تغيير «العائلات الحاكمة»... هل يلاحق الجمهوريات الأفريقية؟

عقب إطاحة حكم «آل بونغو» في الغابون

أشخاص يحتفلون دعماً للانقلابيين في أحد شوارع ليبرفيل بالغابون نهاية أغسطس الماضي (رويترز)
أشخاص يحتفلون دعماً للانقلابيين في أحد شوارع ليبرفيل بالغابون نهاية أغسطس الماضي (رويترز)
TT

تغيير «العائلات الحاكمة»... هل يلاحق الجمهوريات الأفريقية؟

أشخاص يحتفلون دعماً للانقلابيين في أحد شوارع ليبرفيل بالغابون نهاية أغسطس الماضي (رويترز)
أشخاص يحتفلون دعماً للانقلابيين في أحد شوارع ليبرفيل بالغابون نهاية أغسطس الماضي (رويترز)

لم تكن إطاحة الرئيس الغابوني، علي بونغو، قبل أيام مجرد رقم جديد في سلسلة الانقلابات التي باتت حدثاً متكرراً في القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة، لكن ذلك الانقلاب أعاد طرح الكثير من التساؤلات حول مستقبل العائلات التي تهيمن على الحكم في الكثير من «الجمهوريات» الأفريقية لعقود طويلة، بينما يُفترض أن «تداول السلطة، هو أساس النظام الجمهوري».

حالة الغابون لم تكن استثناءً في المشهد الأفريقي؛ إذ تشير الشواهد التاريخية إلى وجود الكثير من العائلات المهيمنة على الحكم في «جمهوريات» القارة، ومن بينها احتكار عائلات «كينياتا» و«أودينغا» في كينيا و«غناسينغبي» في توغو و«ديبي» في تشاد و«أكوفو أدو» في غانا وغيرها.

المعروف أن عائلة «بونغو» كانت تحكِم قبضتها على السلطة في الغابون منذ نحو نصف قرن، حيث بدأت سطوة هذه العائلة على الحكم سنة 1967 بتولي عمر بونغو الأب السلطة بعد وفاة رئيس البلاد ليون مبا (أول رئيس بعد الاستقلال)، وبعد وفاة الأب سنة 2009 تولى علي بونغو الابن السلطة، قبل أن يتخذ مجموعة من القادة العسكريين في البلاد قراراً بـ«إحالته على التقاعد»، بحسب البيان الذي أعلنه قادة الانقلاب في الغابون (الأربعاء) الماضي.

سيطرة «ديبي» على تشاد

وغير بعيد عن الغابون، تهيمن عائلة «ديبي» على الحكم في تشاد منذ عام 1990، عندما انقلب إدريس ديبي على الرئيس حسين حبري واستولى على السلطة في ديسمبر (كانون الأول) من تلك السنة، وبقي ديبي الأب في الحكم حتى أبريل (نيسان) 2021، عندما قُتل خلال قيادته القتال ضد جماعات متمردة شمال تشاد، بعد يوم واحد من إعلانه رئيساً للبلاد للمرة السادسة.

وفور الإعلان عن مقتل الرئيس ديبي، تولى نجله الجنرال محمد الحكم مباشرة، رغم أن الدستور التشادي ينص على أن يتولى رئيس البرلمان رئاسة البلاد مؤقتاً عند وفاة الرئيس أو عجزه عن أداء مهامه، وتجرى انتخابات رئاسية جديدة خلال 45 يوماً على الأقل، و90 على الأكثر من تاريخ الشغور، إلا أن ديبي الابن أعلن توليه رئاسة مجلس عسكري حاكم، قبل أن يعلن بدء فترة انتقالية لمدة 18 شهراً، يُعتقد على نطاق واسع أنه سيترشح في نهايتها لخوض الانتخابات الرئاسية.

«غناسينغبي» في توغو

وفي توغو، الدولة الأفريقية الصغيرة في غرب أفريقيا والمطلة على المحيط الأطلنطي، تحكم عائلة «غناسينغبي» البلاد منذ 55 عاماً، وعندما توفي الرئيس غناسينغبي إياديما عام 2005، عقب إصابته بأزمة قلبية، كان من المفترض بموجب دستور البلاد، أن يتولى رئيس البرلمان، فامباري واتارا ناتشابا، رئاسة البلاد مؤقتاً، ريثما تجرى انتخابات رئاسية جديدة في غضون 60 يوماً، إلا أن السلطات التوغولية منعت ناتشابا الذي كان خارج البلاد، من دخول البلاد، وصوّت البرلمان على إلغاء الشرط الدستوري الذي كان يتطلب إجراء انتخابات في غضون 60 يوماً، وأعلن أن نجل إياديما، فور غناسينغبي، سيرث الرئاسة ويتولى منصبه لبقية مدة والده. وإلى الآن لا يزال فور غناسينغبي يواصل حكم البلاد، وفي سنة 2020 فاز بولاية رئاسية رابعة، وقبلها أجرى تعديلاً للدستور يفتح أمامه باب البقاء في الحكم حتى سنة 2030، ليتواصل حكم عائلته للبلاد منذ 1967.

عائلات حكم كينيا

وفي كينيا لا تقتصر الهيمنة على حكم البلاد على عائلة واحدة، إذ تتبادل عائلتا «كينياتا» و«أودينغا» مقاعد الحكم والمعارضة منذ استقلال البلاد في ستينات القرن الماضي، وكان أوهورو كينياتا رئيس كينيا منذ 9 أبريل (نيسان) 2013، وهو ابن أول رئيس للبلاد بين عامي 1964 و1978 وزعيم استقلالها البارز، يسعى إلى تمديد حكمه لفترة رئاسية ثالثة إلا أنه أخفق في ذلك، فاضطر إلى عدم خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت العام الماضي.

واختار كينياتا خلال تلك الانتخابات دعم خصمه رايلا أودينغا، زعيم المعارضة، على حساب نائبه ويليام روتو، الذي نجح في الفوز بالانتخابات وفي كسر احتكار العائلات الحاكمة «كينياتا» و«أودينغا» للسلطة، لكن من الواضح أن كلتا العائلتين اختارت التحالف ضد روتو عبر تحريض مظاهرات شعبية حاشدة ضده أملاً في العودة إلى الحكم.

ويرى الباحث النيجيري حكيم نجم الدين، المتخصص في التاريخ الأفريقي، خاصة في دول جنوب الصحراء الكبرى، أنه على «الرغم من أن (الأنظمة الملكية) لا توجد رسمياً سوى في 3 دول فقط من بين البلدان الـ54 بالقارة، وهي (المغرب، وليسوتو، وسوازيلاند)، فإن الكثير من الدول التي تأخذ بـ(النظام الجمهوري) وفقاً لدساتيرها الحاكمة، لا تحقق أدني اشتراطات هذا النظام، وتستخدم الكثير من (العائلات الحاكمة) فيها الظروف السياسية والمجتمعية لتكريس (هيمنة طويلة الأمد) على السلطة، والتصدي لأي محاولات لتداول تلك السلطة».

ويوضح نجم الدين لـ«الشرق الأوسط»، أنه على عكس «الأنظمة الملكية» التي «يستند استقرارها إلى استمرار الحكم في عائلة واحدة وسهولة انتقال الحكم بين أبناء الحاكم»، فإن «(الأنظمة الجمهورية) تعتمد على فكرة (تداول السلطة)، وغياب تلك الفكرة يؤثر على (شرعية) النظام»، مضيفاً أن «هناك أشكالاً متعددة لهيمنة عائلات وسلالات حاكمة على (جمهوريات أفريقية) عدة، كما هو الحال في توغو، وكينيا، وتشاد، إضافة إلى وجود مؤشرات على تخطيط حكام أوغندا وغينيا الاستوائية والكاميرون، الذين قضوا سنوات طويلة في الحكم، من أجل تسليم السلطة لأبنائهم».

ويذهب نجم الدين إلى أن «الأمر في بعض الدول الأفريقية لم يقتصر على محاولة بعض الحكام في دول جمهورية لنقل الحكم إلى أبنائهم فحسب، بل إلى زوجاتهم أيضاً»، مستشهداً في هذا الصدد بمساعي رئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، لتسليم السلطة إلى زوجته؛ مما أدى إلى أزمة داخل حزبه والانقلاب ضده عام 2017، وفي جنوب أفريقيا، لم يتمكن الرئيس السابق جاكوب زوما من التأثير على حزبه (المؤتمر الوطني الأفريقي) لترشيح زوجته السابقة نكوسازانا دلاميني زوما لرئاسة البلاد.

تأثير التدخل الخارجي

ويربط الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الخبير المتخصص في الشؤون الأفريقية، بين ظاهرة «العائلات الحاكمة» في «الجمهوريات الأفريقية»، و«محاولة الكثير من دول القارة في مرحلة ما بعد الاستقلال، اختيار شكل (حداثي غربي)، هو (الجمهوريات الديمقراطية) التي تعتمد على (تداول السلطة) واختيار الشعوب الحر لمن يحكمها، ومحاولة تطبيقه في مجتمعات يغلب عليها الطابع (القبلي والعائلي) التقليدي»، وبالتالي «تنتصر الاعتبارات المتوارثة والعوامل الأعمق تأثيراً».

وأشار عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الكثير من الدول الديمقراطية شهدت وجود عائلات حاكمة مثل عائلة غاندي في الهند، أو بوش في الولايات المتحدة، لكن أفراد تلك العائلات كانوا «يصلون إلى الحكم عبر انتخابات (شفافة) و(آليات ديمقراطية) مستقرة، على عكس الواقع في الكثير من (الجمهوريات الأفريقية) التي تهيمن فيها عائلات على الحكم لفترة طويلة تصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 5 عقود».

ويرجع عبد الوهاب استمرار حكم عائلات محددة للجمهوريات في القارة الأفريقية كذلك إلى «انتشار الفساد في بعض الدول وفشل التنمية»، إضافة إلى «التدخل الخارجي الذي كثيراً ما استخدم تلك العائلات لحماية مصالحه، عبر دعم تلك العائلات، وفي المقابل إضعاف مؤسسات الدول الوطنية»، مشيراً إلى أن «تعدد الانقلابات الذي تشهده القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة يرجع في جانب منه إلى ذلك الصراع بين تلك العوامل التقليدية التي تكرّس بقاء (العائلات الحاكمة) في أنظمة جمهورية، وبين نخب اجتماعية وعسكرية تتطلع إلى تغيير تلك الحالة».


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) play-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
TT

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)

نفت الشرطة والسلطات المحلية في ولاية كادونا، شمال نيجيريا، الأنباء المتداولة حول اختطاف 163 مسيحياً في هجوم على كنائس بقرى نائية، وهو ما أكدته مصادر محلية، وجاء في تقرير أمني صادر عن الأمم المتحدة قالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إنها اطلعت عليه. وقال مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، إن البلاغات التي تحدثت عن اختطاف مصلّين مسيحيين أثناء قداس في كاجورو: «محض أكاذيب صادرة عن مروجي الشائعات الذين يسعون لإشاعة الفوضى».

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

رواية محلية

نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة، أن عصابات مسلحة هاجمت الأحد الماضي، كنيستين، واختطفت أكثر من 160 مصلّياً في قرية نائية بولاية كادونا. وقال رئيس جمعية المسيحيين في ولايات شمال نيجيريا الـ19 وإقليم العاصمة الفيدرالية، القس جون جوزيف هاياب، إن مجموعة من «الإرهابيين» اختطفت 163 مصلّياً في كورمين والي، بمنطقة الحكم المحلي كاجورو في ولاية كادونا.

وقال هاياب في تصريحات صحافية، الأحد، إنه تلقّى اتصالاً من رئيس جمعية المسيحيين في المنطقة المتضررة، أفاد فيه بأن مصلّين اختُطفوا أثناء قدّاس الأحد، وبحسب رواية القس هاياب، فقد «اقتحم المهاجمون الكنائس أثناء الصلوات، وأغلقوا الأبواب، وأجبروا المصلّين على التوجه نحو الأدغال».

وأشار القس إلى أن «8 من المختطفين تمكنوا لاحقاً من الفرار، غير أن 163 مصلّياً ظلّوا، حتى يوم الاثنين، في قبضة الخاطفين»، وختم بالقول: «لقد جرت بالفعل تعبئة القوات الأمنية. ونحن نثمّن جهودها ونشجعها على بذل كل ما في وسعها لإنقاذ إخوتنا وأخواتنا سالمين وفي أسرع وقت ممكن».

شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نفي رسمي

الرواية الصادرة عن السكان المحليين نفتها مصادر أمنية ورسمية، حيث وقف مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، أمام الصحافيين عقب اجتماع لمجلس أمن الولاية عُقد الاثنين، وتحدّى أيّ شخص أن يقدّم قائمة بأسماء الضحايا المزعومين.

وحذر مفوض الشرطة مروجي الشائعات من الاستمرار في محاولة ما سماه «زعزعة السلم» في كادونا، ملوّحاً بتطبيق أقصى العقوبات القانونية بحق «تجّار الأكاذيب».

من جهته، قال رئيس الحكومة المحلية في كاجورو، داودا ماداكي، إنه حين سمع خبر الهجوم «عبّأ الشرطة وسائر قوات الأمن، وتوجّه إلى المنطقة المعنية، ليتبيّن لاحقاً أنه لم يقع أي هجوم»، واصفاً ما تم تداوله بأنه «شائعة».

عناصر من الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال: «توجّهنا إلى الكنيسة التي قيل إن الاختطاف المزعوم وقع فيها، ولم نجد أي دليل على وقوع أي هجوم. واستجوبتُ زعيم القرية، ماي دان زاريا، فأكد أنه لم يحدث أي هجوم من هذا النوع».

وأضاف: «كما اتصلتُ بمسؤول الشباب في المنطقة، برنارد بونا، الذي كان قد أدلى بتصريحات للصحافيين المرافقين لي، فأكد بدوره أن شيئاً من ذلك لم يحدث»، وخلص رئيس الحكومة المحلية إلى القول: «لذلك أتحدى أيّ شخص أن يسمّي الأشخاص الذين قيل إنهم اختُطفوا. وأنا أنتظر هذه القائمة منذ وقت طويل ولم يتقدّم بها أحد حتى الآن».

من جانبه، قال مفوض الأمن وشؤون الداخلية، سلي شعيبو، إن رئيس جمعية المسيحيين في نيجيريا وعدداً من القادة الدينيين الآخرين، تواصلوا مع سكان المنطقة التي قيل إن الاختطاف وقع فيها، وأوضح أن هؤلاء القادة «خلصوا إلى أن ما جرى تداوله علناً غير صحيح تماماً».

وأمام النفي الرسمي للاختطاف، قال الزعيم التقليدي إتيشاكّو دانعزومي، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوحيدين الذين ينكرون اختطاف أهلنا هم السياسيون»، وأضاف: «لدينا الآن 166 شخصاً في قبضة الخاطفين»، معرباً عن أسفه لأن قريته تعيش تحت تهديد المسلحين.

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وتابع: «هذا أثّر في أنشطتنا الزراعية، إذ ننتج غذاءً أقل مما كنا عليه سابقاً. (...) لم نكن نشكو للسلطات من عمليات الاختطاف في منطقتنا، لأننا كنا نُسهم في دفع فِدى تحرير المخطوفين. أحياناً كان يُختطف ما يصل إلى 20 شخصاً، ولم نكن نشتكي، بل كنا نتعامل مع الأمر بأنفسنا». وختم دانعزومي: «هذه المرة لجأنا إلى السلطات، لأن عدد المختطفين تجاوز قدرتنا على التعامل مع الوضع»، وفق تعبيره.

تجارة رائجة

تشهد ولايات شمال غربي نيجيريا، ومن بينها كادونا، تصاعداً في هجمات تشنها جماعات مسلحة تتمركز في جيوب نائية، وتستهدف قرى ومدارس ودور عبادة بعمليات خطف جماعي مقابل طلبات فدية.

ورغم أن دفع الفِدى محظور قانوناً، فإن الاختطاف أصبح «تجارة منظّمة ومربحة» درّت نحو 1.66 مليون دولار بين يوليو (تموز) 2024، ويونيو (حزيران) 2025، وفق تقرير لشركة «SBM إنتليجنس» الاستشارية ومقرها لاغوس، العاصمة الاقتصادية لنيجيريا.

وهزّت موجة جديدة من الاختطافات البلاد بعمق، بما في ذلك اختطاف أكثر من 300 تلميذ ومعلم من مدرسة كاثوليكية بوسط البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أُفرج عنهم لاحقاً، وذلك في بلد منقسم تقريباً بالتساوي بين شمال ذي غالبية مسلمة وجنوب ذي غالبية مسيحية.

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

ورداً على ذلك، أعلن الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، أواخر نوفمبر الماضي، حالة طوارئ وطنية، وأطلق عملية تجنيد واسعة في صفوف الشرطة لمواجهة انعدام الأمن الذي ينهش البلاد، وقد دفعت هذه الأوضاع الحكومة الأميركية إلى تنفيذ ضربات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جماعات مسلحة نيجيرية باضطهاد المسيحيين، واعتبر أنهم ضحايا «إبادة جماعية».

غير أن الحكومة النيجيرية ومحللين مستقلين يرفضون توصيف ما يجري بأنه اضطهاد ديني، وهو طرح طالما تبناه تيار اليمين المسيحي في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك انفصاليون نيجيريون لا يزال لهم قدر من النفوذ في واشنطن.


خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».


شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً مع حكومة كينشاسا، بعد عام لم تفلح خلاله اتفاقات التهدئة المبرمة في الدوحة وواشنطن من منع عودة نيران المواجهات.

فرغم ذلك الانسحاب، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمنع الشكوك حول التزام حركة التمرد بمسار السلام، خاصة أنها لا تزال تسيطر على مدينتين منذ 2025، ولم تنخرط بجدية في تنفيذ اتفاقات التهدئة التي شهدها العام الماضي».

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، تصاعدت حدتها بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «إم 23»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته، بعد فترة وجيزة من إبرام الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

انسحاب

وبعد نحو شهر، دخل مسلّحون موالون للحكومة مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية بعد انسحاب قوّات «إم 23»، بعد يومين من إعلان الحركة المتمردة سحب آخر قواتها لتصبح المدينة «تحت مسؤولية المجتمع الدولي بالكامل»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر محلية، الأحد، دون أن توضح سبب الانسحاب.

غير أن الحركة بقيت متمركزة في مرتفعات أوفيرا «لتوجيه أسلحتهم على المدينة، فضلاً عن البلدات المحيطة بها»، حسب الوكالة.

ويرى المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه «تتزايد الشكوك حول التزام الحركة بمسار السلام؛ لأن انسحابها من مدينة أوفيرا ينظر إليه على أنه خطوة تكتيكية أكثر منه تحولاً حقيقياً نحو التهدئة، خاصة مع استمرار سيطرتها على مدينتين أخريين، واحتفاظها بنفوذ عسكري في محيط المناطق التي أعلنت الانسحاب منها».

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف الثقة في نوايا الحركة، ويعزز الاعتقاد بأنها تستخدم الانسحابات الجزئية لتحسين موقعها التفاوضي، أو إعادة تنظيم صفوفها بدلاً من الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وفق تقدير عيسى.

ونبّه عسى إلى أن تكرار الخروقات الأمنية، وغياب آليات تحقق مستقلة، واستمرار الاتهامات بوجود دعم خارجي، كلها عوامل تجعل مسار السلام هشاً، وتدفع الأطراف المحلية والدولية إلى التشكيك في جدية الحركة، وقدرتها أو رغبتها في الالتزام بتسوية سلمية دائمة.

وجاءت تلك المتغيرات في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «إم 23» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولا تلوح في الأفق مساعٍ جديدة لإحياء مسار السلام؛ لذا يجب الحذر المشوب بالأمل أكثر من التفاؤل الكامل، وفق ما يرى المحلل التشادي، موضحاً أن انسحاب الحركة من أوفيرا، رغم محدوديته، قد يفتح نافذة صغيرة لإعادة تنشيط محادثات السلام؛ لأنه يوفر إشارة سياسية يمكن للوسطاء البناء عليها، ويخفف مؤقتاً من الضغط العسكري. لكن في المقابل، استمرار سيطرة الحركة على مدينتين أخريين، وغموض نواياها الميدانية، وغياب ضمانات واضحة للتنفيذ، يجعل الجمود مرشحاً للاستمرار ما لم تترجم الإشارات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتحقق، حسب عيسى.

والواقع يشير إلى أن أي مرحلة جديدة من محادثات السلام ستظل هشة، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حل لها، إلى أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية وفق عيسى، تتمثل في التزام ميداني واضح بوقف القتال، وضغط إقليمي ودولي فعال ومتوازن على جميع الأطراف، وآلية رقابة تضمن أن الانسحابات ليست مؤقتة أو شكلية.

ودون ذلك، سيبقى الجمود قائماً، لا كفشل كامل لمسار السلام، وإنما تعليق مؤقت له بانتظار تغيير حقيقي في ميزان الإرادة السياسية على الأرض، وفق تقدير عيسى.