المُعْتَمَدُ الأدبي: سُلْطة الأمس والتباساتُ الراهن

فقد كثيراً من سطوته التوجيهية... وما عاد يمثلُ مرجعية ثقافية

روبرت أستون
روبرت أستون
TT

المُعْتَمَدُ الأدبي: سُلْطة الأمس والتباساتُ الراهن

روبرت أستون
روبرت أستون

قبل ما يقاربُ العشر سنوات ترجمتُ - في سياق ترجمات منتخبة لحوارات مع روائيات وروائيين من شتى الجغرافيات العالمية - حواراً مع الروائي الأسترالي توماس كينيللي Thomas Keneally. قد يكون هذا الاسم غريباً بعض الشيء للقراء، لكنَّ أهميته ستنكشف لو قلت إنه كتب رواية عنوانها «قارِبُ شندلر» Schindler's Ark، جعلها المخرج العالمي ستيفن سبيلبيرغ مادة لفيلمه الأشهر «قائمة شندلر». جاء السؤال الأخير في الحوار مستفهماً عن الكتب التي كان يطالعها كينيللي وقت إجراء الحوار معه؛ فأجاب: إلى الفنار To the Lighthouse لفيرجينيا وولف، ثمّ عقَّب هو ذاته على جوابه ضاحكاً: «ستندهشون إذ تتوقعون أنني قرأت كلّ الكلاسيكيات المعروفة. دعوني أخبركم: أنا لم أفعل هذا، وأظن أنه قلما يوجد مَن قرأ كلّ هذه الكلاسيكيات أو حتى نصفها»!

أرى أن كينيللي كشف بجرأة ووضوح عن وضع المعتمد الأدبي Literary Canon في عالمنا الراهن. المعتمد الأدبي هو ببساطة مجموعة الأعمال الأدبية التي اتفقت مجموعة من المشتغلين بالأدب (سمهم نقاداً أدبيين. لا بأس في هذا) على رفعها لمصاف النخبة الأدبية المصطفاة التي تتوجب قراءتها من جانب كلّ مثقف أو راغب في حيازة بعض توصيفات الثقافة (أو الجنتلمانية الثقافية بحسب مفردات العصر الفيكتوري وناقده الأبرز ماثيو أرنولد). لنتَّفقْ لأغراض التبسيط التعريفي غير المخلّ بالمفهوم على أنّ المعتمد الأدبي هو قائمة كلّ الأعمال الأدبية التي توصف بالكلاسيكيات The Classics.

غلاف "دورُ المعتمد الادبي في تدريس الادب"

المعتمد الأدبي الغربي في الماكينة الكولونيالية الغربية

ساهمت فعاليات كثيرة في إشاعة معتمد أدبي محدد هو المعتمد الغربي، واعتمد هذا السياق منذ تشكيل مفهوم المعتمد الأدبي أواخر القرن التاسع عشر. صار دانتي وغوته وشكسبير وملتون وكولردج وووردزورث وجين أوستن وفيرجينيا وولف وجورج إليوت وهنري جيمس وجيمس جويس وصامويل بيكيت أكبر من شخوص أدبية خلاقة. تحولوا إلى أدواتٍ في إشاعة السطوة الكولونيالية الغربية عبر البوابة الثقافية الناعمة. هذا لا يعني بالطبع أن هؤلاء كانوا شخوصاً راغبة في فرض سطوتها الكولونيالية؛ لكن هذا ما أراده صُناع السياسة وراسمو جغرافيات النفوذ والهيمنة على المستويين: العسكري (الصلب) والثقافي (الناعم).

غلاف "التقليد الأدبي الغربي"

لم يكن من سياسة ثقافية تدعم ترسيخ هذا المعتمد الغربي في الذاكرة والمخيال الفردي والجمعي أفضل من اعتماد سياسة تدريس مفردات من هذا المعتمد الأدبي الغربي في المدارس. واضحٌ تماماً السبب الكامن في كفاءة هذه السياسة: أنت في السياسة التعليمية تخاطب أعداداً هائلة (مليونية في العادة) من العقول الشابة المتطلّعة إلى المستقبل وغير المثقلة بأعباء التاريخ والآيديولوجيا؛ وبالنتيجة تكون إمكانية التأثير فيهم أعظم من المقاربات الأخرى التي غالباً ما تكون أكثر كلفة ومشقة، وأقل في حجم العوائد المتوقَّعة منها.

كلنا نتذكرُ أننا درسنا في المدارس الثانوية نماذج منتخبة من المعتمد الأدبي الغربي، وربما يكون إج جي ويلز في رواياته الشائعة المثال الكلاسيكي في هذا الشأن.

وساد نموذج المعتمد الأدبي الغربي كلّ النصف الأول من القرن العشرين وبدايات النصف الثاني منه، ثم انقلب الحال مع نشوء الدراسات ما بعد الكولونيالية ودراسات التابع: صرنا نسمع عن أدباء أفارقة وأميركيين لاتينيين ومن جنوب شرقي آسيا حققوا منجزات أدبية لامعة أهَّلت بعضهم للحصول على جوائز نوبل الأدبية. لكن رغم هذا ظلَّت سطوة بعض (حرَّاس البوابات GateKeepers) ممَّن يرون المعتمد الأدبي الغربي أقرب إلى نموذج الغابة المقدَّسة لإليوت، وفي مقدمة هؤلاء هارولد بلوم Harold Bloom الذي كتبتُ عنه عندما تُوفي قبل بضع سنوات موضوعاً في ثقافية «الشرق الأوسط» بعنوان ذي دلالة كاشفة: «وفاة حارس الميراث الشكسبيري». لن ننسى بالتأكيد كتاب بلوم عن المعتمد الأدبي الغربي الكلاسيكي، وهو مترجم إلى العربية بعنوان «التقليد الأدبي الغربي».

غلاف "هذا هو المعتمد"

هل ِمِنْ سبيل لمعتمد أدبي عالمي؟

الجواب بوضوح وبساطة: لا أظنّ ذلك، وحتى لو وُجِد مثل هذا المعتمد الأدبي العالمي فسيكون معتمداً كيفياً لا ينال بركات المتسيدين لحقل النقد الأدبي. أسباب كثيرة تقف وراء ذلك، منها:

- المعتمد الأدبي والكبرياء القومية: نتحدث كثيراً عن العولمة؛ لكن هذا الحديث ليس أكثر من غطاء آيديولوجي لتحقيق مصالح براغماتية في الجانب الاقتصادي على وجه التخصيص ولصالح القوى المتغولة مالياً واقتصادياً وتقنياً. هل نتوقع مثلاً أن يجعل الياباني أو العربي أو الصيني أو الأفريقي شكسبير بديلاً لشخوصه التاريخية المتوارثة؟ ولماذا يفعل ذلك؟ لا شيء يدفعه (أو يُرغّبه بالأصح) لهذه الفعلة.

- المعتمد الأدبي وعلاقته بالنقد الأدبي: المعتمد الأدبي - كيفما كان أصله وطبيعته - هو صنيعة نقاد أدبيين في نهاية الأمر. نعرف أن سطوة النقاد الأدبيين كمرجعيات ثقافية قد تهاوت وتراجعت كثيراً في عصر «تهاوي المرجعيات»، وكان من بعض نتائج ذلك أن صار النقد الأدبي فرعاً صغيراً من محيط أعظم عنوانه «الدراسات الثقافية». لم يعُد لدينا اليوم في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين من يماثلُ النموذج الفيكتوري لماثيو أرنولد أواخر القرن التاسع عشر، فضلاً عن أن الدراسات الثقافية تعنى بموضوعات متمايزة نوعياً عن الانشغالات التقليدية للنقد الأدبي، ولم يعُد في أولوياتها الملحّة تصميمُ معتمدات أدبية جديدة.

- المعتمد الأدبي ومسألة الحجم: هذه موضوعة عملية ينبغي تداركها. لو تصورنا إمكانية الاتفاق (الكيفي) على معتمد أدبي عالمي أو قومي؛ فهل سنظل نضيف له أعمالاً جديدة بعد أن تصبح بعض الأعمال الحديثة كلاسيكيات بفعل مقادير الزمن؟ ألن يتضخم هذا المعتمد إلى حدود سيعجز معها أكثر الأفراد جدية وحرصاً ومثابرة على متابعة الأعمال المعتمدة فيه؟ العناوين الكثيرة ستكبح قدرة الأفراد على المتابعة والقراءة الجدية.

ساد نموذج المعتمد الأدبي الغربي كلّ النصف الأول من القرن العشرين وبدايات النصف الثاني منه ثمَّ انقلب الحال مع نشوء الدراسات ما بعد الكولونيالية

كتابان عن راهن المعتمد الأدبي

الكتاب الأول عنوانه: «دورُ المعتمد الأدبي في تدريس الأدب»

The Role of Literary Canon in the Teaching of

Literature

لمؤلفه روبرت جَيْ أستون Robert J. Aston. الكتاب منشور حديثاً (2022) عن دار نشر «راوتليدج»، وهو غير مترجم إلى العربية. يُعرَفُ عن مؤلف الكتاب أنه مُنظّر ثقافي ومؤلف وأستاذ جامعي يركز في دراساته وأبحاثه على نظرية المعتمد الأدبي، والمعرفة الأدبية، وتدريس الأدب وفلسفته.

يفتتح المؤلف كتابه بمقدمة ممتازة عن «موضعة المعتمد الأدبي»، ثم يتناول في فصول خمسة لاحقة موضوعات: تعليق الإضافات إلى المعتمد الأدبي، وحارسي البوابات وتدريس الأدب، والمعتمد الأدبي وعلاقات السلطة الأدبية المهيمنة في مقابل المقاومة المعاكسة، عوامل الاستقرارية والتغيير في المعتمد الأدبي، موضوعة لاكتمال المعتمد الأدبي وتأثير ذلك في عملية تدريس الأدب.

الكتاب صغير الحجم لا يكاد يتجاوز المائة وخمسين صفحة مع بيبلوغرافيا جيدة التوثيق لمباحث الكتاب.

الكتاب الثاني عنوانه: «هذا هو المعتمد»، مع عنوان ثانوي حافل بالإثارة «أبطِلْ استعمار رفّ مكتبتك بواسطة خمسين كتاباً»

This is the Canon: Decolonize Your Bookshelf in 50 Books

لثلاثة مؤلفين: أحدهم من غرينادا، والآخر أسترالي المولد من أصول أفريقية، والثالث من سيراليون. الكتاب منشور حديثاً (2023) وغير مترجم إلى العربية.

هذا الكتاب هو هجوم راديكالي على مفهوم المعتمد الغربي. يذكرنا عنوان الكتاب بكتاب آخر كتبه الروائي والأستاذ الجامعي الأفريقي نغوغي واثيونغو بعنوان «إبطالُ استعمار العقل». ما يسعى له المؤلفون الثلاثة هو شطبُ المعتمد الغربي وإبدال معتمدٍ مستحدث آخر به يتأسس على أعمال أدبية ليس بينها أحد الكلاسيكيات الغربية القديمة أو الجديدة. الكتاب أقرب إلى أنثولوجيا لخمسين كاتباً وكاتبة، منهم: ياسوناري كاواباتا، إليخو كاربنتير، تشينوا أتشيبي، آسيا جبار، جين ريز، نغوغي واثيونغو، توني موريسون، أرونداتي روي، خالد حسيني، تشيماماندا نغوزي أديتشي، أرافيند أديغا، زادي سمث.

يدعي مؤلفو الكتاب أنهم بعملهم هذا لا يسعون سوى لتأكيد التنوع الأدبي وعدم قصره على لون واحد أو جغرافية واحدة.

في خريطة الأدب المعاصر

فقد مفهوم «المعتمد الأدبي» كثيراً من سطوته التوجيهية، وما عاد يمثلُ مرجعية ثقافية. صارت مسؤولية الفرد أن ينتخب ما يشاء من قراءات أدبية تبعاً لرغبته وشغفه ورؤيته الخاصة. قد يعيش المرء حياة كاملة اليوم ثم يغادر هذه الحياة من غير أن يقرأ شكسبير أو دانتي أو جيمس جويس أو أعمال أساطين أدب الحداثة وما بعد الحداثة. لا بأس في هذا. يجب أن نقبل هذا الأمر ولا نعدّه مثلبة ثقافية.

لن نستطيع بعد اليوم متابعة كلّ كلاسيكيات الأدب الغربي وغير الغربي. حسبُنا أن نقرأ ما يتناغم مع ذائقتنا الخاصة. تبدو هذه المقاربة هي المقاربة الفضلى في عصر إشكالي متخم بالمعضلات الباعثة على الاكتئاب.

لو أن الأدب ظلّ يخدم الكائن البشري كأحد العناصر المنتجة للغاية والمعنى في الحياة البشرية فذلك يكفيه من مسعى. هذا أفضل بكثير من تسطير عناوين في معتمدات أدبية قد لا تجد من يُلْقي نظرة يتيمة عليها في نهاية المطاف.



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».