الخرطوم تتحول إلى مدينة أشباح هجرها سكانها

اختيار بورتسودان عاصمة اضطرارية يعيد للأذهان أسطورة «خراب سوبا»

TT

الخرطوم تتحول إلى مدينة أشباح هجرها سكانها

لقطة من فيديو وزّعته «الدعم السريع» لعناصرها قرب معسكر المدرعات التابع للجيش جنوب الخرطوم (الشرق الأوسط)
لقطة من فيديو وزّعته «الدعم السريع» لعناصرها قرب معسكر المدرعات التابع للجيش جنوب الخرطوم (الشرق الأوسط)

حوّلت حرب الجيش و«الدعم السريع» العاصمة السودانية الخرطوم إلى مدينة «أشباح» هجرها معظم سكانها... نزحوا إلى مدن أخرى داخل البلاد، بينما لجأ بعضهم إلى دول الجوار. وتقدر إحصائيات غير رسمية عدد الفارين من المدينة بأكثر من 4 ملايين من جملة السكان المقدر عددهم بأكثر من 8 ملايين ليلاً، و10 ملايين نهاراً.

أصبحت الخرطوم بسبب الحرب «مدينة مهجورة». لم يهجرها سكانها وحدهم، بل هجرتها أيضاً «الحكومة» نفسها إلى مدينة بورتسودان، شرق البلاد، كـ«عاصمة اضطرارية»، وذلك بعد سيطرة قوات «الدعم السريع» على معظمها، بما في ذلك دواوين الحكومة والجسور ووسط المدينة، بل مساكن المواطنين العادية، وما تعرضت له من خراب وتخريب بفعل القتال والحرب المستمرة منذ قرابة 5 أشهر.

ومنذ الأسابيع الأولى للقتال الذي اندلع في أبريل (نيسان) 2023، انتقلت الحكومة السودانية «مضطرة» إلى مدينة بورتسودان كعاصمة بديلة. ولم تكن وحدها، بل انتقل إليها معظم البعثات الدبلوماسية ومقرات منظمات إنسانية، بما في ذلك الأمم المتحدة.

سيارات ومبانٍ مدمرة في السوق المركزية شمال الخرطوم (رويترز)

ووفقاً لتقارير رسمية، فإن الحكومة «المكلفة» تمارس عملها من هناك، بل انتقل إليها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، عقب إفلاته من الحصار الذي كان مفروضاً عليه وعلى هيئة قيادته داخل القيادة العامة، وكان قد سبقه إليها نائبه مالك عقار، ووزير المالية جبريل إبراهيم.

تقع العاصمة البديلة بورتسودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر على بعد نحو 1000 كيلومتر من الخرطوم، وتعد الميناء الرئيسي ومدخل البلاد إلى البحار، وميناء واردات السودان من السلع وغيرها، وتصدر منها منتجاته، بما فيها النفط المحلي، ونفط دولة جنوب السودان عبر ميناء بشاير النفطي الواقع في المدينة.

وشهدت بورتسودان وقت اندلاع المواجهة اشتباكات محدودة بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، سيطر خلالها الجيش على الأوضاع في المدينة، وسلمت قوة «الدعم» الموجودة هناك قاعدتها العسكرية، ومنذ ذلك الوقت تعيش المدينة استقراراً لافتاً، وتحولت بسببه لعاصمة فعلية للبلاد بعد خراب الخرطوم.

توزع النفوذ

أما العاصمة الخرطوم، فقد تعرضت لخراب ليس له مثيل بسبب القتال والقصف الجوي والمدفعي الذي شمل أنحائها كافة. ومنذ وقت مبكر، سيطرت قوات «الدعم السريع» على مطار الخرطوم الدولي، وجزء من القيادة العامة للجيش، ورئاسة جهازي الأمن والمخابرات، والقصر الجمهوري، ووزارة الخارجية، ووزارة الداخلية، ومراكز الشرطة في وسط الخرطوم، ومعظم أحيائها، وبنك السودان المركزي، والمنطقة العسكرية الوسطى، والمنطقة العسكرية الاستراتيجية، وتحول وسط الخرطوم لثكنة عسكرية لقوات «الدعم»، واكتفى الجيش بوجوده في الجزء الشمالي من القيادة العامة ومعسكر المدرعات بمنطقة الشجرة جنوب الخرطوم.

غارات جوية دمرت منازل ومباني في وسط الخرطوم (من مقطع فيديو)

ولم تكتفِ «الدعم السريع» بالسيطرة على وسط الخرطوم والمنشآت الحكومية، بل تسيطر بشكل كامل أيضاً على معظم أحياء الخرطوم الممتدة في الجنوب الغربي إلى جبل أولياء، على بعد 40 كيلومتراً من مركز المدينة، وإلى حدود ولاية الجزيرة جنوباً وشرقاً. كما سيطرت بشكل شبه كامل على مدينة الخرطوم بحري عدا دائرة صغيرة تقع فيها قيادة سلاح الإشارة الملاصق للنيل الأزرق على ضفته الغربية، وترتبط مع القيادة العامة عبر جسر النيل الأزرق، كما تسيطر على مقار عسكرية، مثل مقر سلاح المظلات ومقر قوات جهاز العمليات، إضافة إلى مصفاة البترول في منطقة قري، على بعد نحو 50 كيلومتراً من وسط الخرطوم بحري.

نازحون من الخرطوم لجأوا إلى مدينة ودمدني القريبة (أ.ف.ب)

وفي أمدرمان، تسيطر قوات «الدعم السريع» على المنطقة القديمة، والمناطق الغربية والجنوبية منها، بينما يسيطر الجيش على قيادة سلاح المهندسين على النيل الأبيض، والسلاح الطبي المجاور له، إضافة إلى منطقة كرري العسكرية شمال المدينة، وتضم مطار «وادي سيدنا» الحربي الذي تنطلق منها المقاتلات لتلقي بمقذوفاتها على قوات «الدعم» المنتشرة في كل الأمكنة،

بل الجسور أيضاً... فالخرطوم التي تربط بين مدنها الثلاث 9 جسور، تسيطر قوات «الدعم» بشكل كامل على جسري سوبا والمنشية، اللذين يربطان منطقة شرق النيل بالخرطوم، وجسر كوبري الجيش الذي يربط أحياء شرق ووسط بحري بالخرطوم، وجسر المك نمر النار بقرب القصر الرئاسي، وجسر شمبات الرابط بين الخرطوم بحري وأمدرمان، وجسر الحلفايا الرابط بين شمال أمدرمان وشمال الخرطوم بحري.

بينما يسيطر الجيش على جسر النيل الأزرق، ويتقاسم السيطرة على عدد من الجسور مع «الدعم السريع»، مثل جسر الفتيحات من جهة أمدرمان، بينما تسيطر «الدعم» من جهة الخرطوم، على الجزء الغربي من جسر النيل الأبيض الرابط بين الخرطوم وأمدرمان، وتتقاسم القوتان السيطرة على جسر الحلفايا، فمن جهة الخرطوم بحري توجد «الدعم»، ومن جهة أمدرمان يوجد الجيش.

آثار الدمار الذي لحق بمنزل أصيب بقذيفة مدفعية في حي الأزهري جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

كما شهد معظم أنحاء الخرطوم عمليات قتال عنيفة وقصفاً مدفعياً بالطيران الحربي، إضافة إلى الأسلحة والرشاشات الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، والدبابات، ما أدى إلى تدمير معظم البنى التحتية في المدينة. فمطار الخرطوم الدولي، الذي شهد أولى المعارك، يكاد يكون قد تدمر كلياً، بينما قصف الطيران الحربي ومدفعية الجيش مبنى القصر الجمهوري ومناطق تمركزات قوات «الدعم» في أنحاء الخرطوم كافة، وعادة ترد الأخيرة بمضادات الطيران والمدفعية الثقيلة والصواريخ المحمولة على الكتف «كاتيوشا».

«مقبرة كبيرة»

وأدى القتال العنيف إلى نزوح قرابة نصف سكان المدينة، فيما تقول تقارير طبية إن نحو 5 آلاف قتلوا، معظمهم من الخرطوم، وأصيب عدد غير محدد بجروح.

وفضلاً عن الدمار في المنشآت، فإن قطاعي الصحة والتعليم تعطلا تماماً عن العمل. وتقول تقارير إن الخدمات الصحية توقفت في الخرطوم بنسبة 90 بالمائة، بينما توقفت خدمات التعليم كلياً، بما في ذلك المدارس والجامعات حتى رياض الأطفال، بل تحولت المدينة إلى «مقبرة كبيرة»، دفن فيها آلاف من العسكريين والمدنيين في الميادين العامة وداخل البيوت والطرقات لتعذر دفنهم في المدافن المعروفة، بينما يتوقع أن يكون هناك مئات من الجثث لم تدفن حتى الآن لصعوبة الوصول إليها، وتوقف مقدمي خدمات الدفن.

مستشفى شرق النيل لم ينجُ من التدمير والقصف (رويترز)

وتدمرت منشآت حيوية وتاريخية بشكل شبه كامل، مثل القصر الجمهوري القديم، والقيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي، وما تزال تتعرض للقصف من قبل الجيش في محاولته لاستردادها. يقول المهندس محمد طاهر لـ«الشرق الأوسط» إن الدمار الذي لحق بالخرطوم كبير جداً، ويصعب بسببه أن تعود إلى حالتها الطبيعية، كما من الصعب جداً إعادة إعمارها ضمن الظروف التاريخية التي يعيشها السودان، وهي خسائر تقدر قيمتها بأكثر من 5 مليارات دولار، بحسب تقارير اقتصادية. وينتظر ارتفاع كلفة الخسائر كلما استمرت الحرب أكثر، هذا من دون حساب الخسائر الباهظة جراء الدمار الذي لحق بمساكن المواطنين جراء القصف، وعمليات النهب الواسعة.

«عجوبة» وخراب سوبا...

يقول شهود عيان إن القطاع الصناعي في الخرطوم تعرض لتخريب كبير وعمليات نهب واسعة، قد تستغرق سنوات لاستعادته، بينما نقل مستثمرون أعمالهم من الخرطوم إلى مدن أخرى، مثل مدينة ود مدني حاضرة ولاية الجزيرة، وبورتسودان العاصمة الاضطرارية، وعدد من مدن وولايات البلاد الأخرى، ولا ينتظر أن يعودوا إلى الخرطوم في وقت قريب.

ربما أعاد التاريخ نفسه وذكر الناس بـ«خراب سوبا» عاصمة مملكة علوة النوبية في القرن السادس عشر الميلادي، بعد أن حكمت معظم السودان الأوسط الحالي لنحو 10 قرون. وتقول الرواية الشعبية إنه كانت لامرأة تدعى «عجوبة» ابنة فائقة الجمال، وظّفت تنافس وزراء المملكة على الزواج منها لتخريب المدينة ذائعة الصيت وقتها، حيث كانت تشترط على كل وزير يتقدم للزواج من بنتها قتل الوزير الذي سبقه في التقدم للزواج منها، ومع تكرار قتل الوزراء بعضهم بعضاً من أجل الحسناء، تضعضعت المملكة وانهارت، وتحولت القصة لأسطورة ومثل يضرب لكل مخرب: «عجوبة الخربت سوبا».

لكن خراب الخرطوم الحالي ليس رواية شعبية، بل واقع يعيشه السودانيون والعالم، تقول أسطورته إن جنرالين صديقين تنافسا على السلطة فتقاتلا وسحقت تحت أسلحتهما المدينة الأجمل والأعرق «الخرطوم»، التي قد لا تستعيد فتوتها لعقود من الزمان.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: أكثر من مائة ألف نازح من كردفان في ثلاثة أشهر

شمال افريقيا نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ في الدبّة بولاية شمال السودان (أرشيفية - أ.ب)

الأمم المتحدة: أكثر من مائة ألف نازح من كردفان في ثلاثة أشهر

نزح أكثر من مائة ألف شخص من منطقة كردفان في السودان في غضون ثلاثة أشهر ونيف، بحسب الأمم المتحدة، في ظل ارتفاع وتيرة العنف بين الجيش وقوات «الدعم السريع» مع…

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون (مجلس السيادة) p-circle

وزير الدفاع السوداني: الهزيمة الوشيكة لـ«الدعم السريع» ستفتح الباب أمام انتقال سياسي

قال وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون إن القوات المسلحة السودانية استعادت زمام المبادرة في مواجهة «قوات الدعم السريع».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء ​السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)

عبَّرت وسائل إعلام عبرية عن قلق إسرائيلي من التحركات العسكرية المصرية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، في حين عدَّ عسكريون سابقون بمصر أن الوجود العسكري المصري بالصومال «شرعي ويتفق مع القانون الدولي والمواثيق الدولية»، وهدفه المساعدة في تحقيق الاستقرار الأمني بالمنطقة.

وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن مصر توجه جيشها للرد على إسرائيل عبر الصومال، وأن هناك دولاً عربية تدعمها في ذلك.

ونشرت الصحيفة تقريراً تحت عنوان «صراع النفوذ يشتعل في القرن الأفريقي: مصر ترد على الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال)»، قالت فيه إن القاهرة التي تعارض هذا الاعتراف تعيد نشر قواتها في الصومال رداً على التحركات الإسرائيلية؛ وقدّرت الصحيفة وجود نحو 10 آلاف جندي مصري منتشرين هناك.

لكن رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق بالجيش المصري، لواء أركان حرب محمد الشهاوي، قال إن القوات المصرية «هي ثامن أكبر قوة ضمن قوات حفظ السلام على مستوى العالم، والقوات المصرية الموجودة في الصومال هي تحت لواء قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي وتعمل على حفظ الأمن ومقاومة الإرهاب، وتحافظ على الأمن القومي الأفريقي والأمن القومي الصومالي وأمن منطقة البحر الأحمر ضد أي أخطار».

وتابع الشهاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تدرك تماماً أن الصومال، بسبب موقعه الاستراتيجي، مطمع لكثير من الدول، وخاصة إسرائيل التي اعترفت أخيراً بإقليم (أرض الصومال) كدولة تريد فصلها عن الصومال لزعزعة أمنه وإرغامه على القبول بمخططات معينة، مثل المخطط الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر وإنشاء قوة بحرية، فضلاً عن ممارسات أخرى تقوم بها إثيوبيا بدعم إسرائيلي مثل العمل على عدم عودة الاستقرار لدولة السودان والدفع نحو استمرار الصراع فيها».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

واعترفت إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، باستقلال إقليم «أرض الصومال» الذي يطل على خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وهو إقليم سعت إثيوبيا للحصول على ميناء بحري وعسكري به مقابل الاعتراف باستقلاله.

وأكد خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، أن دور القوات المصرية في الصومال هو العمل على حفظ الأمن والاستقرار تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وقوات حفظ السلام التابعة له، «ومن ثم فوجود القوات المصرية شرعي بطلب من الاتحاد الأفريقي ومن دولة الصومال التي زار رئيسها مصر مؤخراً وأكد على هذا الأمر أمام العالم كله».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وفقاً لذلك، ليس مفهوماً أن تزعم أطراف أخرى قلقها من الوجود المصري الشرعي، بينما إسرائيل هي التي لجأت إلى خطوة غير شرعية، وضربت بالقانون الدولي عرض الحائط بسعيها لتقسيم دولة الصومال بالاعتراف (بأرض الصومال) كدولة».

واستطرد: «تحرشات إثيوبيا بالصومال وضغطها عليه لقبول بناء قاعدة عسكرية بحرية إثيوبية على أراضيه، بجانب تحركات أخرى مريبة في منطقة القرن الأفريقي عموماً تقوم بها أديس أبابا وتدعمها إسرائيل، مثل إمداد (قوات الدعم السريع) بالسودان بميليشيات وعتاد وسلاح، يأتي في سياق تحركات إسرائيلية تهدف لزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وأضاف: «مصر والاتحاد الأفريقي يتنبهان لهذه التحركات جيداً، ومن ثم فالوجود العسكري المصري هناك هو لمجابهة كل هذه التهديدات وضمن الالتزام القانوني الدولي والشرعية الدولية».

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته مصر.

وعقد الرئيسان لقاءً ثنائياً تلاه اجتماع موسع بمشاركة وفدي البلدين، شدد خلاله السيسي على موقف مصر الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفض أي إجراءات من شأنها المساس بسيادته أو تهديد استقراره.

وحذر الرئيس المصري خلال المؤتمر الصحافي من «خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول»، معتبراً أنها تشكل «انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة».

وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها إن هذه الخطوة تجيء «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وحلت بعثة الاستقرار والدعم التابعة للاتحاد الأفريقي، المعروفة باسم «أوسوم»، محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

Your Premium trial has ended


«وزير الإعلام»... منصب يُربك التشكيلات الحكومية المصرية منذ 2011

ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام في التشكيل الحكومي الجديد خلال إحدى جلسات «الحوار الوطني» (صفحة الحوار الوطني - فيسبوك)
ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام في التشكيل الحكومي الجديد خلال إحدى جلسات «الحوار الوطني» (صفحة الحوار الوطني - فيسبوك)
TT

«وزير الإعلام»... منصب يُربك التشكيلات الحكومية المصرية منذ 2011

ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام في التشكيل الحكومي الجديد خلال إحدى جلسات «الحوار الوطني» (صفحة الحوار الوطني - فيسبوك)
ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام في التشكيل الحكومي الجديد خلال إحدى جلسات «الحوار الوطني» (صفحة الحوار الوطني - فيسبوك)

منذ أحداث «25 يناير» عام 2011، وسقوط نظام الرئيس الراحل حسني مبارك في مصر، ومنصب «وزير الإعلام» محل جدل دائم في تشكيل الحكومات المتعاقبة.

الارتباك بدأ مع مطالب بإعادة ضبط المشهد الإعلامي، ثم إقرار دستور نص على إنشاء هيئات مستقلة تتولى تنظيم الإعلام بأشكاله كافة، مرئياً ومسموعاً ومقروءاً، وصولاً إلى قرار حكومي بإلغاء الوزارة عام 2014.

وعلى مدار الأيام الماضية عاد النقاش بشأن منصب وزير الإعلام إلى الواجهة مع تداول وسائل إعلام محلية أنباء عن عودة «وزارة الإعلام» في التعديل الحكومي، تأكدت بإعلان رئيس البرلمان المصري هشام بدوي، الثلاثاء، الموافقة على مقترح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، بتعديل الحكومة الذي تضمن تعيين رئيس هيئة الاستعلامات الحالي ضياء رشوان وزيراً للدولة للإعلام، بانتظار تأدية الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأربعاء.

وجددت عودة وزارة الإعلام السؤال بشأن مدى الحاجة للوزارة في ظل وجود ثلاث هيئات مستقلة تتنازع الاختصاصات. وهو جدل لم يتوقف منذ قرار رئيس الوزراء المصري الأسبق، إبراهيم محلب، بإلغاء وزارة الإعلام، منتصف عام 2014.

واختلفت الآراء بين من يطالب بعودة الوزارة بدعوى «الحاجة إلى كيان يرسم استراتيجية الدولة الإعلامية»، ومن يرى أنه لا داعي لهذه العودة في ظل وجود «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، وهيئتي الصحافة والإعلام.

وعاد النقاش للواجهة مع قرار تعيين أسامة هيكل وزيراً للدولة لشؤون الإعلام نهاية عام 2019؛ واشتد مع استقالته عام 2021 بعد 16 شهراً قضاها في المنصب، وذلك لـ«ظروف خاصة»، بحسب بيان صحافي وقتها، دون أي بيانات تتحدث عن مصير الوزارة.

سؤال يطرح نفسه

ويقول عميد كلية الإعلام الأسبق حسن عماد مكاوي لـ«الشرق الأوسط»: «الدستور لم يشر إلى وزارة الإعلام. وطالما لم ينص على منعها، فمن الجائز وجودها»، مضيفاً أن «السؤال الذي يطرح نفسه دائماً هو ما الدور الذي ستقوم به الوزارة في ظل وجود المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وهيئتي الصحافة والإعلام، بعدّها هيئات مستقلة مسؤولة عن تنظيم المشهد الإعلامي ككل».

ولا يمنع دستور عام 2014، وتعديلاته عام 2019، تعيين وزير للإعلام؛ إذ لم ينص صراحة على إلغاء الوزارة. بينما ينص في المواد 211 و212 و213 على تشكيل ثلاث هيئات تتولى تنظيم المشهد الإعلامي وهي «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» و«الهيئة الوطنية للصحافة»، و«الهيئة الوطنية للإعلام».

وبرز رشوان في عدة مناصب قبيل ترشيحه للإعلام، أبرزها خلال فترة رئاسته للهيئة العامة للاستعلامات، التي شهدت تعزيز التواصل مع المراسلين الأجانب، وتقديم رواية الدولة المصرية في القضايا الدولية، لا سيما إبان «حرب غزة»، حيث كان رشوان «صوت الدولة المصرية» الذي يجيب عن تساؤلات الإعلام الغربي، كما سبق أن نجح في إدارة ملف «الحوار الوطني» بين القوى السياسية.

تنظيم الإعلام

وُلد رشوان عام 1960، وتخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وحصل على ماجستير في التاريخ السياسي من جامعة السوربون بباريس عام 1985. عمل مديراً لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ورئيساً للهيئة العامة للاستعلامات، وشغل منصب نقيب الصحافيين، كما كان عضواً بلجنة الخمسين لإعداد دستور 2014، ومنسقاً عاماً للحوار الوطني.

ورغم سجل الإنجازات، فإن هناك مخاوف من أن «يُحجِّم» الوضع الدستوري من صلاحياته كوزير للإعلام في ظل وجود الهيئات الثلاث.

ووفق الدستور، فإن «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هو هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، وموازنتها مستقلة»، ويختص «بتنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي، وتنظيم الصحافة المطبوعة، والرقمية، وغيرها».

كما ينص على أن يكون «المجلس مسؤولاً عن ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور، والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها، ومنع الممارسات الاحتكارية، ومراقبة سلامة مصادر تمويل المؤسسات الصحافية والإعلامية».

أما «الهيئة الوطنية للصحافة» فهي مسؤولة عن «إدارة المؤسسات الصحافية المملوكة للدولة وتطويرها، وتنمية أصولها». بينما تتولى «الهيئة الوطنية للإعلام» مسؤولية «إدارة المؤسسات الإعلامية المرئية والإذاعية والرقمية المملوكة للدولة، وتطويرها، وتنمية أصولها».

وفي ضوء هذه الاختصاصات يؤكد مكاوي «ضرورة وضع اختصاصات واضحة لوزير الإعلام، حتى لا يحدث تضارب مع اختصاصات المجلس والهيئات».

وأضاف أن الحاجة لوزير إعلام «تبرز في ظل ضرورة وجود شخصية استراتيجية إعلامية للدولة»، معرباً عن أمله في أن تكون لدى الوزير المقبل مهام واختصاصات واضحة أساسها وضع الاستراتيجية الإعلامية للدولة.


الرئيس التونسي يشدد على ضرورة مواجهة غلاء الأسعار

الرئيس التونسي قيس سعيد (أ.ف.ب)
الرئيس التونسي قيس سعيد (أ.ف.ب)
TT

الرئيس التونسي يشدد على ضرورة مواجهة غلاء الأسعار

الرئيس التونسي قيس سعيد (أ.ف.ب)
الرئيس التونسي قيس سعيد (أ.ف.ب)

أكّد رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد، خلال استقباله، مساء الاثنين، رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ضرورة إعداد النّصوص الترتيبية للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، ومواجهة غلاء الأسعار مع اقتراب شهر رمضان الفضيل، مع مكافحة المضاربين وتقليص الواردات غير الضرورية، مشيراً، في هذا السياق، إلى أنّ تونس حقّقت، حين اختارت طريقها بنفسها، نتائج كان البعض يُمنّي نفسه ألّا تقع، «بل أكثر من ذلك من فرط وطنيّتهم لم يتورّعوا في المطالبة بتسليط عقوبات اقتصادية على وطننا العزيز».

وتعرّض رئيس الجمهوريّة، في مباحثاته مع رئيسة الحكومة، وفق وكالة الأنباء الرسمية، إلى مشاريع النّصوص المتعلقة بالاستثمار، وأكّد أنّ الأمر يقتضي أوّلاً تحقيق العدالة الاجتماعية، وتحديد الأسباب التي أدّت إلى تعثّر تطبيقها، مُبيّناً أنّ «أسباب التأخّر والتعثّر والفشل، بل الإفشال في أكثر الأحيان ليست في النصوص فقط، بل لامتداد اللوبيّات داخل الإدارة وتفشّي الفساد، فما لم يجرِ القضاء على الأسباب لن يتغيّر الكثير أو لن يتغيّر أيّ شيء».

وخلُص الرئيس سعيد إلى أنّ العمل مستمرّ «حتّى يتحمّل جيل جديد المسؤوليّة، وهو ما يجري العمل عليه لأنّ الشّعب ليس بحاجة إلى خطاب جديد فحسب يحسم كلّ لبس، بل إلى إنجازات يراها تنطلق بسرعة ودون عقبات، وتُنجَز في أقرب الآجال لأنّه مُصرّ على صنع تاريخ حافل بالأمجاد لتونس.

وأشار رئيس الجمهوريّة، في هذا السياق، إلى حماس الشباب في تونس وإصراره، وخير دليل على ذلك تطوّعهم في إزالة آثار الأمطار الغزيرة الأخيرة بإمكانياتهم الخاصّة، وتعاضدهم وتآزرهم، مبرزاً أنه «بمثل هؤلاء تتحقّق انتصارات الشّعب التونسي، كلّ الانتصارات، أمّا من يريدون تأجيج الأوضاع، فسيتحمّلون مسؤولياتهم كاملة أمام القانون، فقد جنوا، وما جنى عليهم أحد».