«الجنائية الدولية»... محكمة «الملاذ الأخير» في مرمى نيران الشرق والغرب

طوال 20 سنة اقتصرت على الأفارقة... وبوتين والبشير أبرز مطلوبيها

مقرّ المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي
مقرّ المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي
TT

«الجنائية الدولية»... محكمة «الملاذ الأخير» في مرمى نيران الشرق والغرب

مقرّ المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي
مقرّ المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي

تردّد اسم «المحكمة الجنائية الدولية» بكثافة عقب قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الاكتفاء بمشاركة «افتراضية عن بُعد» في قمة تجمع دول «بريكس»، التي استضافتها جنوب أفريقيا، أغسطس (آب) الحالي، وبهذا أعفى السلطات هناك من الوقوع في أزمة إلقاء القبض عليه، حال دخوله أراضيها، وتسليمه إلى المحكمة بموجب مذكرة الاعتقال الصادرة بحقّه، على خلفية اتهامه بترحيل آلاف الأطفال الأوكران قسرياً.

أزمة بوتين أعادت إلى الواجهة الكلام عن «المحكمة الجنائية الدولية»، وأحْيت اتهامات تحاصرها شرقاً وغرباً بـ«التسييس» تارة، وبـ«ازدواجية المعايير» تارة أخرى، ذلك أن المحكمة، التي نظرت على مدى عقدين من تأسيسها، في 31 قضية، أصدر قضاتها عشرة أحكام بالإدانة، وأربعة أحكام بالتبرئة، وجاءت الإدانات جميعها ضد متمردين أو متطرفين أفارقة، ما كان بينهم أي رئيس حكومة أو مسؤول بارز. «المحكمة الجنائية الدولية»، عجزت طيلة 20 سنة عن إحداث اختراقات جادة في ملفات لجرائمَ إنسانية معقدة ارتُكبت في دول، مثل أفغانستان وفلسطين والعراق، وهو ما دفع كثيرين إلى إعادة طرح تساؤلات حول دور تلك المحكمة، التي تبلغ ميزانيتها السنوية نحو 150 مليون يورو، ما يجعل أحكامها ربما هي «الأغلى في التاريخ».

وحقاً، لم يكن ميلاد «المحكمة الجنائية الدولية» بالأمر الهيّن، فالسوابق المتعلقة بالمحاكم الدولية ارتبطت بتحولات سياسية عميقة، ولقد تلقّت الحركة الساعية لإنشاء محكمة دولية للنظر في الجرائم ضد الإنسانية، دفعة قوية بعد محكمتي نورنبرغ وطوكيو اللتين أُسستا لمعاقبة الجرائم التي اتهمت بها الأطراف التي خسرت الحرب العالمية الثانية.

وقامت لجنة خاصة، بطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتقديم مسوَّدتين لنظام «المحكمة الجنائية»، في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، لكن المشروع لم يجد دعماً يدفعه كي يرى النور؛ نتيجة غياب الظروف الدولية المواتية تحت وطأة الحرب الباردة التي «جمّدت»، ولو مؤقتاً، تأسيس المحكمة.

ومع التحولات الجوهرية التي عاشتها الساحة السياسية العالمية في عام 1989، مع اقتراب الاتحاد السوفياتي من أمتاره الأخيرة، وهدم جدار برلين، وغيرها من التحولات الدراماتيكية في السياسة الدولية، سعت دولة صغيرة هي ترينيداد وتوباغو إلى إحياء المشروع، عندما اقترحت إنشاء محكمة دائمة للنظر في تجارة المخدرات.

وأثناء ذلك شُكّلت المحكمة الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا عام 1993، وأخرى خاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا عام 1994. ودفعت هاتان الخطوتان عدداً من الحقوقيين والمختصين بالقانون الدولي إلى التفكير بإنشاء محكمة دولية ذات اختصاص دائم، بمقدورها محاسبة الأفراد، وليس الدول أو الجماعات، فكان إنشاء «المحكمة الجنائية الدولية».

في عام 1998 أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع القرار بغالبية 130 صوتاً، مقابل 7، وامتناع 21 عن التصويت. وكانت الدول السبع التي عارضت المشروع: الولايات المتحدة، وإسرائيل، والصين، والعراق، وقطر، وليبيا، واليمن، إلا أن هذه المعارضة لم تمنع تحوّل القرار إلى معاهدة مُلزمة مع توقيع الدولة الرقم 60 ومصادقتها عليه. ومن ثم دخل «قانون روما الأساسي»، المنشئ للمحكمة، حيز التنفيذ بعد 4 سنوات، وهو الحدث الذي احتُفل به يوم 11 أبريل (نيسان) 2002.

محكمة «الملاذ الأخير»

يثير اختصاص «المحكمة الجنائية الدولية» كثيراً من اللبس، فهي ليست محكمة دول، بل محكمة أفراد، ثم إنها ليست بديلاً عن المحاكم الوطنية، بل - كما يصفها القانونيون - هي محكمة «الملاذ الأخير»، ولا تتدخل إلا عندما تعجز السلطات الوطنية عن تنظيم المحاكمات، أو لا ترغب بها أساساً. ولـ«المحكمة الجنائية الدولية» اختصاص عالمي؛ أي أنها تستطيع التحقيق في أي قضايا ضمن نطاق اختصاصها بأي مكان في العالم، وكذلك عقد جلساتها خارج نطاق مقرّها الأساسي بمدينة لاهاي الهولندية، وهي ذات اختصاص تلقائي فقط في الجرائم المرتكبة على أراضي دولة صادقت على معاهدة تأسيسها، أو من قِبل مواطن من هذه الدولة، أو عندما يحيل «مجلس الأمن»، التابع لـ«الأمم المتحدة» قضية إليها.

ويمكن للمحكمة مباشرة نظر القضايا التي تتعلق بالجرائم ضد الإنسانية، التي تشمل: القتل والتعذيب والاغتصاب والتجنيد القسري والتهجير القسري، وغيرها من الأعمال الوحشية التي تُرتكب بصورة ممنهجة، وعلى نطاق واسع ضد المدنيين، في إطار هجوم موجَّه ضدهم. وتتولى أيضاً التحقيق في جرائم الإبادة الجماعية، التي تشمل الأعمال التي تهدف إلى تدمير جزء من مجموعة وطنية أو عِرقية أو دينية بصورة كاملة أو جزئية، بما في ذلك القتل الجماعي والتسبب بظروف معيشية تؤدي إلى الإبادة البطيئة والتعذيب الجسدي والنفسي.

وأخيراً، تنظر المحكمة كذلك في جرائم الحرب التي تشمل الأعمال المرتكبة إبان النزاعات المسلَّحة، وتتضمن الهجمات غير المبرَّرة على المدنيين، واستهداف المستشفيات والمدارس والمنشآت الإنسانية، واستخدام الأسلحة المحظورة، مثل الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، والاستعباد الجنسي، والتجنيد القسري للأطفال.

ثغرات وقيود

رغم الاختصاصات الواسعة، تظل المحكمة تعاني من ثغرات وقيود تحدُّ من سلطاتها، فهي لا تستطيع النظر في أي دعاوى خارج حدود الدول الأعضاء بها، بل يجب أن يكون المتهم مواطناً لدولة طرف في «اتفاقية روما» التي أنشأت المحكمة، أو أن يكون الجُرم قد ارتُكب على أراضي دولة طرف، أو أن يكون «مجلس الأمن»، التابع لـ«الأمم المتحدة»، قد أحال القضية إلى المحكمة، بجانب ضرورة أن يكون المتهم قد حُوكم في النظام القضائي الوطني، وأن يكون هناك تعذّر إجراء محاكمة عادلة.

هذا، وبلغ عدد الدول الموقِّعة على بروتوكول المحكمة 123 دولة، ليس بينها دول كبرى (كالولايات المتحدة والصين وروسيا)، الأمر الذي أضعف قدرة المحكمة على النظر في قضايا تتعلق بتلك الدول. وخلال المفاوضات بشأن إقرار بروتوكول المحكمة، جادلت الولايات المتحدة بأن جنودها قد يتعرضون لمحاكمات ذات دوافع سياسية أو محاكمات كيدية، ومع أن الرئيس الأسبق بيل كلينتون وقّع، في النهاية، على المعاهدة، في واحدة من أعماله الأخيرة بصفته رئيساً، فإن «الكونغرس» الأميركي لم يصادق عليها مطلقاً.

من جهة ثانية، حاول «مجلس الأمن الدولي» تقديم ضمانات تعرّضت لاحقاً لانتقادات شديدة، إذ صوّت، في 12 يوليو (تموز) 2002، على حل وسط يمنح القوات الأميركية إعفاءً من الملاحقة القضائية لمدة 12 شهراً، ويُجدَّد سنوياً، إلا أن إدارة الرئيس جورج بوش الابن عارضت المحكمة بشدة، واعتبرته «إضعافاً لسيادة الولايات المتحدة»، وهددت بسحب القوات الأميركية من قوة «الأمم المتحدة» في البوسنة، ما لم يُمنح جنودها حصانة كاملة من المحاكمة أمام «الجنائية الدولية». لكن «مجلس الأمن» - بدفع من الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان - رفض تجديد الإعفاء في يونيو (حزيران) 2004، بعد شهرين من انتشار صور تُظهر اعتداء عسكريين أميركيين على أسرى عراقيين في سجن «أبو غريب».

ومع أن الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة، لا تبدو العلاقة بين الجانبين مقطوعة تماماً، فعبر التأثير الكبير لواشنطن في «مجلس الأمن»، بمقدورها التداخل مع «الجنائية الدولية»، لكن العلاقة تبدو «انتقائية ومؤقتة» في معظم الأحيان. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2022، عدّل «الكونغرس» القيود القانونية، القائمة منذ فترة طويلة على المساعدة الأميركية للمحكمة، مما سمح لواشنطن بالمساعدة في تحقيقاتها، والملاحقات القضائية النهائية المتعلقة بالحرب في أوكرانيا.

ولكن داخل إدارة بايدن، ما زال الخلاف السياسي قائماً حول التعاون مع المحكمة، إذ منع «البنتاغون»، في مارس (آذار) 2023، الإدارة الأميركية من تشارك الأدلة التي جمعتها وكالات الاستخبارات بشأن «الجرائم الروسية في أوكرانيا» مع المحكمة. وكانت الذريعة ألا يكون ذلك سابقة قد تساعد في تمهيد الطريق لاحقاً لمحاكمة أميركيين، أو تقديم أدلة ضد حلفاء واشنطن، ومنهم من كان شريكاً لها في حروب سابقة، كغزو أفغانستان والعراق.

وللعلم، سبق أن هدَّد جون بولتون، مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأن واشنطن ستفرض عقوبات على القضاة والمدَّعين العامّين في «المحكمة الجنائية الدولية» إذا شرعوا في التحقيق في جرائم حرب يُزعم أن الأميركيين ارتكبوها في أفغانستان. ولا يقتصر الإصرار على رفض الخضوع للاختصاص القضائي للمحكمة على الولايات المتحدة، بل ثمة عدد من الدول لم توقِّع على المعاهدة الخاصة بالمحكمة، مثل الصين وروسيا والهند وباكستان وإندونيسيا وتركيا وإيران وإسرائيل. ومن الدول الموقِّعة على بروتوكول المحكمة باللون الأخضر، تبدو المنطقة العربية خالية إلا من الأردن وجيبوتي وتونس وفلسطين، وقد انضمت الأخيرة للمحكمة عام 2015، رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية لمنع إتمام تلك الخطوة.

من ناحية ثانية، تفتقر المحكمة لـ«شرطة ضبط» خاصة بها، وهو ما يعطّل قدرتها على توقيف المطلوبين أمامها، إذ لا بد لمباشرة إجراءات المحاكمة من أن يكون المتهم قد سُلّم إلى المحكمة، أو أن يكون هناك تعاون كافٍ من الدول الأعضاء لتسليمه. فبروتوكول المحكمة يُلزِم أي دولة عضو بتوقيف أي مطلوب للمحكمة حال دخوله أراضيها بأي صورة. وتكشف قضية الرئيس السوداني السابق عمر البشير حجم القصور الذي تطرحه هذه الإشكالية، حين رفضت عدة دول موقِّعة على بروتوكول المحكمة، بينها تشاد وكينيا، التعاون في اعتقاله. ومع أن محكمة في جنوب أفريقيا أمرت، في يونيو 2015، بمنعه من مغادرة البلاد، إبّان مشاركته في مؤتمر القمة الأفريقية، الذي عُقد بمدينة جوهانسبرغ، لم تنفّذ السلطات هناك الحكم، لذا تعرضت لانتقادات داخلية وخارجية على حد سواء.

«مستعمرة غربية»

هذه الثغرات كانت سبباً في توجيه انتقادات لتقصير «المحكمة الجنائية الدولية» بتحقيق التطلعات العالمية لإقرار العدالة الجنائية في كثير من القضايا الخطيرة. ويعتقد مات كيلينغزورث، المُحاضر في العلاقات الدولية بجامعة تسمانيا الأسترالية، أيضاً بصحته، إذ يشير إلى أن أداء المحكمة على مدى 20 سنة «بدَّد التفاؤل الكبير الذي صاحَب تأسيسها، ولا سيما من دول كانت تعاني جرّاء جرائم الحرب والانتهاكات ضد الإنسانية».

وأوضح كيلينغزورث، لـ«الشرق الأوسط»، أن المحكمة استغرقت 4 سنوات لتبدأ أول محاكمة لها، و6 سنوات أخرى لإعلان أول إدانة، وخلال 20 سنة من العمل، بميزانية إجمالية تتجاوز عدة مليارات من الدولارات، أصدرت 10 إدانات فقط، و4 أحكام بالبراءة. وأردف المُحاضر أن عجز المحكمة حتى عام 2016 عن فتح تحقيق خارج أفريقيا أسهم في تعزيز الرأي القائل بأنها «مستعمرة جديدة ومتأثرة بالغرب». وأرجع كيلينغزورث ما يبدو أنه «ضعف واضح» في أداء المحكمة، إلى عاملين «خارجين عن سيطرتها»؛ الأول يتعلق برفض بعض الدول التوقيع على «قانون روما الأساسي»، بينما يرتبط الثاني بارتفاع سقف التوقعات التي صاحبت إنشاء المحكمة.

استهداف الأفارقة

غباغبو داخل قاعة المحكمة (أ.ب) من محاكمة رئيس كوت ديفوار السابق لوران غباغبو (أ.ب)

إشارة كيلينغزورث تكشف وجهاً آخر من الانتقادات الموجهة إلى «الجنائية الدولية»، التي أمضت نحو ثلثي عمرها (14 سنة) فقط داخل النطاق الأفريقي، ولا تزال ملفات قضايا القارة السمراء تتصدر لائحة المحكمة... فهل حُددت مهمة المحكمة باصطياد الأفارقة، دون أن تستطيع المساس بمتهمين خارج القارة؟

هذا «الاستفهام الاستنكاري» بات شائعاً لدرجة أن المحكمة نفسها أدرجته للرد عليه، ضمن كتيب تعريفيّ بعنوان «فهم المحكمة الجنائية الدولية»، نشرته بعدة لغات؛ منها العربية عام 2020. وعبْره سعت إلى نفي ذلك الاتهام، مؤكدة أنه «لولا الدعم الأفريقي، لَما اعتمد نظام روما الأساسي». وشرح الكتيب أن أفريقيا هي «المنطقة الأكثر تمثيلاً في عضوية المحكمة، وقد فُتحت غالبية تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية بناءً على طلب الحكومات الأفريقية، أو بعد التشاور معها»، كما أن مكتب المدَّعي العام للمحكمة يُجري تحقيقات أولية، بالإضافة إلى التحقيقات الرسمية، في عدد من البلدان عبر 4 قارات.

لكن هذا الدفاع لا ينفي أن من يقرأ سجل المحاكمات يلاحظ، دون جهد، الحضور الأفريقي الطاغي على لائحة المتهمين والمحاكمات، فأول حكم للمحكمة، في مارس 2012، كان ضد توماس لوبانغا، زعيم إحدى الميليشيات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وحُكم عليه بالسجن لمدة 14 سنة. وأشهر الشخصيات التي حاكمتها، رئيس كوت ديفوار السابق لوران غباغبو، الذي اتُّهم في عام 2011 بالقتل والاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي والاضطهاد. وشملت القضايا البارزة الأخرى اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد الرئيس الكيني أوهورو كينياتا، الذي أُدين في عام 2011، ثم أسقطت المحكمة التهم الموجهة إليه وإلى نائبه (الرئيس الحالي ويليام روتو) في ديسمبر 2014.

أيضاً من المطلوبين لدى المحكمة قادة حركة التمرد الأوغندية «جيش الرب للمقاومة»، وزعيمها جوزيف كوني المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما في ذلك اختطاف آلاف الأطفال. ولدى المحكمة مذكرة توقيف معلَّقة بحق الرئيس السوداني عمر البشير - هي الأولى التي صدرت ضد رئيس دولة كان لا يزال في منصبه - ويواجه البشير 3 تهم بالإبادة الجماعية، وتهمتين بارتكاب جرائم حرب، و5 تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وثمة كذلك 9 تحقيقات للمحكمة الجنائية الدولية تخص عدة دول أفريقية هي أوغندا، وأفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو، وساحل العاج، والسودان، ومالي، وكينيا، وليبيا، وهو ما يكفل لأفريقيا المرتبة الأولى عددياً على لائحة تحقيقات المحكمة حتى الآن.

هذه الانتقادات للمحكمة يراها الدكتور أيمن سلامة، الخبير المصري بالقانون الدولي «في غير محلها»، لافتاً إلى أن معظم القضايا التي نظرتها «المحكمة الجنائية الدولية» كانت بطلب أو بتنسيق مع الدول الأفريقية. وأضاف سلامة، لـ«الشرق الأوسط»، أن عدداً من الدول الأفريقية «قد يواجه صعوبات في الوفاء بمتطلبات محاكمات في قضايا خطيرة كجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، التي تتطلب مستوى مرتفعاً من التقصي وتحقيق الأدلة، وهو ما قد لا يتوافر لدى عدد من الدول الأفريقية»... لذا تلجأ إلى الاستعانة بـ«المحكمة الجنائية»، خصوصاً أن نصف عدد دول القارة تقريباً أعضاء بالمحكمة. وتابع أن ثمة أسباباً أخرى ربما تعطي الانطباع بتركيز المحكمة على القارة الأفريقية، منها أن القارة بالفعل تشهد أكبر عدد من النزاعات المسلَّحة والحروب الأهلية التي تكون ميداناً لجرائم تدخل في اختصاص المحكمة. واختتم سلامة بالقول إن المحكمة تًباشر حالياً تحقيقات في دول خارج أفريقيا، منها جورجيا، وأفريقيا، وأفغانستان، وكذلك فتحت تحقيقاً أولياً يتعلق بجرائم حرب في غزة، «لكن هذه النوعية من التحقيقات تحتاج إلى وقت، وتصطدم كذلك بعقبات تتعلق بتوافر الأدلة وإثباتها وتوفير الشهود، وغير ذلك من متطلبات المحاكمة العادلة».

3 مدّعين لـ«الجنائية الدولية» على مدى عقدين

لويس مورينو أوكامبو (غيتي)

فاتو بنسودة (أ.ف.ب)

*يخضع اختيار القضاة والمدّعين العامّين لـ«المحكمة الجنائية الدولية»، لنظام دقيق، إذ يحق لكل بلد من البلدان الموقِّعة على بروتوكول المحكمة تقديم مرشح واحد لانتخابه قاضياً، وتنتخب جمعية الدول الأطراف القضاة على أساس كفاءاتهم في مجال القانون الجنائي، والقانون الدولي، وحقوق الإنسان. ويراعي انتخاب القضاة ضرورة تمثيل النظم القانونية الرئيسة في العالم، والتمثيل العادل للرجال والنساء، وكذلك التوزيع الجغرافي العادل. ومنذ تأسيس المحكمة عام 2002، شغل 3 شخصيات من قارات مختلفة منصب المدعي العام للمحكمة، مدة ولاية كل منهم 9 سنوات، هم:

 لويس مورينو أوكامبو

أرجنتيني الجنسية، شغل منصب المدعي العام لـ«المحكمة الجنائية الدولية»، في عام 2003 باقتراح أكثر من 70 دولة، ونُصّب يوم 16 يونيو 2003. حقق شهرته في مجال المحاكمات الجنائية عبر مشاركته نائباً للمحقق الرئيس في قضية من سمّاهم «الطغمة العسكرية في الأرجنتين» فترات الحكومات العسكرية من 1976 إلى 1980، خصوصاً من كانوا في مواقع المسؤولية إبّان أزمة جزر الفوكلاند مع بريطانيا. ثم استدعته حكومة تشيلي لمحاكمة قادة مخابراتها الذين اتُّهموا بارتكاب عمليات تعذيب بحق الآلاف من المدنيين، وأسهمت تحقيقاته في إدانتهم.

وفي عام 2008 اتهم أوكامبو، الرئيس السوداني عمر البشير بتدبير حملة لارتكاب أعمال قتل جماعي في دارفور أدت إلى مقتل 35 ألف شخص، واستخدام الاغتصاب سلاحاً في الحرب، وأصدر بحقِّه مذكرة توقيف.

 فاتو بنسودة

وُلدت وعاشت في غامبيا، ودرست القانون في لاغوس بنيجيريا، وواصلت دراستها لتصبح أول متخصصة في القانون الدولي ببلادها. شغلت منصب نائب المدعي العام للمحكمة منذ عام 2004، وفي ديسمبر 2011 اختيرت لمنصب المدعي العام.

من أبرز إنجازاتها طلبها الرأي القانوني للمحكمة حول اختصاصها في الأراضي التي تحتلها إسرائيل، بعد إعلانها، في ديسمبر 2020، رغبتها في فتح تحقيق كامل ضدها. وفي مطلع 2021، أعلنت «المحكمة الجنائية الدولية» أن الأراضي الفلسطينية تقع ضمن اختصاصها القضائي، مما يمهّد لفتح تحقيقات بشأن ارتكاب جرائم حرب محتملة فيها. ودعت بنسودة إلى تحقيق كامل عقب 5 سنوات من التحقيق الأولي منذ حرب 2014 في غزة، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عقوبات عليها في سبتمبر 2020، بعد فشل حظر التأشيرات السابق على بنسودة ومسؤولين آخرين في منع تحقيق المحكمة في جرائم حرب ضد عسكريين أميركيين في أفغانستان.

 كريم أحمد خان

محامٍ بريطاني شارك، على امتداد مسيرته القضائية، في معظم محاكمات «الجنائية الدولية»، إلى جانب محاكمات محلية، في مواقع تباينت بين ممثل للادعاء، وممثل للدفاع، ومستشار قانوني للضحايا. وبين القضايا التي نظرها في «المحكمة الجنائية الدولية» محاكمات دولية في يوغوسلافيا السابقة، وسيراليون، ورواندا، والدوائر الاستثنائية في المحاكم الكمبودية، والمحكمة الخاصة بلبنان. وأيضاً، مثّل الدفاع عن عدد من المسؤولين المتهمين أمام «الجنائية الدولية»، منهم ويليام روتو رئيس كينيا الحالي، وعبد الله باندا، وبهار إدريس أبو غردا، وصالح محمد جربو جاموس (قضية دارفور)، كما كان محاميَ سيف الإسلام القذافي (قضية ليبيا)، وجان بيير بيمبا غومبو (قضية أفريقيا الوسطى)، وتولَّى رئاسة فريق التحقيق، التابع للأمم المتحدة، الخاص بجرائم «داعش» في العراق.


مقالات ذات صلة

إيداع برلماني السجن بسبب تدوينات ساخرة ضد الرئيس التونسي

شمال افريقيا من جلسة سابقة للبرلمان التونسي (رويترز)

إيداع برلماني السجن بسبب تدوينات ساخرة ضد الرئيس التونسي

أودعت السلطات القضائية التونسية النائب في البرلمان التونسي، أحمد السعيداني، السجن بعد إيقافه أول من أمس الأربعاء، والتحقيق معه بتهمة «الإساءة للغير».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا لقطة مرسومة من محاكمة ماريوس بورج هويبي (أ.ف.ب)

نجل ولية عهد النرويج يدلي بإفادته في محاكمته بتهم اغتصاب

جرت، اليوم الأربعاء، جلسة اليوم الثاني من إجراءات محاكمة ماريوس بورج هويبي، الابن الأكبر لولية العهد النرويجية ميته ماريت، حيث شهدت الجلسة إفادة من امرأة يتردد…

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

حكم بالسجن مدى الحياة على رجل مدان بمحاولة اغتيال ترمب في فلوريدا

قضت محكمة في فلوريدا اليوم الأربعاء بالسجن مدى الحياة على رايان روث المتهم بالاختباء في أحراش قرب ملعب غولف ​في فلوريدا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا محكمة كوبنهاغن حيث حُكم على الشابين السويديين بالسجن (أ.ف.ب)

السجن لسويديَّين أدينا بالهجوم على سفارة إسرائيل بالدنمارك

حُكم على شابين سويديين بالسجن الثلاثاء لإلقائهما قنبلتين يدويتين على السفارة الإسرائيلية في الدنمارك قبل أكثر من عام.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.