«إيكواس»... حلم أفريقي تهزّه كوابيسُ الانقلابات

أُسست لتحقيق الاندماج الاقتصادي وسط تهديد الأزمات السياسية

مؤيدون للانقلاب يتظاهرون في نيامي عاصمة النيجر (آ ف ب)
مؤيدون للانقلاب يتظاهرون في نيامي عاصمة النيجر (آ ف ب)
TT

«إيكواس»... حلم أفريقي تهزّه كوابيسُ الانقلابات

مؤيدون للانقلاب يتظاهرون في نيامي عاصمة النيجر (آ ف ب)
مؤيدون للانقلاب يتظاهرون في نيامي عاصمة النيجر (آ ف ب)

منذ سيطر العسكريون على الحكم في النيجر، يوم الأربعاء 26 يوليو (تموز) الماضي، و«المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا»، المعروفة اختصاراً باسم «إيكواس ECOWAS»، تفرضُ العقوبات وتتوعد بشن عملية عسكرية للإطاحة بالمجلس العسكري الحاكم، وإعادة الرئيس المنتخب محمد بازوم المحتجز لدى العسكريين. إلا أن كل هذه التهديدات ذهبت - حتى الآن - أدراج الرياح، ويبدو أن هذه المنظمة الإقليمية التي أسست قبل قرابة 5 عقود بدأت تفقدُ أنيابها، ولم يبقَ منها سوى الريش المنفوخ... ولعل انقلاب الغابون الأخير أوضح دليل على ذلك. «إيكواس» كانت قبل سنوات نموذجاً ناجحاً للاندماج الاقتصادي والتجاري، وبدأت تتحول إلى سوق كبيرة يتطلعُ نحوها الجميع، حتى إنها في عام 2017 تلقت طلباً من المغرب بالانضمام إليها، ثم وقعت معها موريتانيا عقد شراكة، لكنها انسحبت منها عام 2000. واليوم نرى أن هذا النموذج مهدّد وجودياً بموجة انقلابات عسكرية تكاد تعصف به. فهل تنجح المنظمة في تجاوز واحد من أصعب الامتحانات في تاريخها، وهي التي كانت قد غيّرت استراتيجيتها غير مرة؟... إذ إنها بعدما أسست لأغراض اقتصادية وتجارية، صارت مع الوقت تهتم بالأمن والاستقرار والديمقراطية في دولها الأعضاء، وشكّلت قوة احتياط عسكرية سبق أن تدخلت عدة مرات لإنهاء انقلابات أو حروب، أو من أجلِ حفظ الأمن والسلم.

تعود فكرة إنشاء «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس) إلى عام 1972، حين اقترحها اثنان من أشهر القادة العسكريين في غرب أفريقيا هما يعقوبو غوون وغناسينغبي إياديما.

في البداية راودت الفكرة الجنرال يعقوبو غوون، الذي تولّى حكم نيجيريا عام 1966 إثر انقلاب عسكري واحتفظ بالسلطة حتى أسقطه انقلاب عسكري آخر عام 1975، ولقد شهد حكمه إنهاء واحدة من أكثر الحروب بشاعة في تاريخ غرب أفريقيا، ألا وهي حرب إقليم بيافرا الغني بالنفط في جنوب شرق نيجيريا.

والواقع أن غوون الذي طالما وصفُه خصومه بأنه «ديكتاتور»، كان يحلم رغم الأزمات التي تحاصره في الداخل، بإنشاء تكتل إقليمي لدول غرب القارة السمراء، يمكّنها من تحقيق حلم «الاندماج الإقليمي»، وكان هدفه الأبرز تسهيل نقل الأفراد والبضائع بين هذه الدول. وحقاً سارع الجنرال النيجيري - البالغ من العمر اليوم 88 سنة، والذي تحوّل إلى شخصية أكاديمية - إلى طرح الفكرة على عسكري آخر هو الجنرال غيناسينبي إياديما، الذي حكم التوغو لقرابة أربعة عقود وانتهى حكمه حين توفي عام 2005 على متن طائرة خاصة كانت تنقله للعلاج في فرنسا. ويومها وافق إياديما المتهم بدوره بالديكتاتورية، بسرعة على فكرة غوون ودافع عنها بشدة.

اتسعت الدائرة بعد ذلك، ووصلت الفكرة عام 1973 إلى موافقة 12 دولة في غرب أفريقيا. وهكذا أسّس كيان المنظمة بشكل رسمي عام 1975، وهو العام نفسه الذي سقط فيه غوون، صاحب الفكرة و«الأب المؤسس»، واتجه على الأثر إلى بريطانيا حيث تابع دراسته العليا وحصل على الدكتوراه من جامعة ووريك المرموقة. ولكن، ثمة مَن يقول إن غوون لم يأت بالفكرة من فراغ، بل استمدها من «الاتحاد الجمركي في غرب أفريقيا»، الذي أسس عام 1959، وضم خمس دول لم تكن حينها قد حصلت على الاستقلال التام عن فرنسا، هي: مالي وبوركينا فاسو (أعالي الفولتا في حينه)، والنيجر، وبنين (الداهومي في حينه)، وكوت ديفوار. قبل أن تلتحق بها التوغو عام 1961.

كانت روح الاستعمار حاضرة في مختلف التكتلات الإقليمية التي شكّلت في غرب أفريقيا، خلال منتصف القرن العشرين. فالفرنسيون كانوا حاضرين بقوة في رسم معالم هذه الهيئات الإقليمية، بل إنهم كانوا أصحاب القرار الحقيقي؛ لأن شخصية «الدولة» في كيانات غرب أفريقيا آنذاك كانت «صورية»... لا تتمتع بالكثير من الصلابة المؤسسية والوعي البيروقراطي. وهُنا يبني معارضو «إيكواس» حجّتهم للكلام عن موت المنظمة، ويطلقون دعواتهم لإعادة التأسيس، وبالتالي يعارضون جميع قرارات المنظمة. ومن ضمن هؤلاء الدبلوماسي والسفير السابق سوغايو كيغيو، الذي يعتبر أن «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا لم تعد موجودة؛ لأن التكتل الإقليمي الذي تركه لنا الآباء المؤسسون مات. الموجود الآن هو مجموعة من الدُّمى التي تتملّق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهذا أمر لا يهمّ شعوب غرب أفريقيا».

الرئيس الانقلابي النيجري عبد الرحمن تشياني (أ.ف.ب)

الحلم الكبير

الحقيقة أنه رغم تنامي الأصوات المعارضة لمواقف «إيكواس»، خاصة في السنوات الأخيرة حين فرضت عقوبات ضد دول أعضاء بسبب الانقلابات العسكرية، لا يزالُ حلم الاندماج الإقليمي حاضراً. وبالذات في وثيقة «رؤية 2050» التي وضعتها المنظمة عام 2020، تحت شعار «إيكواس الشعوب: السلام والتنمية للجميع»، ولكن هذه الطموحات تواجه تحديات كبيرة. لقد سبق لـ«إيكواس» أن وضعت وثيقة مشابهة عام 2007، وأطلقت عليها يومذاك اسم «رؤية 2020». وكان شعار المرحلة آنذاك إنشاء «منطقة بلا حدود، مستقرة، ومزدهرة، ومتناغمة، يسودها الحكم الرشيد». إلا أنه حين حل الموعد ما كانت غالبية المشاريع الكبرى قد تحققت، بل إن موجة انقلابات عسكرية عصفت بكل ذلك، مع تصاعد وتيرة الإرهاب والجريمة المنظمة.

مع ذلك، لا تزالُ المنطقة تتمتعُ بإمكانيات كبيرة؛ إذ تصلُ مساحة دولها الخمس عشرة إلى أكثر من خمسة ملايين كيلومتر مربع، بينما يزيد عدد السكان على 400 مليون نسمة، تستحوذ نيجيريا وحدها على النصف (206 ملايين نسمة). ثم إن أكثر من 60 في المائة من هؤلاء السكان شباب، فمتوسط العمر في غرب أفريقيا 18 سنة فقط، و65 في المائة من السكان لم يبلغوا بعد 25 سنة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يُقدّر الناتج المحلي الخام لدول «إيكواس» بنحو 700 مليار دولار أميركي، إلا أن 36 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، أي بأقل من دولارين في اليوم الواحد، وفق إحصائيات 2019. وهذا، في وقت تتوافر فيه المنطقة على موارد معدنية هائلة جداً من الذهب واليورانيوم والألماس والنفط والغاز والفوسفات، ومعظمها ما زال في باطن الأرض ويُسيل لعاب قوى العالم.

من جهة ثانية، تسعى «إيكواس» في خططها إلى أن تصبح دولها سوقاً واحدة، عبر إلغاء الحدود وتوحيد التعرفة الجمركية، وسكّ عملة موحّدة اختير لها اسم «إيكو»، وتنفيذ مشاريع بنية تحتية تكاملية، من شأنها أن تسهل حركة الأفراد والبضائع. بيد أنه بسبب موجة انقلابات عصفت بالمنطقة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، راجعت خططها مطلع التسعينات، وأضافت إلى أهدافها ضمان الأمن والسلم، وتعزيز الديمقراطية، انطلاقاً من فكرة الارتباط العضوي بين التنمية والأمن... وها هي تجد نفسها بعد مرور ثلاثة عقود أمام موجة جديدة من الانقلابات.

الرئيس النيجيري السابق يعقوبو غوون (أ ف ب)

أزمة الديمقراطية

يقول سيد أعمر ولد شيخنا، وهو باحث موريتاني مختص في العلوم السياسية والتاريخ ومدير المركز الإقليمي للدراسات والاستشارات، إن «الديمقراطية في منطقة الإيكواس، وفي عموم أفريقيا، تعيش في المنطقة الرمادية... فلا هي ديمقراطية راسخة، ولا هي تسلطية خالصة، بل بقيت دائماً هجينة. ومع أنها راكمت بعض التقاليد الديمقراطية، فإنها تعيش تهديداً مستمراً بالانتكاسة إلى مربع الانقلابات والحروب الأهلية، بسبب ضعف الدولة، وهشاشة الأوضاع الاقتصادية، والعجز عن إدارة الاختلاف والتنوعات العرقية، إلى جانب تحديات الإرهاب والتدخلات الدولية». ويضيف ولد شيخنا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن المنظمة «عانت من الانقلابات العسكرية لعقود، وبالتالي، فهي تحاولُ تشجيع الديمقراطية، باعتبار ذلك هو الطريق إلى الاستقرار والتنمية. وهذا دور معروف في أدبيات الانتقال الديمقراطي بالمشروطية السياسية والاقتصادية، وكان في السابق تقوم به منظمات دولية، وأصبح - لحسن الحظ - تقليداً لدى بعض المنظمات الإقليمية». وفي السياق ذاته، يقول الصحافي السنغالي داود صاو، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن أزمة الديمقراطية في غرب أفريقيا «تتجلى في أن الشعوب لا تجد ذاتها في حُكّامها، كما أن مواطني هذه الدول لا يرون أن البرلمانات تمثلهم أو تدافع عن مصالحهم... فهناك بالفعل أزمة ثقة واضحة بين المواطن والحكومة».

ويتابع الصحافي السنغالي: «من السهل أن نعيد الانقلابات إلى التدخل الخارجي، إلا أنني لستُ متفقاً مع هذه النظرية؛ لأنه بدل إلقاء اللوم على الآخرين، يجبُ علينا البحث عن الخلل في سياساتنا؛ إذ حين نرجع إلى الدول التي وقعت فيها انقلابات سنجد أنها تعاني من أزمة حكم، فهي دول غنية بالموارد الطبيعية مثل الذهب واليورانيوم والنفط، ولكن معظم سكانها يعيشون تحت خط الفقر، وهم محرومون من الماء والكهرباء وأبسط مقومات الحياة الكريمة... وفي المقابل هناك ثلة تزداد ثراءً يوماً بعد يوم. هذا يوضح أننا فشلنا في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، وأنه ليس هنالك توزيع عادل للثروة، مثل هذه المشاكل تقود إلى وضعيات تمهد بدورها للانقلابات العسكرية».

أما الكاتب الصحافي الموريتاني سيدي المختار ولد سيدي، فيرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «الانقلابات الأخيرة لم تكن تستهدف تقويض التجارب الديمقراطية، بل انطلقت من معطيات تتعلق بمشروعية الانتخابات والظروف التي وصل فيها الرؤساء للحكم، بالإضافة لعوامل أخرى مرتبطة بالتحديات الأمنية والتحالفات الجيوستراتيجية، بالإضافة إلى الطموح الذاتي لبعض العسكريين».

تجاهل الأسباب

في أي حال، الاتفاقيات الموقعة بين الدول الأعضاء في «إيكواس»، تمنح المنظمة الحق في فرض عقوبات قد تصل للتدخل العسكري من أجل منع أي استيلاء على السلطة بالقوة، لكنها رغم ذلك لم تنجح في إفشال انقلابات مالي وبوركينا فاسو وغينيا، وها هي اليوم في موقف صعب تجاه النيجر. وهنا، يرجع سيدي المختار ولد سيدي هذا الفشل إلى أن المنظمة «لا تهتم بما يحدث في دولها قبل وقوع الانقلابات، فهي لا تتكلّم عن أوضاع حقوق الإنسان، ولا عن تعزيز الديمقراطية ومحاربة الفساد... وبالتالي فهي تتدخل كردة فعل على حدوث الانقلابات، بدل العمل من أجل تحصين الديمقراطية».

وجهة النظر ذاتها يعرضها الصحافي السنغالي داود صاو، ملاحظاً أن «إيكواس بدلاً من أن تفكر في الأسباب ظلت تركّز على مواجهة النتائج، أي الانقلابات العسكرية... وهذا موقف مفهوم لأنه يتماشى مع مبادئ المنظمة الإقليمية التي ظلت وفية لمنطقها، وهي تصارع أشكالاً مختلفة من السيطرة على الحكم بطريقة غير دستورية». غير أنه يستطرد مضيفاً أن «الخطأ الذي ترتكبه (إيكواس) هو أنها تتجاهل الأسباب التي هيأت الظرفية للانقلاب، وتتجه مباشرة نحو العقوبات بدل البحث عن أسباب لجوء العسكريين للانقلاب... هذا المنطق هو الذي أدخل المنطقة في موجة من الانقلابات؛ لأن التجربة أثبتت أن العقوبات لم تضعف عزيمة العسكريين». غير أن ولد سيدي يشدد على أنه «لا يجوز التعويل كثيراً على (إيكواس) وتحميلها ما لا طاقة لها به، فهي في النهاية لا تمتلك الكثير من الأدوات الفعالة والمستقلة عن الحكومات والقادرة على الضغط عليها عند الضرورة».

التنافس الدولي

في خضم كل ما سبق، من العبث تجاهل التنافس الدولي المحتدم في غرب أفريقيا، ما بين الكتلة الدولية الغربية من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى. وهو تنافس له تأثيره المباشر على الوضعية الصعبة التي تمرُّ بها مجموعة «إيكواس». وهو ما يؤكده سيد أعمر ولد شيخنا، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»؛ إذ يوضح أن «إيكواس فضاء اقتصادي وبشري مهم وكبير، وموضع تنافس القوى الدولية.

وصحيحٌ أن فرنسا لها تأثير وصلات قوية، وصحيحٌ أيضاً أن إيكواس تدفع نسبياً ثمن الموقف الشعبي المتصاعد ضد فرنسا، لكن فرنسا تبقى في النهاية شريكاً موثوقاً لدول المنظمة، وليس هناك أي استعداد للخضوع للابتزاز الروسي عبر الانقلابات، أو الاستجارة من الرمضاء بالنار». ويتابع ولد شيخنا أن التنافس يحتدم بشكل غير مسبوق، مشيراً إلى أن «ثمة استراتيجية الصين الناعمة القائمة على التعاون الاقتصادي، عبر القروض والمقاولات ومشاريع البنية التحتية مع تحاشي التدخل في الشؤون الداخلية، بل التعامل مع الأوضاع القائمة بغض النظر عن الديمقراطية والشرعية الانتخابية. وفي المقابل هناك مشروع روسي يعتمد القوة الخشنة، عبر الانقلابات العسكرية وشركة (فاغنر) والدعم العسكري، وهو يحاول طرد النفوذ الفرنسي ووراثته، ولذلك يوجد ارتباط بالحرب الأوكرانية ومشاريع الغاز الأفريقي البديل للغاز الروسي». أما من جانب الغرب، فيقول الباحث إن «الاستراتيجية الأميركية تترجم في التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني لمحاربة الإرهاب، والاستفادة من الموارد، ورفض ترك المجال للقوى الأوراسية، أي الصين وروسيا، مع إدراك التراجع الفرنسي. ومن ثم، تبقى الاستراتيجية الفرنسية تقليدية، وتخضع حالياً لامتحان عسير، وهي مرغمة على انتهاج خيارات بديلة».

في هذه الأثناء، يقول الصحافي السنغالي صاو إن «السياسات الفرنسية تجاه غرب أفريقيا ظلت جامدة ولم تتغير، في حين نجد أن طبقة من الشباب الأفريقي لم تعد تقبل هذا الوضع، بل ترى في السياسات الفرنسية تجاه بلدانهم نوعاً من الاستعمار الجديد... إنها ليست طبقة معادية لفرنسا أو للثقافة الفرنسية، لكنا ترى أن فرنسا ذات عقلية أبوية، وتمارس الوصاية تجاه دولهم».

«حزام انقلابي» ناري قسم «إيكواس» إلى قسمين

لدى إلقاء نظرة على خارطة "إيكواس"، يتضح أنه في غضون ثلاث سنوات فقط، تشكل "حزام ناري" يقسم المنظمة الإقليمية إلى جزئين منفصلين. إنه "الحزام الانقلابي" الذي يضم مالي وبوركينا فاسو وغينيا والنيجر، وهي أربع دول جمّدت المنظمة عضويتها وفرضت عليها حصارًا اقتصاديًا، فكانت خنجرًا مغروسًا في خاصرة المنظمة التي أسست من أجل "الاندماج".

الكاتب الصحافي الموريتاني سيدي المختار ولد سيدي يعتقد أن المنظمة "مهدّدة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتشظي والانقسام"، في حين يذهبُ الصحافي السنغالي داوود صاو إلى أن على المنظمة "مراجعة أهدافها، لكي تضع في صدارتها الاستجابة لتطلعات شعوب المنطقة... يكفي أن نعرف أن الشعوب اليوم تصف المنظمة بأنها نادي الرؤساء، كونهم يرونها مجرّد تجمّع هدفه الوحيد هو حماية الرؤساء الموجودين في الحكم". ويضيف صاو أن "إيكواس بحاجة إلى الكثير من الحكمة لتجاوز هذه المرحلة الصعبة"، ويشير إلى أن تعامل "إيكواس انقلاب النيجر كان مفتقراً إلى الحكمة حين لوّحت منذ الوهلة الأولى بالتدخل العسكري، ثم تراجعت عنه لتمنح الأولوية للحل الدبلوماسي، ثم عادت بعد ذلك وأكدت أن الخيار العسكري ما يزال مطروحاً... كل هذا التذبذب كان سببه غياب الحكمة".

بيد ان الصحافي السنغالي يخلص إلى القول أن الكلام عن إمكانية تشرذم المنظمة الإقليمية "لا يخلو من مبالغة وتشاؤم"، متابعاً أن "موقف المنظمة الإقليمية الصارم تجاه الانقلابات العسكرية مطلوب وجيد، وتنصّ عليه قوانين ومواثيق وقعّت عليها جميع الدول الأعضاء، إنها مواقف من صميم اختصاص المنظمة".

واختتم "لا خلاف على مبدأ رفض الانقلابات وضرورة مواجهتها، ولكن يتوجب ايضاً على قادة المنظمة أن يكونوا أكثر حكمة، وأن تتوافر لديهم القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، والبحث عن حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية... حلول نابعة من صميم ثقافتنا المحلية".



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.