكريم، غير مستبعد حدوث لقاء بين «حماس» و«فتح» بالقاهرة حال توفرت الإرادة لدى حركة التحرير الفلسطينية في ظل عدم وجود شروط مسبقة من الحركة.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يحمون قوافل المساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، الخميس، عن مسؤول رفيع في «مجلس السلام» الذي سيعقد أول اجتماعاته في 19 فبراير الحالي، أن «(حماس) وافقت على نزع سلاحها، والذي سيبدأ الشهر المقبل»، مستدركاً: «لكن آخر ما سيتم تفكيكه سيكون الأسلحة الخفيفة؛ لأن (حماس) تخشى الفصائل في غزة».

وجاءت هذه التسريبات الإسرائيلية غداة حديث صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية عن أن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس»، يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدم هذا المقترح خلال أسابيع.

وجاء المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً، قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب، إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب، في حين أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام لـ«مجلس السلام» في غزة قبل لقاء ترمب.

والإعلان عن وصول وفد «حماس» للقاهرة يأتي بعد لقاء وفد من حركة «فتح» مع وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في القاهرة، الثلاثاء.

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، إبراهيم المدهون، إن «وجود وفد من حركة (حماس) وعدد من الفصائل الفلسطينية في القاهرة لا يمكن فصله عن الجهود الجارية لترتيب (اليوم التالي) في قطاع غزة، والعمل على تفعيل (خطة السلام) التي أُقرت وحظيت بموافقة فلسطينية»، متوقعاً «إمكانية أن تكون هناك مشاورات فلسطينية - فلسطينية، بخلاف التنسيق مع القيادة المصرية للوصول لحلول، وبحث إمكانية فتح مسار حوار مع قيادة حركة (فتح) والسلطة الفلسطينية».

وفيما يتعلق بملف السلاح، فحركة «حماس»، بحسب تقديرات المدهون، ستكون «حذرة من الانزلاق إلى نقاش مبكر حول هذا العنوان، وترى أن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون لوقف العدوان، وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي إلى ما يُعرف بـ(الخط الأحمر)، مع وجود قوات دولية أو إقليمية تساهم في تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تجدد المواجهة، مع حماية الشعب الفلسطيني وإغاثته، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار».

أطفال يتسلقون عبر الأنقاض من ثقب جدار بمخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، حسام الدجني، أن موقف «حماس» يتمسك بمقاربة ترك السلاح مقابل إنهاء الاحتلال، ولكن فكرة واشنطن المطروحة بخصوص السلاح الثقيل والتدرج ربما تكون قابلة للنقاش والدراسة من الحركة لاحقاً حال توفرت ضمانات، مشيراً إلى أن إسرائيل ستحاول تضخيم هذا الملف رغم أن الصواريخ التي كانت مع «حماس» لم تطلق منذ نحو 6 أشهر، بما يعني أنها نفدت، حسب رأيه.

ويأتي الإعلان عن زيارة «حماس» للقاهرة بعد إعلان الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ضوء تلك الخروق، يرى المدهون أن «حماس» ستتعامل مع ملف السلاح باعتباره شأناً وطنياً جامعاً، لا يُحسم بضغط خارجي أو باشتراطات إسرائيلية، بل عبر توافق فلسطيني شامل يكون جزءاً من أي صيغة سياسية مستقبلية، ويرى كذلك أن إثارة الاحتلال لقضية السلاح في هذه المرحلة تأتي في سياق محاولة تعطيل الاتفاق أو تفريغه من مضمونه، لا سيما أن المرحلة الثانية من التفاهمات كان أساسها انسحاب الاحتلال، وفتح المعابر، والبدء بإعادة الإعمار.

ويعتقد الدجني أن ترمب سيحاول إنهاء هذه المعضلة بهذا المقترح التدريجي لنزع السلاح، مشيراً إلى أن «قوات الاستقرار» بغزة، إذا كانت حيادية، ستكون مقبولة، وستكون ضماناً لاستقرار القطاع والمنطقة.


إسرائيل تقلق العائدين إلى جنوب لبنان بالقصف والتوغل وتفجير المنازل

لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)
لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تقلق العائدين إلى جنوب لبنان بالقصف والتوغل وتفجير المنازل

لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)
لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)

كثف الجيش الإسرائيلي من وتيرة التوغل في المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، حيث يمضي في نسف المنازل، إلى جانب تكثيف رمي القنابل الصوتية في المنطقة، في مسعى لإفراغ المنطقة الحدودية ممن تبقى من السكان أو من عادوا إليها بعد الحرب، وإقلاقهم بالقصف والتفجيرات والرشقات النارية.

وبينما لم تُسجل أي غارات جوية في منطقة شمال نهر الليطاني منذ نحو أسبوع، تتركز الانتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، في المنطقة الحدودية، وتتخذ عدة أشكال تتراوح بين التوغل داخل الأراضي اللبنانية، وتنفيذ تفجيرات للمنازل، حتى المتضررة منها جراء الحرب أو المعرضة لقصف سابق، إلى جانب إطلاق رشقات نارية متواصلة من المواقع العسكرية باتجاه القرى، فضلاً عن القصف المدفعي المتقطع، ورمي القنابل الصوتية في القرى من مسيّرات.

تفجير أربعة منازل

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية، الخميس، بأن قوة مشاة إسرائيلية توغلت فجراً إلى حي النورية الواقع في وسط بلدة كفركلا الحدودية، وأقدمت على تفخيخ وتفجير أحد المباني السكنية في الحي. كذلك أقدمت على تفجير مبنيين عند أطراف بلدة عديسة على مقربة من وادي هونين، بواسطة المتفجرات، ما أدى إلى تدميرهما تماماً.

لبنانيون ينتحبون على نعش عنصر في قوى الأمن الداخلي قُتل هو وطفله البالغ من العمر ثلاث سنوات بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة يانوح شرق مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ب)

وكانت بلدية بليدا قد أعلنت في بيان الأربعاء، أن القوات الإسرائيلية استهدفت منزلاً مأهولاً تقطنه عائلة آمنة مع أطفالها، حيث أُجبرت العائلة على إخلائه تحت القصف، قبل أن تعمد طائرات مسيّرة إلى إلقاء براميل متفجّرة عليه، ما أدى إلى نسفه وتدميره كلياً. وقالت إن استهداف منزل مدني يؤوي عائلة وأطفالاً يشكّل تصعيداً خطيراً، ويكشف سياسة ممنهجة تهدف إلى ترهيب الأهالي ومحاولة دفعهم إلى مغادرة أرضهم.

قصف وقنابل

والخميس، أفادت الوكالة اللبنانية بأن المدفعية الإسرائيلية قصفت الأطراف الغربية لبلدة يارون بالقذائف الثقيلة، ما أدى إلى تضرر منزلين في الحارة القديمة بعدما أصابهما القصف بشكل مباشر. كما ألقت محلّقة إسرائيلية مسلحة قنبلتين صوتيتين على بلدة عيتا الشعب الحدودية.

آليات عسكرية للجيش اللبناني تواكب زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان الأحد... ويبدو سكان البلدة في استقباله (أ.ف.ب)

وبعد الظهر، قصفت المدفعية الإسرائيلية منطقة العزية في أطراف بلدة دير ميماس. كما أطلقت نيران رشاشاتها الثقيلة من موقعها المستحدث داخل الأراضي اللبنانية في منطقة اللبونة، مستهدفة أطراف بلدة علما الشعب برشقات متتالية.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن الطيران الحربي والتجسسي والمُسيّر حلّق فوق العديد من المناطق والمدن الجنوبية امتداداً حتى الشمال، مروراً بالعاصمة بيروت.


الطفلة ضحى تنزع عن وجه الجيش الإسرائيلي قناع إنسانية زائفة

TT

الطفلة ضحى تنزع عن وجه الجيش الإسرائيلي قناع إنسانية زائفة

ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)
ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)

قبل أشهر، انتشرت على صفحات التواصل الإسرائيلية صورة جندي يقف إلى جانب طفلة فلسطينية في منطقة نائية على حدود قطاع غزة، ويقدم لها يد العون بعدما ضلَّت الطريق ووصلت إلى مكان انتشار قواته.

راجت الصورة بقوة، فقد كانت مثالاً لـ«إنسانية» تدحض ما يتردد عن «انعدام رحمة» في ظل مجازر تُرتكب في قطاع غزة طوال حرب استمرت عامين وخلَّفت أكثر من 70 ألف قتيل.

لكن الأيام مرت والشهور، لتتكشف حقيقة ما حدث للطفلة ضحى أبو سنيمة (9 سنوات) التي اختفت أنباؤها بعد انتشار الصورة، واكتنف قصتها الغموض.

فبعد رحلة نزوح متكرر، وصلت ضحى إلى منطقة المواصي بغرب خان يونس في جنوب قطاع غزة، حيث أجرت معها «الشرق الأوسط» لقاء روت فيه قصة مغايرة تماماً لما حاكته ماكينة الجيش الإعلامية (الهاسبارا) التي لا تألو جهداً في محاولة تحسين صور الضباط والجنود.

وقصَّت ضحى كيف باتت واحدة من أصعب لياليها في العراء وسط أجواء قاسية، بعدما اقتادها الجنود هي ووالدها إلى موقع عسكري، ورفضوا تقديم أي غطاء لهما يقيهما من شدة البرد.

في العراء... من دون غطاء

كانت ضحى تعيش مع أسرتها في منزلهم بحي الشويكة شرق رفح، قبل أن يُجبر القصف اليومي والدتها على النزوح بشقيقاتها الصغار إلى منطقة مواصي خان يونس، حيث تعيش عائلة الأم، فيما بقت ضحى ووالدها في المنزل الذي وصلت إليه القوات الإسرائيلية في سبتمبر (أيلول) 2025 وطلبت منهما ومن الجيران مغادرة منازلهم واقتادتهم لموقع عسكري بعد تفتيش المنازل وهدمها جميعها، بما فيها بيت أسرة ضحى التي شاهدت الهدم بعينيها.

فلسطينيون على عربات تجرها الدواب وسط مياه أمطار غمرت خيامهم في المواصي غرب خان يونس يوم 15 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

ونُقلت الصغيرة ووالدها إلى الموقع العسكري القريب من حي الشويكة، وهناك خضعت لتحقيق قصير، قبل التحقيق لساعات مع والدها الذي عُصّبت عيناه وقُيّدت يداه. وحين عاد إليها أبوها تقرر نقلهما إلى موقع كرم أبو سالم العسكري، حيث عاشت أقسى أيامها.

فهناك، وحسب رواية الصغيرة، رأت حشوداً عسكرية ضخمة، ثم اقتيد والدها للتحقيق معه مجدداً، هذه المرة لساعات طوال. وحين عاد إليها مع منتصف الليل، كانت في العراء في جو شديد البرودة؛ وعندما طلب الأب من أحد الجنود توفير «بطانية» لها رفض، ما اضطره لخلع سترته كي يدفئ بها ابنته التي نامت على حَجَر كبير.

وفي اليوم التالي، سُمح لها وأبيها بالتوجه نحو مسار دخول شاحنات المساعدات في محيط موقع كرم أبو سالم؛ ومن هناك عادا إلى بيتهما المدمر، وضع الأب خيمة بسيطة بجانبه. وبعد فترة عادت والدتها الحامل إلى المكان نفسه الذي كان شاهداً على مقتل بعض أشقائها، وفقدان أحدهم دون أن يُعرف مصيره، في حوادث منفصلة، وهم يحاولون توفير المياه والطعام للعائلة. ولاحقاً، قُتل الأب في غارة.

ومع اقتراب مخاض الأم المكلومة، اضطرت إلى النزوح مجدداً مع من تبقى من أطفالها، لتلد في أحد مستشفيات مواصي خان يونس.

العناء النفسي

لا تعرف ضحى أين كانت حين التُقطت صورتها مع الجندي الإسرائيلي، وإن كانت تظن أن المكان هو محيط الموقع العسكري الذي نُقلت إليه برفقة والدها أول مرة.

ولا تزال الصغيرة تتذكر وجه الجندي الذي كان يقف جانبها في الصورة، وكيف كانت ترتعد منه خوفاً من أن يقتلها.

وتقول والدتها إن طفلتها تعيش ظروفاً نفسية صعبة وما زالت تطاردها الكوابيس. وتضيف: «أصبحت أكثر عدوانية، وكثيراً ما نراها تبكي وحدها، وتتأثر بقوة كلما رأت طائرات أو قوات إسرائيلية».

وعن حياتها بعد عودتها إلى منطقة منزلها المدمر في الشويكة، قالت إنهم عاشوا ظروفاً مأساوية، لا يتوفر فيها طعام ولا ماء، وإنها اضطرت بعد مقتل زوجها للنزوح مجدداً إلى مواصي خان يونس.

كانت ضحى أقرب الأبناء لأبيها، كما تروي الأم، لذلك تأثرت كثيراً برحيله، ما زاد من تدهور حالتها النفسية.

أما ضحى، فقالت بصوت شَرَخَ الانكسار والوجع براءته: «ياريت أبويا ضل عايش، يجيب إلنا الأكل والمية. إحنا هون ما فيه أكل ولا مية ولا تعليم ولا لعب. بدنا الدنيا ترجع مثل ما كانت قبل. بدنا مدارس وأكل وشرب وثياب. إحنا هون مش مرتاحين، ولا حاجة عنَّا... حتى الفراش والبطاطين. بدي أعيش مثل العالم في بيت مثل كل أطفال العالم وأتعلم».

وتروي والدة ضحى كيف كانت ابنتها تحب الدراسة ومتعلقة بها. وبحسرة قالت: «كان حلمي أشوفها دكتورة لأنها ذكية».

وتظل صورة ضحى والجندي شاهداً حياً على «إنسانية زائفة» تروج لها «الهاسبارا» الإسرائيلية.