تجربة في الترجمة... المآزق والمآلات

قد يكون اختفاء المترجم ليس شراً وإنما هو أهون الشرين

بول أوستر
بول أوستر
TT

تجربة في الترجمة... المآزق والمآلات

بول أوستر
بول أوستر

انتهيت مؤخراً من ترجمة رواية للكاتب الأميركي بول أوستر عنوانها «بومغارتنر». كانت تجربة غنية على أكثر من مستوى، لكنها حملت أيضاً وعياً حاداً ومتجدداً بما أسميه مآزق الترجمة وما تؤول إليه النصوص حين تترجم، المآزق والمآلات التي قد لا يعيها بعض القراء، وبدا لي أنه سيكون من المفيد أن تكون موضوعاً للتأمل وربما الحوار.

الترجمات على اختلافها تجارب لغوية ومعرفية تتنوع بتنوع النصوص المترجمة. ذلك أن المترجم، قبل القارئ، يعايش عمل شخص آخر ولأن العمل أو النص يأتي من لغة أخرى فإنه يؤول بالضرورة إلى ثقافة مختلفة، ما يعني أن الترجمة تتحول بالضرورة إلى معايشة للاختلاف اللغوي الذي يفضي بدوره وتلقائياً إلى الاختلاف الثقافي بما يمكن أن ينضوي تحته من اختلاف فلسفي واجتماعي وغيره. هذا مع مراعاة أن الترجمة ليست واحدة مثلما أن المترجمين مختلفون بطبيعة الحال.

الأدب بطبيعته سجل حافل لذلك التنوع، وحين يكون الأدب روائياً أو سردياً فإن السجل سيختلف باختلاف اللغة التي يحتاجها السرد واختلاف العوالم الفردية والاجتماعية التي تنفتح أمام القارئ، مترجماً كان أو قارئاً فقط. سيتسع السجل باتساع المجتمع وتعدد شخوص الرواية وظروف حياتهم وألوان علاقاتهم. وذلك على النقيض من الشعر حيث التجربة الفردية البعيدة نسبياً عن تعقيدات الحياة الاجتماعية وكثرتها واختلاف اللغة نتيجة لذلك ونتيجة لاتكاء الشعر على المجاز أو الرمز أو الإيقاع وغيرها من أدوات البناء الشعري.

هذا كله يكاد يغيب عما يتحدث عنه المترجمون، فالمترجم غالباً متوارٍ، أحياناً مجبراً على ذلك وأحياناً بإرادته هو. الإجبار يأتي، كما يقول الناقد الأمريكي لورنس فينوتي في كتابه «اختفاء المترجم» (ترجمه محمد عناني) لأسباب منها تجاهل القراء وضغط بعض دور النشر على المترجم للتواري إفساحاً للمجال أمام المؤلف الذي يعد الأهم. لكن بعض ذلك الاختفاء يأتي اختيارياً، نتيجة لعزوف المترجم عن الحديث عن تجربته في الترجمة. هناك تنظير للترجمة ولكن ليس لدينا الكثير من التجارب الشخصية في الترجمة، وما نجده في الغالب هو ما يشير إليه بعض المترجمين في مقدمة الأعمال التي ترجموا حين يشيرون، على سبيل المثال، إلى أنهم تصرفوا بهذه الطريقة أو تلك في ترجمة عبارات أو مصطلحات أو أسماء، وهذا يأتي غالباً لتنبيه القارئ إلى جوانب يفترض في المترجم ذكرها من باب الأمانة والدقة. وقد تتناول المقدمات الكتاب المترجم ومؤلفه فيبرز نتيجة لذلك الكتاب والمؤلف ويتوارى المترجم ونصه مع أن القارئ يقرأ الترجمة وليس النص الأصلي، وهي حقيقة واضحة لكنها تغيب عن معظم القراء فيما يبدو لي، أي إنهم ينسون أنهم إنما يقرأون تصرفات المترجم مهما كان أميناً مع النص المترجم.

بالنسبة لي كانت ترجمة الرواية التجربة الأولى في نقل عمل سردي طويل نسبياً إلى العربية. سبق لي أن ترجمت قصصاً قصيرة وقصائد إلى جانب الانشغال الأكبر بالكتب التاريخية والفكرية والثقافية العامة، وهي ليست كثيرة لكنها شكلت تجربة عرفتني على الترجمة من زوايا تبين لي أنها مغايرة لترجمة العمل الروائي. ومع أنني من قراء الرواية الغربية بحكم الاهتمام الشخصي والتخصص ولأنني درستها لطلابي في مراحل مختلفة وكتبت عنها دراسات نقدية كثيرة فإن تجربة الترجمة أوقفتني على النص الروائي كما لم تفعل كل القراءات. فمع أن المترجم قارئ في المقام الأول، فإن ما يتبين سريعاً أن القراءة بقصد الترجمة أمر مختلف تماماً. لقد سبق لي أن قلت إن الترجمة عمل نقدي - في المقام الأول بالنسبة لمن يهتم بالنقد أو لديه ملكة نقدية - وهذا يعني أن القراءة تتحول إلى ما يمكن وصفه بأشد القراءات تدقيقاً في النص. بل إن من الصعب تصور قراءة تتعمق النص وتدقق في دلالاته كما تفعل القراءة بقصد الترجمة. لقد جربت الاثنتين كثيراً مثلما جربهما غيري فوجدت أن ما يمكن أن نسميه القراءة الترجمية تضطر القارئ/المترجم إلى قدر من التمحيص والبحث لا تتحقق غالباً في قراءة الروايات التي يضطر طولها أكثر القراء إلى السرعة في القراءة بل إلى القفز أحياناً على بعض الفقرات وربما الصفحات حتى. المنهج الشكلاني بصيغتيه الأوروبية والأميركية تتركز على ما يسمونه «القراءة المدققة» (close reading)، وفي ظني أن الترجمة الجادة تفضي بالضرورة إلى ذلك اللون من القراءة. وسأعطي أمثلة على ما أقول.

أثناء ترجمة رواية أوستر واجهت سؤالاً كبيراً ومطروحاً على الترجمة، وهو سؤال ومسؤولية: حين يواجه المترجم عبارات يتضح له أنها مترهلة أو مكررة أو ضعيفة في النص المترجم هل يجب عليه ترجمتها بعبارات موازية في الترهل والتكرار والضعف؟ أم أن عليه أن يجتهد في تقويم الضعف ويقدم للقارئ نصاً خالياً من ذلك العيب؟ يتخيل البعض أن كاتباً أجنبياً كبيراً لا يمكن أن ينتج ضعفاً من ذلك النوع، ذلك لأنهم لا يقرأون الكاتب بلغته، لا يعرفون الرواية الأصل. وهذا بالطبع يصدق على كل النصوص وليس على الرواية وحدها (هناك بالتأكيد الحالة المقابلة التي تتسم بها أعمال الكتاب المتمكنين وهي أنهم ينتجون نصوصاً رائعة لا يستطيع المترجم مجاراتها. هذا وارد، ولعله الغالب، لكن ما أشرت إليه وارد أيضاً).

رواية أوستر كتبت بأسلوب سلس وأدبي رفيع دون شك، ويصدق ذلك على النص بصفة عامة، لكن النص أيضاً يحتمل ما أشرت إليه من ترهل. بل إن ذلك الترهل حاضر فيه وهذا مثال: ترد في رواية «بومغارتنر» هذه العبارة: «And after this, which had come after that, it made perfect sense». هنا تكرار لا معنى له: «وبعد هذا، الذي كان قد جاء بعد ذاك، صار من المنطقي جدا...». المثال صغير لكنه أنموذج لعبارات قد يواجهها المترجم. ومثلها في ذلك مثل عبارة أخرى ترد في مكان آخر من الرواية: «disintegrating urban ruin» التي تصف الخرائب «ruin» بالمتداعية (disintegrating) وهو ما يسمى في البلاغة حشواً أو تكراراً لا لزوم له، ولو كنت قارئاً لعبارات كهذه بالعربية لاستغربت التكرار لكنه موجود في الأصل (ورب قائل إن قارئ العربية لن يستغرب الحشو لكثرة الأمثلة منه في أساليب الكتابة العربية!!). ومثل ذلك كثير ليس في هذه الرواية، فالحشو فيها قليل، لكن النصوص الأدبية وغير الأدبية بصفة عامة في كل مكان، عرضة لذلك الترهل الأسلوبي. المثال الذي سقته قصدت منه أن يوضح المأزق الذي تواجهه الترجمة، فمع أنه صغير فإنه يمثل مشكلة للمترجم. الأهم من ذلك أن الحشو لو ترك سينسب على الأرجح إلى الترجمة وليس إلى الأصل.

إننا في واقع الأمر أمام أحد المآزق التي قد لا يدركها قراء النصوص المترجمة ممن لا يقرأون الأصل: إن وجدوا ضعفاً نسبوه إلى الترجمة، وإن قوة وجمالاً نسبوهما إلى الأصل. المترجم في معظم الحالات ليس مجهولاً فقط وإنما متهم أيضاً أو عرضة للاتهام وقلما يكون العكس صحيحاً. وسيتأكد ذلك حين نتذكر أن من الصعب، إن لم يكن من المضحك للبعض، أن يقال إن ترجمة ما أفضل من الأصل، فثمة أصل متفوق بالضرورة، وخلفه ترجمة تحاول اللحاق به وقد تخطئ وتصيب لكنها في كل الحالات لن تتفوق. رأيت ذلك كثيراً حين يندهش من أقول له: إن من الترجمات ما لا يوازي الأصل بل يفوقه، مع أن الموازاة نفسها مستكثرة عند الكثيرين.

لقد قيل حسْب المترجم أن يسلم من اللوم، أو الشتيمة، والمشكلة أن من يلوم لا يعرف في أغلب الأحيان كيف كتبت النصوص التي ترجمت. لذا قد يكون اختفاء المترجم ليس شراً وإنما هو أهون الشرين.



العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه
TT

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

هيغل

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

غوته

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

نسب هيغل للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

كانط

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

* كاتب سعودي


«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة
TT

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر، نفعية منافقة، تخدع نفسها بالمظاهر كما تخدع سواها، رغبةً منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه.

تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المسافر بلا متاع» للكاتب الفرنسي جان آنوى، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المصري البارز الدكتور أنور لوقا (1927 - 2003)، والتي صدرت أخيراً منها طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي».

تتكشف حقيقة السيدة ديفور حين نعرف أنها لم تصطحب الفتى جاستون، الذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية من أسرة إلى أسرة، لمجرد إعادته إلى أحضان أهله رحمةً به ورحمةً بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة.

ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بمصالح جاستون، ورفضت دون نقاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تأتي به إلى «آل رينو» أصحاب هذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم.

أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الدار بأي شيء. عبثاً يتصفح وجوه الحاضرين الذين أسرعوا للقائه بلهفة المشتاقين وهم أمه وأخوه وزوجة أخيه، وعبثاً يطوف في أركان المنزل والحديقة، فالجميع هنا من سادة وخدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلى الشك في شخصيته، وها هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم.

وحسب أنور لوقا، استوحى جان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جاستون هو الآخر فاقداً للذاكرة، ولكن سيغفريد وإن كان ضحية نفس المرض نفسه، إلا أنه طراز آخر من الرجال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنوى عادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب.

وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى صدارة المشهد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مع تقديم شخصيات شديدة الحنين إلى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضاع الواقع آنذاك القائمة على الإثم والرذيلة.

وُلد جان آنوى في مدينة بوردو بفرنسا في 23 يونيو (حزيران) سنة 1910 وهو ينتمي إلى عائلة متواضعة، إذ كان أبوه خياطاً وكانت أمه تشتغل بعزف الكمنجة، ولهذه النشأة يرجع دون شكٍّ ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق إلا أنه اضطر إلى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان.

وفي «المسافر بلا متاع» تتجلى براعة الصياغة المسرحية لدى آنوى، كما تؤدي وحدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق التأثير، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثراً ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ.


«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،