مخاوف من تنصل النظام السوري من ملف المعتقلين بعد إعدامه الآلاف وشطبهم من السجلات

مرسوم «إنهاء العمل» بـ«محاكم الميدان العسكرية» تزامن مع تزايد الضغوط الدولية والعربية عليه بشأنهم

من معرض لصور ضحايا التعذيب تم تهريبها من داخل سوريا (مواقع التواصل)
من معرض لصور ضحايا التعذيب تم تهريبها من داخل سوريا (مواقع التواصل)
TT

مخاوف من تنصل النظام السوري من ملف المعتقلين بعد إعدامه الآلاف وشطبهم من السجلات

من معرض لصور ضحايا التعذيب تم تهريبها من داخل سوريا (مواقع التواصل)
من معرض لصور ضحايا التعذيب تم تهريبها من داخل سوريا (مواقع التواصل)

يبدي حقوقيون سوريون مخاوف من أن يكون هدف النظام السوري من «إنهاء العمل» بـ«محاكم الميدان العسكرية» الاستثنائية المخالفة للشرعية القانونية والدستورية والدولية، هو التنصل من قضية آلاف المعتقلين المدنيين الذين تم إعدامهم بموجب أحكام صدرت بحقهم من تلك المحاكم، وجرى شطب أسمائهم من السجلات.

ويوضح محامٍ له باع طويل في المهنة لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأنظمة الاستبدادية، ومن أجل تثبيت حكمها وبقائها وترهيب المجتمع وتطويعه وكتم أصوات المعارضين، تصدر قوانين وتنشئ أجهزة تسميها محاكم، ضاربة بمبدأ استقلال القضاء وسيادة القانون، عرض الحائط».

ويقول: «في سوريا ومنذ وصول حزب البعث الحاكم إلى السلطة أواخر ستينات القرن الماضي، صدرت الكثير من القوانين والمراسيم التشريعية المتعارضة مع الدستور القائم آنذاك، والتي أسست لحكم استبدادي، من بينها إنشاء محاكم استثنائية، منها محاكم الميدان العسكرية، ومحكمة أمن الدولة، ومحكمة الأمن الاقتصادي وغيرها».

صورة جوية لـ«سجن صيدنايا» (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

ويضيف: «النظام يطلق تسمية محاكم على تلك الهياكل، ولكن في الحقيقة، وبالنظر إلى طبيعة عملها، لا يمكن تسميتها إلا أجهزة ترهيب».

وأصدر رئيس النظام السوري بشار الأسد في الثالث من سبتمبر (أيلول) الحالي، «المرسوم التشريعي رقم 32»، القاضي بإنهاء العمل بـ«المرسوم التشريعي 109 لعام 1968» المتعلق بإحداث «محاكم الميدان العسكرية».

وأوضح المرسوم، أن القضايا المرفوعة أمام «محاكم الميدان العسكرية» ستحال «بحالتها الحاضرة إلى القضاء العسكري لإجراء الملاحقة فيها وفق أحكام قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية».

وكانت «محاكم الميدان العسكرية» أُنشئت بموجب المرسوم 109 لعام 1968 بعد نكسة يونيو (حزيران)، لمحاكمة «الجنود الفارين من الخدمة، أو الذين التحقوا بصفوف العدو». وعُدّل المرسوم المذكور بموجب «المرسوم رقم 32 لعام 1980»، حيث أضيفت عبارة «أو عند حدوث الاضطرابات الداخلية»؛ وبذلك شمل اختصاص المحكمة، العسكريين والمدنيين.

من داخل أحد سجون النظام (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

محامٍ آخر، قال لـ«الشرق الأوسط»: إن إنشاء «محاكم الميدان العسكرية مخالف للقوانين الوطنية، والدستور والمواثيق الدولية في تشكيلها وطرائق التحقيق وإصدار الحكم؛ إذ يحرم المتهم الماثل أمامها من الحصول على حقوقه الطبيعية في محاكمة عادلة، ومن حقه في الدفاع عن نفسه بكل الطرق والأساليب، ومن حقه في الطعن بالحكم الذي يصدر عنها، كما أنها تُشكل من ضابط كرئيس لها وعضوين آخرين، والمفارقة أن رئيسها لا يشترط أن يكون حامل إجازة في الحقوق».

أرقام... وضحايا

ومنذ اندلاع الحراك السلمي ضد النظام في منتصف مارس (آذار) 2011، ثم تحوله بعد أشهر قليلة، إلى نزاع دام بين جيش النظام وفصائل المعارضة المسلحة، قُتل نحو نصف مليون شخص، بينما لا يزال مصير عشرات الآلاف من المفقودين والمخطوفين والمعتقلين لدى مختلف الأطراف، وخصوصاً النظام، مجهولاً.

«المرصد السوري لحقوق الإنسان»، وفي إحصائيات نشرها في عام 2022، يذكر أن «969854 شخصاً بينهم 155002 مواطنة تم اعتقالهم منذ بداية الثورة السورية في مارس 2011 من قِبَل أجهزة النظام الأمنية، بينما يبلغ عدد المعتقلين المتبقين في سجون النظام 152713، بينهم 41312 مواطنة».

حاجز لقوات النظام في درعا (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

المحامي نفسه، يلفت إلى أن الأهالي «وخصوصاً من لديهم معتقلون ومفقودون ومختفون قسراً، استبشروا خيراً بمرسوم إنهاء العمل بمحاكم الميدان العسكرية على أمل خروج أبنائهم من المعتقلات، أو معرفة مصيرهم على الأقل، ولكن بالتدقيق بمفرداته يتضح، أن عمل هذه المحاكم يمكن أن يتم استئنافه ما دام أن المرسوم الجديد تضمن: إنهاء العمل، وليس إلغاء العمل».

ويشير، إلى أن النظام سبق وأن اصدر مرسوما في العام 2004 بإلغاء «محاكم الأمن الاقتصادي» الاستثنائية، والتي تم إنشاؤها بمحافظات دمشق وحلب وحمص عام1977، وكانت تختص بالنظر في الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات الاقتصادية، ومن ثم أضيفت إليها جرائم التهريب إذا تجاوزت قيمة البضاعة المهربة، أو التي شرع في تهريبها، الـ30 ألف ليرة سورية، ومن ثم تم رفع المبلغ إلى 300 ألف ليرة.

ونص مرسوم إلغاء «محاكم الأمن الاقتصادي»، بإحالة القضايا المنظور أمامها حسب الوصف الجرمي، فإن كانت جنايات اقتصادية تحال إلى محاكم الجنايات العادية المدنية، أما إن كانت جُنحاً فتحال إلى محاكم بداية الجزاء، وفق قول المحامي الذي يوضح، أن «محاكم الأمن الاقتصادي» كانت تصدر أحكاماً جائرة تتراوح ما بين 20 و25 سنة سجناً ومؤبداً وغرامات مالية كبيرة، وممنوع فيها إخلاء السبيل.

من داخل أحد سجون النظام (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

ويلفت، إلى أنه بعد اندلاع الثورة السورية صدر قانون بإحداث «محاكم الجنايات المالية والاقتصادية» والتي تحال إليها القضايا من قاضي التحقيق المالي، الذي يوجه الاتهام للشخص، ومن ثم يحيله إلى تلك المحاكم.

ويذكر المحامي، أنه إضافة إلى النظر في الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات الاقتصادية وجرائم التهريب، تمت إضافة جرائم جديدة إلى اختصاص «محاكم الجنايات المالية والاقتصادية»، منها «العمل بالحوالات الخارجية من دون ترخيص». و«التعامل بغير الليرة السورية». و«المتاجرة بالمواد المدعومة». ويضيف: «بذلك يكون النظام أعاد العمل بمحاكم الأمن الاقتصادي، لكن تحت مسمى آخر».

صلاحيات؟

«القضاة في (محاكم الجنايات المالية والاقتصادية)، وحتى رئيسها، لا يتمتعون بأي صلاحيات، فالأحكام فيها تأتي (بتعليمات من فوق)، ولكن يجوز فيها إخلاء سبيل المتهم مع أن هذا الأمر يتم بصعوبة فائقة»، بحسب المحامي.

معرض في الولايات المتحدة لصور الضحايا التي تم تهريبها من سوريا (مواقع التواصل)

ويذكر، أن «محاكم الجنايات المالية والاقتصادية» الموجودة في كل محافظة، ويرأسها في دمشق نذير إسماعيل، وفي ريف دمشق عايد حسن، تصدِر أحكاماً مشابهة لتلك التي كانت تصدرها «محاكم الأمن الاقتصادي»، ويقول: «لقد تم الحكم على شخص اتهم بالتعامل بغير الليرة السورية، بالسجن أربع سنوات وغرامة مالية مقدارها أكثر من 400 مليون ليرة و300 ألف دولار أميركي».

ويقول المحامي: إن «المحكومين من قِبل محاكم الجنايات المالية والاقتصادية، قد تشملهم مراسيم العفو الرئاسي، لكنهم مطالبون بدفع غرامة مالية لإطلاق سراحهم».

«سجن صيدنايا»

وإلى ذلك، يقول المحامي نفسه: إن عدداً كبيراً ممن اعتقلتهم الأجهزة الأمنية خلال فترة الحراك السلمي وسنوات الحرب تم إحالتهم إلى «محاكم الميدان العسكرية» خصوصاً من وُجهت لهم الأجهزة الأمنية تهم «الانتماء إلى تنظيم إرهابي, وقتل إنسان...». ويشير إلى أن معظم من كان يتم إحالتهم إلى «محاكم الميدان العسكرية» من قبل الأجهزة الأمنية يودعون في «سجن صيدنايا» العسكري سيئ الصيت، ويتم وضع قسم كبير منهم في «الجناح الأحمر» المخصص للمتهمين بـ«الإرهاب»، بينما هناك جناح آخر يطلق عليه «الجناح الأبيض»، وهو مخصص للمتهمين بتهم اخف.

ويقع سجن صيدنايا على بعد نحو ثلاثين كيلومتراً شمال دمشق، ويعدّ السوريون أن «الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود»، بسبب شتى أنواع عمليات التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون ووفاة الكثيرين منهم جراءها.

من معرض صور الضحايا (مواقع التواصل)

«أغلبية المعتقلين المدنيين في سجن صيدنايا يعرَضون على محاكم الميدان العسكرية، التي أصدرت أحكام إعدام بحق معظمهم، بعدما وجهت لهم تهم الإرهاب» على حد قول المحامي. وبعدما يشير إلى أن صدور مرسوم إنهاء العمل بـ«محاكم الميدان العسكرية»، يتزامن مع تزايد الضغوط الدولية والعربية على النظام للإفراج عن المعتقلين في سجونه، يبدي المحامي تخوفه من أن يكون هدف النظام من هذا المرسوم، «هو التنصل من هذا الملف، عبر الادعاء بأن عدد المعتقلين في سجونه قليل جداً، وأن الأعداد الكبيرة التي تتحدث عنها منظمات حقوقية، وبعض وسائل الإعلام الأجنبية غير صحيحة، وهي غير موجودة لدينا»... والواقع ،هو أن النظام «قتلهم بعمليات الإعدام والتعذيب».

ويذكر، أن مقرّ المحكمة الرئيسي يقع في «المجمع الأمني» الذي يضم مقار أفرع شعبة المخابرات العسكرية في منطقة كفر سوسة وسط دمشق، وأن للمحكمة مقار فرعية، أحدها في حي القابون شمال شرق العاصمة.

أكثر من 105 آلاف معتقل قضوا تحت التعذيب في السجون، من ضمنهم أكثر من 83 في المائة تم تصفيتهم وقتلهم ومفارقتهم للحياة، في الفترة الواقعة ما بين شهر مايو (أيار) 2013 وشهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2015.

«المرصد السوري لحقوق الإنسان»

محاكمة بدقيقة واحدة

دياب سرية من «رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، يشير في تقرير نشرته وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن «نحو 70 في المائة من المعتقلين في سجن صيدنايا بعد عام 2011، عُرضوا على محاكم الميدان العسكرية التي حكمت على معظمهم بالإعدام».

وأصدرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» الثلاثاء 12 سبتمبر (أيلول) الحالي تقريراً يوثق إعدام النظام السوري 7872 شخصاً بينهم 114 طفلاً و26 سيدة بأحكام صدرت عن «محاكم الميدان العسكرية» في الفترة الواقعة بين مارس (آذار) 2011 وحتى شهر أغسطس (آب) من 2023 الحالي.

وأوضحت «أنّ معظم المختفين قسرياً على يد النظام، والبالغ عددهم ما يزيد على 96 ألفاً، خضع للمحاكمة في هذه المحاكم، بحيث أن عمليات الاختفاء القسري ممنهجة وغير عشوائية، واستندت إلى قرارات وتوجيهات مدروسة نظمت وأصدرت وفق نظام أمني وعسكري محكم ذي هيكلية تنظيمية مترابطة، وتسلسل قيادي متصل بين جميع الإدارات والأجهزة المرتبطة بمراكز الاحتجاز، بدءاً من رئيس الجمهورية، إلى نائب رئيس الجمهورية للشؤون الأمنية، مجلس الأمن الوطني، وزارة الدفاع، الأجهزة الأمنية، القضاء الاستثنائي، إدارة الشرطة العسكرية، وزارة الداخلية».

وفي تقرير سابق لها كشفت «منظمة العفو الدولية»، عن أن أكثر من 13 ألف شخص أُعدِموا شنقاً في سجن صيدنايا، بين شهر سبتمبر (أيلول) 2011 وشهر ديسمبر (كانون الأول) 2015.

أقبية سجن صيدانيا (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

وقُبيل الحكم عليهم بالإعدام، يواجه الضحايا، ما تسميه السلطات السورية، «المحاكمة» في «محكمة الميدان العسكرية»، ولكن في الواقع، هذا إجراء يتم تنفيذه «لمدة دقيقة أو دقيقتين»، داخل مكتب وأمام ضابط عسكري، حيث يتم فعلياً تسجيل اسم المعتقل في سجل المحكومين عليهم بالإعدام، وفق ما جاء في تقرير «منظمة العفو الدولية».

محامٍ آخر يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن أن جلسة «المحاكمة» التي تجريها «محكمة الميدان العسكرية»، تتم في مبنى السجن، وكذلك عمليات الإعدام، ومن ثم يجري تحميل جثث الضحايا التي يرمز لأصحابها بأرقام في شاحنات كبيرة، تنقلها إلى أماكن غير معروفة وتدفنها في مقابر جماعية.

المحامي يلفت، إلى أن عدد المعتقلين الذين يموتون تحت التعذيب في سجن صيدنايا، وفي أقبية الأفرع الأمنية أثناء التحقيق معهم، أكثر بكثير ممن يقضون بأحكام الإعدام التي تصدرها «محكمة الميدان العسكرية». ويضيف: «كل معتقل يعدم، وكذلك من يموت تحت التعذيب، سواء في سجن صيدنايا أو في الأفرع الأمنية، يشطب اسمه من سجلات السجن، وكذلك من سجلات الأفرع الأمنية... ولدى سؤال ذويه أو أقاربه عنه يكون الجواب الجاهز: غير موجود لدينا».

ويعرب المحامي عن اعتقاده، بأن "أغلب من تم اعتقالهم من قبل النظام منذ بداية الثورة قضوا في عمليات الإعدام وتحت التعذيب". ويستند في ذلك إلى الأعداد القليلة جدا التي خرجت من معتقلات النظام بموجب مرسوم العفو عن «الجرائم الإرهابية» الذي أصدرته الرئاسة، في 30 أبريل (نيسان) العام 2022، واستثنى «الجرائم» التي «أفضت إلى موت إنسان».

ويذكر «المرصد السوري» في إحصائياته، أن أكثر من 105آلاف معتقل قضوا تحت التعذيب في السجون، من ضمنهم أكثر من 83 في المائة جرت تصفيتهم وقتلهم ومفارقتهم للحياة ، في الفترة الواقعة ما بين شهر مايو (أيار) 2013 وشهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2015.

ثروات الدم...

يتحدث محامٍ ثالث لـ«الشرق الأوسط»، عن أن معرفة مصير المعتقلين شكلت مصدر ثراء كبيراً لضباط في «سجن صيدنايا» وضباط كبار في الأجهزة الأمنية. ويلفت، إلى أن تكلفة الحصول على «كرت زيارة» من «محكمة الميدان العسكرية» لرؤية معتقل لمدة لا تتجاوز 5 دقائق، تصل إلى 5 - 10 آلاف دولار أميركي، وتكلفة الحصول على معلومات حول الفرع الأمني المعتقل فيه الشخص، و تهريب محكومين بالإعدام من سجن صيديانا ، 100 ألف دولار».


مقالات ذات صلة

المشرق العربي قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على المعتقلات وتتمسك بالتطبيق الكامل لمضمون الاتفاق بين دمشق و«قسد».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي انسحاب مركبات قوات سوريا الديمقراطية من خطوط المواجهة في الحسكة بسوريا اليوم الثلاثاء (رويترز)

انسحاب «قسد» من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة

بدأت قوات سوريا الديمقراطية بسحب قواتها من الخطـوط الأمامية في مدينة الحسكة بينها حاجز دوار البانوراما جنوب المدينة.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».