شاهد على الزلزال... صرخة ابنتي أنقذتني من موت محقق

جانب من الدمار الذي خلفه الزلزال في دوار إيمينتلا قرب أمزميز (إ.ب.أ)
جانب من الدمار الذي خلفه الزلزال في دوار إيمينتلا قرب أمزميز (إ.ب.أ)
TT

شاهد على الزلزال... صرخة ابنتي أنقذتني من موت محقق

جانب من الدمار الذي خلفه الزلزال في دوار إيمينتلا قرب أمزميز (إ.ب.أ)
جانب من الدمار الذي خلفه الزلزال في دوار إيمينتلا قرب أمزميز (إ.ب.أ)

كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف ليلا، عندما عدت إلى شقتي بمدينة المحمدية مع ابنتي سارة التي أصرت على مرافقتي لقضاء عطلة قصيرة في المغرب. ذهبت سارة إلى بلكونة الشقة لتستمتع بمنظر البحر والأمواج، وهربا من الحرارة المفرطة في غرفتها، بينما ذهبت لأتوضأ لصلاة العشاء.

فجأة ومن دون مقدمات بدأت جنبات الحمام تهتز بقوة، وسقطت المرآة المعلقة وسطه، وقبل أن أستفيق من هول الصدمة سمعت صراخ ابنتي ينبعث قويا من البلكونة. ركضت إليها لأهدئ من روعها، لكن في هذه اللحظة بالذات سمعنا صوت ارتطام قوي داخل الشقة. دخلنا بحذر إلى الصالون لنكتشف أن منبع الصوت القوي هو سقوط السقف وارتطامه بالأرضية والأثاث. حمدنا الله كثيرا على نجاتنا من موت محقق لأننا كنا دائما نفضل السمر في الصالون، وقررنا أن نترك الشقة ونفر مع الجيران إلى حديقة إقامتنا السكنية.

خرج جميع السكان إلى الحديقة بملابس النوم، بعضهم كانوا حفاة من دون أحذية، يحملون أطفالهم الصغار الذين كانوا يغطون في نوم عميق، فيما كانت تشعر النسوة بحرج دفين لأنهن وجدن أنفسهن لأول مرة مرغمات على الخروج إلى الشارع ببيجامات خفيفة. ترك الجميع كل شيء ثمين خلف ظهورهم... لا ساعات ثمينة، ولا مجوهرات فاخرة ولا مفاتيح سياراتهم الغالية، أو أموالهم المخبأة في خزانات البيوت... فعندما يصبح الموت قريبا من الحلقوم يصبح كل ما عداه مجرد تفاصيل.

كانت المعلومات شحيحة، رغم تأكدنا من أن الذي عشناه هو زلزال قد يتكرر حدوثه بعد دقائق قليلة. فقرر الجميع الهروب إلى شاطئ البحر القريب من البيت خوفا من سقوط البنايات، بعد أن توقفت خطوط الاتصالات، وأصبحت المكالمات الهاتفية شبه مستحيلة، أما أنا فقد قررت أن أعود إلى الشقة للبحث عن مفتاح السيارة للهرب بعيدا من المكان، رغم معارضة ابنتي الشديدة. دقائق قليلة بعد ذلك سمعنا جلبة كبيرة قادمة من البحر، بعد أن قرر السكان الهاربون إلى الشاطئ العودة مجددا إلى الإقامة السكنية، بعد أن أخبرهم أحد السكان أن الزلزال ضرب في عمق البحر، وسيحدث «تسونامي» مدمر سيضرب المدينة الساحلية برمتها لا محالة.

تسابق الجميع إلى سياراتهم للهرب بعيدا عن المدينة بعد أن تسرب هذا الخبر الزائف، وفي خضم هذا التسابق والفوضى وقعت حوادث متفرقة. كان الجميع يقودون سياراتهم من دون اتجاه محدد، ودون معرفة أين سيبيتون ليلتهم مع أسرهم في أمان.

قضينا تلك الليلة دون نوم في ساحة قريبة من منزل العائلة مع مئات الأشخاص الذين رفضوا العودة إلى منازلهم، وفي الصباح الباكر بدأت تتضح الصورة القاتمة للزلزال، وكم كان مدمرا وقاتلا وفوق كل التوقعات. دواوير مسحت من الأرض بكاملها... عشرات الجثث مطمورة تحت الركام والأنقاض... أطفال صغار فقدوا كل أفراد عائلاتهم ينتظرون وصول قريب لمواساتهم، والوقوف معهم في محنتهم... مصابون يبكون من شدة الألم، ولا يملكون أدوية أو مسكنات للتخفيف من معاناتهم. كانوا يتألمون بصمت لأنهم يعرفون أن فرق النجدة والإسعاف لن تصل في وقت قريب، بعد أن دُمرت الطرق الجبلية الوعرة، وكستها أطنان من الحجارة الثقيلة.

* حزن وتضامن

خيم حزن كبير على البلاد، التي لم تعش منذ زلزال أغادير كارثة بهذا الحجم الكبير من الدمار، فقرر المواطنون في كل ربوع البلاد القيام بحملات لجمع التبرعات والأدوية والأغطية والخيام والمواد الغذائية والطبية اللازمة للمتضررين. كان حجم التجاوب كبيرا وفوق كل التوقعات، وأصبح حديث الصحف وتلفزيونات العالم، رغم أن موسم العودة إلى المدارس كان قد استنزف ميزانيات وجيوب جل الأسر المغربية. ومن لم يستطع شراء مواد غذائية بسبب ضيق ذات اليد جلب أغطية منزله وملابس أبنائه ومؤونة مطبخه، بينما عرضت نساء طاعنات في السن حليهن، وخواتم الزواج كنوع من التضامن مع متضرري الزلزال القاتل، فيما اصطفت طوابير المواطنين لعدة أيام أمام المستشفيات للتبرع بالدم، يتقدمهم نجوم الفن والسياسة والرياضة وزعماء سياسيون.

لكن في كل الكوارث والمآسي يظهر أيضا تجار الموت والمحتالون والانتهازيون ومروجو الإشاعات، والذين يستغلون المآسي أبشع استغلال لتضخيم جيوبهم. فمنذ اليوم الأول للزلزال ضاعف بعض التجار أسعار البطانيات والخيم والحصائر، وكدّس البعض الآخر المواد الغذائية الأساسية، كالزيت والدقيق، أملا في بيعها بأسعار مضاعفة، فيما عمدت بعض شركات الطيران منخفض التكلفة إلى بيع التذاكر بأسعار مضاعفة لسياح مراكش، الذين قرروا مغادرة المغرب سريعا خوفا على حياتهم. كما استغل بعض المحتالين التضامن الشعبي الواسع للمواطنين، وسياراتهم المكدسة بالمساعدات الغذائية، للحصول على أكبر كمية من المؤونة والسلع الغذائية، بعد ادعائهم بأنهم ضحايا الزلزال، لكن تبين بعدها أنهم أعادوا بيع ما حصلوا عليه وحولوه لتجارة رابحة.

قبل مغادرتي مراكش التقيت عددا من السيّاح الفرنسيين والبريطانيين والإسبان. كانوا متأثرين جدا لما حدث للمدينة التي أحبوها وتعودوا على زيارتها، لكنهم كانوا متأثرين أكثر بحجم الكرم الذي أبداه المغاربة لاستضافتهم والترحيب بهم، ومعاملتهم في يوم الزلزال كأفراد عائلاتهم، حيث قدموا لهم الطعام والشراب، بعد أن غادروا فنادقهم خوفا من سقوطها فوق رؤوسهم، وقرروا أن يبيتوا الليلة الأولى للزلزال معهم في ساحة «جامع الفنا» الشهيرة. قال لي سائح بريطاني بتأثر واستغراب شديدين: «لا أفهم كيف عرض عليّ أناس لا أعرفهم، ولم ألتق بهم يوما في حياتي، المبيت عندهم ومشاركتهم المأكل والشراب بالمجان... إنه شيء نادر الحدوث ومستحيل في بريطانيا».

تذكرت أيضا موقفا طريفا حدث مع أحد المشردين الذين يقيمون في مدينة البيضاء. قال لي بنبرة ساخرة: تخيل عزيزي. نام إلى جانبي في العراء ليلة الزلزال إطار أمني رفيع مع زوجته وأطفاله الثلاثة. الحمد لله. لقد ساوى الزلزال اللعين بين المشردين وأولاد الذوات.

قبل دخول الطائرة في مطار مراكش للعودة إلى لندن، تذكرت الطفل زكرياء، أحد أقارب والدتي الذي يقطن مع أسرته في منطقة «أمزميز» التي ضربها الزلزال، وتذكرت آخر لقاء جمعني به قبل بضع سنوات. أخبرني وقتها أن حلمه الكبير هو أن يوفر بعض المال ليسافر إلى مدينة البيضاء ليحضر مقابلة لفريقه المفضل «الرجاء». اتصلت بأخته عدة مرات للاطمئنان لكن كانت الخطوط وقتها متوقفة. حاولت للمرة الأخيرة قبل إقلاع الطائرة، فأجابتني عائشة بصوت مبحوح. سألتها كيف حالكم وحال زكريا. قالت وهي تغالب دموعها: زكريا ابتلعه الزلزال!


مقالات ذات صلة

زلزال بقوة 6.7 درجة يضرب وسط إندونيسيا

آسيا مرضى وعائلاتهم بعدما تم إجلاؤهم من مستشفى بعد زلزال في إندونيسيا (أ.ف.ب)

زلزال بقوة 6.7 درجة يضرب وسط إندونيسيا

ضرب زلزال سطحي شديد بقوة 6.7 درجة منطقة سولاويسي في وسط إندونيسيا اليوم (الثلاثاء)، وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
آسيا السكان يمرون بجوار مبنى منهار بعد زلزال ضرب مدينة جنرال سانتوس في الفلبين (أ.ب)

زلزال الفلبين الأخير أدى إلى ارتفاع قاع البحر بنحو مترين

أعلنت وزارة البيئة الفلبينية اليوم أن الزلزال العنيف الذي ضرب البلاد تسبب في ارتفاع قاع البحر بنحو مترين.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)
شؤون إقليمية زلزال سابق في إقليم هرمزجان بجنوب إيران (أرشيفية - رويترز)

زلزال بقوة 5 درجات يضرب جنوب إيران

أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن زلزالاً قوته خمس درجات ضرب منطقة تابعة لإقليم هرمزجان بجنوب إيران، في وقت مبكر من يوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أميركا اللاتينية عمّال يتفقدون هواتفهم الجوالة بعد هزة أرضية ناجمة عن زلزال في هافانا... كوبا 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

زلزال يهز العاصمة الكوبية هافانا

ضرب زلزال قوي، الاثنين، قبالة السواحل الغربية لجزيرة كوبا، حيث أفاد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» في هافانا بهزة أرضية استمرت 20 ثانية.

«الشرق الأوسط» (هافانا)
آسيا أناس قرب مبنى انهار بعد الزلزال في مدينة جنرال سانتوس بجزيرة مينداناو في الفلبين (رويترز)

الفلبين: عشرات القتلى ومئات الجرحى جراء زلزال قوته 7.8 درجة

ضرب زلزال بقوة 7.8 درجة الساحل الجنوبي للفلبين، وفق ما أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، يوم الاثنين، فيما أصدر مركز إنذار إقليمي تحذيراً من موجات تسونامي.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
TT

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)

أعلنت جهات الإنقاذ البحري الليبية مساء الجمعة العثور على 16 جثة وإنقاذ 10 مهاجرين أحياء عقب غرق قارب هجرة غير نظامية كان يقل 61 شخصا قبالة الساحل الشرقي للبلاد، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا خلال الساعات المقبلة.

وقال مكتب الإنقاذ البحري بأمن السواحل طبرق ومؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين، بحسب وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن عمليات البحث لا تزال مستمرة، محذرين من احتمال وصول المزيد من الجثث إلى المنطقة الساحلية الممتدة من شاطئ العقيلة شرقا إلى عين الغزالة شرق ليبيا نتيجة الحادث.

وفي حادث منفصل غرب البلاد، تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ 15 مهاجرا بعد انقلاب قاربهم قبالة سواحل مدينة الخمس، في عملية استجابة سريعة شارك فيها صيادون محليون وخفر السواحل الليبي.

وبحسب المصادر، بادر الصيادون المتواجدون بالقرب من موقع الحادث إلى انتشال المهاجرين من المياه وتقديم المساعدة الأولية لهم قبل وصول وحدات خفر السواحل التي استكملت عملية الإنقاذ ونقلت الناجين إلى الشاطئ.

وأوضحت السلطات أن المهاجرين الذين تم إنقاذهم تلقوا الرعاية الطبية اللازمة، فيما يبرز الحادثان مجددا المخاطر الكبيرة التي تواجه المهاجرين غير النظاميين خلال رحلات العبور عبر البحر المتوسط انطلاقا من السواحل الليبية.


الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجهتها الأمم المتحدة و29 دولة في جنيف يوم الخميس، إلى «قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأُبَيِّض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيّرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام، أدت لقتل العشرات.

وتزداد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي بعد أشهر من الحصار.

ودعت الأمم المتحدة، و29 دولة خلال اجتماع للجنة حقوق الإنسان بجنيف الخميس، «قوات الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على المدينة، محذّرةً من عواقب كارثية على المدنيين. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر «قوات الدعم السريع» تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.


الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية، لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأبيض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام.

وأفادت مصادر محلية بأن مسيرة استراتيجية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، قصفت المحطة التحويلية للكهرباء في وقت متأخر من ليل الخميس، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن المدينة، قبل أن يتجدد القصف صباح الجمعة على مواقع أخرى داخل الأبيض.

وبالنسبة لسكان المدينة، المعروفة سودانياً باسم «عروس الرمال»، لم يكن انقطاع الكهرباء سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الضغوط التي تعيشها الأبيض منذ أسابيع، فخلال الأيام الماضية تعرضت لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة. أسفرت، بحسب مصادر محلية، عن مقتل أكثر من 40 مدنياً وإصابة العشرات، كما استهدفت محطات الوقود وشاحنات الإمداد ومواقع مدنية وعسكرية، ما أدى إلى حالة متزايدة من القلق والخوف بين السكان.

استهداف منازل في مدينة الأبيض (متداولة على منصات التواصل الاجتماعي)

وبحسب الشهود المحليين، لا تزال الطائرات المسيرة تحلق بصورة مستمرة في سماء المدينة، الأمر الذي جعل الترقب جزءاً من الحياة اليومية. ويقول مواطنون إنهم باتوا يتابعون حركة المسيرات وأصواتها أكثر من متابعتهم للأخبار في التلفزيون وشاشات الجوالات الذكية، فيما فضّل بعض السكان تقليص تحركاتهم أو البقاء داخل المنازل خشية التعرض لهجمات مفاجئة، خاصة بعد تكرار استهداف مواقع مدنية وخدمية خلال الأيام الأخيرة.

مخاوف من سيناريو الفاشر

وتزداد هذه المخاوف بسبب ما حدث في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي، بعد أشهر من الحصار والاستنزاف العسكري، ومنذ ذلك الوقت، بات اسم الفاشر حاضراً في كل نقاش يتعلق بمصير الأبيض، خاصة مع تصاعد الهجمات واستمرار الضغوط على المدينة.

وتقع الأبيض على بعد نحو 411 كيلومتراً من الخرطوم، وتشكل حلقة الوصل الرئيسية بين إقليم دارفور ووسط السودان، كما تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة» (أخذت اسمها من كون الجنود كان يستخدمون الإبل أو الهجن في العمليات العسكرية)، وتعدّ إحدى أهم الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوداني. غير أن أهمية الأبيض لا تنبع من موقعها العسكري فحسب، بل من مكانتها الاقتصادية والسياسية واللوجستية أيضاً، فالمدينة تقع في قلب السودان تقريباً، وتشكل نقطة التقاء بين أقاليم دارفور وكردفان ووسط البلاد، ما جعلها عبر عقود مركزاً رئيسياً للتجارة والنقل وحركة البضائع.

وتشتهر الأبيض بأنها تضم أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، كما تعد أكبر سوق للحبوب الزيتية في السودان، الأمر الذي منحها ثقلاً اقتصادياً يتجاوز حدود ولاية شمال كردفان.

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (رويترز)

كما ترتبط المدينة بشبكة طرق وسكة حديدية وخطوط إمداد حيوية تربط غرب البلاد بشرقها، ما يجعلها مركزاً مهماً لحركة التجارة والتموين والنقل. وإلى جانب ذلك، تمثل الأبيض مركزاً إدارياً وسياسياً بارزاً في إقليم كردفان، وتحتفظ برمزية تاريخية جعلتها واحدة من أكثر المدن تأثيراً في غرب السودان. وتفسر هذه الأهمية سبب تحول المدينة إلى هدف رئيسي في المعارك الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فبالنسبة للجيش، تمثل الأبيض قاعدة رئيسية لأي عمليات عسكرية حالية أو مستقبلية في كردفان ودارفور، كما تشكل خط الدفاع الأهم عن وسط السودان.

الأبيض لن تسقط

وفي هذا السياق، قال رئيس هيئة الأركان السابق للجيش السوداني، الفريق أول هاشم عبد المطلب، لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» تسعى من خلال هجماتها إلى تعطيل الجيش ومنعه من التقدم نحو إقليم دارفور، لكنه يستبعد أن تنجح المسيرات في تحقيق هذا الهدف، مؤكداً أن «الأبيض لن تسقط».

ويذهب الجيش إلى أبعد من ذلك في نفي وجود خطر مباشر على المدينة، فالعقيد الباشا حكيم، قائد المدرعات بالفرقة الخامسة مشاة «الهجانة»، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» بعيدة عن تخوم الأبيض، وإن الحديث عن حصارها مجرد شائعات، ويؤكد أن الخطط العسكرية تسير وفق ما هو مرسوم لها، وأن القوات المهاجمة تكبدت خسائر كبيرة، مضيفاً أن الجيش والقوات المشتركة والقوات المساندة تعمل وفق تنسيق كامل، وأن السكان سيسمعون «أخباراً سارة» قريباً.

لكن هذه التطمينات لا تبدد جميع المخاوف، فالخبير العسكري صالح عبد الله يرى في إفادته «الشرق الأوسط» أن ما يجري في الأبيض يحمل أوجهاً من الشبه مع التكتيكات التي استخدمتها «قوات الدعم السريع» في الفاشر، المتمثلة في الضغط المستمر والاستنزاف وإضعاف الخدمات وفتح ممرات للراغبين في مغادرة المدينة.

ويعزز استهداف البنية التحتية هذه المخاوف، فقد تحولت محطات الوقود إلى أهداف متكررة للهجمات، كما تعرضت شاحنات الوقود على الطرق المؤدية إلى المدينة للاستهداف. الأمر الذي تسبب في أزمة مواصلات حادة خلال الأيام الماضية، وأثّر بصورة مباشرة على حركة المواطنين والخدمات.

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض بعد استهدافه بمسيرة

ويقول سكان إن الوقود أصبح جزءاً من المعركة الدائرة حول الأبيض، إذ أدّى تكرار استهدافه إلى إرباك حركة النقل وارتفاع تكلفة التنقل داخل المدينة.

ورغم ذلك، فإن الصورة داخل الأبيض ليست قاتمة بالكامل، فالصحافي زهير هاشم، المقيم في المدينة، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الحياة ما زالت تسير بصورة طبيعية في معظم الأحياء، مشيراً إلى أن أزمة المواصلات الأخيرة ارتبطت باستهداف 5 محطات وقود في يوم واحد، ما أدى إلى خروج بعضها عن الخدمة، أكثر من ارتباطها بانهيار شامل للخدمات أو الحياة العامة.

ويعتقد المحلل السياسي عثمان ميرغني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقع العسكري للأبيض يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة مما يتصور كثيرون، ويشير إلى أن وجود الفرقة الخامسة مشاة وما تملكه من عتاد وقوات يمنحان المدينة قدرة دفاعية كبيرة، مستبعداً سقوطها أو اقتراب خطر السقوط منها في الوقت الراهن.

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وبحسب ميرغني، فإن «قوات الدعم السريع» تدرك أهمية الأبيض باعتبارها أقوى خطوط دفاع الجيش غرب أم درمان، ولذلك تلجأ إلى استخدام الطائرات المسيّرة لإحداث ضغط نفسي على السكان، ودفع بعضهم إلى النزوح، أكثر من سعيها إلى حسم المعركة عسكرياً في الوقت الحالي.

ومع ذلك، فإن القلق لم يعد محلياً فقط، فقد دفعت التطورات الأخيرة الأمم المتحدة وعدداً من الدول الغربية إلى التحذير من التصعيد العسكري حول المدينة والدعوة إلى وقف الهجوم عليها، في مؤشر على تنامي المخاوف من تدهور الوضع الإنساني، إذا استمرت العمليات العسكرية بالوتيرة الحالية.

وبين تطمينات الجيش وتحذيرات المجتمع الدولي، ومخاوف السكان الذين يعيشون تحت أصوات المسيرات وانقطاع الخدمات، تبدو الأبيض اليوم واحدة من أكثر مدن السودان حساسية في هذه المرحلة من الحرب.

فإذا كانت الفاشر قد تحولت إلى نموذج يستحضره الجميع عند الحديث عن الحصار والسقوط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في عروس الرمال هو ما إذا كانت المدينة قادرة على تفادي ذلك المصير، أم أن الحرب تدفعها تدريجياً إلى السيناريو نفسه، وإن اختلفت الأدوات والظروف.