«باربي»... الرهان الرابح لشركة «ماتيل»

أراده الرئيس التنفيذي للشركة أن يكون «محطماً للقواعد»

حقق فيلم «باربي» عائدات قدرها 1.4 مليار دولار وهو مبلغ يقترب من الإيرادات التي حققتها أفلام «هاري بوتر» (إ.ب.أ)
حقق فيلم «باربي» عائدات قدرها 1.4 مليار دولار وهو مبلغ يقترب من الإيرادات التي حققتها أفلام «هاري بوتر» (إ.ب.أ)
TT

«باربي»... الرهان الرابح لشركة «ماتيل»

حقق فيلم «باربي» عائدات قدرها 1.4 مليار دولار وهو مبلغ يقترب من الإيرادات التي حققتها أفلام «هاري بوتر» (إ.ب.أ)
حقق فيلم «باربي» عائدات قدرها 1.4 مليار دولار وهو مبلغ يقترب من الإيرادات التي حققتها أفلام «هاري بوتر» (إ.ب.أ)

عندما بدأ ينون كريز الرئيس التنفيذي المعيّن في شركة «ماتيل» عمله في أبريل (نيسان) عام 2018، كان يتبنى مبدأ رئيسياً فيما يتعلق بفيلم «باربي»، وهو أنه لم يكن معنياً بما إذا كان الفيلم سوف يسهم في بيع دمية باربي إضافية، بل كان مهتماً بأن يكون فيلم «باربي» حدثاً جيداً وثقافياً، وأن يكون مختلفاً ومحطماً لكل القوالب. وإذا كان ذلك يعني تحويل الرئيس التنفيذي لشركة «ماتيل»، أي هو نفسه، إلى موضع سخرية عند تصوير شخصية الرئيس التنفيذي في أحداث الفيلم، فلا بأس بذلك. لقد أجدى ذلك النهج نفعاً إلى درجة لم يتصورها حتى كريز نفسه، فقد حقق فيلم «باربي» عائدات قدرها 1.4 مليار دولار، وهو مبلغ يقترب من الإيرادات التي حققتها أفلام «هاري بوتر»، التي تعدّ أفضل وأهم أفلام شركة «وارنر برذرز». ومن المحتمل أن تصل إيرادات فيلم «باربي» إلى ملياري دولار.

نقل التأثير الإيجابي لـ«باربي» شركة ماتيل إلى مجال إنتاج الأفلام (أ.ب)

ومن الأمور التي تصدّرت المقابلات، التي تم إجراؤها أخيراً مع كريز، وروبي برينر المنتجة التنفيذية لأفلام شركة «ماتيل»، والمتحدثين باسم نجمة الفيلم مارغو روبي، والمخرجة والمؤلفة غريتا غيرويغ، هي كيفية تحقيق شركة «ماتيل» نجاحاً ظلّ عصياً على الشركة لسنوات طويلة. لقد حافظت كل من شركتي «ماتيل» و«وارنر» على ترتيباتهما المالية، لكن أشخاصاً مطلّعين على اتفاقهما قالوا إن «ماتيل» حصلت على 5 في المائة من عائدات شباك التذاكر، إضافة إلى نسبة مئوية من الأرباح النهائية بوصفها منتجاً للفيلم، ومدفوعات مالية إضافية لامتلاكها حقوق الملكية الفكرية للدمية «باربي». كذلك هناك عائد المبيعات التجارية المرتبطة بالفيلم، ومبيعات الدمية المتوقع زيادتها. رفض ممثلون لكل من شركتي «ماتيل» و«وارنر» التعليق على الترتيبات المالية، رغم أن المسؤول المالي الرئيسي بالشركة ذكر خلال مؤتمر صحافي، يوم الخميس الماضي، أن «الشركة سوف تحصل على 125 مليون دولار تقريباً (إجمالي مستحقات وأرباح من الفيلم)». ورغم عدم ظهور نتائج «باربي» في أحدث عائدات شركة «ماتيل»، التي تم الإعلان عنها في 26 يوليو (تموز)، كان كل ما أراد الجميع الحديث عنه فيما يتعلق بالعائدات هو فيلم «باربي»، حيث أثنى كريز على الفيلم بوصفه «لحظة مهمة» في استراتيجية الشركة لـ«امتلاك قيمة ملكيتها الفكرية»، مؤكداً قدرتها على الجذب. وترددت «وول ستريت» في الثناء بشكل كبير على نجاح فيلم واحد استناداً إلى النظرية التي تشير إلى أنه من الصعب تحقيق نجاح بهذا الحجم مرة أخرى، مع العلم بأن فيلم «باربي» لم يكن له تأثير واضح في سعر سهم شركة «وارنر برذرز ديسكفري».

مع ذلك يتجاوز التأثير الإيجابي لـ«باربي» بالنسبة إلى شركة «ماتيل» فيلماً واحداً، حيث واجهت استراتيجية الشركة الممتدة لسنوات، التي ركّزت على أن تصبح شركة كبرى لإنتاج الأفلام من خلال استخدامها مخزون الألعاب الضخم الخاص بها بوصفه ملكية فكرية، شكوكاً، إن لم تكن سخرية صريحة من جانب «هوليوود». مع ذلك تغير ذلك بفضل دور «ماتيل» القيادي الريادي العازم على دعم ووضع الثقة في فريق مبدع غير تقليدي تمكّن من تحقيق عائدات ضخمة، وربما يحصد جوائز مرتقبة. كذلك كان عزم شركة «ماتيل» المفاجئ على السخرية من نفسها من العناصر التي أسعدت النقاد، وزادت الجلبة التي جذبت عدداً أكبر من رواد دور السينما، إلى جانب قاعدة معجبي «باربي».

أثنى ينون كريز الرئيس التنفيذي المعيّن في شركة «ماتيل» على الفيلم بوصفه «لحظة مهمة» في استراتيجية الشركة لـ«امتلاك قيمة ملكيتها الفكرية» (روزيت هالفورسون - نيويورك تايمز)

يذكر أن المسيرة المهنية لكريز كانت في مجال الإعلام والترفيه لا تجارة التجزئة. وكان حاييم صابان، الملياردير وأحد رواد الأعمال ومبدع شخصيات «باور رينجرز (حراس القوة)»، هو مرشده ومعلمه لفترة طويلة، وقد وظّفه وهو لا يزال حديث التخرج في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس لتدشين مشروع «فوكس كيدز يوروب» المشترك مع شركة «فوكس». وأدار لاحقاً «ماركر استوديوز»، وهو معمل تجميع خاص بـ«يوتيوب»، استحوذت عليه شركة «ديزني» عام 2014. وتوقف كريز عن العمل معه عام 2016، وتحولت «ماركر» إلى «ديزني ديجيتال نتوورك» عام 2017.

رغم أن باربي من أكثر الألعاب شعبية، كانت محل جدل كبير، حيث كان يتم النظر إليها بوصفها رمزاً لتمكين المرأة ومعياراً مستحيلاً للجمال والأنوثة في الوقت ذاته. وبدا النهج الوحيد المجدي هو المحاكاة الساخرة ولهذا، وبشكل مؤقت، وقع الاختيار على إيمي شومر، الممثلة الكوميدية الساخرة، لأداء الدور، وتم استعراض عديد من النصوص. وبعد أسابيع من تولي كريز منصب الرئيس التنفيذي عام 2018 رفض تجديد خيار شركة «سوني»، بحسب عديد من الأشخاص الذين تم إجراء مقابلات معهم من أجل هذا المقال، واتصل بوكيل أعمال النجمة مارغو روبي، وطلب عقد اجتماع. كانت روبي من الممثلات الشابات اللاتي يحظين بشعبية ورواج في هوليوود، وقد أدت عديداً من الأدوار المتنوعة المميزة مثل شخصية تونيا هاردينغ، المتزلجة سيئة الحظ في فيلم «أي تونيا (أنا تونيا)»، وفيلم «ذا وولف أوف وول ستريت (ذئب وول ستريت)» من إخراج مارتن سكورسيزي. وفي الوقت الذي لا يمكن لإنسانة أن تجسد أبعاد «باربي» المبالغ فيها، اقتربت روبي كثيراً من الشخصية وكانت مشعّة جمالاً. وكانت روبي تتواصل بشكل متزامن مع كل من شركة «ماتيل» وكريز بعدما علمت أنه لم يتم تجديد خيار «باربي»، فقد كانت تبحث عن ترخيص محتمل لتقدمه إلى شركة «وارنر» التي عقدت معها شركتها المنتجة «لاكي تشاب» اتفاقاً أولياً. مع ذلك لم تكن تسعى وراء بطولة الفيلم. خلال إفطار في فندق «بيفرلي هيلز»، عبّر كريز عن رؤيته قائلاً إنه لا يريد إنتاج أفلام من أجل بيع ألعاب، بل أراد شيئاً جديداً وغير تقليدي وجريء. وأوضح قائلاً: «رؤيتنا لباربي هي أن تكون شخصاً له صوت قوي، ورسالة واضحة، وصدى ثقافي يحدث أثراً اجتماعياً».

المخرجة غريتا غيرويغ مع مارغو روبي ورايان غوسلينغ أثناء تصوير فيلم «باربي» (وارنر برذرز)

تجعل حماسة كريز الواضحة، وإصراره الكبير، وترويجه للتكامل الإبداعي، من الصعب مقاومته، كما اكتشفت برينر، المنتجة، عندما وظّفها لإدارة قسم الأفلام المنشأ حديثاً في شركة «ماتيل». انجذبت برينر، وهي منتجة محترمة ومرشحة لنيل جائزة «أوسكار» عن فيلم «دالاس بايرز كلوب»، إلى فكرته الخاصة بالفيلم. واتفق الاثنان على المشروع بعدما سألها عن الممثلة التي ينبغي أن تؤدي دور باربي، واقترحت هي الأخرى روبي. وبدورها اقترحت روبي خلال اجتماعهم الأول أن تخرج غيرويغ الفيلم، حيث كانت الاثنتان صديقتين وتحدثتا عن العمل معاً، وأحب كريز الفكرة بدرجة ما لأنها لم تكن متوقعة، حيث أخرجت غيرويغ وكتبت أفلاماً مستقلة مثل «فرنسيس ها»، و«ليدي بيرد»، ومعالجة جديدة لرواية «نساء صغيرات» الكلاسيكية، ولم تخرج أي أفلام ذات ميزانية ضخمة. تبين أن غيرويغ كانت تلعب بدمى باربي وهي طفلة، وتحبها، وكانت هناك صور قديمة لها وهي تلعب بالدمية «باربي». التقت برينر مع غيرويغ وشريكها نوا باومباك، وهو كاتب نصوص ومخرج مرموق، في منشأة للمونتاج في نيويورك. وأخذتا تناقشان بعض الأفكار، لكن لم تخرجا بشيء ملموس مكتمل، وكان كل شيء يبدو ممكناً. وتم إبرام اتفاق، ووقّعت شركة «وارنر» بوصفها منتجاً مشاركاً، وبمجرد مشاركة غيرويغ في الفيلم، وافقت روبي على بطولته.

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».


الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)
TT

الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)

إن بحثت عن الفنان السعودي خالد بن عفيف فستجده غالباً محاطاً بمجموعة من الناس أو متأملاً في الطبيعة، لكنه ليس بمعزل أبداً عن قضايا وتقنيات عصره. فهو منشغل دائماً بالتحليل والتدقيق في كل ما يمكن أن يؤثر على جودة حياة الإنسان. في هذا الحوار، اقتربت «الشرق الأوسط» من عالمه الفني والإنساني للتساؤل عن علاقته بالطين وعن آرائه حول موضوعات مثل الموروث وحياة المدينة وإعادة التدوير.

جدي والطين

تبدأ الحكاية من مكة المكرمة مع طفل يحب صناعة الأعمال الفنية والمجسمات: «كنت أكثر من ينتج أعمالاً فنية بين أقراني، أصنع مجسمات لطيارات وأجنحة متحركة، أرتديها على ظهري وأدور بها في الحارة. أتذكر الفرح الذي كنت أنشره بين أصدقائي بأعمالي». لاحقاً، اتجه بن عفيف إلى الرسم واحتراف التصوير، وعمل مدرباً للتصوير المفاهيمي، ثم انجذب للعمل بالخامات، وبشكل خاص أسره العمل بالطين، ليكتشف أن هذا الحب ليس مستحدثاً، بل موروثاً.

قرّر بن عفيف أن يجمع بين أساليب جدّه وتقنيات العصر الحديث عبر طابعة الطين (إنستغرام)

يحكي بن عفيف عن زيارة قام بها أخوه للاستديو الخاص به، وتركت تأثيراً على مسيرته الفنية، سأله أخوه عن سبب استخدامه للطين في أعماله، لم يستطع بن عفيف تقديم إجابة واضحة، ثم شاركه أن أحد أجداده كان يعمل بالطين، يقول: «هذه المعلومة حرّكت مشاعري، وفي ذلك اليوم حلمت أن جدي كان يوصيني». بالإضافة إلى هذا الموقف، كان بن عفيف منشغلاً بهندسة المباني الطينية ومقدرتها على الصمود وتفاعل الإنسان مع بيئته، وأيضاً كان مهتماً بتقنية طابعة البلاستيك، لذا قرر أن يجمع بين أساليب جده وتقنيات العصر الحديث، وكانت النتيجة، صناعة طابعة الطين «جمعت الرمل من مكة مسقط رأس والدتي حيث أكملت تعليمي، ونجران والمدينة المنورة والرياض مستلهماً هذه الفكرة من تكوين آدم عليه السلام، حيث خلقه الله من قبضة جمعت من شتى بقاع الأرض. كان هدفي من تصميم طابعة الطين أن أعبر عن افتخاري بالجانب الفكري والإبداعي والعلمي لما ورثناه عن أجدادنا وعن أصالة هذا الموروث».

نظريات التسويق في الفن

خلال مسيرته التعليمية، تخصص بن عفيف في الهندسة والتسويق، كما طوّر معرفته بمجال التقنية، ليسخر كل هذه المعارف في ممارسته الفنية: «استعنت بفهمي لعلوم التسويق، من سلوك المستهلك وفلسفة اتخاذ القرار ونظريات الولاء، لأطرح أعمالاً تجذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور». يشرح سبب استعانته بالتقنيات المختلفة في أعماله: «إنسان هذا العصر متطور، وعيناه مشبعتان بالألوان والجمال وتعقيدات المباني والأضواء، لذا على الفنان أن يطرح أفكاره بالأسلوب واللغة التي تتناسب مع المتلقي» ويضيف: «من المهم أن يكون العمل الإبداعي متصلاً بالفنان، بما يملكه من ثقافة ومعتقدات وهموم، وما عايشه في طفولته، وبذلك يصبح العمل صادقاً بغضّ النظر عن جماليته أو الخامات المستخدمة فيه».

عمل «ثمار من الأرض» (إنستغرام)

الحديث عن توظيف التقنيات في الفن يؤدي للسؤال؛ هل توافق على أن الأعمال المعاصرة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة باتت منشغلة بإبهار المشاهد من ناحية الشكل والتقنية المستخدمة أكثر من انشغالها بإثارة مشاعر وفكر المتلقي؟ يرى أن أسلوب الاستعانة بالتكنولوجيا في الأعمال الفنية على مستوى العالم العربي ما زال حديثاً، وفي طور التجربة، ما عدا بعض التجارب الناجحة. وأن الإشكالية من وجهة نظره، تكمن في اتساع الفجوة بين معرفة الفنان التقنية - كإلمامه بعلوم الحركة والبرمجة وغيرها - وبين انشغاله الفني والرسالة التي يسعى لإيصالها إلى جمهوره، ما يجعل التركيز ينصرف إلى الشكل الخارجي وعامل الإبهار على حساب الرسالة والمضمون، يوضح: «أنا دائماً أحرص في أعمالي الفنية أو حين أشرف على إنتاج أعمال لفنانين آخرين، على عدم إقحام التقنيات في العمل، وإنما استخدامها في إطار ما يخدم الفكرة».

دعوة للتعاطف مع البلاستيك!

تُظهر أعمال بن عفيف تفاعلاً واهتماماً جلياً بالطبيعة، مع ذلك وفي حوار سابق له أبدى تعاطفاً مع البلاستيك، المادة التي تعدّ من أخطر التحديات البيئية المعاصرة. عبر عن هذا التعاطف من خلال عملين فنيين. كانت تجربته الأولى بعنوان «بين زرقتين»، حيث أعاد تشكيل قوارير الماء الفارغة، وأضاف إليها سوائل ملونة، ونسقها في تصميم أسطواني. في هذا العمل، حوّل بن عفيف قوارير الماء إلى بلورات تتوهج عند ملامستها للضوء. قدّم فكرة مقاربة في عمله الجديد «ثمار من الأرض»، الذي يتكون من هيكل حديدي على شكل شجرة كبيرة وقوارير ماء ملونة تمثل الأوراق والأغصان. يقف العمل بشموخ الشجرة المعمرة بين أحضان الطبيعة، في المزرعة التابعة لمركز الدرعية لفنون المستقبل، ضمن الأعمال المشاركة في المعرض الحالي «من الأرض». في بيانه الفني، أوضح أن العمل يحتفي بجمال المواد الطبيعية ومن ضمنها البلاستيك، كونها جزءاً من الأرض.

عمل «بين زرقتين» (إنستغرام)

بعد تأمل هذه التجارب الفنية، يبرز سؤال ملحّ، «ألا تجد تناقضاً بين اهتمامك بالبيئة والطبيعة وتعاطفك مع مادة تضرّ بها؟» يجيب بن عفيف: «أتفق تماماً، لكن إذا فكرنا في الماء على سبيل المثال، فهو من ناحية يعدّ أساساً للحياة، ومن ناحية أخرى هو قادر على إنهاء حياة إنسان. كذلك قرأت كثيراً في قضايا إعادة التدوير، ووجدت أن هذا الملف يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، تفوق كونه شأناً بيئياً محضاً». ينظر إلى البلاستيك على أنه خامة نبيلة، بل نعمة للإنسان، فهو يملك مزايا عديدة، منها انخفاض التكلفة وسهولة التشكيل والتصنيع وقدرته على خدمة مجالات متعددة، ومنها الطب. يضيف: «تعاطفت مع البلاستيك، فهو يتعرض لاتهامات مضللة، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام، وليس في المادة ذاتها».

الإنسان والمدينة

أينما نوجه الحوار يعيدنا بن عفيف للحديث عن الإنسان وتأثيره على أعماله: «كل عمل فني بالنسبة لي هو عبارة عن حالة وقضية لا تكتمل إلا بوجود الإنسان، لذا أعتبر أن جزءاً كبيراً من ممارستي الفنية هو حالة تفاعلية مع الإنسان». يجد بن عفيف في النقاشات التي تدور حول أعماله مصدر إلهام لأعمال أخرى، حتى إنه في بعض المرات يوجد قرب أعماله دون التصريح عن شخصيته، باحثاً عن جزء مفقود في فكرته قد يسد فراغه الجمهور.

عمل شارك به بن عفيف في متحف يوتا للفن المعاصر 2017 (إنستغرام)

وعن الغاية التي تحرك الفنان بداخله، يقول: «تحركني رغبة في إعادة تشكيل بعض المفاهيم المغلوطة، فالإنسان لم يخلقه الله ليشقى، بل معمراً للأرض». في السنوات الأخيرة، انشغل بن عفيف بتقديم أعمال تعكس الفرح والأمل: «أكون أكثر سعادة حين أتمكن من تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة، تلك التي وجدت أساساً من أجله، أما الآن فقد اختلف الحال بشكل كبير». يضيف: «أريد أن أذكر الناس من خلال أعمالي بأن الله قد كرمهم، وأن كل هذا الكون مسخر من أجلهم، وإن هم أيقنوا هذه الفكرة فلا أظن أنهم سيسلمون حياتهم للحزن والبؤس».