شاشة الناقد: وراء الجبال **

مشهد من فيلم «وراء الجبال» (نوماديس إيميجيز)
مشهد من فيلم «وراء الجبال» (نوماديس إيميجيز)
TT

شاشة الناقد: وراء الجبال **

مشهد من فيلم «وراء الجبال» (نوماديس إيميجيز)
مشهد من فيلم «وراء الجبال» (نوماديس إيميجيز)

شاشة الناقد

وراء الجبال **

إخراج: ‪محمد بن عطية‬ | دراما | تونس | 2023

«الإنسان الأول» يقول الرجل الطائر لعائلة من المستمعين كان يمشي محدودب الظهر وعلى أطرافه الأربعة، ومن ثم استقام أحدهم وتبعه الآخرون. «كل منا يستطيع الطيران».

ليس هذا صحيحاً ولا هو ثابت علمياً، لكن المشكلة في هذا القول، إن رفيق (ماجد مستورة) لا يجيد الطيران. هو، في أفضل الحالات مثل صقر صغير أراد تقليد والده قبل أن يعرف الطيران فسقط أرضاً في كل محاولة.

في «وراء الجبال» تتمثّل هذه الحالة في رجل نراه يقفز من على مرتفعات (أدوار عليا، جبال) ويحلّق لفترة، لكنه حين يريد أن يعود إلى الأرض لا يملك الطريقة التي تعفيه من الاصطدام بها. يفقد الوعي (ماذا عن فقدانه العظام؟)، وفي ذلك يثبت من حيث لا يدري عدم صحة كلامه. على ذلك، بنى المخرج محمد بن عطيّة مضمون فيلمه كله على حكاية هذا الرجل الطائر وكان يستطيع، بتغيير طفيف، أن يترك وقعاً أفضل لو أن بطله كان يعرف كيف يعود إلى الأرض سالماً.

في فصول الفيلم، ينطلق ماجد وابنه وراعي غنم ما زال مدهوشاً من قدرة الأول على الطيران هرباً من حاجز أمني على طريق ريفية. ليس واضحاً تماماً سبب هروبه، ولكن نستطيع تجاوز هذا المنعطف لأنه ضروري في سياق اقتحام ماجد وصاحبيه منزل رجل وزوجته وولديهما، النائي في منطقة جبلية بعيدة. الوقت ليل، والعائلة التي تسكن البيت تمر بلحظات خوف وتوتر عندما تصبح رهينة الغزاة ثم تمسك بالموقف عندما يأوي ماجد وصحبه إلى النوم. في مطلع اليوم التالي، يطلب ماجد من العائلة إطلاق سراحه فهو لم يتعرّض لأحد بالأذى. تفعل الزوجة ذلك ويتابع طيرانه في السماء. حينها تصدّق ما ادعاه من قدرة على التحليق.

كان يمكن للفيلم أن يحلّق معه لكن الكتابة، وليس التنفيذ الفعلي، موّه تلك الإمكانية. وفّر الحبكة (بعد بداية مضطربة) ولم يوفّر الغطاء لجعل هذا المضمون مهمّاً. إذا كان القصد هو الترميز لشيء، فإن هذا الترميز يبقى غامضاً. إذا كان القصد مجرد سرد حكاية فانتازية، فإن اعتماد وتيرة تشويقية تقع في إطار اقتحام منزل وأخذ أفراده رهينة، لا يعمل جيداً مع الآخر. ليس من شروط الفانتازيا أن تكون قابلة للتصديق (لذلك هي فانتازيا)، لكن من شروطها أن تعني أكثر مما تعرض.

هذا ما لم يقدم عليه محمد بن عطية، الذي أصاب الهدف على نحو أفضل حين حقق قبل أربع سنوات فيلماً بعنوان «ولدي»، عن الرجل الذي يلحق بابنه إلى الحدود التركية - السورية لاستعادته من المتطرفين ويفشل.

يُسجَّل للمخرج رغبته في تحقيق موضوع مختلف، وفي إدارة الأحداث داخل البيت على نحو جيد كوتيرة وإيقاع، مولّداً قدراً من التشويق، لكن الفيلم بكامله كان بحاجة إلى دفع إضافي وقدرة ماديّة تجعل مشاهد الطيران احتفالية.

عروض مهرجان فينيسيا

BREAKING NEWS : OFF***

Outlaw Johnny Black

إخراج: ‪مايكل جاي وايت‬ | وسترن | الولايات المتحدة | 2023

بعد أقل من ربع ساعة من بداية هذا الفيلم، يقول جوني لعنصري أبيض كان يضرب «هندياً» مسكيناً: «سأرفع قدمي هذه وأضرب بها وجهك»، وأشار إلى منتصف جبهة ذلك الرجل وهو يفي بوعده. المشهد مأخوذ من فيلم «بيلي جاك» لتي سي فرانك (1971) بتفاصيله، بما في ذلك إشارة اليد لموقع الضربة المقبلة ثم ضربة القدم في الموقع نفسه.

«الخارج عن القانون جوني بلاك» (جايغانتك ستديوز)

هذا ليس الاستيحاء الوحيد من أفلام الغرب. «الخارج عن القانون جوني بلاك» يحمل عنوانه شبيهاً بفيلم كلينت إيستوود «الخارج عن القانون جوزي وَلز (1976) والمعالجة التي تجمع بين الكوميديا والأكشن مستوحاة من أفلام الوسترن سباغيتي» في الستينات. والحكاية كلها (رجل أسود يجابه كل من هو أبيض في بلدة تقع في الغرب الأميركي) تحمل في طيّاتها كل كليشيه كان من الممكن التذكير به خلال كتابة السيناريو. هناك بيض عنصريون، بطل أسود لا يمكن قهره. نساء جميلات وراغبات، هنود حمر يرقصون على إيقاع طبولهم ويهاجمون البيض. أحدهم يطلق سهماً صوب بطل الفيلم المتنكر في زي راهب، لكن الكتاب المقدّس الذي وضعه جوني بلاك في جيب صدره الداخلي يحميه.

هو فيلم سخيف يركض وراء الفكاهة وبعض الغرابة، لكنه بلا بطانة تماثل أياً من النماذج المذكورة أعلاه. لا يحتّم على المرء مشاهدته لكن إذا ما اختار المُشاهد هذا الفعل فمن المتحمل أن يضحك معه وينساه فيما بعد.

عروض في صالات السينما.

The Movie Teller***

إخراج: ‪لون شرفِغ‬ | دراما عائلية | تشيلي/ إسبانيا | 2023

بعد سلسلة من الأفلام التي تناولت علاقة مخرجيها بالسينما أو دارت حول السينما في حياة أبطال الفيلم، يأتي «قاصّة الفيلم» كإضافة لما سبق.

كنا شاهدنا في هذا الاتجاه أربعة أفلام في العام الماضي تدور حول هذه العلاقة هي «زمن القيامة» (Armageddon Time) لجيمس غراي، و«ذا فابلمانز» لستيفن سبيلبرغ، وفيلم كنيث براناه «بلفاست»، وفيلم سام مندز «إمبراطورية الضوء»، ومن ثَمّ فيلم داميَن شازيل «بابل». كلٌ غنّى على ليلاه حول رؤيته أو علاقته بالسينما في نوع من التحيات المرحّب بها في هذا المجال.

«قاصّة الفيلم» (سيلنيوم فيلمز)

الآن يأتي دور المخرجة الدنماركية لون شرفِغ، التي تسلمت مهمّة كان عاينها المخرج البرازيلي وولتر سايِلس ثم ولّى عنها. تسلمت الإسبانية إيزابل كواشت المشروع لحين، ثم مضت عنه. كل من المخرجين السابقين مذكور في بطاقة الفيلم وعند شريط النهاية، مما يعني أنهما شاركا في كتابة السيناريو، لكن أي نسخة لا أحد يعرف. ما يهم هنا أن معالجة شرفِغ لهذا الموضوع جديدة في نواحٍ عدّة. مثلاً العلاقة المرسومة بين الإنسان والشاشة تتولاها فتاة صغيرة تستطيع أن تحفظ تفاصيل كل فيلم تراه. وهذه الفتاة تنتمي إلى عائلة من الشغوفين بحضور الأفلام، تجمع أفرادها وتؤم صالة السينما كل يوم أحد لترى فيلم الأسبوع. وهذه العائلة بدورها تعيش في قرية تكمن في ركن قصي وبعيد عن جمهورية تشيلي اسمها أتاكاما: 1600 كيلومتر من الصحراء الجافة. سبب وجود القرية هناك يتعلّق بوجود منجم للفوسفات، وسبب وجود الصالة مرتبط بالقرية في أحداث تقع في الستينات التي كانت تشهد تقلّبات سياسية في الصراع على البلاد بين اليسار واليمين.

لا يتحدّث الفيلم كثيراً في السياسة، لكنه يستخدم دلالاتها عبر ترحيب أهل القرية بانتخاب سلفادور أليندي رئيساً، على أمل تعزيز مصالح الطبقة العاملة. عمال المنجم يعانون من شغف المكان وقسوته، لكن النساء لديهن فرصة حضور أفلام مثل «مظلات شربورغ»، و«الرجل الذي قتل ليبرتي فالانس» وسواهما. عندما يُصاب رب الأسرة في حادثة خلال عمله بالمنجم تشحّ الإمكانات المادية وتفرض انتخاب ابنة واحدة كل أسبوع لدخول الصالة بمفردها ومشاهدة الفيلم الوحيد المعروض. هنّ أربعة بنات، مما يعني أنّ بطلة الفيلم ستشاهد فيلماً واحداً في الشهر (إلا في بعض الاستثناءات) تعود به إلى شقيقاتها وتقص الحكاية. وهي الأكثر دقة وتركيزاً.

هذه الذكريات تواجهها مشاكل الكبار. الزوج المصاب، والزوجة التي لم تعد تتحمّل المكان وقسوته فتتركه وتغادر.

«قاصّة الفيلم» فيه بذور من فيلم جيسيبي تورناتوري الشهير «سينما باراديزو»، لكن هذه البذور لا تنبت عملاً مستوحى من ذاك أو شبيهاً به إلا من حيث أن البطولة هي لصبي (في الفيلم الإيطالي) وفتاة (في هذا الفيلم) في عمرين متقاربين.

في مجمله يتمتع «قاصّة الفيلم» بميزة تناوله وضعاً اجتماعياً معقّداً بسهولة سردية عامّة. إذ تغادر الأم تلك البقعة (وهي التي كانت تحلم أساساً بحياة أفضل وأن تصبح ممثلة)، تبقى ابنتها مع شقيقاتها على أمل أن تمنحها الأفلام التي تراها كل ما تحتاجه من حب للحياة رغم صعوبتها. لا يقرر الفيلم عنها، لكنه ينتهي بتوجيه تحية ضمنية كبيرة لها.

عروض مهرجان تورنتو.

ضعيف* | وسط**| جيد ***| ممتاز**** | تحفة*****


مقالات ذات صلة

فيلم «أسد» يواجه اتهامات بدعم سردية «الأفروسنتريك»

يوميات الشرق فيلم «أسد» من بطولة محمد رمضان (صفحته على فيسبوك)

فيلم «أسد» يواجه اتهامات بدعم سردية «الأفروسنتريك»

يواجه فيلم «أسد» اتهامات واسعة بدعم سردية «الأفروسنتريك»؛ إذ حذر كبير الآثاريين بوزارة السياحة والآثار بمصر من المساس بـ«الهوية المصرية».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق ‎⁨ (imdb) شكلت سلسلة «توب غان» ظاهرة عالمية منذ عرض الفيلم قبل 4 عقود⁩

«توب غان» يعود إلى الشاشة الكبيرة... ورهان متجدد على الحنين السينمائي

إعادة عرض «توب غان» تأتي بالتزامن مع الذكرى الأربعين للفيلم الأصلي، وسط تحضيرات معلنة لإنتاج جزء ثالث من السلسلة.

إيمان الخطاف (الدمام)
سينما «المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)

جوائز «كان» تُمنح لـ«سينما المؤلف» أكثر من سواها

تشهد الدورة 79 من مهرجان «كان» هذا العام طرح عدة موضوعات ساخنة على بساط البحث، من بينها النقد الجاهز بأن المسابقة لا تتضمن توازناً بين أفلام المخرجين الذكور...

محمد رُضا (كان)
سينما «في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)

شاشة الناقد: 3 أفلام... و3 عزلات مختلفة

فيلم أنيميشن متقن تقنياً، ثريّ بالألوان والتنفيذ، ويتميّز بانسياب بديع لحركة «مرسومة يدوياً لا حاسوبياً».

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)

فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

اليوم، بعد عقود طويلة من الحروب والانهيارات النفسية والاغتراب الحديث، لم يعد هذا الصفاء يُقنِع بسهولة...

فاطمة عبد الله (بيروت)

جوائز «كان» تُمنح لـ«سينما المؤلف» أكثر من سواها

«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)
«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)
TT

جوائز «كان» تُمنح لـ«سينما المؤلف» أكثر من سواها

«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)
«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)

تشهد الدورة 79 من مهرجان «كان» هذا العام طرح عدة موضوعات ساخنة على بساط البحث، من بينها النقد الجاهز بأن المسابقة لا تتضمن توازناً بين أفلام المخرجين الذكور (17 فيلماً) وتلك التي أخرجتها نساء (5 أفلام). وجاء رد المدير الفني تييري فريمو بسيطاً، وإن متأخراً: «الأولوية للفيلم الجيد، لا لجنس مخرجه».

موضوع آخر يتمثل في العلاقة بين السينما والسياسة: هل هما متلازمان أم منفصلان؟ وإذا كانا متلازمين، فهل يمكن الفصل بينهما بحيث يستبعد المهرجان الخطاب السياسي؟ كيف يمكن ذلك، يرد آخرون، وعدد لا بأس به من الأفلام التي يعرضها المهرجان هذا العام، كما في أعوام سابقة، أفلام سياسية؟ وأين تذهب أفلام القضايا المحورية والأعمال التي تكشف ويلات الحروب؟

أما المحور الثالث، فهو غياب «هوليوود» عن «كان» بصورة ملحوظة. وليس هذا الغياب جديداً، لكنه بات يتكرر، مما فتح الباب أمام تأويلات وتحليلات متعددة شهدها المهرجان منذ انطلاقته وحتى اليوم.

شون بن في «ميستيك ريفر» لإيستوود (وورنر)

تجارب سابقة

شهدت الدورات الـ78 الماضية من هذا المهرجان فوز الأفلام الأميركية بجائزة السعفة الذهبية 21 مرة فقط. وكان أولها فيلم «الويك إند الضائع» (The Lost Weekend) سنة 1945، الذي عُرض في دورة 1946، من إخراج بيلي وايلدر وبطولة راي ميلاند. وبعد عامين، فاز فيلم أميركي ثانٍ بـ«السعفة الذهبية» هو «مرمى نيران» (Crossfire) لإدوارد دميتريك، ثم في عام 1947 فاز فيلم الرسوم المتحركة «دمبو» (Dumbo) من إنتاج «ديزني» بالجائزة نفسها، تلاه فيلم ضعيف بعنوان «زيغفيلد فوليز» (Ziegfeld Follies)، شارك في إخراجه 3 مخرجين، وقام ببطولته ويليام باول، وجودي غارلاند، ولوسيل بول.

مرت أكثر من 10 سنوات قبل أن يمنح المهرجان جائزته، عام 1955، لفيلم أميركي آخر هو «مارتي» (Marty) لدلبرت مان، وهي دراما تُعد أفضل ما أنجزه المخرج في مسيرته. وفي عام 1957 نال «إقناع ودود» (Friendly Persuasion) لويليام وايلر، مع غاري كوبر في الدور الرئيسي، «السعفة الذهبية»، قبل أن يسود جفاف استمر حتى عام 1970.

وفي عام 2003، ترأس المخرج الفرنسي باتريس شيرو لجنة التحكيم التي منحت جائزتها الأولى لفيلم «فيل» (Elephant) من إخراج غاس فان سانت، متجاوزة أعمالاً أكثر نضجاً وأفضل مستوى، من بينها «ذلك اليوم» (Ce jour-là) لراوول رويز، و«مسبح» (Swimming Pool) لفرانسوا أوزون، و«مسافة» لنوري بيلغه جيلان.

لكن الخسارة الأفدح في ذلك العام كانت لفيلم «ميستيك ريفر» (Mystic River) لكلينت إيستوود.

لم يبالِ النقد الغربي كثيراً بالأفلام المذكورة، بما فيها «فيل»، بقدر ما احتفى بفيلم إيستوود الرائع، الذي تناول حكاية 3 أصدقاء يعيشون جروحاً داخلية لم يمحها الزمن. ولم يكن «ميستيك ريفر» مجرد قصة درامية متماسكة ومؤثرة، بل كان أحد أفضل الأفلام المعروضة في تلك السنة، وبالتأكيد أكثر إتقاناً من الفيلم الفائز.

وبعد نحو 10 سنوات، التقيت كلينت إيستوود في استوديو «وورنر» بـ«هوليوود»، وسألته عن شعوره حين لم يفز بالجائزة الأولى. ضحك وقال: «لم أشاهد الفيلم الذي فاز بالجائزة، لكنني قرأت وسمعت عنه لاحقاً. وتساءلت: كيف تحكم لجان التحكيم على أفلام دون أخرى؟ وما معاييرها إذا لم تكن جودة الفيلم، وهي الأهم في نظري، في مقدمة تلك المعايير؟».

فازت الأفلام الأميركية بسعفة مهرجان «كان» السينمائي 21 مرة فقط خلال 78 دورة

مردود إعلامي

الوضع الحالي في هذا الشأن يعود، في بعض أوجهه، إلى أن الأفلام الأميركية التي دأبت على المشاركة في غالبية دورات «كان» السابقة لم تعد تجد في المهرجان المنصة التي تثير اهتمامها. ويعود ذلك أساساً إلى شعور «هوليوود» بأن العائد محدود، بدليل أن 21 فيلماً فقط فازت بالسعفة الذهبية خلال 78 عاماً، خصوصاً أن معظم الأفلام الأميركية الفائزة، مثل «فيل» و«بارتون فينك» و«أنورا» في العام الماضي، كانت من إنتاجات مستقلة، لا من إنتاج الشركات الكبرى مثل «باراماونت»، و«فوكس»، و«ديزني»، و«وورنر».

كما تدرك «هوليوود» أن أفلام ما يُعرف بـ«سينما المؤلف» هي التي تميل لجان التحكيم إلى دعمها ومنحها الجوائز. وهذا التوجه لا يقتصر على مهرجان «كان»، إذ شهد «برلين» أيضاً تراجعاً مماثلاً في الحضور الأميركي، نتيجة امتناع «هوليوود» عن إرسال أفضل إنتاجاتها. أما مهرجان «فينيسيا»، فقد يواجه الظاهرة نفسها، وإنْ كان الأقل تأثراً، لأنه يسبق مباشرة موسم الجوائز الأميركية، ما يجعل «هوليوود» أكثر حاجة إليه من غيره.

وفي الواقع، لا تستفيد «هوليوود» كثيراً من الجوائز المهرجانية حتى عندما تفوز بها أعمالها، لأنها لا تجد في هذا الاحتفاء مردوداً إعلامياً إيجابياً يوازي توقعاتها. فهي تنفق مبالغ كبيرة على المشاركة، ثم تخرج غالباً من دون مكاسب تُذكر. صحيح أن الأفلام الأميركية المستقلة تحافظ على حضور ملحوظ في «برلين» و«كان» و«فينيسيا»، لكن نجاحها التسويقي يبقى محدوداً.

كذلك، فإن موقف كثير من النقاد الغربيين من أي حضور أميركي كبير يكون، في العادة، سلبياً، ما يقلل من حاجة «هوليوود» إلى هذه المهرجانات أو غيرها.

والأمثلة كثيرة، وآخرها ما عرضه «كان» العام الماضي من أفلام أميركية مثل «المؤامرة الفينيقية» (The Phoenician Scheme) ويس أندرسون، و«موجة جديدة» (Nouvelle Vague) لريتشارد لينكليتر، و«ماسترمايند» (The Mastermind) لكيلي رايشارت، و«مت يا حبي» (Die My Love)، وهي أعمال لم تحقق نجاحاً تجارياً يُذكر.

أما هذا العام، فتمثل السينما الأميركية المستقلة فيلمان: «نمر من ورق» لجيمس غراي ضمن المسابقة الرسمية، و«الرجل الذي أحب» لإيرا ساكس. وحتى لو فاز أحدهما، فإن رد فعل «هوليوود» لن يختلف كثيراً عما كان عليه خلال السنوات الماضية.


شاشة الناقد: 3 أفلام... و3 عزلات مختلفة

«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)
«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام... و3 عزلات مختلفة

«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)
«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)

IN WAVES ★★★1/2

• إخراج:‫ فيونغ ماي نغيووِن‬

• فرنسا | رسوم متحركة (2026)

• عروض: مهرجان «كان»

فيلم أنيميشن متقن تقنياً، ثريّ بالألوان والتنفيذ، ويتميّز بانسياب بديع لحركة «مرسومة يدوياً لا حاسوبياً». حكاية صُمّمت لتعيد المشاهد إلى زمن كانت فيه الأفلام الرومانسية قادرة على التأثير العاطفي المباشر.

العمل نادر؛ لأنه يجمع بين فن الرسم والدراما العاطفية، متوجهاً إلى جمهور تجاوز سنّ المراهقة. يجمع الفيلم بين شاب (ويل شارب) وفتاة (ستيفاني سو) في قصة حب تنتهي تراجيدياً فوق أمواج البحر. هو لا يُجيد رياضة ركوب الأمواج، فيما تمتلك هي الخبرة الكافية التي تتيح لها تعليمه وتبديد خوفه من الأمواج العالية.

ذلك اللقاء يشكّل بداية علاقة تنتهي بمأساة، والمخرجة نغيووِن لا تتردد في دفع بعض المشاهدين إلى ذرف الدموع تأثراً.

وفي ثنايا هذا الخط السردي شخصيات أخرى تساعد البطل على إعادة تقييم نفسه والانتقال من حالة البراءة والمراهقة إلى قدر أكبر من الثقة بالنفس. وهي الثقة نفسها التي تتمتع بها المخرجة في معالجتها الحكاية وصورها على حد سواء. فمن جهة، تهتم ببناء الشخصيات والسرد، ومن جهة أخرى تمنح العناية نفسها للجانب التقني، موفرة مشاهد ذات جماليات وروحانية لافتة.

الفيلم مأخوذ عن رواية بيوغرافية مصوّرة وضعها أ. جاي دنغو قبل 6 سنوات، مستعيداً فيها الأحداث التي نراها هنا. الإنتاج فرنسي، لكنه ناطق بالإنجليزية تمهيداً لركوب موجة العروض العالمية.

وهو أيضاً أول فيلم رسوم متحركة يفتتح تظاهرة «أسبوع النقاد» منذ تأسيسها سنة 1962.

DUA ★★1/2

• إخراج:‫ بلرتا باشولي

• كوسوفو | دراما (2026)

• عروض قسم «أسبوع النقاد»

فيلم آخر من عروض «أسبوع النقاد»، يثير الاهتمام أكثر مما يترك أثراً فنياً واضحاً. لا اختراقات فنية هنا، ولا طرح يبقى عالقاً في الذهن طويلاً بعد انتهاء العرض. لكنه عمل صادق في تناوله مشكلة فتاة تُدعى «دوا» (بنيا ماتوشي)، تبلغ الـ13 من العمر، وتعيش تلك المرحلة الحساسة في عزلة وتأمل.

«دوا» (ملف مهرجان «كان»)

عائلتها على شفير الانقسام، وزميلاتها في الصف لا يُعرنها اهتماماً كبيراً، وفوق ذلك كله تقترب غيوم الحرب الداكنة. الحرب التي اندلعت أواخر تسعينات القرن الماضي لا تظهر مباشرة، لكن الإيحاء بها حاضر باستمرار.

تكمن مهارة المخرجة في التزامها تشخيص حالة بطلتها تحت أعباء المرحلة المحيطة بها، وفي رصد ارتباك المراهقة وأسئلتها. ونجاح هذا الجانب يعود إلى تفهّم واضح من المخرجة، التي تبدو كأنها تستعيد شيئاً من ذاتها في تلك المرحلة.

غير أن ذلك لا يمنع العمل من الوقوع في بعض الضعف في البناء السياقي والتماسك السردي.

NAGI NOTES ★★1‪/‬2

• إخراج:‫ كودجي فوكادا‬

• اليابان | دراما (2026)

• عروض مسابقة مهرجان «كان»

معظم أفلام المخرج كودجي فوكادا السابقة تنتمي إلى الدراما الإنسانية الهادئة، كما هي الحال في فيلمه الجديد «ملاحظات ناغي» (وهو اسم منطقة جبلية يابانية).

والقاسم المشترك في أفلامه، مثل «حياة حب» (2022)، و«حب في محاكمة» (2025)، هو البحث عن الجوهر الإنساني في شخصياته، عبر اهتمام دقيق بالتفاصيل ومنح شخصياته الوقت للكشف عن خفاياها الداخلية.

من «ملاحظات ناغي» (ملف مهرجان «كان»)

هذا ما يفعله هنا أيضاً من خلال شخصية فنانة تماثيل تُدعى «يوريكو» (تاكاكو ماتسو) تعيش في تلك المنطقة النائية. ذات يوم تزورها قريبتها «يوري» (شيزوكا إشيباشي) الآتية من طوكيو... وبما أنه لا توجد مواصلات سهلة أو محطة قطار قريبة، ويصوّر المخرج وصولها عبر سير طويل على طريق ريفية، فلا تبدو زيارة عابرة، بل محاولة للعودة إلى الماضي والعودة إلى أشخاص شكّلوا جزءاً من حياتها السابقة. وهذا ما يقود «يوري» إلى لقاء «يوريكو» لتصبح، ولو مؤقتاً، موديلاً لأعمالها.

تشبه تبعات هذه الزيارة إلقاء حجر في بركة راكدة، وهي ثيمة اعتاد فوكادا الاشتغال عليها في أفلامه: دخول شخص غريب بيئةً ساكنة بما يؤدي إلى اضطراب عاطفي وكشف عن خلفيات وتوترات كامنة.

الفيلم رتيب في أكثر من موضع، كأفق دون نتوءات، لكنه يمضي بسلاسة. وهو عميق الدلالات في رصده العنصر الياباني داخل شخصياته، مانحاً المشاهد الوقت الكافي لفهمها وتقديرها، ومقدّماً تجسيداً دقيقاً للبيئة وأهلها. غير أن امتداده إلى نحو ساعتين يجعل المرء يتمنى لو أن المخرج حرّك هذا السكون درامياً، واستثمر المواقف التي يعرضها بدلاً من الاكتفاء بمراقبتها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
TT

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

في غضون 3 أيام هذا الأسبوع، بلغت الإيرادات الإجمالية لـ5 أفلام معروضة تجارياً على نطاق واسع أكثر من 158 مليون دولار في السوقين الأميركية والكندية فقط.

هذه الأفلام، وفق ترتيبها على سلم الإيرادات خلال الأيام المذكورة، هي: «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، «مايكل» (Michael)، «مجرة سوبر ماريو» (The Super Mario Galaxy)، «مشروع هايل ماري» (Project Hail Mary)، و«هُراء» (Hokum).

ترتيبها حسب إجمالي الإيرادات حتى الآن يختلف عن ترتيبها الأولي، ويأتي كما يلي:

1. «ذا سوبر ماريو غالاكسي» - 403 ملايين دولار.

2. «مشروع هايل ماري» - 319 مليون دولار.

3. «مايكل» - 189 مليون دولار.

4. «الشيطان يرتدي برادا 2» - 82 مليون دولار.

5. «هُراء» - 7 ملايين دولار.

«هامنت» (فوكاس فيتشرز)

فجوة كبيرة

4 من هذه الأفلام مستمرة في عروضها العالمية بإيرادات مرتفعة، وهي: «ذا سوبر ماريو غالاكسي» (888 مليون دولار)، «مشروع هايل ماري» (639 مليون دولار)، «مايكل» (433 مليون دولار)، و«الشيطان يرتدي برادا 2» (239 مليون دولار).

مثل هذه الإيرادات تكاد تكون مستحيلة على الأفلام الفنية والمستقلة، التي تستقبلها المهرجانات بكل استحقاق وترحاب. أنجحها تجارياً في الوقت الحالي هو فيلم «هامنت»، الذي حظي بإعجاب غالبية النقاد خلال الأشهر القليلة الماضية، ويحتل المركز الـ19 بإيراد كلي لا يتجاوز 108 ملايين دولار.

في المقابل، جمع فيلم «صِراط» للمخرج الإسباني أوليڤر لاكس، وهو فيلم نال استحساناً نقدياً منذ عرضه في مهرجان «كان» في مثل هذا الشهر من العام الماضي وحتى فبراير (شباط) من العام الحالي، 13 مليون دولار عالمياً، علماً بأن كلفته جاورت 32 مليون دولار.

هذا لا يجب أن يكون مفاجئاً؛ فالأرقام المذكورة تبرز الفجوة الكبيرة بين الأفلام التي تجذب الجمهور السائد حول العالم وتلك التي تمثل الفن النقي وتُعرض في المهرجانات ويثمنها النقاد.

«مشروع هايل ماري» (أمازون-ج.م.ج)

التحولات النقدية

النظرة النقدية للأفلام من حيث التقييم ومعايير الجودة تغيَّرت على نحو شبه جذري خلال العقود الثلاثين الأخيرة. لقد ازداد عدد النقاد المعجبين بالأفلام الجماهيرية في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص.

فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2»، الذي يضم مجموعة من الممثلين الذين ظهروا في الجزء الأول عام 2006 ومنهم ميريل ستريب، آن هاثاواي، إميلي بلنت وستانلي توشي، حظي بقبول جيد بين النقاد الأميركيين 62 في المائة إيجابي، و35 في المائة تقييم مختلط وفق موقع (Metacritic).

أحد النقاد في «ذا نيويورك بوست» وصف مشاهدته بأنه «ملزم لكل من يعرف الفرق بين البغل والمضخّة»، بينما أُعجب به آخر في «بوسطن غلوب» بوصفه «ترفيهي للغاية»، وكتب آخر: «متعة بلا إجهاد».

صورة معكوسة

ما يتبدَّى، وليس بالنسبة لهذا الفيلم فقط، بل بشكل متكرر، هو أن النقد الحديث الممارس على المنصات أو في الصحف الكبرى، أوروبياً وأميركياً، بات يميل إلى تأييد الأفلام التي لا تحتاج إلى تشجيع، على أساس أن نسبة قراء النقد في الغرب أقل بكثير من نسبة المتجهين إلى صالات السينما بلا اكتراث بالكتابات النقدية.

في بعض الحالات، يبدو هذا الميل رغبة في تعزيز مكانة الناقد لدى قرائه وصحيفته، بعيداً عن التعرّض للعناصر التي يقوم عليها النقد الجيد، ما يجعل عمله أحياناً وظيفياً أكثر مما هو نقدياً.

في العالم العربي، الصورة معكوسة لكنها ليست بالضرورة أفضل. معظم الكتابات النقدية تركز على البحث في معاني وطروحات الأفلام وليس على تقييمها فنياً. نادراً ما يُذكر اختيار المخرج أو أسلوبه، أو الحديث عن التصوير والموسيقى والمونتاج، أو دراسة الشخصيات وأداء الممثلين.

الغالب هو التركيز على الموضوعات الاجتماعية والسياسية المطروحة، وليس على كيفية تحقيق تلك الطروحات فنياً. وساعد الإنترنت وسهولة الوصول إليه قيام عدد كبير من «النقاد» (إن صح التعبير) باقتباس النصوص الأجنبية أو استلهامها، خصوصاً بالنسبة للأفلام الأميركية.

نلاحظ أن القلة فقط يكتبون عن أفلام وسترن أو رعب أو كوميديا إذا لم تجذب اهتمام النقاد الغربيين، وفي الوقت نفسه، تتبع الآراء النقدية العربية عن كثب تقييمات النقاد الأجانب. فيلم «هامنت» نال إعجاباً في المنشورات العربية، وكذلك «مشروع هايل ماري»، و«مارتي سوبريم»، و«معركة بعد معركة»، و«كان مجرد حادثة»، و«أحلام قطار»، وهي ليست جميعها ذات جودة واحدة، مما يجعل هذه الكتابات أقرب لأن تكون صدى أكثر منها قرارات نقدية مستقلة.

تجاذب النقد والجمهور

أحد الاختلافات الكبيرة بين النقد السينمائي سابقاً واليوم، خصوصاً في الغرب، هو إدماج القارئ عبر مخاطبته مباشرة. كثيراً ما نقرأ عبارات مثل: «ستعجبك ميريل ستريب في هذا الدور»، أو «حين تخرج من هذا الفيلم ستتطلع إلى السماء خوفاً من غزاة فضاء»، أو «ستضحك خلال المشاهدة وبعدها».

على الرغم من أن هذا نوع من التواصل المباشر والساذج الذي يسعى إليه كثير من النقاد، فهو مثال على تحوُّل النقد من تحليل العمل إلى توجيه المشاهد. سابقاً، كان الناقد يتجنَّب الحديث بصفته المتكلم، وكان الهدف تعزيز فهم القارئ للعمل فنياً وموضوعياً، ثم تركه ليختار موقفه بنفسه.