أفلام المسابقة تتوالى وفرص الفوز مجهولة

مهرجان فينيسيا السينمائي: سوبرمان عربي يطير ويقع والجريمة مفيدة على الجبهة الغربية

مايكل فاسبندر في «القاتل» (نتفليكس)
مايكل فاسبندر في «القاتل» (نتفليكس)
TT

أفلام المسابقة تتوالى وفرص الفوز مجهولة

مايكل فاسبندر في «القاتل» (نتفليكس)
مايكل فاسبندر في «القاتل» (نتفليكس)

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا

هناك بيردمان عربي ولا أحد يعلم به. في فيلم محمد بن عطية الجديد «وراء الجبل» شخصية لرجل يلقي بنفسه من أعلى لأنه يستطيع الطيران. يقول في الفيلم: «الإنسان الأول كان يمشي منحنياً، لكن أحدهم سار مستقيماً فهاجموه ومن ثمّ أصبحوا جميعاً يسيرون مثله. كذلك الطيران. الإنسان يستطيع الطيران فعلاً».

ربما استطاع بطل «وراء الجبل» الطيران لكنه على عكس «بيردمان»، في فيلم أليخاندرو غونزاليز أيناريتو، لا يعرف كيف يحطّ، وكلما أراد العودة إلى الأرض سقط وبدا أنه ميّت.

يحكي المخرج بن عطية («لدي»، 2018) قصّة رجل يطير في الأجواء كلما أراد ذلك. لكن بعض طيرانه الأول يبدو كما لو كان محاولة انتحار. وليس واضحاً لماذا يكرر إلقاء نفسه من طوابق عليا لأن الحكاية الفعلية يمكن لها أن تبدأ بعد ثلث ساعة من الفيلم عندما يختطف رفيق (ماجد مستورة) ابنه من المدرسة ويتجه به في سيارته إلى منطقة جبلية بعيدة. هناك يتركه جالساً فوق صخرة ويصعد أخرى بعيدة ويقلع طائراً بين السماء والأرض. لكن سريعاً ما يعود للأرض مغشياً عليه. يتطلب الأمر قيام راعي غنم (سامر بشارات) بحمله على كتفيه وصولاً لداره حيث يُنعشه. رفيق بحالة جيدّة لكنه لا يزال يرتكب أخطاءً من بينها عدم امتثاله لحاجز أمني وانطلاقه بسيارته في دروب وعرة قبل أن تتوقف تلك السيارة تماماً وينطلق رفيق مع ابنه ياسين (وليد بوشوية) والراعي في الجبال. قبل انقضاء النهار يجدون بيتاً تعيش فيه عائلة تتألف من زوجين وأولادهما الثلاثة.

ما يحدث داخل البيت ينقل الفيلم إلى حالة تشويقية بين غزاة ومدافعين. الفريق الأول يسيطر على الثاني، ثم تنقلب الآية فإذا بأصحاب البيت يأخذون زمام المبادرة. يأخذ رفيق ابنه ويحلّق به. يكاد الولد الصغير أن يقع (كما كادت مارغوت كيدر أن تفلت من بين يدي سوبرمان عندما حلق كريستوفر ريف بها في «سوبرمان»، 1978). لكن الأب فطن ويلتقط ابنه قبل فوات الأوان.

ثغرات ومشاكل عدّة في هذا الفيلم. ما الذي يود قوله في نهاية المطاف ليس واضحاً. لن يخرج المشاهد ليقف على سطح منزله ويحاول التحليق في الفضاء. هذا في المفاد. في التفاصيل، فإنه كان من المهم أن نعرف لماذا ترك الراعي غنمه وانضم إليه في تلك الرحلة. هل كان بفعل رغبته الانضمام إلى رجل ليس له مثيل في العالم.

النواحي التقنية لا بأس بها لكن مثل هذا الإنتاج كان يحتاج إلى تمويل كافٍ للخروج من تجربة فيلم خيالي إلى فيلم خيالي ببصريات تناسب النوع.

كما طار وقع

هذا هو أحد الأفلام العربية القليلة في مهرجان «فينيسيا» للعام الحالي. وهو يشترك مع كثير من الأفلام العربية بأنه فيلم مهموم بقضايا أحياناً ما تكون اجتماعية وأحياناً ما تكون ذاتية (كحال هذا الفيلم). على ذلك، يسجّل للمخرج بن عطية أنه عرف كيف يستحوذ على الاهتمام ولو أن الفيلم بدا كما لو أنه يريد السير على الخط نفسه الذي ميّز أفلام المخرج التونسي الآخر علاء الدين سليم الذي ينجز أفلاماً غرائبية كان آخرها «آخر واحد فينا» سنة 2018.

ليس أن مهرجان «فينيسيا» يختار عدم عرض أفلام عربية (وتاريخه مليء بها)، لكن الذي حدث هذه السنة أن المنتجين الذين توجهوا في العام الماضي إلى صندوق دعم المشاريع المسمّى بـ«Final Cut» غابوا عنه العام الحالي بمجرّد انتهاء أفلامهم. بعضهم آثر استغلال فرصة مواتية لعرض فيلمه في مهرجان «كان» (الذي انتهز الفرصة وجمع شمل ما لا يقل عن خمسة أفلام عربية هذه السنة)، وبعضهم الآخر فضّل التوجه إلى مهرجان «تورونتو».

فيلم آخر آت من العالم العربي عرض هنا هو «باي باي تبرياس» للينا سويلم.

فيلمها هو مزج بين وثائقيات وبين دراميات الوضع الذي خلّفته الأوضاع الفلسطينية عبر عقود. تسعى المخرجة للحديث عن فلسطين كما كانت، وعن الفلسطينيين كما أصبحوا شتاتاً في أوطان أخرى. لا تفتعل هذا الحديث لأنها تتناول تجربة شخصية متقصّية أربع نساء يمثلن عدة أجيال توارثت العيش بعيداً عن وطنها الأم.

نار على نار: «أداجيو» (ألترإيغو)

مدينة على نار

المسابقة التي ينتمي إليها هذا الفيلم (مسابقة تظاهرة «آفاق») تحتوي على الكثير من الأفلام التي تستدعي الانتباه وبعضها يستحق فوزاً مناسباً، كذلك الحال بالنسبة لأفلام المسابقة، علماً بأن الكثير مما كان منتظراً منه أن يقود التوقعات لم يفعل ذلك بل انضم للسائد من الأفلام ذات المستوى الجيد، لكنها ليست فائقة الجودة. هذا ما يجعل المسابقة صعبة المراس وفرص الفوز فيها مجهولة.

هناك فيلمان عن الجريمة. واحد بإطارها المجتمعي الواسع والثاني ضمن شخصية فرد واحد آل على نفسه القتل مقابل المال. لا يهم على من يطلق النار ولماذا، فهو، كما يقول في الفيلم، لا يتبع إلا مصلحته.

الفيلم الأول «من ريطالا» أخرجه ستيفانو سُليما (هل الأصل سُليمة؟) العائد من هوليوود بعدما حقق فيها فيلمان هما «سيكاريو 2» (2018)، و«بلا ندم» (Without Remorse) (2021). عودة حميدة لأن سينماه الإيطالية تحتاج إليه أكثر من سواها. الفيلم هو «أدجيو» المشترك في المسابقة. ما يكشف عنه الفيلم موهبة سُليما في تأطير الأحداث بمواقعها وديكوراتها الطبيعية. هذا رغم أن الفيلم كان يحتاج لمواقع أكثر لأجل منع تداول الأماكن على نحو متكرر.

مجدي مستورة في «وراء الجبل» (نوماديس إيميجز)

لدى سُليما معرفة بالبيئة التي يتحدّث فيها وعمق فيما يطرحه. يتبدى هذا العمق من اللقطة الأولى: لقطة فوقية بعيدة لطريق مزدحمة بالسيارات. في الأفق، وعلى مساحة واسعة، هناك حريق عند أطراف المدينة. بهذا، دمج المخرج القصّة التي سيعرضها بالرمز المتوخى من تلك النار البعيدة ذات الأفق العريض. بذلك أيضاً يؤسس لأجواء الحكاية التي سيعرضها.

القصّة بحد نفسها لا تمتد لتغطي مساحة الفيلم. هي حبكة حول الشاب الذي يلجأ إلى العصابة الخطرة لكي تساعده في مواجهة أفراد شرطة فاسدين يريدون ابتزازه. لكن هذه الحبكة متشعبة بمفارقات وأحداث أخرى تمنحها حياة خارج الخط الرئيسي الذي تنطلق منه. العلاقات بين الشخصيات غير الملتئمة في عالم الجريمة الداكن. كثيرة هي اللقاءات بين أناس ترغب في النجاة بنفسها وأخرى تحاول المساعدة، لكنها مرتبطة بدورها بذلك الوضع السوداوي لما تعنيه كلمة جريمة.

ما كان الفيلم بحاجة إليه هو صياغة مختلفة لهذا السيناريو، كفيلة بجعل المشاهد على معرفة أوثق بما تمثّله تلك الشخصيات ولماذا تأتي رهاناتها خاسرة.

ليس بطلاً ولا ضد البطل

الفيلم الآخر هو «القاتل» (The Killer) للأميركي ديفيد فينشر وحققه لصالح الفيلم الأول «من ريطالا» الذي أخرجه ستيفانو سُليما «نتفليكس» (كحال فيلم «إل كوندو» لبابلو لاران المشترك كحال «أدجيو» في المسابقة الرسمية).

القاتل هنا فردي الشأن لا علاقة له بالعصابات ولا يهتم إذا ما كان الفساد (أخلاقياً أو مادياً) مستشرياً بين الشرطة أو سواهم. كل ما يهمّه هو تنفيذ المهام المسندة إليه بنجاح لكي يقبض أجره وانتظار المهمّة التالية.

شيء مثير للدهشة يحدث هنا: الفصل الأول من المشاهد هي، من تعليق صوتي لهذا القاتل الذي لا نسمع اسماً واحداً له، بل عدة أسماء يستعملها كلّما طار من مدينة لأخرى. يقول صاحب الصوت (مايكل فاسبندر) إن هناك شروط عمل تمنحه ما بلغه من شأن وقوّة في عالم الجريمة. يبدأ بتعدادها... أشياء مثل الانتباه إلى التفاصيل والتركيز على الخطة الموضوعة وعدم السماح بأي تعديل لها.

المهمّة المسندة إليه تقع في باريس حيث سيقوم القاتل بقنص رئيس جمهورية ما. يراه بوضوح. تدخل امرأة لتشكل حاجزاً بينه وبين الضحية. يصبر. تنحني ثم تقف فجأة بعدما أطلق الرصاصة لتقع مقتولة. مشاهد الهرب من فرنسا وكيفية تصرّفه لإخفاء كل معالم الجريمة مثيرة، كذلك باقي الأحداث التي يجد نفسه فيها في سعي للانتقام من قتلة صديقته لسبب لن يعرفه إلا لاحقاً.

الغاية من الفيلم هي تقديم بطل ميكانيكي التفكير. منهجي التصرف. يعرف كل شيء. يضع لنفسه كل تلك الشروط، لكنه لا يتصرّف دوماً بنصوصها. هو شيء متطوّر من شخصية تشارلز برونسون في فيلم مايكل وينر «الميكانيكي» (1972).

ذلك الفيلم كان ركيكاً وفقيراً في جميع نواحيه الفنية، لكنه يشترك مع هذا الفيلم في أن بطله يتبع الـMethod الخاصة لتنفيذ جرائمه. هذه هي نقطة اللقاء الوحيدة كون المخرج فينشر أكثر وعياً من أن يقدّم فيلماً ليس ذا مستوى. على ذلك، تخون بعض التفاصيل النوايا الحسنة. أحد نجاحاته أن الشخصية تبقى رمادية لا تكشف الكثير عن نفسها. هي ليست بطلة ولا يمكن اعتبارها مناوئة للبطولة. شخصية تقودنا بنجاح للحكاية التي تقع معها لكنها لا تكترث إذا ما أعجبنا بها أم لا.


مقالات ذات صلة

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يوميات الشرق يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

أُدرجت محافظة العلا السعودية ضمن القائمة النهائية للمرشحين لجوائز الإنتاج العالمية 2026 في فئة «مدينة الأفلام 2026»، التي تنظمها مجلة «سكرين إنترناشونال».

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)

لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

في مشهد أصبح يتكرر مؤخراً في الأعمال السعودية، يشارك لاعب كرة قدم في فيلم سينمائي، ويظهر شاعر في عمل درامي، ويتصدر مغنٍّ بطولة سينمائية في أول مشاركة له.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُبرز الفيلم أهمية الرهان على الموهبة (الشركة المنتجة)

فيلم «معّوز»... تجربة سينمائية تراهن على ثيمة تحقيق الأحلام

تستقبل دور العرض في مصر والعالم العربي النسخة المدبلجة من فيلم الرسوم المتحركة العالمي «معّوز (GOAT)» الذي انطلقت حملته الدعائية، أخيراً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد سعد في لقطة مع أبطال الفيلم (الشركة المنتجة)

اتهام صُنّاع «فاميلي بيزنس» بـ«اقتباس» فكرته من الفيلم الكوري «طفيلي»

لاحقت الفيلم المصري «فاميلي بيزنس» اتهامات بـ«اقتباس» فكرة الفيلم الكوري الجنوبي الشهير «طُفيلي» الذي حاز السعفة الذهبية لمهرجان «كان».

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)

«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

يقترب المخرج النمساوي باتريك شيها من جيل روسي وجد نفسه فجأة خارج الجغرافيا وخارج الزمن...

أحمد عدلي (القاهرة)

جمال يُكلّف اليابانيين كثيراً... أزهار الكرز تتحوَّل «كابوساً»

الجمال حين يفيض يضيق المكان (أ.ب)
الجمال حين يفيض يضيق المكان (أ.ب)
TT

جمال يُكلّف اليابانيين كثيراً... أزهار الكرز تتحوَّل «كابوساً»

الجمال حين يفيض يضيق المكان (أ.ب)
الجمال حين يفيض يضيق المكان (أ.ب)

بدأت «المشكلة بصورة ساحرة»، وسرعان ما امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بصور خلّابة لجبل فوجي الياباني، بينما تكتسي قمته بالثلوج. وظهر الجبل وهو يطلّ على معبد أحمر، مع تفتُّح أزهار الكرز التي لا تستمر طويلاً، وتُعدّ بشارة بمجيء الربيع.

ما يبدو حلماً... قد يثقل الواقع (أ.ب)

وسرعان ما توافد السياح الراغبون في التقاط صور مماثلة إلى هذه البلدة الهادئة الواقعة عند سفح الجبل. ولم يمرّ وقت طويل قبل أن تتصاعد الشكاوى: ازدحام مروري خانق، وأكوام من القمامة، وسياح أجانب غير مهذّبين يطرقون أبواب المنازل الخاصة طلباً لاستخدام المراحيض، وآخرون يقضون حاجتهم في الحدائق الأمامية للمنازل.

ما يجذب العالم... قد يرهق أهله (أ.ب)

ووصل الأمر إلى حدّ أن المسؤولين في مدينة فوجيوشيدا أعلنوا في فبراير (شباط) الماضي إلغاء «مهرجان أزهار الكرز» السنوي لهذا العام، الذي بدأ وسيلةً للترويج للسياحة قبل عقد.

وكشف ما يُسميه السكانُ المحلّيون «التلوّثَّ السياحي» عن مشكلة أوسع تواجه اليابان؛ فمع تفاقم الركود الاقتصادي في البلاد، يتوق المسؤولون إلى الانتعاش الاقتصادي الناتج عن زيادة السياحة، في حين تجد المجتمعات المحلّية نفسها غير مُستعدّة تماماً لما يعنيه هذا التدفُّق الهائل من الزوار الأجانب إليها.

اليوم؛ أصبح 10 آلاف سائح يومياً «مصدرَ تهديد لحياة السكان اليومية». وفي هذا الإطار، صرَّح مدير إدارة الاقتصاد والبيئة في مدينة فوجيوشيدا، ماساتوشي هادا، لوكالة «أسوشييتد برس»: «هذه المنطقة في الأساس حيّ سكني عادي، وبات من الصعب تحقيق التوازن بين السياحة وسلامة البيئة المعيشية للسكان. لذلك قرّرنا عدم الترويج لمهرجان من شأنه أن يجذب مزيداً من الزوار».

يكثُر العابرون فيقلّ الهدوء (أ.ب)

حتى من دون المهرجان، فقد اكتظَّت المنطقة بالسياح الأجانب في يوم مشمس من أوائل أبريل (نيسان)، عندما بلغت أزهار الكرز ذروة تفتُّحها. وامتلأت الشوارع الضيّقة المؤدّية إلى متنزه «أراكوراياما سينغين» الشهير، حيث اصطفَّ الزوار لالتقاط صور للمناظر البانورامية ذات الشهرة العالمية.

يُذكر أنه في السنوات الأخيرة، تجاوز عدد السياح الأجانب 10 آلاف سائح يومياً في المنطقة؛ ممّا «يهدّد حياة السكان اليومية»، وفق بيان صادر عن مدينة فوجيوشيدا في فبراير الماضي.

ليس كلّ جمال نعمة... بعضه اختبار (أ.ب)

وقد لوحظت ظاهرة «السياحة المُفرطة» كذلك في وجهات سياحية شهيرة أخرى باليابان، مثل كيوتو وكاماكورا. في كيوتو، يشكو السكان المحلّيون من السياح الذين يحملون حقائب كبيرة ويتسبَّبون في ازدحام حافلات المدينة.

ويزداد استخدام مصطلح «التلوّث السياحي» في وقت تواجه فيه اليابان ازدياداً سريعاً في أعداد العمال الأجانب الوافدين، مع انخفاض عدد السكان وشيخوختهم. وقد أدَّى هذا الوضع إلى تنامي كراهية الأجانب، واقترحت حكومة رئيسة الوزراء، ساناي تاكايتشي، قوانين أشدَّ صرامة تجاه الأجانب.

وفي الوقت الذي تَعِدُ فيه الحكومة بمعالجة المخاوف المرتبطة بـ«السياحة المفرطة»، فإنها تسعى إلى رفع عدد السياح الوافدين من 40 مليوناً في الوقت الراهن إلى 60 مليوناً بحلول عام 2030.


الفضول أم الجوع؟ الراكون يختار رغم غياب المكافأة

الفضول رغبة لا تُشبَع (شاترستوك)
الفضول رغبة لا تُشبَع (شاترستوك)
TT

الفضول أم الجوع؟ الراكون يختار رغم غياب المكافأة

الفضول رغبة لا تُشبَع (شاترستوك)
الفضول رغبة لا تُشبَع (شاترستوك)

تشتهر حيوانات الراكون بفضولها الشديد، وأظهرت دراسة حديثة قدرتها على حلّ الألغاز حتى من دون توقُّع أي مكافأة في النهاية، ممّا قد يُسهم في فَهْم سلوكها داخل المدن بشكل أفضل.

وذكرت «الإندبندنت» أنه قد ساد اعتقاد سابق بأنها حيوانات انتهازية تبحث عن الطعام؛ فهي قادرة على الوصول إلى حاويات القمامة وصناديق السماد، حتى تلك المزوَّدة بأقفال مُحكمة نسبياً.

وإنما دراسة جديدة تشير إلى أنّ حيوانات الراكون ربما تتحرَّك بالفعل بدافع الفضول، وليس الجوع فحسب، في أثناء بحثها عن الطعام. وخلص باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية إلى أنها تستمرّ في حلّ الألغاز مدةً طويلة، حتى بعد حصولها على المكافأة الغذائية الوحيدة المتاحة. وتُسلط هذه النتيجة الضوء على وجود دافع داخلي أعمق من الجوع يُحرّك سلوكها.

وفي إطار الدراسة، صمَّم العلماء صندوق ألغاز متعدّد الفتحات بـ9 مداخل، مُصنَّفة لجهة الصعوبة إلى سهلة ومتوسّطة وصعبة. واحتوى الصندوق على قطعة واحدة من حلوى المارشميلو، محاطة بأدوات مثل الأقفال والأبواب المنزلقة والمقابض.

في كلّ تجربة مدتها 20 دقيقة، استمرَّت حيوانات الراكون في فتح آليات جديدة بعد تناولها قطعة المارشميلو، ممّا يُعدّ مؤشراً واضحاً على سعيها وراء المعلومات بدافع الفضول.

في هذا الصدد، شرحت عضو الفريق البحثي القائم على الدراسة المنشورة في دورية علمية متخصّصة، هانا غريبلينغ: «لم نتوقَّع أن تفتح جميع الحلول الثلاثة في تجربة واحدة. لقد استمر الراكون في حلّ المشكلات، حتى عندما لم يتبقَّ مارشميلو في النهاية».

وحتى عندما حلَّت الألغاز بسهولة، بدت حيوانات الراكون وكأنها تستكشف الصندوق على نطاق واسع، مُجرِّبة فتحات متعدّدة ومُغيِّرة ترتيبها.

وعندما ازدادت صعوبة المهمّة، بدت وكأنها تُفضّل حلاً مضموناً، لكنها مع ذلك استكشفت مسارات متعدّدة.

ويشير هذا إلى أنّ حيوانات الراكون قد تعدّل استراتيجية استكشافها وفق تقديرها للتكلفة والمخاطر المتصوَّرة، محاكية بذلك أطر اتخاذ القرار لدى حيوانات أخرى والبشر.

وأضافت: «إنه نمط مألوف لأي شخص يطلب الطعام في مطعم... هل تطلب طبقك المفضّل أم تُجرّب شيئاً جديداً؟ إذا كانت المخاطرة عالية -وجبة باهظة الثمن قد لا تعجبك- فإنك تميل حينها نحو الخيار الآمن».

وأوضحت غريبلينغ: «تستكشف حيوانات الراكون عندما يكون الثمن منخفضاً، بينما سرعان ما تقرّر توخّي الحذر عندما تكون المُخاطرة أكبر».

ومن خلال حلّ المشكلات للحصول على المعلومات، وليس الطعام فقط، تتمتّع حيوانات الراكون بميزة في البيئات المعقّدة، ممّا يساعدها على الوصول إلى صناديق القمامة أو مصادر الغذاء الأخرى.

ويرى الباحثون أنّ هذا قد يكون سبب ازدهار حيوانات الراكون في المدن. كما أنّ أقدامها الأمامية غنية بالأعصاب الحسّية، ممّا يساعدها في البحث عن الطعام في أثناء تعاملها مع الأقفال والمقابض.

هنا، أكَّدت غريبلينغ أنّ «فَهْم السمات المعرفية التي تساعد حيوانات الراكون على الازدهار يمكن أن يوجّه إدارة الأنواع التي تواجه صعوبات، ويُسهم في وضع استراتيجيات لأنواع أخرى، مثل الدببة، التي تستخدم حلّ المشكلات للوصول إلى الموارد التي صنعها الإنسان».

من جهتها، قالت مشاركة أخرى في الدراسة، سارة بنسون أمرام: «لطالما كان ذكاء حيوان الراكون حاضراً في الفولكلور، ومع ذلك لا يزال البحث العلمي حول إدراكه محدوداً. وتُقدّم دراسات مثل هذه أدلّة تجريبية تدعم هذه السمعة».


كيف تُؤثر صداقاتك على حياة طفلك؟

مرونة الطفل ترتبط مباشرة بمرونة البالغين في حياته (بيكسلز)
مرونة الطفل ترتبط مباشرة بمرونة البالغين في حياته (بيكسلز)
TT

كيف تُؤثر صداقاتك على حياة طفلك؟

مرونة الطفل ترتبط مباشرة بمرونة البالغين في حياته (بيكسلز)
مرونة الطفل ترتبط مباشرة بمرونة البالغين في حياته (بيكسلز)

قد تبدو الأبوة والأمومة مسؤولية مُلِحّة تتطلب كل اهتمامك، حتى أن أقوى الصداقات وأكثرها رسوخاً قد تصبح مجهدة في خضم الالتزامات اليومية. ومع ذلك، تشير الأبحاث والخبرات الحديثة إلى أن هذه الروابط الاجتماعية نفسها قد تكون مفتاحاً رئيسياً لبناء مرونة الأطفال وقدرتهم على الصمود أمام تحديات الحياة.

حسب الصحافية والكاتبة جينيفر بريني والاس، كما جاء في حديثها لشبكة «سي إن بي سي»، فإن مرونة الطفل ترتبط مباشرة بمرونة البالغين في حياته، ومرونة هؤلاء البالغين تتغذى من عمق علاقاتهم الاجتماعية ودعمها المتبادل. تقول والاس: «إن مرونة الطفل متجذرة في مرونة البالغين حوله. ومرونة البالغين متجذرة في العلاقات العميقة التي يعتنون بها».

وتوضح والاس أن رؤية الطفل للبالغين وهم يدعمون أصدقاءهم أو يطلبون المساعدة، تعلّمه أن جزءاً من المرونة يكمن في بناء شبكة دعم يمكن الاعتماد عليها دون تردد.

الحاجة إلى الصداقات

تسليط الضوء على صداقات البالغين يكشف عن حقيقة مثيرة للقلق: لدى الكثير من البالغين عدد أقل من الأصدقاء المقربين مما يحتاجون. ففي استطلاع لمركز «بيو» للأبحاث عام 2023، تبين أن أقل من ثلث البالغين بين 30 و49 عاماً لديهم خمسة أصدقاء مقربين أو أكثر. أما دراسة جامعة ميشيغان في العام نفسه، فأظهرت أن 34 في المائة من البالغين بين 50 و80 عاماً يشعرون بالعزلة.

من جهتها، كشفت الصحافية أولغا خازان عن أنها قبل أن تنجب طفلها كانت قلقة بسبب طبيعتها الانطوائية وانعزالها عن العالم الخارجي. تقول في كتابها «أنا، ولكن بشكل أفضل: علم ووعد تغيير الشخصية»: «الأبوة تتطلب الوجود المستمر والتفاعل، وهو ما يفرض عليّ تحدياً كبيراً بالنسبة لطبيعتي الانطوائية».

لتطوير مهاراتها الاجتماعية، انضمت خازان إلى دروس الارتجال والإبحار، حيث ساعدتها المشاركة المنتظمة مع المجموعة نفسها على الالتزام والمثابرة، رغم التكاليف والمجهود. وأضافت: «التفاعلات الاجتماعية المنتظمة جعلتني أقل عصبية وأكثر وداً في تربية أطفالي، كما خففت من شعوري بالوحدة».

وتؤكد خازان: «تعلمت أن الأمور الصعبة، مثل الأمومة، تصبح أسهل بكثير بوجود أشخاص آخرين يمرون بتجارب مماثلة».

أهمية إعطاء الأولوية للعلاقات الاجتماعية

على الرغم من الفوائد الواضحة للصداقات الإيجابية على الصحة النفسية، لا تزال بعض الثقافات لا تمنح الصداقات الأولوية نفسها التي تمنحها للعلاقات العاطفية. وترى والاس أن الحل يبدأ من تغيير الأولويات: «يجب أن تكون الصداقات أولوية قصوى».