حظر «العباية» في المدارس يضع مسلمي فرنسا أمام جدل سياسي جديد

الإشكالية تفجرت على أبواب العام الدراسي

طالبات مسلمات طُردن من مدرستهن بسبب العباية (رويترز)
طالبات مسلمات طُردن من مدرستهن بسبب العباية (رويترز)
TT

حظر «العباية» في المدارس يضع مسلمي فرنسا أمام جدل سياسي جديد

طالبات مسلمات طُردن من مدرستهن بسبب العباية (رويترز)
طالبات مسلمات طُردن من مدرستهن بسبب العباية (رويترز)

يكشف الحضور الدائم لموضوع الإسلام والمسلمين، في النقاش العام الفرنسي، التهميش السياسي لأولئك الذين يُصار إلى تقديمهم على أنهم تهديد للتعددية الديمقراطية. والواقع أنه لا الثقل البشري والاقتصادي لهذه الجالية ولا محاولات التنظيم التي بادرت بها بعض الحكومات، كحكومة جان بيار شوفنمان وحكومة نيكولا ساركوزي، استطاعت أن تخرج الجالية المسلمة، خصوصاً الشمال أفريقية، من دائرة الوصم والتهميش التي تتخبط فيها منذ عقود. ولكن الفرنسيين استقبلوا الدخول المدرسي على وقع جدل سياسي كبير، بسبب قرار وزير التربية والتعليم، غبريال آتال، الأحد 28 أغسطس (آب) الماضي، حظر ارتداء «العباية» في المدارس بوصفها رمزاً دينياً. وكان الوزير الجديد، الذي تسلَّم حقيبة التربية والتعليم، أواخر يوليو (تموز)، قد صرح، في مقابلة مع قناة «تي إف أ» بأن «ارتياد المدرسة بالعباية مظهر ديني يرمي إلى اختبار مدى مقاومة الجمهورية، على صعيد ما يجب أن تشكله المدرسة من صَرح علماني... ولا يجوز تمييز ديانة التلاميذ من خلال الزي الذي يرتدونه في القسم»، مشدداً على سعيه لوضع «قواعد واضحة على المستوى الوطني» لمديري المدارس أخيراً.

في الرسالة التي بعث بها غبريال آتال، وزير التربية الجديد، إلى هؤلاء، أوضح أنه يجب إعطاء الأولوية «للحوار» مع التلميذات وأهاليهم، وتجنب طرد أي تلميذة إلا بعد استنفاد كل سبل التحاور. وكان القرار قد جاء على خلفية معلومات كشفت عنها وزارة التربية تفيد بأن نسبة «الانتهاكات» التي طالت «قانون العلمانية» في المدارس قد بلغت (منذ 2021) 120 في المائة، معظمها بسبب ما يُسمى بـ«العباية»، وهي فستان ذو كُمّ طويل وعريض متداوَل بشدة عند الفتيات المسلمات. ووردت هذه المعلومات في أعقاب تسجيل أكثر من 5000 بلاغ وصل لمصالح وزارة التربية، ويتعلق بنحو 513 مؤسسة تربوية، معظمها ثانويات، زُعم أن قوانين العلمانية قد انتُهكت فيها. وبالمناسبة، بلغ عدد البلاغات أرقاماً قياسية، بالأخص، خلال شهر رمضان وفي المناسبات الدينية التي يكثر فيها إقبال الفتيات على ارتداء هذا النوع من اللباس التقليدي.

غبريال آتال (أ ف ب)

تدابير حازمة

هذه المعطيات جعلت «مجلس حُكماء العلمانية وقيَم الجمهورية»، وهو الهيئة التي تراقب حسن تطبيق قانون العلمانية في المدارس، ينصح وزير التربية، اعتباراً من يونيو (حزيران) 2022، باتخاذ تدابير «حازمة» لتدارك الوضع، وهذا وفق مذكرة سرية كشفت عنها صحيفة «لوموند»، علماً بأن الوزير السابق، باب انداي، كان قد رفض حظر «العباية»، وهو الموقف الذي كلفه منصبه الوزاري، حسب بعض التقارير.

للتذكير، البرلمان الفرنسي كان قد صادق يوم 15 مارس (آذار) من عام 2004 بـ494 صوتاً مقابل 36 على قانون يمنع كل الرموز الدينية في المدارس الحكومية، ومنها الحجاب الإسلامي والقلنسوة اليهودية والصلبان المسيحية، لكن الجدل تركز على الحجاب الإسلامي. ورغم القرار الوزاري، كشفت صحيفة «ليبراسيون» في عددها الصادر يوم 5 سبتمبر (أيلول) الحالي عن أن أكثر من 300 تلميذة قصدن المدارس وهن مرتديات «العباية»، وأن 67 منهن رفضن خلعها مفضلات العودة إلى بيوتهن.

في هذه الأثناء، قابلت نقابات المعلمين القرار بكثير من الحذر، وذكرت أن «هناك مشكلات أهم من العباية» في قطاع التعليم، كأزمة العجز في عديد الجهاز التعليمي، حيث ينقص المؤسسات التربوية الفرنسية سنوياً نحو 300 معلم.

اليمين يرحب بالقرار

سياسياً، خص الرئيس إيمانويل ماكرون قناة أحد المؤثرين الذين يحظون بشعبية كبيرة لدى الشباب بحوار ربط فيه بين اغتيال مدرس التاريخ والجغرافيا صامويل باتي عام 2019 والرموز الدينية في المدارس، وأردف: «أنا لا أوازي بين ارتداء الفتيات المسلمات لهذا الزي والإرهاب، لكنني هنا أؤكد أن تطبيق مبدأ العلمانية مهم بالنسبة لنا». وخلال زيارته لثانوية مهنية في أورانج بجنوب فرنسا قال: «لن ندع أي شيء يمر. نعلم أنه ستكون هناك حالات... ربما بسبب الإهمال... لكن علينا أن نكون حازمين».

بدورها، رفضت رئيسة الحكومة إليزابيث بورن، كل اتهامات «الوصم» والتمييز التي قد تستهدف المسلمين، فقالت على أمواج إذاعة «أر تي آل» موضحة: «أريد أن أوضح الأمور... ليس هناك أي محاولة للوصم. فلكل واحد من مواطنينا، أيّاً كانت ديانته، مكانه في بلادنا». وكذلك أدلى وزير الاقتصاد برونو لومير بدلوه الذي صرح لـ«إذاعة أوروب 1» قائلاً: «الإسلام السياسي يمتحننا ويمتحن حدودنا وقدرتنا على المواجهة منذ سنوات... شيء جيد أن يقول وزير مسؤول عن تربية الأطفال وتعليمهم وتكوينهم: كفى، للإسلام السياسي».

غير أن الترحيب الأكثر حرارة بقرار وزير التربية والتعليم بحظر العباية في المدارس جاء من الأوساط السياسية اليمينية، بدءاً بـ«العائلة السياسية» للوزير. وحقاً تلقى الوزير آتال دعماً واسعاً من قبل شخصيات كثيرة من اليمين الفرنسي، كالرئيس السابق نيكولا ساركوزي الذي هنّأه على قراره، مهاجماً في الوقت ذاته الوزير السابق باب انداي: «الذي ترك مديري المدارس يتخبطون في المشكلات بمفردهم»، حسب كلام ساركوزي. وتفاعل إيريك سيوتي، زعيم كتلة الجمهوريين، أيضاً مع قرار الوزير على منصة «إكس» («تويتر» سابقاً) فكتب: «الطائفية آفة تهدد الجمهورية، ولقد طالبنا مراراً بمنع ارتداء العبايات في المدارس... وأنا أُحيّي قرار وزير التربية». وبطبيعة الحال، أعلن قادة اليمين المتطرف دعمهم القوي، يتقدمهم إيريك زمور زعيم حزب «روكونكيت» (أو «الاستعادة») الذي أكد «تأييده الكامل»، وطالَب «بخطوات أكثر جرأة». إذ قال على منصة «إكس» أيضاً إن «حظر ارتداء العباية خطوة أولى جيدة إذا ما طُبقت فعلاً... نحن نذهب إلى أبعد من ذلك، فنطالب بتعميم الزي الرسمي لتفادي كل تحريض إسلامي في المدارس».

لم يختلف كثيراً موقف غريغوار دو فورناس، نائب «التجمع الوطني» اليميني المتشدد الذي ترأسه مارين لوبان، إذ استغل الجدل ليذكّر على المنصة نفسها بأنه «لم نكن لنبتهج بمنع ارتداء العباية لو لم نتبنَّ سياسة انفتاح واسعة تجاه الهجرة. هذه الخطوة بداية حسنة، إلا أنها أشبه بمحاولة إفراغ البحر بملعقة صغيرة... لأنها لم تحل المشكلة من العمق».

جيرالد درمانان (أ ف ب/غيتي)

تباين في مواقف اليسار...

في المقابل، جاء أبرز ردود الفعل المستنكرة من جان لوك ميلونشون، زعيم كتلة اليسار المتطرف «فرنسا الأبية»، الذي عبر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي عن حزنه لأن «الدخول المدرسي أصبح عرضة للاستقطاب السياسي». وتابع ميلانشون أن «العلمانية يجب أن تكون عامل سلام وليس عامل انقسام... وما تقوم به الحكومة ليس إلا حرباً دينية سخيفة مصطنعة حول لباس نسوي».

وفي الاتجاه نفسه، عدّت ماتيلد بانو، زعيمة كتلة نواب «فرنسا الأبية»، في البرلمان أن الوزير الجديد آتال «مهووس بالمسلمين، وتحديداً بالمسلمات... بما أنه ترك كل المشكلات التي يعاني منها قطاع التعليم، كنقص المعلمين وانخفاض مستوى التلاميذ، وركز اهتمامه على الفتيات المسلمات ولباسهن». وأضافت زميلتها النائبة كليمونتين أوتان أن الوزير الجديد اخترع «شرطة للثياب». في حين أعلن منسق حزب «فرنسا الأبية»، إيمانويل بومبار، أنه يُحضّر لتقديم شكوى إلى مجلس الدولة لأن القرار غير «دستوري» ويتعارض مع الحريات الفردية.

غير أن معسكر اليسار الفرنسي لم يشهد إجماعاً بهذا الشأن (أي حظر العباية في المدارس) بل قسم الجدل آراء اليساريين، ذلك أنه في حين أبدى حزب «فرنسا الأبية» وحزب «الخضر» معارضتهما، أيد كل من الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي القرار الوزاري؛ إذ حيّا النائب الاشتراكي جيروم غادج قرار الوزير باسم العلمانية، وكذلك فعل زعيم الشيوعيين، فابيان روسيل.

قانون مناهضة

«الانفصال» الإسلامي!

الواقع أن الجدل حول ارتداء العباية ليس الأول من نوعه إبان ولاية الرئيس ماكرون، بل سبقه قانون أثار كثيراً من الجدل أيضاً، هو قانون «مناهضة الانفصالية» أو «التيارات الانعزالية». وهذا القانون عرضه وزير الداخلية جيرالد درمانان ابتداءً من أكتوبر (تشرين الأول) 2020، ثم تبناه أعضاء الجمعية الوطنية في فرنسا (البرلمان) بشكل نهائي في يوليو 2021.

اليوم يُعرف هذا القانون رسمياً بـ«قانون تعزيز مبادئ الجمهورية»، وجرى التعريف به أول مرة باسم «مكافحة الإسلام الانفصالي». ويومذاك طرحه درمانان على أنه القانون الذي «يقدم ردوداً ملموسة على الانعزال المرتكز على الهوية، وعلى انتشار التطرف الإسلامي، الذي يمثل آيديولوجيا معادية للمبادئ والقيم المؤسسة للجمهورية». بيد أن المعارضين، لا سيما من اليسار، رأوا في هذا القانون استهدافاً للمسلمين ورؤية ضيقة للعلمانية. ومع هذا بررت الحكومة الفرنسية، في حينه، طرح المشروع بأنه «يعزز قيَم الجمهورية العلمانية»، تماماً كما بررت أخيراً قرار حظر ارتداء العباية، واعتبرت أن ارتداءها «يهدد علمانية الدولة».

«قانون تعزيز مبادئ الجمهورية» عده كثيرون تطوراً خطيراً، لكونه يقضي بتجريم المسلمين الذين يخالفون قوانين الجمهورية بعقوبة سجن 5 سنوات، وغرامات مالية قد تصل إلى 75 ألف يورو لكل مَن يهدد أو يعتدي على مسؤول أو موظف. ويعاقب بالسجن والغرامات أيضاً كل مَن يرفض اتباع القواعد التي تحكم الخدمات العامة الفرنسية، مثل رفض النساء الخضوع للفحص الطبي من قبل طبيب، أو الرجال من قبل طبيبة، أو تنظيم أوقات مخصصة للنساء في المسابح، أو تقديم وجبات أكل خاصة في المدارس. بل ذهبت آني جنفار، وهي نائبة عن اليمين، إلى حد اقتراح إدراج الرقصات الشعبية المغاربية والأفريقية وحمل الأعلام الأجنبية في الأفراح ضمن قائمة لائحة المحظورات التي قد يعاقب عليها «قانون مناهضة الانعزالية الإسلامية».

على صعيد آخر، أثار هذا القانون ردود فعل غاضبة على المستوى الخارجي، لا سيما بعد خطاب ماكرون الذي قال فيه إن «الإسلام ديانة تعيش أزمة في كل مكان في العالم». ويذكر أن القانون كاد يتسبب في أزمة دبلوماسية بين باريس وأنقرة، حين وصفه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأنه «ضربة مقصلة في حق الديمقراطية الفرنسية»، ونددت به عدة جمعيات حقوقية، كـ«منظمة العفو الدولية»، إذ عدّت الناطقة الرسمية باسمها، آن صوفي سيمبار، القانون، «تعسفياً».

أيضاً كشف موقع «ميديا بارت» الإخباري المستقل أن هذا القانون تسبب إلى غاية الآن في وقف نشاطات عدة جمعيات خيرية ومحلات يديرها المسلمون، إضافة إلى إغلاق عدة مدارس قرآنية ومساجد، كما أخضعت آلاف المؤسسات الإسلامية للتحقيق، وأغلق نحو 900 منها، بالإضافة إلى مصادرة أكثر من 55 مليون يورو.

النموذج العلماني الفرنسي

جدير بالذكر أن فرنسا تنتهج شكلاً صارماً من العلمانية أُسّس في فترة مبكرة من تاريخها المعاصر حين كُرس في القانون عام 1905، وهذا بعد صراع ضد رجال الكنيسة (الإكليروس) الكاثوليك. وهذا الشكل مُصمم للفصل بين الدين والحياة العامة؛ إذ تنص علمانية الدولة على أن الأماكن العامة، سواء أكانت مؤسسات تعليمية أو وظيفية، يجب أن تكون خالية تماماً من كل الرموز الدينية.

غير أن ظاهرة تنامي الهجرة من بلدان إسلامية إلى فرنسا ساهمت في حدوث أزمات بخصوص كيفية التعامل مع التنوع الجديد الدخيل على المجتمع الفرنسي، فبرزت مقاربات فاقمت المشكلات في ظل تأسيسها على العداء للمهاجرين وتراجع الثقة بالمسلمين.

كذلك شكل هذا النموذج العلماني الصارم عائقاً أمام ممارسة بعض المسلمين لمعتقداتهم الدينية، على خلفية تمسكهم بتطبيق الشرائع الدينية، وهو ما كشفت عنه دراسة حديثة لمعهد «ستاتيستا» نشرت في مارس (آذار) 2023، جاء فيها أن 58 في المائة من الأشخاص الذين أعلنوا أنهم مسلمون يُطبقون الشرائع الدينية بانتظام مقابل 15 في المائة فقط من المسيحيين الكاثوليك. وكشفت الدراسة أيضاً أن 80 في المائة منهم مثلاً لا يتعاطون الخمر، وأن 60 في المائة مواظبون على صلاة الجمعة.

في هذا السياق، يقول الباحث جوزيف مسعد شارحاً إن «أزمة فرنسا مع الإسلام هي إرث 200 سنة من الوحشية الاستعمارية. وهي تقليدٌ فرنسي علماني مُتعارف عليه بين الفرنسيين منذ قديم الزمان»، ثم أشار إلى أن الرئيس الحالي ماكرون ليس أول حاكم فرنسي أراد «تحرير» الإسلام، بل سبقه نابليون بونابرت، عندما غزا مصر بحجة رغبته في تحريرها من استبداد المماليك.

وفعلاً، تُظهِر مقارنة بسيطة بين فرنسا و«جاراتها» من الديمقراطيات الغربية مدى الاختلاف والتنوع والتعارض مع الدول الأوروبية الذي تعيش فيه جاليات مسلمة كبيرة. ولعل الاختلاف يظهر بصورة واضحة في النموذج الأنجلوسكسوني، الذي يعترف بالكنيسة، لكنه لا يحظر الرموز الدينية في الفضاء العام أو الخاص.

حتى في إسبانيا، فإن «قانون 2010» الذي أرسى فيها مبدأ العلمانية يمنع استعمال الصليب في المدارس، لكن وزارة التربية لا تفرض أي قوانين، بل تترك للأقاليم الحرية في تنظيم شؤون سكانها. ونظراً للتقليد الديني القوي للإسبانيين وانتشار الكنائس، فالجدل المتعلق بالممارسات الدينية شبه غائب، ولم يُسمع إلا عن قضيتين هما لفتاة في مدريد عام 2010 وأخرى في إقليم الباسك عام 2014 مُنعتا من دخول المدرسة بسبب ارتداء الحجاب، والمشكلة حُلّت بالتحاقهما بمدرسة خاصة.

من جهة ثانية، فإن ألمانيا، بالنظر إلى تاريخها المعاصر، بلد حريص على احترام الأقليات، وليس هناك فصل بين الكنيسة والدولة، مقابل أن للأقليات الدينية الحقَّ في الطعن في أي قرار تراه تعسفياً. وكانت تقارير صحافية قد نقلت أخيراً قضية فتاة من مدينة هامبورغ تقدمت بشكوى وافق عليها القضاء الألماني بعدما مُنعت من أداء امتحان بسبب ارتدائها النقاب.

أما في السويد، فكل الرموز الدينية مُباحة في الحيز العام والخاص وفقاً لقانون يضمنه دستور البلاد. وكانت المحكمة العليا للسويد قد أدانت بلدية سكاني، بجنوب السويد، بعدما منعت البلدية نساء مسلمات من العمل بسبب ارتداء الحجاب. وغير بعيد عن السويد، تمنع الدنمارك تغطية الوجه بارتداء البرقع منذ 2018، وتفرض غرامة مالية على كل مَن يخالف هذا القانون. وفي النرويج وفنلندا البرقع محظور، علماً بأن الرابطة الوطنية لكرة القدم تمنح للفتيات المسلمات حجاباً رياضياً لتشجيعهنّ على ممارسة الرياضة.

حقائق

البرلمان الفرنسي كان صادق في 2004 بـ494 صوتاً مقابل 36 على قانون يمنع كل الرموز الدينية في المدارس الحكومية

أزمة عزلة المسلمين... أم أزمة فرنسا؟

> من جملة الانتقادات التي وُجهت للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد ما أقرّ بأن «المسلمين يعيشون في عزلة قد تهدد مبدأ العلمانية»، فكرة أن السلطات الفرنسية هي مَن وضعت هذه الجاليات في عزلة.

وأليسَتْ هي مَن استقطبت الجاليات المغاربية والأفريقية للعمل في مناجم الفحم ومصانع السيارات، ووضعتهم في «غيتوهات» بضواحي المدن حريصةً على عدم اختلاطهم بالأوروبيين البيض؟ والأدهى، كما يلاحظ المراقبون، أنها (أي فرنسا) لم ترَ أن هذه الجالية قد توسعت وأصبح لها اليوم ثقل بشري واقتصادي مهم، بأجيال ثانية وثالثة من الهجرة يملكون، خلافاً لآبائهم، ثقافة مزدوجة، وأن هؤلاء مُتمسكون بمعتقداتهم الدينية، وأيضاً بالموطن الذي نشأوا فيه (أي فرنسا).

قرار منع العباية في المدارس أثار جدلاً واسعاً في فرنسا (أ.ف.ب)

بل، ربما لوحظ (كما يرى البعض) أن محاربة الإسلام أضحت خزاناً انتخابياً للسياسيين والمرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية؛ إذ يُصار في كل مرة إلى احتلال الفضاء الإعلامي بالكلام التهويلي عن الإسلام والهجرة، من أجل تخويف الفرنسيين وكسب الأصوات في الانتخابات.

قرار منع العباية في المدارس أثار جدلاً واسعاً في فرنسا (أ.ف.ب)

ولذا فإن إشكالية حظر العباية في المدارس ليست إلا أحدث مثال على السياسيين الذين يتوددون إلى اليمين المتطرف، عبر التلويح بالتشدد ضد الإسلام في بيئة سياسية شعبوية على حساب الأقلية المسلمة، وهو أمر أكدته كثير من الدراسات، آخرها من إنجاز معهد «إبسوس» الذي كشف فيها أن 80 في المائة من الفرنسين يؤيدون قرار وزير التربية بحظر العباية في المدارس، بمن فيهم الفرنسيون ذوو الخلفيات اليسارية، حيث إن 65 في المائة منهم يؤيدون القرار أيضاً.

في أي حال، ورغم تهميشها، فالجالية المسلمة في فرنسا هي الأهم في أوروبا. إذ يُقدر تعداد المسلمين في هذا البلد بنحو 5 ملايين، معظمهم جاليات من المغرب العربي وأفريقيا الفرنكوفونية، إضافة إلى تركيا وجنوب شرقي آسيا، لا سيما الهند وباكستان، وهو ما يمثل نسبة 10 في المائة من سكان هذا البلد. وتعيش نسبة كبيرة من هؤلاء في منطقة الـ«إيل دو فرانس» (أي العاصمة باريس وضواحيها)، وكذلك ضواحي مرسيليا وليون ومدن أخرى في جنوب فرنسا. أخيراً، يشكو العديد من المسلمين الفرنسيين، منذ فترة طويلة، حسب تقرير لموقع ذي «إنترسبت»، من التمييز والتهميش الذي ساهم في فقرهم وعزلتهم داخل مجتمعاتهم. ويوضح تقرير آخر لموقع «ذا سوشياليست» أن المسلمين الفرنسيين يواجهون تمييزاً واسع النطاق، مع معدلات بطالة وفقر أعلى بثلاث مرات من المتوسط الوطني، ودخل سنوي أقل بنسبة 30 في المائة.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.