إزالة الحواجز العسكرية لا تخفض الأسعار في دمشق

«تسونامي» الارتفاع مقابل توفر المنتجات يعمق معاناة المواطنين

شاحنة محملة بالفلفل الأحمر الحار في سوق الجملة بالزبلطاني (الشرق الأوسط)
شاحنة محملة بالفلفل الأحمر الحار في سوق الجملة بالزبلطاني (الشرق الأوسط)
TT

إزالة الحواجز العسكرية لا تخفض الأسعار في دمشق

شاحنة محملة بالفلفل الأحمر الحار في سوق الجملة بالزبلطاني (الشرق الأوسط)
شاحنة محملة بالفلفل الأحمر الحار في سوق الجملة بالزبلطاني (الشرق الأوسط)

بخلاف توقعات مصادر مطلعة في سوريا أن يؤدي قرار إزالة الحواجز العسكرية من الطرقات الرئيسية إلى انخفاض في عموم الأسعار بنسب كبيرة، إلا أن الأسعار استمر ارتفاعها في دمشق بشكل كبير، ما تسبب في تعميق المعاناة المعيشية لأغلبية المواطنين.

سائقو شاحنات يعملون في نقل الخضار والفاكهة اعتبروا أن السبب الأبرز في تواصل هذا الارتفاع هو الرفع الحكومي المستمر لأسعار المحروقات، بالإضافة إلى «الإتاوات» وعمليات ما تسمى «الترفيق» التي تفرضها حواجز الجيش والأمن على السائقين.

وفاجأت الحكومة السورية في 30 أغسطس (آب) المواطنين بتسريب قرار يتضمن «إزالة كل الحواجز على الطرق الرئيسية في مختلف أرجاء سوريا». ونقل موقع «صوت العاصمة» المعارض في اليوم التالي عن «مصادر خاصة» أنّ القرار يتضمن «إزالة جميع الحواجز العسكرية وغير الأمنية من الطرق الرئيسية بين المحافظات والمدن السورية».

اللافت في القرار، أنّه يُلزم «الفرقة الرابعة بإزالة جميع حواجزها القديمة الواقعة على الطرق الرئيسية»، وفق المصادر.

وتنشر الفرقة الرابعة التابعة للجيش الرسمي ويقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، حواجز على كافة الطرقات الواصلة بين المحافظات في المناطق الخاضعة للحكومة السورية، وتحوّلت خلال سنوات الحرب إلى سلطة تتحكم بالحركة التجارية وتؤمن مواردها الخاصة عبر فرض مبالغ كبيرة على سائقي شاحنات نقل البضائع والخضار والفاكهة، لقاء ما تسميه عملية «الترفيق» التي يقوم بها عناصرها لتلك الشاحنات بحجة حمايتها، عدا عن الإتاوات التي تفرضها على السيارات التي تمر على حواجزها.

عتال ينقل صناديق من سوق الجملة إلى سوق نصف الجملة (الشرق الأوسط)

ومع تفاؤل عم الشارع الدمشقي بإمكانية خفض الأسعار بعد إزالة الحواجز، اعتبر الخبير الاقتصادي عامر شهدا، أن القرار بمثابة سد للذرائع التي يسوقها التجار لتبرير رفع الأسعار. وقال في منشور له عبر صفحته على «فيسبوك»، إن القرار سيخفض الأسعار بنسبة 50 في المائة.

شاحنتان في سوق الجملة تعرضان البصل (الشرق الأوسط)

وتم فعليا البدء بتنفيذ القرار، وأكد شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» أنه أزيل قبل أيام حاجز الفرقة الرابعة من طريق بلدة جديدة عرطوز بريف العاصمة الجنوبي الغربي، المؤدي إلى مدينة دمشق. كما أزال النظام حاجز الأمن السياسي عند مدخل «مساكن برزة» شمال العاصمة، والحاجز المقابل لـ«مصرف سوريا المركزي» في الطريق القادم من شارع بغداد.

وعاينت «الشرق الأوسط» بالفعل إزالة حواجز الفرقة الرابعة من أرياف طرطوس (غرب) وريف حمص الغربي والمناطق الحدودية مع لبنان ومنطقة تلكلخ، بينما تمت إزالة عدد كبير من الحواجز من مناطق حيوية في وسط ومحيط دمشق، مع الإبقاء على حواجز مداخل العاصمة.

وبعكس توقعات خبراء اقتصاديين تواصل ارتفاع الأسعار رغم البدء بإزالة الحواجز، وجاء هذه المرة في ظل سياسة الحكومة الاقتصادية العاجزة عن كبح ارتفاع الأسعار واتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق، على شكل أشبه بـ«تسونامي» عنيف، أدى إلى تفاقم الانهيار في الوضع المعيشي لفئات واسعة من السوريين الذين يعيش نحو 90 في المائة منهم تحت خط الفقر.

جولة ميدانية

للوقوف على أسباب استمرار ارتفاع الأسعار، قامت «الشرق الأوسط» بجولة في «سوق الجملة» المخصص لبيع الخضار والفاكهة والمواد الغذائية في منطقة الزبلطاني شمال شرقي دمشق، ورصدت توفر كميات كبيرة من الخضار والفاكهة وكذلك من المواد الغذائية، وحالة ازدحام تشهدها السوق بباعة المفرق لشراء حاجياتهم.

شاحنة محملة بالبندورة وعمليات البيع جارية منها في دمشق (الشرق الأوسط)

وقد بدا الإقبال كثيفا في السوق التي تقسم إلى ثلاثة أقسام، أحدها مخصص لمحال بيع الخضار والفواكه بـ«الجملة»، وآخر لبيع كميات قليلة (صندوق أو صندوقين وحتى 10 من الخضار والفواكه) ويسمى سوق «نصف الجملة»، وثالث لبيع المواد الغذائية الرئيسية، علاوة على شراء الخضار والفاكهة من قبل باعة المفرق.

يقر صاحب محل ضخم مخصص لبيع الخضار والفاكهة بـ«الجملة»، بأن الأسعار «مرتفعة جدا وهي غير منطقية»، لكنه نفى أن يكون السبب في ذلك هو عملية التصدير. ويقول: «تدخل كميات كبيرة بشكل يومي إلى السوق وتباع لمحال (نصف الجملة)، ولباعة المفرق، ولأصحاب مشاغل التصدير، وهي تكفي للجميع وتفوق حاجتهم».

شاحنة محملة بالبطاطا في سوق الجملة (الشرق الأوسط)

ويوضح التاجر أن «الفلاحين يتمسكون بالسعر الذي يطلبونه بسبب ارتفاع تكاليف الزراعة بشكل كبير، وهم على حق».

وارتفعت أسعار معظم الخضار والفاكهة في أسواق المفرق منذ منتصف أغسطس الماضي، بنسبة تجاوزت 150 في المائة وبعضها 200 في المائة، إذ يصل حاليا سعر الكيلوغرام الواحد من البطاطا ذات الصنف الممتاز (سبونتا) عند باعة المفرق إلى 6 آلاف ليرة بعدما كان بنحو ألفين، ومثلها البندورة، بينما حلق العنب إلى 12 ألفا صعودا من 5 آلاف.

في أسواق المفرق بجنوب وغرب دمشق، بدت حالة الانفلات السعري والفوضى وغياب رقابة الحكومة واضحة، إذ تكشفت أسعار البضائع في «سوق الجملة» لدى باعة المفرق عن فروقات كبيرة بين الجانبين، إذ يبلغ السقف الأعلى لسعر الكيلوغرام الواحد من البطاطا الممتازة، في الأولى 3600 ليرة، والبندورة 2500، والعنب 8 آلاف.

ارتفاع الوقود

بالنسبة لسائق شاحنة محملة بالباذنجان قادم من محافظة درعا جنوبي سوريا، فإن السبب الرئيسي وراء استمرار ارتفاع الأسعار هو القرارات الحكومية المتواصلة برفع أسعار المحروقات، ويلفت في حديثه لنا أنه أصبح يتقاضى أجرة نقل «الحمل» إلى دمشق مليونا و200 ألف ليرة سورية وهو مبلغ «ضخم»، ويقول: «رفع سعر المازوت والبنزين أهلك الناس لأنه يؤدي إلى رفع أجور النقل، والمواصلات، والري. وأسعار، الخضار، والفاكهة، والحليب، واللبن، والبيض، وبالتالي رفع الأسعار».

شاحنة محملة بالفلفل الأحمر الحار في سوق الجملة بالزبلطاني (الشرق الأوسط)

سائق شاحنة آخر محملة بالفلفل الأحمر الحار قادم من بلدة دير حافر بريف حلب شمال سوريا يوضح لنا أن «الترفيق يرفع الأسعار، لكن غلاء المازوت والبنزين يرفعها بنسب أكبر بكثير» ويضيف «قبل شهرين كان إيجار الحمل مليون ليرة. اليوم 3 ملايين والبعض يطلب 4 والسبب في ذلك هو غلاء المحروقات»، ويوضح أن «الترفيق وإتاوات الحواجز ما بتكلف 200 – 300 ألف. المشكلة بارتفاع أجور النقل».

في القسم المخصص من السوق لبيع المواد الغذائية الرئيسية، بدا المشهد على عكس ما هو عليه في القسم المخصص لبيع الخضار والفاكهة بـ«الجملة»، إذ كانت السوق والمحال خالية إلا من أصحابها والعمال.

«ركود غير طبيعي»، عبارة أجاب بها صاحب محل لبيع البيض على سؤالنا حول مدى إقبال باعة المفرق على الشراء، ويضيف: «الغلاء هو السبب. قبل شهرين كنا نبيع صحن البيض بـ18 ألفا أما اليوم بـ52 ألفا، وكلما ارتفعت الأسعار يتراجع البيع إلى أن وصلنا إلى هذا الحال، لأن معظم الناس مادياتها لا تسمح لها بشراء البيضة بـ2000 ليرة (من البقالية)».

بدوره يصف لنا صاحب محل لبيع السكر والأرز والسمنة والزيوت، الوضع بـ«المبكي» بسبب الركود الحاصل، ويؤكد أن مربحه في كيس السكر (وزن 50 كيلوغراما) لا يتعدى 3 آلاف ليرة، ويقول: «الفواتير موجودة. نشتريه من الشركة بـ642 ألفا ونبيعه لباعة المفرق بـ645 ألفا، أي الكيلو يعود على باعة المفرق بـ12900 ليرة»، ويضيف: «هناك فلتان حاصل في الأسواق. باعة المفرق منهم من يبيع الكيلو بـ14 ألفا وبعضهم 15 وآخرون 16، وقد يصل إلى 17 و18 عند البعض».

بيع البيض في سوق الجملة ويبدو خاليا إلا من العامل (الشرق الأوسط)

ويشير صاحب المحل إلى ارتفاع شبه يومي يحصل في الأسعار والسبب هو التدهور المستمر في سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي (سجل يوم الثلاثاء 13400 في السوق الموازية) والذي يواكبه دائما رفع لأسعار المواد من قبل كبار التجار الذي يحتكرون استيراد هذه المواد وبالتالي يتحكمون بالأسعار.

زيادة رواتب ورفع أسعار

وفي منتصف أغسطس الماضي، صدر مرسوم رئاسي بزيادة الرواتب للعاملين في الدولة بنسبة 100في المائة، لكن الحكومة أتبعته بقرار رفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة تصل إلى 300 في المائة، بشكل التهم الزيادة وكامل الراتب، في زيادة متسارعة بنسبة التضخم قدرتها مصادر اقتصادية بـ3000 في المائة في يوليو (تموز) الماضي.

وبات متوسط إنفاق عائلة بالحد الأدنى شهرياً يصل إلى 500 دولار أمريكي، (نحو 7 ملايين ليرة سورية)، في حين أن راتب موظف الدرجة الأولى لدى الحكومة لا يتجاوز 15دولار.

وتلا ذلك رفع جديد لأسعار المحروقات أواخر الشهر نفسه، إذ أصبح سعر ليتر البنزين «أوكتان 95» 14700 ليرة سورية بدلاً من 13500، وليتر المازوت «الحر» 12800 بدلاً من 11550، لتعود الحكومة وتخفض الأسعار بداية سبتمبر (أيلول) الحالي، ليصبح المازوت «الحر» بـ12360 ليرة، والبنزين (أوكتان 95) 14460، لكنها تراجعت عن الخفض الأخير في الـ18 من ذات الشهر ورفعت المازوت «الحر» إلى 13 ألفا والبنزين (أوكتان 95) إلى 14660.



«تنقل آمن وحواجز ليلية لرصد المتخابرين»... فصائل غزة تعزز تأهبها الأمني

طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
TT

«تنقل آمن وحواجز ليلية لرصد المتخابرين»... فصائل غزة تعزز تأهبها الأمني

طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)

رفعت الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة تأهبها الأمني، في ظل تواصل الاغتيالات الإسرائيلية للقيادات الميدانية والنشطاء البارزين من حركتي «حماس» و«الجهاد»، وأكدت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن الإجراءات الأمنية الأخيرة أفشلت في الأيام والأسابيع القليلة الماضية سلسلة من الاغتيالات خطط لها الجيش الإسرائيلي.

وكثيراً ما تذرع الجيش الإسرائيلي بوقوع أحداث أمنية ضد قواته، ونفذ سلسلة من الهجمات داخل القطاع بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وقد قتلت الخروقات الإسرائيلية أكثر من 500 فلسطيني في غزة منذ إعلان الاتفاق على وقف الحرب.

وشرحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أنه عقب مقتل قيادات ونشطاء بارزين صدرت تعليمات صارمة من القيادات العليا للأجنحة المسلحة للنشطاء الميدانيين باتخاذ إجراءات صارمة، شبيهة بفترة الحرب التي استمرت عامين.

وشرح أحد المصادر أن التعليمات «شملت (التنقل الآمن) من مكان إلى آخر؛ أي من دون حمل أي هواتف نقالة أو أي أدوات تكنولوجية، لتجنب الرصد باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي تعتمد عليها إسرائيل»، مضيفاً أنه «تم نصح العناصر بالتخفي لفترات طويلة في أماكن معينة من دون التحرك منها، حتى لو استمر ذلك لأيام وأسابيع طويلة».

عمليات استهداف فاشلة

وعدّ مصدر آخر مطلع على الاتصالات الداخلية لفصيل مسلح في غزة أنه «بفضل الاحتراز الجديد في الأيام والأسابيع القليلة الماضية، فشلت عمليات اغتيال جديدة»، مستشهداً بحدوث «عمليات قصف إسرائيلية لأهداف مثل خيام وغيرها، ولم يكن فيها أي من المطلوبين أو غيرهم، وذلك لمرات عدة».

فلسطيني يجلس خارج خيام للنازحين في مخيم المغازي وسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

وقال المصدر: «القوات الإسرائيلية قصفت هدفين بعد ساعات طويلة من حدث رفح الذي وقع الاثنين الماضي، أحدهما كان في مساء اليوم نفسه، والآخر ظهر الثلاثاء، ما يشير إلى العجز عن تحديد أهداف جديدة كما حدث في مرات سابقة».

وخلص المصدر الفصائلي إلى أن «أعداد الضحايا باتت أقل بكثير خلال جولة التصعيد الحالية، مقارنة بالخروقات الماضية».

وكانت الغارات الإسرائيلية قد قتلت الاثنين والثلاثاء، نشطاء ميدانيين بارزين في «كتائب القسام» و «سرايا القدس»، في عمليتي اغتيال، الأولى استهدفت 3 نشطاء في كتيبة بيت حانون التابعة لـ «القسام» الذين أشرفوا على سلسلة عمليات منها قنص عدد من الجنود ما أدى إلى مقتل 7 منهم، كما ذكر بيان للجيش الإسرائيلي، خلال معارك في البلدة، إلى جانب مشاركتهم في هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كما قتل قائد وحدة النخبة في «السرايا» بالمنطقة الوسطى للقطاع.

حواجز ليلية لرصد المتخابرين

وبشأن ما إذا كانت هناك إجراءات أخرى لجأت إليها الفصائل في غزة لتأمين عناصرها، قال مصدر ميداني آخر إن «بعض الإجراءات الأمنية تضمنت نشر حواجز للأجهزة الأمنية التابعة لحكومة (حماس)، وكذلك عناصر ميدانية من (كتائب القسام) و(سرايا القدس)، خصوصاً في ساعات الليل، في جميع مناطق قطاع غزة».

مقاتلون من «كتائب القسام» في مدينة غزة نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)

وشرح المصدر أن «الحواجز الليلية قللت من حركة المتخابرين مع إسرائيل، وكذلك العناصر التي تعمل مع العصابات المسلحة التي تقدم معلومات استخباراتية حول أماكن بعض النشطاء بعد تتبعهم وملاحقتهم، ما أسهم في إضعاف المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية مجدداً».

وواصل المصدر: «هناك حراك خفي آخر في ساعات النهار تقوم به الفصائل لملاحقة أي تحركات مريبة لرصد تحركات مشتبه بهم بالتعامل مع المخابرات الإسرائيلية».

وأشار المصدر إلى أنه «تم ضبط عدد منهم والتحقيق معهم، وانتزاع معلومات عن الشخصيات التي يتم تتبعها، ونُقلت المعلومات للمستهدفين لتغيير مواقعهم وتنقلهم لأماكن آمنة والتخلي عن الأدوات التكنولوجية التي يستخدمونها».

جانب من تشييع القيادي في «كتائب القسام» رائد سعد في قطاع غزة ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

وتواكبت تلك الإجراءات الأمنية مع إعلان منصة «الحارس»، التابعة لأمن الفصائل المسلحة في غزة، دعوتها سكان غزة إلى «مساعدة الأمن بتعزيز الجبهة الداخلية من خلال الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه أو تحرك مريب في محيطهم، مضيفةً: «أي سلوك غير مألوف، أو محاولات جمع معلومات، أو تحركات يشتبه بارتباطها بالعصابات العميلة، يشكل عنصراً أساسياً في إحباط المخططات المعادية، ودعم صمود جبهتنا الداخلية».


واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

لم يمضِ شهران على إنشاء «حزب الله» مؤسسة تجارية مرخّصة تولّت جزءاً من أنشطة «القرض الحسن» في إقراض مناصريه، حتى أدرجتها وزارة الخزانة الأميركية على لائحة العقوبات، في خطوة قالت واشنطن إنها تهدف إلى إحباط محاولات الحزب الالتفاف على العقوبات بعد إغلاق هذه النافذة.

وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن «حزب الله» أنشأ شركة «جود» التجارية، المعنية ببيع الذهب وشرائه عبر عقود تتم في فروع مؤسسة «القرض الحسن»، الذراع المالية للحزب، والخاضعة بدورها للعقوبات الأميركية، وذلك بوصف ذلك جزءاً من «سياسة تموضع قانوني» داخل البلاد للإفلات من الضغوط الدولية والمحلية لإغلاقها.

وسرعان ما أحبطت واشنطن هذه المحاولة، إذ قال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، الثلاثاء، إنه فرض عقوبات على شركة «جود ش.ذ.م.م»، وهي شركة صرافة ذهب، ومقرّها لبنان، وتعمل تحت إشراف مؤسسة «القرض الحسن»، التي تُعدّ الذراع المالية لـ«حزب الله». وأوضحت وزارة الخزانة أن شركة «جود» تحوّل احتياطيات الذهب إلى أموال قابلة للاستخدام لدعم إعادة تنظيم الحزب.

فشل الالتفاف على العقوبات

وتظهر الحزمة الجديدة من العقوبات أن الحزب فشل في الالتفاف عليها، إذ تلاحق واشنطن الكيانات التي تُسهم في تمويل الحزب، بمعزل عن تسميتها وشكلها القانوني. وفيما لم تصدر السلطات اللبنانية، كما «حزب الله»، أي موقف تجاه التعيين الجديد على العقوبات، ترجّح مصادر مالية أن تتخذ المؤسسات المالية اللبنانية تدابير تلقائية لمنع التعامل معها.

وإذ أكدت المصادر أن الضغوط الأميركية على السلطة اللبنانية «أكبر من أن يتم تجاهلها»، أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «مجرد صدور إدراج على العقوبات على أي شخص أو كيان، يُمنع تلقائياً من تعامله مع المصرف المركزي أو القطاع المالي»، مشيرة إلى أنه «في حال كان لديه حساب مصرفي يجمد الحساب تلقائياً، ويبلغ المصرف هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان بتجميد هذا الحساب»، وهي تندرج ضمن إطار «سلسلة إجراءات وقائية تتخذها المصارف والسلطة المالية».

وقالت المصادر: «الأشخاص أو الكيانات المدرجة على العقوبات لن تتمكن من القيام بأي عمليات مالية في المصارف أو مع مصرف لبنان، كما لن تتمكن من إجراء تحويلات إلى الخارج بشكل نهائي، وهي إجراءات معروفة في لحظة الإعلان عن صدور العقوبات الدولية أو العقوبات السيادية (الصادرة عن الولايات المتحدة) ضد أي فرد أو كيان تجاري أو منظمة».

إسرائيل تستهدف «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت في أكتوبر 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

ويُشكّل «القرض الحسن» أحد أكثر الملفات حساسية في الداخل اللبناني. ففي حين تصفه واشنطن بأنه أداة مالية تساعد الحزب على تجاوز النظام المصرفي، يرى الحزب ومؤيدوه أنه مؤسسة اجتماعية تمكّن آلاف العائلات من الحصول على خدمات مالية في بلد يعاني انهياراً مصرفياً شاملاً.

ورفض «حزب الله» في السابق المطالب الأميركية من السلطات اللبنانية بإغلاق المؤسسة، واتهم الولايات المتحدة بمحاولة «تجفيف الموارد المالية بغرض إلغاء وجود الحزب ومنعه من تقديم الخدمات الاجتماعية»، حسبما قال أمينه العام نعيم قاسم في خطاب الشهر الماضي.

تحدٍّ للرقابة ومخاطر إضافية

وكان مصرف لبنان المركزي قد أصدر تعميماً في السابق يمنع على أي مؤسسة التعامل مع «القرض الحسن»، في وقت يدفع «حزب الله» بدلات الإيواء للمتضررين من الحرب، عبر شيكات مسحوبة على «القرض الحسن»، ما يضطر الناس للتعامل مع تلك المؤسسات لقبض مستحقاتها.

وقال الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان لـ«الشرق الأوسط»: «إن إعادة صرف أموال (القرض الحسن) تُعدّ بمثابة تحدٍّ مباشر لسلطة مصرف لبنان وللأجهزة الرقابية». وأوضح أن «تعميم مصرف لبنان الذي حظر التعامل مع أي مؤسسة غير مرخّصة يفترض أن يكون موضع التزام صارم».

وكان مصرف لبنان المركزي قد أصدر العام الماضي التعميم رقم «170» بهدف منع دخول أي أموال -بشكل مباشر أو غير مباشر– مصدرها هيئات أو منظمات لبنانية خاضعة لعقوبات دولية، ولا سيما العقوبات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC)، إلى القطاع المصرفي اللبناني الشرعي، وذلك لتجنب تعريض علاقات المصارف اللبنانية المراسلة في الخارج للخطر، خصوصاً مع المصارف الأميركية التي تتولى عمليات التحويل بالدولار الأميركي.

وحذّر أبو سليمان من «أنّ استمرار التعامل مع مؤسسات غير مرخّصة قد يعرّض لبنان لمخاطر إضافية، بما في ذلك احتمال الوقوع تحت طائلة عقوبات خارجية، حتى لو جرى ذلك تحت عنوان المساعدات الاجتماعية». ورأى أن «أي تحويلات أو خدمات مالية صادرة عن مؤسسة غير خاضعة للترخيص والرقابة تثير علامات استفهام، خصوصاً في ظل التدقيق الدولي القائم على النظام المصرفي اللبناني».

وفيما يتصل بالانعكاسات الاجتماعية، رأى أبو سليمان أنّ مسألة تهدئة الشارع عبر أدوات ذات طابع مالي تحمل أبعاداً سياسية بغطاء اقتصادي، مشيراً إلى «أنّ الشارع اللبناني يعاني ضغوطاً معيشية كبيرة، لكنه شدد على صعوبة الجزم بحجم السيولة لدى مثل هذه المؤسسات؛ لأنها لا تنشر بيانات مالية مدققة وغير خاضعة للرقابة».


الجيش اللبناني يفكك مصنعاً للمخدرات شرق البلاد

آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
TT

الجيش اللبناني يفكك مصنعاً للمخدرات شرق البلاد

آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)

فكك الجيش اللبناني، الأربعاء، آلات لتصنيع المخدرات في بلدة بوداي في شرق لبنان، خلال مداهمة وحدة من الجيش، منازل مطلوبين في البلدة ضمن إطار التدابير الأمنية التي تنفّذها المؤسسة العسكرية لمكافحة الاتجار بالمخدرات وضبط الأمن.

وقالت قيادة الجيش، في بيان صادر عن «مديرية التوجيه»، إن الوحدة العسكرية «أوقفت لبنانياً لإطلاقه النار في تواريخ سابقة، كما ضبطت آلات تُستخدم في تصنيع المخدرات وكمية كبيرة من المواد المخدّرة».

وأشارت إلى أن «العملية تأتي في سياق خطة أمنية متواصلة تستهدف شبكات التصنيع والترويج في أكثر من منطقة، ولا سيما في نطاق بعلبك – الهرمل (شرق لبنان)، حيث تتكرر عمليات المداهمة المرتبطة بملاحقة مطلوبين وضبط معدات ومواد أولية تُستخدم في تصنيع المخدرات».

عمليات أمنية مكثفة

وتأتي هذه التحركات في ظل تكثيف المؤسسة العسكرية عملياتها الأمنية في عدد من المناطق، ولا سيما في البقاع والشمال، ضمن خطة متواصلة لضرب شبكات المخدرات والسلاح والجريمة المنظمة. كما تتزامن مع مطالبات محلية بتعزيز الاستقرار وحماية الأهالي، عبر ملاحقة المطلوبين وضبط معامل التصنيع ومصادر التمويل غير القانوني، خصوصاً في المناطق التي تشهد توترات أمنية متقطعة وارتفاعاً في معدلات الجرائم المرتبطة بالسلاح والمخدرات.

وتُعدّ منطقة بعلبك-الهرمل من أبرز النقاط الساخنة في ملف المخدرات، إذ شهدت خلال الأسابيع الماضية عمليات أمنية متلاحقة. وكان الجيش اللبناني قد أعلن في 7 فبراير (شباط) الحالي تنفيذ عملية دهم استهدفت منزلاً مهجوراً في بلدة حوش تل صفية- بعلبك، بعد رصد ومتابعة لتحركات شبكة يُشتبه في نشاطها بترويج المواد المخدّرة، وأسفرت عن ضبط نحو 3 ملايين و800 ألف حبة كبتاغون، إضافة إلى 73 كيلوغراماً من مادة البودرة البيضاء المخدّرة، بينما أكدت الجهات المعنية أن التحقيقات والإجراءات مستمرة لتعقّب المتورطين وتوقيفهم.

ملاحقة شبكات التهريب

وتعكس هذه الوقائع، مساراً تصاعدياً في عمليات الملاحقة والضبط، سواء داخل المناطق المصنّفة بؤراً ساخنة لعمليات التصنيع، أو على مستوى المرافق الحدودية، في محاولة للحد من تمدّد الشبكات المنظمة وتجفيف مسارات التهريب.

وفي موازاة الإجراءات الميدانية في الداخل، تواصل الأجهزة اللبنانية متابعة شبكات التهريب عبر المعابر والمرافق الحدودية، وسط تشديد رسمي على منع استخدام لبنان منصة لتهريب المخدرات إلى الخارج. وكانت المديرية العامة للأمن العام قد أعلنت في 28 يناير (كانون الثاني) توقيف شبكة منظمة لتهريب المخدرات من تركيا إلى المملكة العربية السعودية عبر مطار رفيق الحريري الدولي، مؤكدة في بيان رسمي أنّ لبنان «لن يكون منصة أو معبراً لتهريب المخدرات إلى الدول الشقيقة أو الصديقة». وأوضحت المديرية أن عناصرها أوقفت 4 مواطنين أتراك (3 رجال وسيدة) لدى محاولتهم دخول الأراضي اللبنانية على متن رحلة قادمة من إسطنبول، قبل أن تكشف التحقيقات، بإشارة القضاء المختص، عن تأسيسهم شبكة منظمة بالتنسيق مع جهات خارجية، وتنفيذهم عمليات سابقة باستخدام أساليب احترافية.