«الشرق الأوسط» تعاين أضرار الزلزال في «أسني»: لم يميّز بين دُور مشيّدة بالطين وأخرى بالإسمنت المسلح

ناجون فقدوا الثقة في منازلهم وهرعوا إلى جنبات الطرق والساحات... وتضامُن واسع لتخفيف الفاجعة

تعثر جهود إنقاذ وانتشال جثت ضحايا زلزال المغرب بسبب صعوبة الوصول للمناطق المتضررة في الجبال (أ.ف.ب)
تعثر جهود إنقاذ وانتشال جثت ضحايا زلزال المغرب بسبب صعوبة الوصول للمناطق المتضررة في الجبال (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تعاين أضرار الزلزال في «أسني»: لم يميّز بين دُور مشيّدة بالطين وأخرى بالإسمنت المسلح

تعثر جهود إنقاذ وانتشال جثت ضحايا زلزال المغرب بسبب صعوبة الوصول للمناطق المتضررة في الجبال (أ.ف.ب)
تعثر جهود إنقاذ وانتشال جثت ضحايا زلزال المغرب بسبب صعوبة الوصول للمناطق المتضررة في الجبال (أ.ف.ب)

انطلاقاً من مراكش، وقبل مفترق الطرق المؤدية إلى بلدتي أمزميز وتحناوت في إقليم الحوز (جهة مراكش - أسفي)، تجمعت شاحنات وسيارات كان عدد من نشطاء جمعيات المجتمع المدني والمواطنين، بصدد تحميلها بالمواد الغذائية والأفرشة، وغيرها من المساعدات، لتوجيهها إلى المناطق المنكوبة.

لا يمكن لانخراط الواقفين خلف هذه المبادرات التضامنية، القادمين من مختلف مناطق البلد، إلا أن يؤكد حساً وطنياً عالياً عبّرت عنه شرائح المجتمع المغربي بكل أطيافه...

من حملات التضامن مع المنكوبين (الشرق الأوسط)

على طول الطريق التي تقود إلى عدد من المناطق المتضررة بإقليم الحوز، انطلاقاً من طريق تحناوت، في اتجاه قرى بلدتي مولاي إبراهيم وأسني، ومن خلالها قرى أجوكاك وثلاث نيعقوب وإيغيل (مركز الزلزال)، كانت هناك سيارات إسعاف تسير في الاتجاهين، فضلاً عن شاحنات وآليات تابعة للقوات المسلحة الملكية المغربية ووزارة التجهيز، علاوة على الشاحنات والسيارات المحملة بالمساعدات.

مشهد العائلات التي تركت منازلها لتفترش جنبات الطريق والساحات، ينقل شعوراً باهتزاز الثقة في الأرض، وفي بيت السكن الذي لطالما أطلق عليه المغاربة «قبر الحياة» بوصفه ملاذاً، أو «البيت السعيد» كونه حضناً عائلياً دافئاً.

من المؤلم أن يفقد الإنسان الثقة في مسكنه، ليفيء إلى سيارته أو يهيء لعائلته بيتاً من «قش» أو «ثوب» في الهواء الطلق. ومع ذلك، فأن يفقد المرء بيته أو يتركه مؤقتاً في انتظار أن تتبدد المخاوف، خير من أن يفقد حياته.

خلال الزلزال الذي حدّد مركزه بقرية إيغيل، سجلت نسبة 60 في المائة من الوفيات بإقليم الحوز، حسب آخر حصيلة محدّثة لوزارة الداخلية، بمجموع 1351 وفاة من أصل 2122، متبوعة بإقليم تارودانت بـ492وفاة.

خيام لإيواء المتضررين (الشرق الأوسط)

في عدد من المناطق التابعة لإقليم الحوز، التي زارتها «الشرق الأوسط»، كان الضرر متفاوتاً بين الدواوير (الكفور) المنتشرة وسط تضاريس وعرة، زادت الانهيارات الصخرية من صعوبة الوصول إليها... الوصول إلى تحناوت، البلدة الصغيرة التي تقع على بعد 30 كيلومتراً من مراكش، يمنح المرء شعوراً مؤقتاً بالسكينة والهدوء، بفعل الطبيعة والجداريات التي تزين مدخلها، وأنجزها عدد من الفنانين التشكيليين المغاربة، قبل أن يعيدك صفير سيارة إسعاف إلى واقع الزلزال، لتبدأ معالم الخراب، الذي خلفته الهزة الأرضية العنيفة، في البروز بشكل صادم ومؤلم لدى التوقف بدوار (كفر) أزرو، المحاذي لتحناوت في اتجاه بلدتي أسني ومولاي إبراهيم.

وغير بعيد عن بنايات الكفر المنهارة، انشغل عدد من السكان بإعداد خيام بسيطة كمأوى بديل للمنازل التي تهدمت أو تصدعت، وذلك بما توفر لهم من وسائل بسيطة. وبين الفينة والأخرى، يثيرك صوت الطائرات المروحية وهي تحلّق في سماء المنطقة، إما استطلاعاً للمناطق المنكوبة أو نقلاً للمساعدات الإنسانية للمتضررين.

وعورة الطريق والمسالك، وتراكم الأحجار والصخور التي دُفعت إلى الجانب، تظهر حجم الجهود التي بُذلت من طرف فرق التدخل لفتحها، لنجدة المتضررين وإيصال المساعدات.

انهيار صخري في إحدى طرق مناطق الزلزال (الشرق الأوسط)

بعد مسير نحو كيلومترين على الطريق إلى بلدة مولاي إبراهيم، رافقتني خلاله وساوس حول كل تلك الصخور التي تكاد تسد الطريق، رأيت أن أعود أدراجي في اتجاه منطقة أسني وما يليها من بلدات متضررة، والتي كنت حددتها وجهة للزيارة في بداية الأمر. آثار الانهيارات الصخرية كانت كبيرة، بحيث يكون على المرء وهو يقود سيارته، أن يضبط تعامله بانتباه شديد مع صخور ضخمة في مناطق معروفة بوعورتها، الشيء الذي عطل الإنقاذ ورفع من عدد الضحايا.

في بلدة أسني، وعلى مقربة من ساحة قريبة من «دوار لعرب»، أحد الكفور الـ14، التابعة لهذه البلدة التي تبعد عن مراكش بنحو 50 كيلومتراً، ويتطلب الوصول إليها أكثر من 80 دقيقة، كانت هناك حركية كبيرة أكدت حجم الدمار وطبيعة الخسائر التي لحقت المنطقة. ...جرى نصب عشرات الخيام للقوات المسلحة الملكية وللوقاية المدنية، وبدت شاحنات وسيارات تفرق حمولتها من الأغطية والألبسة والتغذية، وغيرها من متطلبات المتضررين.

وفي «دوار لعرب»، لم يميز الزلزال بين دار مشيدة بالطين وأخرى بالإسمنت المسلح، مع فارق أن البنايات المشيدة بالطين المدكوك تتحول في رمشة عين إلى ركام. ولدى وقوفي أمام بناية لحفظ الصحة المشتركة في أسني، التي رسم الزلزال على واجهتها تصدعات كبيرة وخدوشاً غائرة، خاطبتني سيدة تحمل عدداً من البطانيات، وتمشي في اتجاه الخيام المنصوبة: «تقدم أكثر. هناك في وسط الدوار، ستجد خراباً كبيراً».

على مقربة منها كانت هناك عجوز تجاهد في حمل أوانٍ بسيطة وطاولة صغيرة. «ناولني الطاولة يا ولدي»، خاطبتني بصوت ذكّرني بوالدتي. أحد المستفيدين من الخيام، قال إنهم عانوا في الليلتين السابقتين، خصوصاً الأطفال.

العائلات المنكوبة بالزلزال (أ.ف.ب)

غير بعيد من هناك، وقف شاب في السابعة عشرة من العمر يتابع مشهد الخراب الذي ضرب الدوار والدينامية التي صارت تعرفها بلدة أسني. سألته «الشرق الأوسط» إن كان من أبناء «دوار لعرب»؟. فأجاب بأنه من «دوار تمكونسي» القريب. تحدث عن تجربته مع الزلزال، وقال إنه وعائلته كانوا نياماً لحظة وقوع الزلزال، وإنهم حسبوا الأمر في البداية مجرد انهيارات صخرية، قبل أن يتناهى إلى مسامعهم صراخ وعويل من الخارج.

وقال الشاب، واسمه حمزة، ويدرس بالثانوية الإعدادية «الأطلس الكبير» بأسني: إن سكان الدوار تركوا المنازل، مشيراً إلى أن عدداً من الموتى سجل بدوار «أسلدة» القريب. وزاد قائلاً: إن من بين الموتى زملاء له في الثانوية الإعدادية التي يدرس فيها. ثم شرع في استحضار شهادات مؤثرة حول من قضى. تحدث عن سيدة قضت وهي تحضن اثنين من أبنائها. قال: إنها كانت بصدد محاولة ترك المنزل بمعية ابنيها، قبل أن يتهاوى المنزل فوق رؤوس الجميع.

مركز إنقاذ أقامه الجيش المغربي قرب مراكش (رويترز)

حين ذكر حمزة أنه فقد زميلاً له يسكن بـ«دوار لعرب»، قلت له: إن الزلزال هدّ بيوت الدوار التي شُيّد أغلبها بالإسمنت المسلح، ليرد بأن الزلزال لم يميز بين البيوت، ولم يأخذ في حسبانه إن كانت شُيّدت بالطين أو بالإسمنت. وعن إحساسه بعد الفاجعة، قال بعامية مغربية تلخص حجم الصدمة التي هزّت ساكني المنطقة: «مخلوعين كاملين» (كلنا مفزوعون). توقفت بالقرب منا سيدة في عقدها السادس. مدت إلي هاتفها المحمول، وهي تطلب أن أربط لها اتصالاً مع اسم لم تتبين حروفه. حين سألتها «الشرق الأوسط» عن هول الزلزال، تحدثت عن ألم الفقدان. وقالت: إن إعادة الإعمار شيء ممكن، لكن تعويض من ماتوا هو المفجع في الموضوع.


مقالات ذات صلة

هزَّة أرضية في تركيا شعر بها سكان الشمال السوري

المشرق العربي هزَّة أرضية في تركيا شعر بها سكان الشمال السوري

هزَّة أرضية في تركيا شعر بها سكان الشمال السوري

أعلن المركز الوطني للزلازل في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، تسجيل هزة أرضية في تركيا، شعر بها سكان بعض المناطق في الشمال السوري.

آسيا أرشيفية لمنطقة قوانغشي في جنوب غرب الصين (رويترز)

قتيلان وانهيار مبانٍ في زلزال بقوة 5.2 ضرب جنوب الصين

ضرب زلزال بقوة 5.2 درجة على مقياس ريختر منطقة غوانغشي جنوب الصين، اليوم الاثنين، مما أسفر عن مقتل شخصين وانهيار 13 مبنى.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شؤون إقليمية فِرق الإنقاذ تبحث عن ناجين وسط الركام بعد الزلزال الذي ضرب مدينة كاشمر بشمال شرقي إيران عام 2024 (أرشيفية-إيسنا)

سلسلة هزات أرضية قرب طهران تجدد المخاوف من زلزال كبير

سلسلة من تسعة زلازل صغيرة هزت منطقة برديس في شرق طهران، خلال الليل، مما جدد المخاوف لدى الخبراء والسكان من احتمال تعرض العاصمة لكارثة حدوث زلزال كبير.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية مشاهد للمباني الشاهقة في شمال طهران 12 مايو 2026 (أ.ف.ب)

زلزال بقوة 4.6 درجة يضرب الحدود بين محافظتي طهران ومازندران

ذكرت وسائل إعلام ‌إيرانية ‌أن زلزالاً بقوة 4.6 درجة على مقياس ريختر ​وقع ‌في ⁠العاصمة ​الإيرانية طهران، ⁠اليوم (⁠الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (طهران)
العالم العربي منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية صباح الأحد لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر شعر بها عدد من المواطنين دون تسجيل أي خسائر

محمد السيد علي (القاهرة)

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وجّهت مقديشو انتقادات حادة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في خطوة سبقتها تحركات من مسؤول الإقليم، كان أبرزها دعم المعارضة ضد الحكومة الفيدرالية.

ذلك التمرد، بحسب ما يصف خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، يأتي في ظل أزمة سياسية داخلية، لكنه لن يقود لتكرار سريع ومباشر لسيناريو انفصال ولاية بونتلاند على نفس مسار إقليم «أرض الصومال»، غير أن الأزمة تأتي في إطار تدريجي وخطير حال أُغلقت كل سيناريوهات الحوار بين الحكومة ودني.

انتقادات حادة

ووجّه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية الصومالية، علي يوسف علي (حوش)، انتقادات شديدة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، متهماً إياه بأنه عقبة أمام الدولة ووحدة البلاد وتنميتها.

وأوضح «حوش» عبر صفحته في «فيسبوك»، الجمعة، أن «البيان الصادر الخميس عن رئاسة بونتلاند لا يخدم شعب بونتلاند، ولا المجتمع الصومالي عموماً، بل هو جزء من سلسلة من الإنكار والتضليل التي كان دني يمارسها منذ فترة طويلة لعرقلة قيام دولة الصومال».

واتهم وزير الداخلية دني أيضاً بـ«معارضة خطط سابقة، من بينها إلغاء ديون الصومال، وإجراء انتخابات بنظام صوت واحد لكل شخص، واستغلال موارد البلاد، وبناء جيش وطني»، مضيفاً أن «رئيس بونتلاند يدعم مصالح أجنبية، ويستخدم بونتلاند لممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الفيدرالية».

والخميس، أعلن رئيس بونتلاند في بيان أنه «لا يعترف بحسن شيخ محمود رئيساً شرعياً للصومال»، متهماً إياه بـ«إساءة استخدام صلاحيات الرئاسة بشكل غير قانوني»، ودعا إلى اجتماع عاجل لجميع الأحزاب السياسية في الصومال للاتفاق على عملية انتخابية شاملة، بحسب إعلام صومالي.

والتوتر قائم بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند، التي أصدرت أكثر من موقف على مدار أكثر من عام مخالف لتوجهات حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم دني إلى مجلس مستقبل الصومال المعارض الذي يطالب برحيل النظام.

رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن التصعيد الأخير بين الحكومة الفيدرالية ودني يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي، والخلاف حول الانتخابات، وتوزيع السلطة، مشيراً إلى أن تمرد بونتلاند يثير مخاوف من تكرار سيناريو «أرض الصومال»، واتساع الفجوة بين مقديشو وبونتلاند، لكن حتى اللحظة لا يزال الوضع مختلفاً.

وأوضح أن بونتلاند لم تعلن الانفصال رسمياً بعد، بل تقول إنها تدافع عن النظام الفيدرالي، وترفض ما تعتبره مركزية مفرطة من الحكومة الفيدرالية، في ظل خلافات أهمها بشأن الانتخابات المباشرة، وصلاحيات المركز والولايات، لافتاً إلى أن بونتلاند ما زالت جزءاً من المؤسسات الصومالية نظرياً، رغم تعليقها التعاون مع الحكومة الفيدرالية في عدة ملفات سابقاً. لكن الخطر الحقيقي لا يزال قائماً، ويتمثل في بناء مؤسسات أمنية وإدارية مستقلة أكثر فأكثر، وتوسع الانقسام السياسي بين الولايات والحكومة المركزية، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تحالفات إقليمية متعارضة، مما يدفع نحو تخوفات من تكرار تدريجي لسيناريو «أرض الصومال»، وليس تكراراً مباشراً أو سريعاً، وفق بري.

وأعلن إقليم «أرض الصومال» الاستقلال عن جمهورية الصومال في 18 مايو (أيار) عام 1991، مستغلاً أزمات داخلية كانت تواجهها مقديشو.

مواقف تصعيدية

وتأتي الخلافات الأخيرة مع إعلان «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال المدعوم من دني بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو اعتباراً من 4 يونيو (حزيران) المقبل، تُعقد كل خميس حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، المقرر دستورياً إجراؤها عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» في 16 مايو الحالي، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد في مارس الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

ويعتقد بري أن الحكومة الفيدرالية ليس أمامها في ظل هذه المعارضة التي تتسع إلا عدة خيارات كلها معقدة، أولها الحوار والتسوية السياسية، وهو الخيار الأقل تكلفة والأكثر واقعية، خاصة مع الضغوط الدولية الداعية للتوافق بشأن الانتخابات.

ويمكن لمقديشو أيضاً استخدام النفوذ الدولي والتمويل التنموي للحد من تمرد بونتلاند، لكن هذا الخيار قد يزيد التوتر بدلاً من حله، بحسب بري، لافتاً إلى أن الحكومة قد تسعى لبناء تحالفات داخل بونتلاند، بالتقارب مع شخصيات عشائرية ومعارضين لدني، لكن هذا يحمل مخاطر تفجير صراع داخلي داخل بونتلاند نفسها.

وعن الخيار الأمني والعسكري أضاف بري: «يعد هذا السيناريو الأخطر والأقل احتمالاً حالياً؛ لأن بونتلاند تمتلك قوات أمن قوية نسبياً، بخلاف أن البلاد تواجه تهديداً من (حركة الشباب) الإرهابية، وأي صدام مباشر قد يفتح جبهة داخلية جديدة تهدد استقرار الدولة بالكامل».

ويعتقد بري أن إسقاط دني بطريقة مشابهة لسيناريوهات بعض الولايات الأخرى ليس مستحيلاً، لكنه أكثر تعقيداً وصعوبة، ويحتاج إلى توافقات عشائرية وسياسية واسعة، وليس مجرد قرار من مقديشو.


تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
TT

تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)

أكدت المملكة العربية السعودية ومصر «ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي وتجنب مخاطر التصعيد غير المحسوب الذي يهدد أمن واستقرار الإقليم».

وتبادل وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره المصري، بدر عبد العاطي، السبت، الرؤى حول مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية والتطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة والمساعي الرامية للتهدئة وخفض التصعيد، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين الشقيقين حيال مستجدات الأوضاع الإقليمية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، شدد الوزيران على «ضرورة تكثيف العمل الدبلوماسي»، وأكدا أن «تغليب لغة الحوار واللجوء إلى مسار التفاوض يمثل الخيار الوحيد لمعالجة القضايا العالقة، وذلك لضمان حفظ أمن واستقرار دول المنطقة وشعوبها».

وكانت مصر قد أدانت بشدة محاولة استهداف أراضي السعودية باستخدام طائرات مسيّرة. وأكدت في بيان أصدرته وزارة الخارجية، الاثنين الماضي، تضامنها الكامل مع السعودية، وموقفها الثابت والداعم لها في مواجهة أي تهديدات، معربة عن دعمها للإجراءات والتدابير التي تتخذها المملكة لحماية سيادتها وصون أمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

وشددت القاهرة حينها على التزامها الراسخ بأمن دول الخليج، باعتباره ركيزة أساسية للأمن القومي المصري، ولأمن واستقرار المنطقة، محذرة من أن هذه الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي من شأنها زيادة تعقيد المشهد الإقليمي الراهن وعرقلة جهود التهدئة.

كما جرى اتصال هاتفي آخر بين عبد العاطي ووزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مساء الجمعة، وذلك في إطار متابعة مستجدات الأوضاع الإقليمية. وأطلع عراقجي نظيره المصري على آخر مستجدات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بجهود الوسطاء، والجهود المبذولة للتوصل إلى تفاهمات توافقية بين الجانبين.

وذكرت «الخارجية المصرية» في إفادة، السبت، أن الوزير عبد العاطي أكد «أهمية مواصلة المسار الدبلوماسي»، مشدداً على «ضرورة التوصل إلى اختراق يسهم في خفض حدة التوتر والتصعيد في المنطقة، بما يجنب الإقليم مخاطر اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليمي».

وأيضاً شدد بدر عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال اتصال هاتفي، السبت، على أن «المنعطف الدقيق الذي تمر به المنطقة يفرض على كل الأطراف المعنية التحلي بأقصى درجات المرونة والمسؤولية». وأشارا إلى «ضرورة الأخذ في الاعتبار شواغل جميع الأطراف بوصفها ركيزة أساسية لضمان التهدئة المستدامة، والحيلولة دون انزلاق الإقليم نحو دوامة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار».


الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
TT

الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)

في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة الاتحاد الأوروبي للملف الليبي، أعلن السفير الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، عن توافق واسع مع سلطات شرق البلاد بشأن إطلاق شراكة تنموية وأمنية جديدة، تشمل التعاون مع صندوق الإعمار، وتعزيز إدارة الحدود، والتصدي للهجرة غير النظامية.

وجاء الإعلان الأوروبي عقب سلسلة اجتماعات فنية ودبلوماسية في مدينة بنغازي، شاركت فيها بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM)، والعملية البحرية الأوروبية «إيريني»، إلى جانب مسؤولين من المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية، حيث تم التوافق على خطوات عملية، من بينها دراسة إنشاء مركز لتنسيق عمليات الإنقاذ البحري في المدينة.

وأوضح أورلاندو، في تغريدة عبر منصة «إكس»، مساء الجمعة، أن الشراكة المقترحة مع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يرأسه بلقاسم حفتر، ستشمل مجالات متعددة، أبرزها دعم البنية التحتية، وتطوير التخطيط العمراني، وتعزيز قدرات البلديات، إضافة إلى برامج تدريب ومنح دراسية، وتحديث أداء مؤسسات الجمارك والموانئ.

كما اتفق الجانبان، بحسب البيان الأوروبي، على توسيع التعاون في ملف الهجرة وإدارة الحدود، بما يشمل دعم عمليات البحث والإنقاذ في البحر والصحراء، وتطوير آليات لمكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب برامج العودة الطوعية، وتوفير الحماية الإنسانية للمهاجرين واللاجئين وفق المعايير الدولية.

وأشار السفير الأوروبي إلى أن هذه التحركات تأتي في إطار تنسيق مع وكالات الأمم المتحدة المعنية، بهدف تحسين «حوكمة الهجرة»، والحد من المخاطر الإنسانية المتزايدة على طرق العبور عبر الأراضي الليبية نحو أوروبا.

في سياق متصل، أعرب أورلاندو عن تقديره للدعم والتسهيلات، التي قدمتها القيادة العامة في شرق ليبيا لتيسير عمل البعثات الفنية، مشيداً بالجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار الأمني وتحسين إدارة ملف الهجرة، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية لليبيا.

عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين على ساحل مدينة طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر الليبي)

ويرى مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، أن هذا التطور يعكس تحولاً مهماً في السياسة الأوروبية، حيث لم يعد التعامل مع الملف الليبي محكوماً فقط بمسألة الشرعية السياسية، بل بات مرتبطاً بمدى القدرة الفعلية على ضبط الحدود، والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

وتعيش ليبيا واقعاً سياسياً منقسماً بين حكومتين، إحداهما في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دولياً، وأخرى في الشرق يقودها أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، وتحظى بدعم من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وبحسب لملوم فإن «بروكسل باتت تتعامل بشكل مباشر مع الأطراف، التي تملك النفوذ والسيطرة على الأرض، والقادرة عملياً على إدارة هذا الملف، حتى وإن لم تكن دائماً ضمن إطار الحكومة المعترف بها دولياً»، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك». لافتاً إلى أن تطورات المشهد في شرق ليبيا، وما ارتبط بها من توظيف لملف الهجرة ومسارات التهريب، أسهمت في فرض واقع جديد، دفع الاتحاد الأوروبي إلى توسيع دائرة تواصله وشراكاته، بما في ذلك الحضور المباشر في بنغازي.

ميدانياً، تزامن الحراك الأوروبي النشط مع إعلان السلطات في شرق ليبيا عن إنقاذ 60 مهاجراً غير نظامي قبالة السواحل الليبية، السبت، في عملية نفذتها أجهزة خفر السواحل بالتنسيق مع الهلال الأحمر الليبي، ضمن جهود الاستجابة لحالات الهجرة المتزايدة عبر البحر المتوسط.

وتؤكد منظمات إنسانية أن ليبيا لا تزال واحدة من أبرز نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا منذ عام 2011، نتيجة الفوضى الأمنية والانقسام السياسي، منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، ما أدى إلى تنامي شبكات التهريب عبر البحر والصحراء، وتزايد المخاطر الإنسانية على طول هذه المسارات.