ملك بريطانيا في زيارة دولة لفرنسا بعد تأجيل 6 أشهر

إجراءات أمنية استثنائية وبرنامج مكثف ووليمة في قصر فرساي

الملك تشارلز وسط الناس في إحدى بلدات اسكتلندا (أرشيفية - أ.ب)
الملك تشارلز وسط الناس في إحدى بلدات اسكتلندا (أرشيفية - أ.ب)
TT

ملك بريطانيا في زيارة دولة لفرنسا بعد تأجيل 6 أشهر

الملك تشارلز وسط الناس في إحدى بلدات اسكتلندا (أرشيفية - أ.ب)
الملك تشارلز وسط الناس في إحدى بلدات اسكتلندا (أرشيفية - أ.ب)

أخيراً، يحل الملك تشارلز الثالث ضيفاً على فرنسا في زيارة دولة من 3 أيام سيحظى خلالها بأعلى مظاهر التكريم التي تليق برئيس دولة صديقة لفرنسا، تربطها بها علاقات تاريخية ضاربة في القدم، تعود بداياتها إلى عام 1066 عندما غزا دوق منطقة نورماندي (شمال غربي فرنسا) «غليوم الفاتح» إنجلترا، وانتزع العرش من ملكها هارولد.

وخلال قرون طويلة، تواجه البلدان في ساحات المعارك، وكانت إنجلترا الخصم الأكبر للإمبراطور نابليون الأول، ولم توفر جهداً حتى إزاحته عن العرش في معركة واترلو الشهيرة عام 1815، إلا أن باريس ولندن تحولتا، مع اقتراب انتهاء القرن التاسع عشر، إلى حليفتين خاضتا معاً غمار الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وكان الملك تشارلز الثالث يريد أن يبدأ أولى زياراته الخارجية، بعد صعوده إلى العرش، من فرنسا نظراً للعلاقات التاريخية التي تربط بريطانيا بها. لكن المظاهرات والإضرابات وتوتر المناخ الاجتماعي وصعوبة ضبط الأمن بسبب المظاهرات الصاخبة والعنيفة التي اجتاحت فرنسا في شهر مارس (آذار) احتجاجاً على تعديل قانون التقاعد دفعت الرئيس إيمانويل ماكرون لطلب تأجيلها.

وما أجل بالأمس سيحصل الأربعاء، حيث يحل الملك والملكة كاميليا ضيفين في زيارة دولة تدوم 3 أيام، تبدأ في باريس، وتنتهي في مدينة بوردو، المعروفة عالمياً بخمورها الشهيرة التي كانت لعقود ممتلكات إنجليزية. وعملت دوائر قصر الإليزيه على تحضير برنامج يليق بالزيارة الملكية.

الرئيس ماكرون وعقيلته بريجيت في زيارة لكنيسة كلية نوتردام في منطقة بورغوني (أرشيفية - أ.ف.ب)

تمثل احتفالية إحياء شعلة تكريم الجندي المجهول، بعد ظهر الأربعاء، تحت قوس النصر الذي بدأ بناؤه زمن الإمبراطور نابليون الأول، خصم التاج البريطاني في بداية القرن التاسع عشر، نقطة الانطلاق لـ3 أيام من تكريم الثنائي الملكي حيث سيعزف النشيدان الوطنيان البريطاني والفرنسي والوقوف دقيقة صمت حداداً على الموتى وتحية العلمين وكتابة كلمة في «الكتاب الذهبي» لقوس النصر واستعراض القوة العسكرية المولجة تقديم التحية... ثم نزول جادة الشانزليزيه في سيارتين ترفعان العلم الفرنسي؛ الأولى لماكرون وتشارلز الثالث، والثانية لسيدة فرنسا الأولى بريجيت والملكة كاميليا.

وسيشهد اليوم الأول من الزيارة لقاء مغلقاً بين ماكرون وتشارلز الثالث في قصر الإليزيه. وقالت المصادر الرئاسية إنه سيتناول العلاقات الثنائية الفرنسية ــ البريطانية ومستقبلها والأزمات الدولية، ومنها الحرب في أوكرانيا والوضع في منطقة الساحل، فضلاً عن الموضوعات التي يتمسك العاهل البريطاني بمتابعتها، مثل الذكاء الاصطناعي، الذي سينظم الطرف البريطاني قمة بشأنه في لندن في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والبيئة ومحاربة التصحر. وبعد فترة من التوتر، تفاقمت العلاقات بين الجانبين، بسبب ملفين مهمين، هما حقوق الصيد في المياه البريطانية من جهة، وتدفقات الهجرات من فرنسا إلى الشواطئ البريطانية من جهة ثانية، تراجع التوتر ونجح الطرفان في إرساء صيغة علاقات هادئة بعد خروج بوريس جونسون وليز تارس من رئاسة الحكومة.

وقالت المصادر الرئاسية إن باريس ولندن تمران بمرحلة «تعزيز وتوثيق العلاقات». مشيرة إلى القمة الثنائية التي جرت في شهر مارس (آذار) الماضي، بعد انقطاع دام 4 سنوات، ومعتبرة أنه تم خلالها إحراز تقدم بشأن الموضوعات الخلافية، وتم التركيز بفضلها على التعاون الثنائي والحرب في أوكرانيا ودعم كييف عسكرياً ومادياً، وبشأن ما يسمى في اللغة الدبلوماسية «المسائل الشاملة»، أي التي تخص البيئة والتصحر وتمويل الانتقال إلى اقتصاد عديم الكربون. والملفات الأخيرة تلقى عناية خاصة من ملك بريطانيا منذ سنوات.

تقول باريس، في معرض تقديمها للزيارة، إن حصولها «يعكس تمسك الطرفين الفرنسي والبريطاني بعلاقات متميزة». وجاء في بيان صادر عن الإليزيه أن الزيارة تعد بمثابة «تكريم» لفرنسا، كما أنها «تعكس عمق الروابط التاريخية التي تجمع البلدين، فضلاً عن أنها توفر فرصة لإبراز تألق فرنسا في ميادين الثقافة والفن وفنون المطبخ والتراث الفرنسي الفريد في هذا المجال الذي ستعكسه وليمة العشاء الرسمي في قصر فرساي التاريخي». وجاء في البيان أيضاً أنها «ترمز إلى علاقة الصداقة والثقةّ» القائمة بين الرئيس ماكرون والملك تشارلز الثالث اللذين عملا معاً سابقاً في ميدان المحافظة على التنوع الأحيائي (البيولوجي) ومحاربة التغيرات المناخية. وفي هذا السياق، سيشارك رئيسا الدولتين يوم الخميس في مؤتمر في العاصمة باريس مخصص لتمويل المبادرات المناخية وحماية البيئة، بحضور أطراف فاعلة بريطانية وفرنسية من القطاع الخاص.

الملك تشارلز والملكة كاميليا يحضران سباقاً للخيل (أرشيفية - د.ب.أ)

كثيرة اللفتات التكريمية التي أراد الفريق الرئاسي إبرازها لملك بريطانيا، ومنها مرافقة ماكرون له إلى مقر السفير البريطاني الواقع على بعد رمية حجر من قصر الإليزيه لغرس شجرة سنديان في حديقة المقر تخليداً للزيارة.

بيد أن الأهم منها جميعاً هو الوليمة الكبرى التي ستحصل مساء الأربعاء في «قاعة المرايا» في قصر فرساي، بحضور ما بين 150 و180 مدعواً. وكان الملك لويس الرابع عشر قد حرص على أن يكون قصره من الأجمل في أوروبا لإظهار عظمة بلاده. ويبلغ طول قاعة المرايا 73 متراً، وتغطي حيطانها 357 مرآة من الحجم الكبير، وكانت مخصصة زمن الملوكية لحفلات الرقص، التي كان الملك لويس الرابع عشر مولعاً بها. ومن المحطات التاريخية الشهيرة في قصر فرساي أن الزعيم الألماني بيسمارك اختار «قاعة المرايا» لإعلان الوحدة الألمانية في عام 1871، بعد الهزيمة العسكرية التي ألحقتها قواته بالإمبراطور نابليون الثالث، التي على إثرها احتلت باريس.

وأفادت المصادر الرئاسية أن الجانب الفرنسي أراد أيضاً بالمناسبة نفسها تكريم ذكرى الملكة إليزابيث الثانية التي دعيت إلى فرساي مرتين، وكانت مشدودة إليه. وسيلقي كل من ماكرون وتشارلز الثالث كلمة بروتوكولية. والمعروف أن الملك البريطاني، كوالدته، يجيد اللغة الفرنسية. ولم يعرف حتى مساء أمس ما إذا كان سيستخدم لغة شكسبير أم لغة موليير.

كثيرة تفاصيل الزيارة الاستثنائية التي تتواصل الخميس بزيارة كاتدرائية نوتردام، التي يتم ترميمها بعد الحريق الذي أصابها ليل 15 أبريل (نيسان) من عام 2019. بيد أن العاهل البريطاني، قبل ذلك، سوف يلقي خطاباً أمام مجلس الشيوخ المجتمع لهذه المناسبة. ومن المحطات المرتقبة مشاركة رئيسي الدولتين في ختام المؤتمر الذي يستضيفه المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي، والمخصص للتمويل البيئي والتنوع الأحيائي، قبل اجتماع ثنائي ثانٍ بينهما في قصر الإليزيه.

لم تنس دوائر الإليزيه الملكة كاميليا التي حضرت لها برنامجاً مكثفاً مع عقيلة الرئيس ماكرون حيث ستزوران معاً (ومع الملك تشارلز الثالث) كاتدرائية سان دوني الواقعة على مدخل باريس الشمالي، والتي دفن فيها كثير من ملوك فرنسا. كذلك ستحضران معاً إلى المكتبة الوطنية الخميس للإعلان عن إطلاق جائزة أدبية فرنسية - بريطانية، سوف تمنح العام المقبل للمرة الأولى. وينتهي الخميس، مساء، القسم الخاص بباريس، حيث سينتقل الثنائي الملكي إلى مدينة بوردو، الواقعة جنوب غربي فرنسا، التي خضعت لعقود طويلة للسيطرة الإنجليزية.

يريد قصر الإليزيه التشديد على «العلاقة الخاصة» التي تجمع ماكرون وتشارلز الثالث، ويؤكد على تواصلهما الدائم، خصوصاً منذ عام، أي منذ صعود الأخير على العرش، وعلى اهتمامهما بموضوعات رئيسية تهم البشرية. بيد أن الدستور البريطاني غير المكتوب يحد من دائرة تدخل الملك في سياسة بريطانيا الخارجية والداخلية. من هنا، فإن الوجه الأكبر للزيارة سيكون بروتوكولياً.

لكن الإليزيه حرص على تسريب أن ملك بريطانيا مهتم دوماً بالتعرف لرؤية ماكرون وتحليلاته بخصوص المسائل الدولية. إلا أن هذا القرب بين رئيسي الدولتين لا يعني أن ماكرون منقطع عن الطيف السياسي المتنوع في بريطانيا، والدليل على ذلك استقبال كير ستارمير، رئيس حزب العمال البريطاني وزعيم المعارضة عصر الثلاثاء، أي قبل يوم من وصول الملك. وكان قد التقى رئيس الوزراء ريتشي سوناك، الأحد ما قبل الماضي، على هامش قمة العشرين التي استضافتها مؤخراً جنوب أفريقيا.

ويوم الجمعة، يحل تشارلز الثالث والملكة كاميليا ضيفين على مدينة بوردو التي يصلان إليها بالطائرة بعد أن كان مقرراً أن ينتقلا بالقطار السريع. وكان الضيفان قد وصلا إلى باريس بالطائرة، وليس بالقطار. وأفادت معلومات متداولة أن السبب في الحالتين يعود لدواعٍ أمنية. ولن يبقى الثنائي الملكي في بوردو سوى 4 ساعات، سيتمكن خلالها من زيارة الغابة النموذجية المقامة قريباً من مدينة فلورياك، والانتقال إلى مدينة مارتياك، القريبة من بوردو، لزيارة «قصر سميث هو لافيت» منتج الخمور الشهير، قبل حضور جانب من حفل موسيقي يقام على شرفه، والالتقاء بسكان بوردو، ومن ثم الانتقال إلى مطار ميرينياك والعودة جواً إلى لندن.

يبقى أن الأجهزة الأمنية الفرنسية ستكون بالغة الجاهزية خلال الأسبوع الحالي حيث عليها أن تتعامل مع زيارتين رئيسيتين: «الملك تشارلز الثالث، والبابا فرنسيس الذي يصل إلى مرسيليا يوم الجمعة المقبل في زيارة من يومين»، فضلاً عن تأمين «بطولة الرغبي» العالمية الجارية حالياً في عدة مدن فرنسية. وقالت المصادر الأمنية إن ما لا يقل عن 30 ألف رجل من الشرطة والدرك ووحدات مكافحة الشغب والوحدات المتخصصة الأخرى سيعبئون خلال هذا الأسبوع حيث ألغيت المأذونيات. وإضافة إلى ما سبق، ستجرى مظاهرات في كثير من المدن الفرنسية السبت المقبل احتجاجاً على أعمال العنف التي ترتكبها القوى الأمنية.



حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.


حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025، على ما أظهرت بيانات جديدة، الخميس.

ويطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول الحلف البالغ عددها 32 بزيادة إنفاقها الدفاعي، داعياً أوروبا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار تقرير لـ«الناتو» إلى أن كل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا تجاوزت الآن الهدف المحدد بتخصيص ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وهو هدف تم تحديده في عام 2014 بغرض تحقيقه في مهلة أقصاها 2024. ومنذ ذلك الحين، وتحت ضغط ترمب، حدد الناتو هدفاً جديداً هو 5 في المائة بحلول 2035.

ولدى عرضه التقرير قال الأمين العام للحلف مارك روته: «أتوقع من أعضاء الحلف في قمة (الناتو) المقبلة في أنقرة أن يُظهروا أنهم يسيرون على طريق واضح وموثوق نحو تحقيق نسبة 5 في المائة».

وحققت ثلاث دول فقط هدف 3.5 في المائة العام الماضي، وهي بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وزادت كل الدول إنفاقها العسكري العام الماضي، لكن ثلاثاً منها سجلت انخفاضاً طفيفاً في نسبة الإنفاق مقارنةً بناتجها المحلي الإجمالي.

في المقابل، تراجعت النسبة للولايات المتحدة من 3.30 في المائة عام 2024 إلى 3.19 في المائة، وفي جمهورية التشيك من 2.07 في المائة إلى 2.01 في المائة، وفي المجر من 2.21 في المائة إلى 2.07 في المائة.


تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث هجوم له على أوروبا، انتقادات لاذعة لقادة القارة لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «إنهم يشتكون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها»، لكنهم يرفضون «مناورة عسكرية بسيطة هي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط».

ومهما بدت تصريحاته اندفاعية، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أعمق؛ وهي أن ترمب وضع قادة أوروبا أمام معادلة مزدوجة. فالإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي من جانب إيران أشعل أزمة طاقة شاملة في أنحاء القارة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، الذي يثير غضب الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا، تزداد الضغوط على القادة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح خطوط الشحن.

شبح حرب العراق

لكن في الوقت نفسه، تتّجه الرياح السياسية في أوروبا بشكل كبير ضد الحرب، ما يرفع تكلفة مشاركة أوروبا فيها. فالحملة العسكرية تتعرّض لانتقادات من كثير من الأوروبيين، خصوصاً على اليسار، الذين يرون أنها غير مبررة وغير قانونية، وأنها تهدد النمو الهش في أوروبا. كما لا يزال القادة يستحضرون حرب العراق، التي دعمتها بريطانيا، وندمت عليها لاحقاً. وقال جيرار أرو، السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل والولايات المتحدة: «نحن منقسمون كعادتنا. الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على عدة مستويات. نحن في حالة صدمة كاملة مما يحدث».

ورغم المخاطر السياسية، هناك أسباب قوية تدفع أوروبا لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ففي ألمانيا، تجاوز سعر البنزين 2 يورو للتر، أي ما يعادل 9.48 دولار للغالون، ما أجبر برلين ودولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مكلفة، مثل بحث خفض الضرائب ووضع سقوف للأسعار للتخفيف من الصدمة.

وقال بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق لدى فرنسا والولايات المتحدة: «لدى الأوروبيين مصلحة كبيرة في فتح المضيق أمام ناقلات النفط والتجارة الأخرى، وفي إظهار أنهم حلفاء موثوقون للدول الخليجية».

ورغم الضغوط التي يمارسها ترمب على أوروبا، فإنه لم يُسهّل على قادتها دعمه. إذ لم تُشاور الولايات المتحدة حلفاءها بشأن العملية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بل لم تُخطر غالبيتهم مسبقاً. وجاء غياب التنسيق بعد فترة متوترة صعّد فيها ترمب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتقلّب في دعمه لأوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، وجّه ترمب إهانات إلى القادة الأوروبيين، ولا سيما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي بذل جهوداً كبيرة لكسب وده. وقال إنه «ليس ونستون تشرشل»، قبل أن يروّج لمقطع ساخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يرتجف قبل مكالمة هاتفية مع الرئيس.

انتقاد الحلفاء

وحتى عندما دعا الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم، لم يخلُ حديث ترمب من الانتقاص منهم، إذ قال إن الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى قدراتهم العسكرية. ويرى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن ذلك يكشف دافعه الحقيقي: دفع أوروبا لتحمل المخاطر السياسية للانضمام إلى الحملة العسكرية.

ويشير محللون إلى أن أوروبا يمكن أن تسهم في عملية عسكرية في المضيق، عبر نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكنهم يرون أن قيمة مشاركتها السياسية تفوق أهميتها العسكرية. وقال ميشال ياكوفليف، الجنرال الفرنسي المتقاعد والمخطط السابق في «الناتو»: «قد يكون من المفيد وجود مزيد من السفن، لكن هذا ليس طرح ترمب». وأضاف: «لو كان مستعداً للقول إن حجم المشكلة يتطلب موارد إضافية، لكان الحساب مختلفاً». وتابع: «لكن بما أنه قلّل من قيمة المساهمة العسكرية الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة سياسية». وأشار إلى أن القادة الأوروبيين مُحقّون في عدم منح ترمب غطاءً سياسياً، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو يطرح مساراً للخروج من الحرب. وكان الرئيس قد قال إن «محادثات جيدة جداً» جارية لإنهاء القتال، وهو ما سارعت إيران إلى نفيه.

وأضاف ياكوفليف أن تشكيل تحالف لتأمين المضيق يتطلب اتفاقاً على نطاق العملية ومساهمات كل طرف وسلسلة القيادة وقواعد الاشتباك، وهي عملية قد تستغرق شهرين على الأقل.

وفي الأسبوع الماضي، خفّف قادة أوروبيون، إلى جانب نظرائهم من آسيا والخليج، من معارضتهم للمشاركة في مثل هذه العملية، لكن بيانهم جاء حذراً، إذ قال: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق».

تحالف ما بعد الحرب

ويعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلف الكواليس للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لعملية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع، فيما طرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي فكرة توسيع مهام بعثات الحماية البحرية القائمة في المنطقة.

وقال أرو إن أوروبا، بالنظر إلى تاريخها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، يمكن أن تلعب دوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية في إنهاء النزاع. لكنه أضاف أن أوروبا مكبّلة بثلاثة عوامل مترابطة: عدم ثقة ترمب ببروكسل خصوصاً بعد رفضها دعم الحرب؛ ومخاوفها من أن يؤدي استعداؤه إلى الإضرار بأوكرانيا؛ وشكوك إيران فيها نظراً للتردد الأوروبي في مواجهة واشنطن بشكل أكثر وضوحاً. وختم قائلاً: «يمكننا أن نؤدي دور الوسيط، لكن ترمب يفضل الباكستانيين»، مضيفاً أن «الإيرانيين لا يثقون بنا أيضاً؛ فهم يعتقدون أننا ندعم الأميركيين».

*خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»