«ميوعة» عالمية في التعامل مع انقلاب الغابون مقابل التشدد مع النيجر

الجنرال أوليغي نغيما نسيب الرئيس المخلوع سيثبت الاثنين رئيساً للدولة

الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
TT

«ميوعة» عالمية في التعامل مع انقلاب الغابون مقابل التشدد مع النيجر

الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
الجنرال أوليغي نغيما بريس خلال تقليده نيشانا من قبل رئيس وزراء الغابون في 16 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ثمة خيوط كثيرة تجمع الانقلابين اللذين حصلا في النيجر يوم 26 يوليو (تموز) وفي الغابون، صبيحة الأربعاء، أولها يتمثل في أن الطرف المحرض على الانقلاب كان في الحالتين الحرس الجمهوري أي الجهاز المولج المحافظة على النظام والسهر على راحة رئيسه. وفي الحالتين، تولى رئيسه قيادة المجلس العسكري المنبثق عن الحركة الانقلابية إضافة إلى رئيس الدولة. ففي حالة النيجر، عزل محمد بازوم واحتل مكانه الجنرال عبد الرحمن تياني. وفي حالة الغابون، أطيح بعلي بونغو ووضع في الإقامة الجبرية كما أحيل على التقاعد ليتربع الجنرال أوليغي نغيما بريس على مقعده الرئاسي. وفي الحالتين أيضا، نزلت الجماهير إلى الساحات والشوارع للتعبير عن دعمها للانقلابيين وعن تخلصها من أنظمة فاسدة فيما عمدت إلى إلقاء القبض على الوزراء والشخصيات النافذة في نيامي وليبرفيل وتوجيه اتهامات «ثقيلة» لها منها الخيانة العظمى والاحتيال والتزوير وتهريب المخدرات... بيد أن الغابون ليست النيجر رغم التشابه الكبير بينهما حيث البلدان كانا لعقود مستعمرتين فرنسيتين. وبعد استقلالهما، حافظت باريس على موقع مهيمن على السياسة وارتباط عملتيهما «الفرنك الأفريقي» بالاقتصاد الفرنسي. لكن، بعكس ما حصل في النيجر من مظاهرات معادية لفرنسا ومطالبة بسحب سفيرها وقواتها العسكرية المرابطة في البلاد، لم تشهد العاصمة الغابونية أو مدن البلاد الكبرى شيئاً مشابهاً، علما بأن الغابون تستضيف قاعدة بحرية أساسية للحضور العسكري الفرنسي في وسط جنوب أفريقيا.

ملصق انتخابي للرئيس المخلوع علي بونغو تعرض للتمزيق في ليبرفيل الخميس (أ.ف.ب)

بيد أن الفرق الأساسي عنوانه اختلاف ردود الفعل على انقلاب الغابون قياساً على التي أعقبت انقلاب النيجر المهددة بغزو عسكري لإعادة الرئيس المعزول إلى منصبه والرجوع إلى الانتظام المؤسساتي. صحيح أن التنديد بالانقلاب كان عاماً وشاملاً وكذلك الدعوة إلى استعادة حكم المؤسسات والمحافظة على سلامة رئيس الجمهورية وعائلته، لكن أحدا لم يلجأ إلى لغة متشددة بمن فيها فرنسا التي لم يصدر عنها سوى تصريح واحد على لسان أوليفيه فيران، الناطق باسم الحكومة والذي تميز بالغموض. وقال فيران، عقب اجتماع مجلس الوزراء ظهر الأربعاء، إن باريس «تدين الانقلاب العسكري الجاري حاليا» وتذكر بـ«تمسكها بالمسارات الانتخابية الحرة والشفافة». والفقرة الثانية من تصريح فيران «حمالة أوجه»، إذ لم تشر مباشرة إلى الانتخابات الرئاسية في الغابون بل تحدثت بصفة عامة والسبب في ذلك الظروف التي أحاطت بهذه الانتخابات والشكوك في صدقية وصحة نتائجها. وهذه الإشكالية بالذات تلاحظ في العديد من ردود الفعل الغربية وكان أوضحها ما صدر صباح الخميس عن جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، إذ اعتبر أنه تصعب المقارنة بين الانقلابين من جهة، وذكر، من جهة أخرى، أن الانقلابيين تدخلوا مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات في ساعة متأخرة من الليل وفي ظروف مثيرة للشبهات. وجاء في حرفية تصريح لبوريل إلى القناة الإخبارية الأميركية «سي إن إن» أن «الانقلابات العسكرية ليست الحل بالطبع، لكن يجب ألا ننسى أنه في الغابون جرت انتخابات مليئة بالمخالفات». وأضاف المسؤول الأوروبي أن تصويتاً مزوراً يمكن اعتباره بمثابة «انقلاب مؤسساتي» مدني. وأوضح المسؤول الأوروبي أن الدبلوماسيين الأوروبيين يعملون من أجل التوسط في حل الأزمة في الغابون، وأنه ليست هناك خطط لإجلاء مواطنيهم، كما حدث في النيجر. ملاحظة بوريل تنسحب على العديد من الردود الدولية. فالأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، على لسان الناطق باسمه ستيافان دوجاريتش، بعد أن «أدان بشدة المحاولة الانقلابية»، أشار إلى «القلق الكبير» بشأن النتائج المعلنة للانتخابات «وسط معلومات تشير إلى انتهاكات خطيرة للحقوق الأساسية» للناخبين.

سيارات تعبر قرب مدخل القصر الرئاسي في ليبرفيل الخميس (إ.ب.أ)

ويبدو رد الفعل الأميركي نسخة عن سابقه الأممي. إذ عبر ماثيو ميلر، الناطق باسم الخارجية الأميركية، عن «القلق بشأن غياب الشفافية والتقارير التي تحدثت عن مخالفات أحاطت بالانتخابات». وإلى ما سبق، يمكن إضافة ردود فعل مشابهة من ألمانيا وبريطانيا... والجهة الوحيدة التي تميز خطابها بالتشدد تتمثل في الاتحاد الأفريقي. وأمس، اجتمع مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد من أجل «دراسة التطورات الطارئة في الغابون» وفق بيان صادر عنه. ويمثل مجلس الاتحاد السلطة التنفيذية. وفي المحصلة، بدا من الصعب للدبلوماسية الدولية الدفاع عن نظام احتكرته عائلة الرئيس علي بونغو منذ 56 عاماً وتميزت عهودها بديمقراطية شكلية ينخرها التزوير الانتخابي والفساد المعمم. ومنذ أن ورث الرئاسة عن أبيه في العام 2009، عجز علي بونغو عن الفوز في انتخابات حرة ونزيهة. ففي انتخابات العام 2009 كما في العام 2016، لجأ بونغو والمحيطون به إلى عمليات تزوير واسعة مقرونة بضغوط على الحريات وعلى المعارضين. وما كان رد الفعل الأولي الداعم للانقلابيين الذي خرج إلى العلن في ليبرفيل وبور جونتيل وغيرهما من المدن الغابونية إلا ابتهاجا بالتخلص من نظام احتكرته عائلة بونغو وتوارثته.

الرجل القوي الجديد في الغابون سارع الانقلابيون إلى تعيين الجنرال بريس أوليغي نغيما بالإجماع، ليل الأربعاء - الخميس، رئيسا لـ«لجنة انتقال واستعادة المؤسسات» وأيضا رئيساً للمرحلة الانتقالية أي الرئيس الفعلي لدولة ما بعد الانقلاب. وسارع العسكر للإعلان عن أن مرحلة انتقالية بدأت وبختامها ستعود السلطة للمدنيين. بيد أن بيانهم لم يحدد لا طبيعة المرحلة الانتقالية -خصوصا أن البيان الانقلابي أفتى بحل كافة مؤسسات الدولة-، ولا كيف ستحكم الغابون خلالها ولا مدتها. كذلك، لا شيء يؤشر لما ستكون عليه العلاقة بين الانقلابيين والقوى المعارضة وخصوصا المرشح الرئاسي ألبيرت أوندو أوسا الذي حصل وفق النتائج المعلنة على 30 في المائة، فيما حصل علي بونغو على ما يزيد على 67 في المائة من الأصوات. ويطالب الأول بالعودة إلى النتائج الفعلية للانتخابات وإعلانه فائزاً بها، الأمر الذي يستبعده المراقبون في الوقت الحاضر.

جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، يتحدث في طلطيليا (إسبانيا) الخميس (أ.ف.ب)

وأعلن الانقلابيون أمس أن الجنرال أوليغي نغيما سوف يقسم اليمين أمام المجلس الدستوري كرئيس للمرحلة الانتقالية. وقال الناطق العسكري باسم لجنة الانتقال واستعادة المؤسسات أن أوليغي نغيما قرر إنشاء المؤسسات الخاصة بالمرحلة الانتقالية «تدريجيا»، وأن الغابون «سوف تحترم كافة التزاماتها الخارجية والداخلية»، في بادرة هدفها كما يبدو طمأنة الأطراف الخارجية ودفعها إلى الامتناع عن اتخاذ مواقف عدائية من النظام الجديد الذي يحافظ على مصالحها ويلتزم بتعهداته. المفارقة في انقلاب الغابون أن رجله القوي كان يعد حتى حصول الانقلاب أحد أعمدته الرئيسية بفضل المنصب الذي كان يتولاه ومهمته حماية النظام. وتربط الجنرال أوليغي نغيما علاقة قرابة بالرئيس المخلوع إذ إنه زوج ابنة عمه. ورغم أهمية الحجج التي شدد عليها الانقلابيون لإعطاء شرعية لتحركهم، فإن عدة أسئلة أخذت تطرح، وأولها الأسباب التي جعلت الجنرال بريس أوليغي نغيما ينقلب على أولياء نعمته. وفي هذا السياق تؤكد مصادر فرنسية، وفق ما نقلته صحيفة «لو موند» المستقلة، أن الجنرال المذكور كان على خلاف مع سيلفيا، زوجة الرئيس المخلوع ومع ابنه نور الدين بونغو الذي كان يحضّره والده، الذي يعاني من مشاكل صحية خطيرة، لتوريثه الرئاسة. ونقلت المصادر للصحيفة الفرنسية أن الجنرال أوليغي نغيما كان «وفياً للرئيس ولكن ليس لابنه وزوجته اللذين كانا يحكمان البلاد بالوكالة عنه». وثمة من يؤكد أن ترشح علي بونغو لولاية ثالثة رغم حالته غرضه الوحيد ضمان انتقال الرئاسة من الأب إلى الابن. يضاف إلى ما سبق أن عاملا آخر قد يكون قد دفع إلى الانقلاب، وهو أن عائلة بونغو التي تحكم الغابون منذ العام 1965 تنتمي إلى إتنية «تيكيه» التي تعد أقلية في البلاد فيما إتنية «فانغ» التي ينتمي إليها مرشح المعارضة تعد الأكبر عددا وهي خارج جنة الحكم. ونقل عن الجنرال أوليغي نغيما البالغ من العمر 48 عاما والذي ينتمي من جهة أبيه إلى إتنية «فانغ» وإلى إتنية «تيكيه» من جهة أمه، أن القوات المسلحة في البلاد «ليست مهمتها إقصاء الأكثرية السوسيولوجية (أي إتنية فانغ) عن حكم البلاد. وكان الجنرال المذكور قد أبعد لعدة سنوات عن دائرة السلطة الأضيق، وقد أعيد إليها في العام 2019 مديراً للمخابرات ثم رئيسا للحرس الجمهوري.

ثمة مسألة تطرح، في سياق كل ما حصل، وتتناول علاقة الانقلابيين بفرنسا التي لم يصدر عنها سوى تعليق واحد يختلف جذرياً عن موقفها من انقلاب النيجر المتسم بالتشدد ودفع المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا إلى التدخل العسكري. فالمعروف أن باريس وليبرفيل وقعتا اتفاقيات عسكرية وأمنية منذ العام 1960، تاريخ استقلال الغابون، ثم جددتها في العام 2011 وأن الرئيس ماكرون زار ليبرفيل في مارس (آذار) العام الماضي، وأن قاعدة بحرية عسكرية فرنسية رئيسية موجودة في الغابون.

ولكن الصحيح أيضا أن العلاقة بين العاصمتين فترت بعض الشيء في السنوات الأخيرة، وأن بونغو الابن سعى لتنويع علاقاته بالانفتاح على الصين والانضمام إلى الكومنولث رغم أن الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلاد. وكان لافتا أن الرئيس المعزول، في شريط الفيديو الذي بثه الأربعاء وفيه يطلب من أصدقائه «رفع الصوت» أو «إحداث ضجيج»، تكلم بالإنجليزية وليس بالفرنسية. ثم إن عدداً من المراقبين في باريس ينظرون إلى الانقلاب العسكري الذي كان لولبه الجنرال أوليغي نغيما، على أنه جاء «استباقاً» لحراك شعبي ربما كان سيطيح بكل أركان نظام بونغو، بمن فيهم أقرب العسكريين إليه ومن ضمنهم أوليغي نغيما وجماعته.


مقالات ذات صلة

إطلاق نار وانفجارات في النيجر... والسلطات تتحدث عن محاولة تمرد

أفريقيا لقطة عامة لقاعدة «نيامي 101» العسكرية بعاصمة النيجر (أ.ف.ب)

إطلاق نار وانفجارات في النيجر... والسلطات تتحدث عن محاولة تمرد

قالت السلطات في النيجر، السبت، إن مجموعة من الجنود تمردت على الضباط داخل قاعدة عسكرية رئيسية وأطلقت الرصاص على مواقع «حساسة» في العاصمة نيامي.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا أحد قادة المعارضة أولارا أوتونو دبلوماسي ووكيل سابق للأمين العام للأمم المتحدة (رويترز)

أوغندا: نجل الرئيس يكشف نواياه ويعلن نيته خلافة والده

نجل الرئيس الأوغندي يكشف نواياه ويعلن نيته خلافة والده... يتولى منذ سنوات قيادة الجيش واشتهر بإثارته للجدل

الشيخ محمد ( نواكشوط)
أفريقيا صورة جماعية لقادة دول «إيكواس» خلال قمتهم في أبوجا بنيجيريا يوم 15 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

نيجيريا: زعيم محاولة انقلابية فاشلة يكشف خفايا مخططه أمام المحققين

كشف زعيم محاولة انقلابية فاشلة في نيجيريا خفايا مخططه أمام المحققين وقال إن «التراجع المتزايد» على مستوى الأمن كان السبب وراء المحاولة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قوات روسية ومالية تسقط في كمين نصبه متمرّدون طوارق

تعرّض موكب من الجيش المالي والقوات الروسية لكمين نصبه متمردون من الطوارق بالتحالف مع تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وفق ما أكد الجيش المالي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا متمردون من الطوارق يجرون دوريات بشوارع كيدال في مالي (أ.ف.ب - أرشيفية)

اتهامات باريس بدعم انفصاليي «أزواد» تعيد الجدل حول دور فرنسا في مالي

أعاد الهجوم الذي شنّته «جبهة تحرير أزواد» وسيطرتها على مدينة كيدال شمال مالي أواخر أبريل (نيسان)، الجدل حول العلاقة بين فرنسا والحركات الانفصالية الطوارقية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.