ماذا نعرف عن ذخائر اليورانيوم المنضب؟ ولماذا تسعى أوكرانيا لامتلاكها؟

وما هي مخاطرها؟

أحد جنود المارينز فوق دبابة من نوع «أبرامز» (أ.ف.ب)
أحد جنود المارينز فوق دبابة من نوع «أبرامز» (أ.ف.ب)
TT

ماذا نعرف عن ذخائر اليورانيوم المنضب؟ ولماذا تسعى أوكرانيا لامتلاكها؟

أحد جنود المارينز فوق دبابة من نوع «أبرامز» (أ.ف.ب)
أحد جنود المارينز فوق دبابة من نوع «أبرامز» (أ.ف.ب)

أعلنت الولايات المتحدة أنها سترسل قذائف يورانيوم منضب مضادة للدبابات إلى أوكرانيا، متَّبعةً خُطى بريطانيا التي أرسلت الذخائر المثيرة للجدل لمساعدة كييف على اختراق خطوط الدفاع الروسية في هجومها المضاد البطيء.

ستستخدم أوكرانيا القذائف من عيار 120 مم من خلال 31 دبابة من طراز M1A1 التي تخطط الولايات المتحدة لتسليمها إلى كييف خلال هذا الخريف.

هذه القذائف الخارقة للدروع طوَّرتها الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة لتدمير الدبابات السوفياتية من طراز (تي 72) وهي نفسها الدبابات التي تواجهها أوكرانيا الآن.

وقال إدوارد جيست، خبير المواد النووية والسياسات لدى مؤسسة «راند» البحثية، إن اليورانيوم المنضب هو منتج ثانوي نتيجة عملية تخصيب اليورانيوم اللازمة لصنع الأسلحة النووية. وهذه القذائف تحتوي على مواد إشعاعية لكنها لا تؤدي إلى تفاعل نووي مثل الأسلحة النووية.

ما اليورانيوم المنضب؟

اليورانيوم المنضب هو منتج ثانوي نتيجة عملية تخصيب اليورانيوم لاستخدامه وقوداً نووياً أو في الأسلحة. وهو أقل قوة من اليورانيوم المخصب، ولا يمكنه توليد تفاعل نووي.

اليورانيوم المنضب ذو كثافة عالية، أكبر من كثافة مادة الرصاص، وهو ما يجعله مناسباً للاستخدام كقذيفة.

ويوضح جيست: «اليورانيوم المنضب عالي الكثافة لدرجة أنه لديه قوة دافعة تساعده على اختراق الدروع، وترتفع درجة حرارته بشدة لدرجة أن النيران تشتعل على سطحه».

ويوضح سكوت بوسطن، محلل شؤون الدفاع لدى مؤسسة «راند»: «عند إطلاق قذيفة اليورانيوم المنضب فإنها تصبح مثل سهم حديدي منطلق بسرعة عالية للغاية».

ويضيف: «في السبعينات، بدأ الجيش الأميركي تصنيع قذائف خارقة للدروع تحتوي على يورانيوم منضب وإضافتها لدروع الدبابات لتقويتها. وكذلك أضافت اليورانيوم المنضب إلى الذخائر التي تُطلقها طائرة الدعم الجوي القريب (إيه 10) والمعروفة باسم قاتلة الدبابات. وما زال الجيش الأميركي يطوّر قذائف يورانيوم منضب، خصوصاً القذيفة الخارقة للدروع M829A4 لتعمل على دبابة القتال الرئيسية من طراز «إم 1 إيه 1» أبرامز.

ماذا تقول روسيا؟

في مارس (آذار)، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن موسكو «ستردّ على اعتبار أن الغرب سيبدأ في استخدام أسلحة تتضمن (مكونات نووية)». فيما قال سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي: «هذه الذخائر ستكون خطوة تجاه تسريع التصعيد». وأعلن بوتين بعدها بأيام أن روسيا ستردّ على الخطوة البريطانية بإرسال أسلحة نووية تكتيكية إلى بيلاروسيا المجاورة.

وقال بوتين ولوكاشينكو، رئيس بيلاروسيا، في يوليو (تموز) الماضي أن روسيا أرسلت بالفعل بعضاً من هذه الأسلحة.

ووصف ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، قرار الولايات المتحدة إرسال أسلحة تحتوي على يورانيوم منضب بأنه «خبر سيئ للغاية». وادَّعى أن استخدام الولايات المتحدة هذا النوع من الذخائر في يوغوسلافيا أدى إلى ارتفاع كبير في الإصابة بالأمراض السرطانية وأمراض أخرى أثرت على الأجيال اللاحقة التي تعيش في تلك المنطقة.

وتابع، في مكالمة مع الصحافيين: «الوضع نفسه سوف يتكرر في المناطق الأوكرانية إذا استُخدمت هذه الذخائر، والمسؤولية ستقع على كاهل قادة الولايات المتحدة».

وأفاد الجيش الأميركي بأنه درس تأثير استخدام ذخائر اليورانيوم المنضب على الجنود الأميركيين خلال حرب الخليج، وحتى اللحظة لم يجد أي خطورة فيما يخص الإصابة بالأمراض السرطانية أو أي أمراض أخرى. مؤكداً أنه سيظل يتابع الجنود الذين تعرضوا لها.

وقال اللفتنانت كولونيل غارون غارن، المتحدث باسم قوات المارينز الأميركية، في مارس (آذار) الماضي رداً على سؤال من «أسوشييتد برس»، إن البنتاغون يؤيد استخدام ذخائر اليورانيوم المنضب، مضيفاً أن الجيش الأميركي يُنتج ويُخزن ويستخدم هذا النوع من الذخائر منذ عقود، خصوصاً أن هذه الذخائر صلاحيتها أطول من الذخائر التقليدية.

ورغم أنها ليست كالقنابل النووية، فإن المستويات القليلة من الإشعاع التي تَنتج عنها دفعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى الدعوة لتوخي الحذر عند استخدام هذه الذخائر أو التعرض لها.

وأوضحت الوكالة أن استخدام هذه الذخائر يجب أن يكون في أدنى حد ممكن، مع اتخاذ إجراءات احترازية مثل ارتداء القفازات. وربما يجب تنظيم حملة توعية عامة للتأكد من أن الناس ستتفادى التعامل مع هذه الذخائر.

ويرى جيست أن المستويات المنخفضة من الإشعاع في ذخائر اليورانيوم المنضب هي «عَرَض جانبي، وليست صفة رئيسية» بها، مؤكداً أنه لو اكتشف الجيش الأميركي مادة أخرى بها نفس مستوى الكثافة سيستخدمها بدلاً من اليورانيوم المنضب.

يُذكر أن ذخائر اليورانيوم المنضب والدروع المحسنة باليورانيوم المنضب استُخدمت في حرب الخليج الأولى ضد دبابات (تي 72) العراقية، ثم غزو العراق 2003 وكذلك في صربيا وكوسوفو.

من يمتلك هذه ذخائر اليورانيوم المنضب؟

تنتج الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا والصين وفرنسا وباكستان أسلحة اليورانيوم المنضب التي يقول التحالف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم إنها لا تصنف أسلحة نووية.

ومن المعروف أن 14 دولة أخرى تخزن أسلحة اليورانيوم المنضب.

ما هي مخاطر اليورانيوم المنضب؟

توجد الكثير من الدراسات ويثار الجدل حول آثار التعرض لأسلحة اليورانيوم المنضب، وخصوصا في ساحات القتال حيث استخدمت هذه الذخائر في حرب الخليج في 1990 و1991 وفي قصف حلف شمال الأطلسي ليوغوسلافيا في 1999.

وتقول الجمعية الملكية، وهي زمالة علماء مقرها لندن، إنه جرى استخدام نحو 340 طنا من اليورانيوم المنضب في الذخائر خلال حرب الخليج عام 1991 وما يقدر بنحو 11 طنا في البلقان في أواخر التسعينيات.

وتناول أو استنشاق كميات من اليورانيوم، حتى وإن كان منضبا، أمر خطير، إذ يمكن أن يُضعف وظائف الكلى ويزيد من خطر الإصابة بمجموعة من الأمراض السرطانية.

وتقول جهات معارضة لمثل تلك الأسلحة، ومنها التحالف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم، إن الغبار الناتج عنها يمكن استنشاقه، في حين أن الذخائر التي لا تصيب هدفها يمكن أن تسمم المياه الجوفية والتربة.

لكن بريطانيا، التي أعلنت أنها سترسل هذا النوع من الذخائر إلى أوكرانيا، تقول في إرشاداتها إن من الصعب أن يتسبب استنشاق كميات من غبار اليورانيوم المنضب في وقوع إصابات.

ماذا يقول العلم؟

قالت الجمعية الملكية في تقرير عام 2002 إن المخاطر التي تتعرض لها الكلى والأعضاء الأخرى من استخدام ذخائر اليورانيوم المنضب منخفضة جدا بالنسبة لمعظم الجنود في ساحة المعركة وأولئك الذين يعيشون في منطقة الصراع.

لكن الجمعية أضافت «في الظروف القاسية، وفي ظل أسوأ الافتراضات، يمكن أن يعاني من يتعرض من الجنود لكميات كبيرة من اليورانيوم المنضب آثارا ضارة على الكلى والرئة».

وقالت «سيكون التلوث البيئي متباينا للغاية، لكن في معظم الحالات ستكون المخاطر الصحية المرتبطة باليورانيوم المنضب منخفضة للغاية. وفي بعض السيناريوهات الأسوأ، يمكن أن تشهد بعض المناطق مستويات عالية من اليورانيوم في الطعام أو الماء، مما قد يكون له آثار ضارة على الكلى».

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن عددا صغيرا من المحاربين القدامى الذين شاركوا في حرب الخليج توجد بأجسادهم آثار لليورانيوم المنضب أدت إلى ارتفاع مستويات إفراز اليورانيوم المنضب في البول لكن دون التسبب في أي آثار صحية ملحوظة.

وأضافت أن الدراسات على هؤلاء الجنود أظهرت «زيادة صغيرة (أي ليست ذات دلالة إحصائية) في معدل الوفيات، لكن هذه الزيادة ترجع إلى وقائع معينة أكثر من كونها ترجع إلى أمراض... لا يمكن ربطها بأي تعرض لليورانيوم المنضب».

كما أشار تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة حول تأثير اليورانيوم المنضب في صربيا والجبل الأسود إلى «عدم وجود تلوث كبير وواسع النطاق».

غير أن بعض الساسة الصرب شككوا في ذلك وتحدثوا عن زيادة عدد الوفيات بسبب إصابتهم بأورام خبيثة.


مقالات ذات صلة

أوجلان يدعو أكراد المنطقة لأساليب جديدة بدل السعي لـ«الاستيلاء على السلطة»

شؤون إقليمية زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان كما ظهر في رسالة فيديو يوم 9 يوليو 2025 دعا فيها أعضاء الحزب لإلقاء الأسلحة والإعلان عن الانتقال إلى النضال الديمقراطي في إطار قانوني (أ.ف.ب)

أوجلان يدعو أكراد المنطقة لأساليب جديدة بدل السعي لـ«الاستيلاء على السلطة»

دعا زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان الأكراد في المنطقة إلى اتباع أساليب جديدة تقوم على المساواة والاعتراف الديمقراطي وليس على السعي إلى السلطة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية نفَّذ 25 من مسلحي حزب «العمال» الكردستاني انسحاباً من تركيا إلى شمال العراق في 26 أكتوبر الماضي (رويترز)

تركيا: السلام مع الأكراد يواجه موقفاً متشدداً من الحكومة

تنتهي اللجنة المكلفة بوضع الأساس القانوني لنزع أسلحة «العمال» الكردستاني من تقريرها النهائي خلال الأسبوع المقبل، وسط معلومات عن خلوه من مطالب الأكراد والمعارضة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في بروكسل الأربعاء (رويترز)

المفوضية الأوروبية تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

كشفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، عن تفاصيل دعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا بـ90 مليار يورو على مدار العامين المقبلين.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز) play-circle

أميركا استخدمت طائرة سرية بتمويه يجعلها تبدو مدنية لاستهداف قارب في الكاريبي

ذكرت تقارير إعلامية أن الجيش الأميركي استخدم طائرة سرية تم طلاؤها لتبدو كطائرة مدنية في أول هجوم على قارب يشتبه في قيامه بتهريب المخدرات في الكاريبي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية قائد الوحدة الصاروخية في الحرس الثوري الإيراني أمير علي حاجي زاده يقدّم شرحاً إلى وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في معرض الصواريخ الإيراني 20 سبتمبر 2023 (إرنا)

مسؤول غربي: إيران باعت روسيا عتاداً عسكرياً بـ4 مليارات دولار منذ عام 2021

ذكرت شبكة «بلومبرغ»، الاثنين، نقلاً عن مسؤول أمني غربي، أن إيران باعت روسيا عتاداً عسكرياً بأكثر من 4 مليارات دولار لدعم حربها على أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.


باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»
TT

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

تقول برينا هين Brenna Henn، عالمة الوراثة في جامعة كاليفورنيا-ديفيس: «في مختبري، نحن نهتم بتوصيف التنوع البشري، وخاصةً لدى السكان الذين يعيشون في أفريقيا، أو المتحدرين منها. وأحد الأمور التي أردنا معالجتها هو التركيز المفرط على الطب الجيني الشخصي. والفكرة هي أنه عند إجراء تسلسل الجينوم، يمكن بعد ذلك دراسته بالنسبة لأمراض القلب أو السل -اختر مرضك المفضل- وسنتمكن من إعطائك درجة تُشير إلى مدى احتمالية إصابتك بهذه الأمراض».

نتائج متحيزة للجنس الأبيض

يُجرى معظم هذا العمل على الأوروبيين أو أحفادهم في الولايات المتحدة. عندما نُطبّق هذه الدرجات على مجموعات سكانية أخرى، لا تكون النتائج بنفس الكفاءة. وهذه مشكلة كبيرة، لأننا نُطوّر أداة سريرية لا تُجدي نفعاً إلا مع نصف الأشخاص الذين يراجعون أي عيادة في الولايات المتحدة.

وأحد أهدافنا هو فهم سبب ذلك. هل يعود ذلك إلى وجود طفرات فريدة لدى هؤلاء الأشخاص غير موجودة لدى الأوروبيين؟ أم أن لديهم نفس أنواع الجينات، ولكن تفاعلهم مع البيئة يختلف؟

دراسة الجينوم الأفريقي

في عام 2019، حصلتُ على منحةٍ للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية من المعاهد الوطنية للصحة. جمعنا نحو 3600 جينوم من مجموعات سكانية من أصول أفريقية، سواء في القارة الأفريقية، أو في الأميركتين. وقدّمْنا 80 عينة جمعناها في جنوب أفريقيا من مجموعةٍ بالغة الأهمية تُدعى الخويسان Khoisan التي يتميز أفرادها بتنوّعٍ جينيٍّ يفوق أيّ مجموعةٍ بشريةٍ أخرى. أستمتعُ بوجودي في هذه المجتمعات، وأُحبّ التحدث مع أهلها.

نموذج لتطور الإنسان المبكر

ساعدتنا هذه البيانات في وضع نموذجٍ جديدٍ لتطور الإنسان المبكر في أفريقيا. لطالما ساد اعتقادٌ بأنّ الإنسان نشأ في موقعٍ واحدٍ فقط في أفريقيا. لكنّ ظهور جنسنا البشريّ على الأرجح كان أوسع نطاقاً في أفريقيا.

ورغم أن منحتي كانت قابلة للتجديد كل خمس سنوات، فقد تعطلت الموافقة عليها ثم ظل الطلب معلقاً من ديسمبر (كانو الأول) 2024 إلى سبتمبر (أيلول) 2025.

إخفاقات التمويل أوقفت الأبحاث

ثم قيل لنا: «لا يمكن تحديد سياسة معينة. ولكن نظراً لأن طلبكم يتضمن تعاوناً مع جنوب أفريقيا، فلن يتم تمويله». هذا كل ما جاء في البريد الإلكتروني.

إنني أشعر بخيبة أمل شديدة. كان أحد أهدافنا نشر قاعدة بيانات ضخمة للجينومات الأفريقية. سيكون هذا المورد متاحاً لآلاف الباحثين في مجال الطب الحيوي في الولايات المتحدة، والعالم. الآن لا أملك المال الكافي لاستضافة البيانات، أو إجراء التحليلات. لديّ 200 تيرابايت من البيانات مُخزّنة على خادم كمبيوتري في كيبيك. إنه لأمرٌ مؤسفٌ للغاية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»