ما حجم تأثر مصر من الملء الرابع لـ«السد الإثيوبي»؟

توقعات بأن تفقد القاهرة ما يقرب من ربع حصتها المائية

سد النهضة (رويترز)
سد النهضة (رويترز)
TT

ما حجم تأثر مصر من الملء الرابع لـ«السد الإثيوبي»؟

سد النهضة (رويترز)
سد النهضة (رويترز)

رغم تعهد إثيوبيا بـ«عدم الإضرار» بدولتي مصب نهر النيل (مصر والسودان)، فإن استمرارها في ملء خزان «سد النهضة» للعام الرابع على التوالي، من دون اتفاق يُنظم عمليتَي الملء والتشغيل، سيؤدي، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إلى «تعاظم التأثيرات السلبية»، والتي قد تصل إلى خصم يقترب من ربع حصتها (مصر) المائية السنوية، مؤكدين تباين التقديرات بسبب «عدم الشفافية وغياب المعلومات الإثيوبية»، حول الفيضان، ومقدار الملء ونظام التشغيل، وهي بيانات يفترض أن تتشارك فيها الدول الثلاثة المعنية كافة.

ومنتصف يوليو (تموز) الماضي، بدأت أديس أبابا التخزين الرابع للسد الكهرومائي العملاق، الذي تبنيه منذ عام 2011. ووفق تصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في البرلمان، فإن «التعبئة الرابعة لسد النهضة ستمتد حتى سبتمبر (أيلول) المقبل؛ كي لا يتم إلحاق الضرر بدولتي المصب».

وأنجزت إثيوبيا ثلاث مراحل من عملية ملء السد، خلال موسم الفيضان في أعوام 2020 و2021 و2023. وطبقاً لارتفاع الممر الأوسط من السد، فإن كمية التخزين الرابع يتوقع أن تكون ما بين 20 و24 مليار م3.

ويقول الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية المصري الأسبق، لـ«الشرق الأوسط»: إن «مقدار ما تنجح إثيوبيا في تعبئته هو مقدار الخصم من حصة مصر المائية، خاصة وأن السودان سيحصل على نصيبه بطبيعة الحال كاملاً مع مرور المياه على أراضيه».

وتقدر حصة مصر بـ55.5 مليار متر مكعب سنوياً، تعتمد عليها بأكثر من 97 في المائة في تلبية احتياجاتها المائية. ورغم أن جزءاً من المياه الإثيوبية المحتجزة سيعود للسريان في نهر النيل مع تشغيل توربينات الكهرباء، فإن «غياب الشفافية والتنسيق بشأن المعلومات الأساسية حول مقدار الفيضان، والمياه المحتجزة، ومواعيد التشغيل بين الدول الثلاث المعنية، كلها أمور تؤدي إلى تعاظم التأثيرات السلبية على دولتي المصب»، بحسب علام، الذي شدد على ضرورة «وجود بيانات إثيوبية واضحة» في هذا الشأن، بموجب القانون الدولي وقواعد الأنهار المشتركة.

وتطالب مصر والسودان بتوقيع اتفاق قانوني مُلزم ينظم عمليتَي ملء وتشغيل السد، الذي يجري تدشينه على النيل الأزرق (الرافد الرئيسي لنهر النيل)، ويهدد بتقليص إمدادات المياه إلى البلدين، فضلاً عن التسبب في أضرار بيئية واقتصادية أخرى. في حين تدفع إثيوبيا بـ«حقها في التنمية، وتوليد الكهرباء التي يحتاج إليها شعبها».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال آبي أحمد في القاهرة يوليو الماضي (الرئاسة المصرية)

ومرّ أكثر من شهر، منذ إعلان مصر وإثيوبيا (منتصف يوليو الماضي) عزمهما «الشروع في مفاوضات عاجلة لتوقيع اتفاق نهائي خلال أربعة أشهر». إلا أنه لم يعلن رسمياً عن اتخاذ أي إجراء أو استئناف المفاوضات بشكل فعلي. وترى مصر أن عملية ملء سد النهضة كان يجب أن تتم في مرحلة الفيضانات المرتفعة.

يقول الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية: «من حسن الحظ تعثرت إثيوبيا في خطوات إنشاء السد، وبالتالي لم تحقق الكميات المستهدفة في عملية الملء، بالإضافة إلى ارتفاع الفيضان في السنوات السابقة، والإجراءات التي اتخذتها الدولة (مصر) كانت أسباب تجاوزنا ملء السد خلال السنوات الماضية في عمليات الملء الثلاث السابقة عبر المشروعات والتخطيط».

ووفق تصريحات إعلامية سابقة للوزير سويلم، فإنه «لا أحد يضمن مرور الملئين الرابع والخامس لسد النهضة بسلام كما حدث في السابق، وتوقع «تخزين إثيوبيا جزءاً من الـ25 مليار متر مكعب من المياه بنهاية العام المائي وليس الكمية كلها»، موضحاً أن «ما نراه على الأرض خلال يونيو (حزيران) ويوليو الماضيين يشير إلى أن الفيضان هذا العام متوسط، أو أعلى من المتوسط... ولا أحد يستطيع أن يجزم بما سيحدث في سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول)» المقبلين.

بدوره، قدر الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن تفقد مصر نحو 12 مليار متر مكعب من مياه النيل هذا العام، وهو ما يقترب من ربع حصتها المائية. لكنه أشار في تدوينات على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»، إلى أن «هذا لن يتأكد إلا بنهاية العام المائي».

وأوضح الخبير المائي المعني بالقضية، أن السد العالي (جنوب مصر)، «يستطيع تعويض هذا الفارق من المياه» بشكل مؤقت، لافتاً إلى أن مخزون السد العالي «سينخفض خلال الأشهر المقبلة بمقدار يعادل كمية التخزين الرابع، إلا أنه سوف يستقبل خلال العام المائي 2023 - 2024 نحو 50 في المائة على الأقل من هذا التخزين (نحو 10 - 15 مليار م3) من خلال فتحتي التصريف، ومن تشغيل أي توربينات».

وبحسب بيانات الخبير المصري، فإن منسوب بحيرة سد النهضة وصل قبل يومين إلى 616 متراً فوق سطح البحر، بعد تخزين نحو 14 مليار م3 كتخزين رابع، ليصبح إجمالي التخزين نحو 31 مليار م3. ووفق الهيئة الحكومية الإثيوبية المسؤولة عن المشروع، فقد اكتملت 90 في المائة من عمليات البناء.

من جهتها، رصدت الدكتورة نجلاء مرعي، الخبيرة المصرية في الشؤون الأفريقية، بعض الأضرار المتوقعة على مصر جراء السد الإثيوبي، وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «بحيرة السد العملاقة ستخزن عند انتهائها 74 مليار م3 من المياه؛ ما سيؤدي إلى نقص في حصة مصر بنسبة 9 إلى 12 مليار م3 في العام، فضلاً عن انخفاض توليد الكهرباء من السد العالي، بنسب تتراوح ما بين 20 في المائة و30 في المائة، أي بمقدار 600 ميغاواط تزداد إلى 1200 ميغاواط مع التغيرات المناخية، وتعميق الفجوة الغذائية إلى 75 في المائة، حيث تبلغ حالياً نحو 55 في المائة من إجمالي احتياجاتنا من الغذاء».

وفي غياب اتفاق ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، فإن المشروع، بحسب مرعي «قد يؤدي إلى عجز متراكم للمياه بمصر يبلغ نحو 120 مليار م3؛ مما سيساهم بدوره في تقليل سبل الحصول على مياه الشرب النظيفة، ويحرم ملايين العاملين في قطاع الزراعة من المياه اللازمة لري أراضيهم، ويدمر آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية».

وعقدت آخر جلسة مفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان في العاصمة الكونغولية كينشاسا في أبريل (نيسان) 2021، برعاية الاتحاد الأفريقي، وأعلنت عقبها الدول الثلاث فشلها في التوصل إلى اتفاق.


مقالات ذات صلة

مقتل شخص وإصابة آخر في قصف بمسيرات في منطقة تيغراي بإثيوبيا

أفريقيا يسير السكان المحليون في أحد الشوارع وسط تزايد المخاوف من احتمال تجدد القتال بين القوات الفيدرالية والإقليمية في ميكيلي بمنطقة تيغراي شمال إثيوبيا (أ.ب)

مقتل شخص وإصابة آخر في قصف بمسيرات في منطقة تيغراي بإثيوبيا

قال مسؤول كبير من إقليم تيغراي وموظف إغاثة إن شخصاً واحداً قُتل، وأصيب آخر في هجمات بطائرات مسيرة على منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا، السبت.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا اجتماع وزاري لبحث الميزان المائي في مصر (وزارة الري المصرية)

«ميزان مصر المائي» يُظهر فجوة تتجاوز 23 مليار متر مكعب

أظهر تحديث لـ«ميزان مصر المائي» وجود فجوة بين الموارد والاحتياجات تتجاوز 23 مليار متر مكعب سنوياً، حسب وزارة الري والموارد المائية.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يوم الأحد (الخارجية المصرية)

«سد النهضة»: محادثات مصرية - أميركية بالقاهرة بعد عرض ترمب الوساطة

ثمنت وزارة الخارجية المصرية الدور الأميركي الساعي إلى حل نزاع «سد النهضة» الإثيوبي المقام على الرافد الرئيسي لنهر النيل.

هشام المياني (القاهرة)
تحليل إخباري لقاء بين ترمب والسيسي على هامش منتدى دافوس (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري هواجس مصرية من حديث ترمب المتكرر عن «سد النهضة» ودعمه للقاهرة

فيما تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، للمرة السابعة في أقل من عام عن «سد النهضة» الإثيوبي، ورغبته في حل الأزمة مع مصر، أُثيرت هواجس عند مصريين من هذا التكرار.

هشام المياني (القاهرة)
تحليل إخباري محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري «سد النهضة»: ما سيناريوهات الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا؟

يطرح إعلان الرئيس دونالد ترمب تدخله لإنهاء الخلاف القائم بشأن «سد النهضة» الإثيوبي مع دولتي المصب مصر والسودان تساؤلات حول السيناريوهات المقبلة في الملف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

الجزائر تعزز شراكتها مع إيطاليا في ظل علاقة متوترة مع فرنسا

الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الإيطالية خلال زيارتها السابقة للجزائر  (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الإيطالية خلال زيارتها السابقة للجزائر (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر تعزز شراكتها مع إيطاليا في ظل علاقة متوترة مع فرنسا

الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الإيطالية خلال زيارتها السابقة للجزائر  (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الإيطالية خلال زيارتها السابقة للجزائر (الرئاسة الجزائرية)

تعكس الزيارة المقررة لرئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، إلى الجزائر، خلال الأسابيع المقبلة، استمرار المسار الإيجابي الذي تشهده العلاقات الجزائرية - الإيطالية على مدى السنوات الأخيرة. وفي المقابل، يشهد التعاون الجزائري - الفرنسي فتوراً ملحوظاً في الفترات الأخيرة، نتيجة تباينات سياسية ودبلوماسية مستمرة؛ ما يعكس توجُّه الجزائر نحو تعزيز شراكاتها مع أطراف أوروبية تعتمد مقاربة قائمة على المصالح المتبادلة والتعاون العملي، وفق مراقبين.

الرئيس الجزائري مع رئيسة الوزراء الإيطالية في عام 2023 (الرئاسة الجزائرية)

أفادت الرئاسة الجزائرية، أمس (الثلاثاء)، في بيان، بأن الرئيس عبد المجيد تبون، تحادث هاتفياً في اليوم ذاته مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي تعتزم القيام بزيارة إلى الجزائر بعد شهر رمضان.

وفي مؤشر على «متانة العلاقات الحالية بين البلدين»، وفق البيان ذاته، ستقوم ميلوني بزيارة جديدة إلى الجزائر بعد الزيارة الأولى مطلع 2023.

وجاء في بيان الرئاسة أن تبون وميلوني «بحثا التعاون الثنائي بين الجزائر وإيطاليا، البلد الصديق، إضافة إلى القمة الأوروبية - الأفريقية المقبلة»، المقررة نهاية العام الحالي، مشيراً إلى أن الزيارة المنتظرة للمسؤولة الإيطالية «ستشهد إطلاق الغرفة التجارية الجزائرية - الإيطالية، التي اقترحتها السيدة جورجيا ميلوني».

من لقاء سابق بين وزيري خارجية الجزائر وإيطاليا (الخارجية الجزائرية)

يُذكر أن ميلوني زارت الجزائر في يناير (كانون الثاني) 2023 على رأس وفد حكومي مهم، في أول تنقل لها خارج إيطاليا منذ توليها منصب رئاسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) 2022. وقد أثمرت الزيارة تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين الجزائر وإيطاليا؛ حيث تم التأكيد على الإرادة المشتركة لتطوير التعاون الثنائي على مختلف المستويات.

تعزيز مكانة الجزائر كمورد أساسي للغاز إلى إيطاليا

خلال هذه الزيارة، تم توقيع عدد من مذكرات التفاهم بين الجانبين، أبرزها في قطاع الطاقة، شملت التعاون بين شركة «سوناطراك» الجزائرية وعملاق الطاقة الإيطالي «إيني»، في مجالات الإمداد بالطاقة والانتقال الطاقوي، وتقنيات تقليل الانبعاثات. وقد عززت هذه الاتفاقات دور الجزائر بوصفها مورداً أساسياً للغاز الطبيعي لإيطاليا عبر خط أنابيب «ترانسميد»، الذي يمتد إلى سلوفينيا، بما يدعم أمن الطاقة الأوروبي ويعكس التوجه نحو شراكة عملية ومستدامة، في ظل التحولات الجيوسياسية التي فرضتها الحرب في أوكرانيا.

الرئيس الجزائري مع رئيسة وزراء إيطاليا في روما في مايو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

إضافة إلى ذلك، شملت الاتفاقات مجالات تعاون اقتصادية وتجارية أوسع، تهدف إلى توسيع وجود الشركات الإيطالية في الجزائر، واستكشاف فرص جديدة للشراكات، في ظل تزايد الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري ومكونات السوق المحلية.

ويرى مراقبون في زيارة ميلوني الثانية محطة مهمة في مسار العلاقات الجزائرية - الإيطالية؛ حيث يُنتظر أن تسهم، بحسبهم، في تعزيز الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية، وتأكيد المكانة المتميزة للجزائر بوصفها شريكاً موثوقاً لإيطاليا في المنطقة.

وفي السنوات الأخيرة الماضية، عزَّز العملاق الطاقوي «إيني» وجوده في قطاع المحروقات بالجزائر، فيما شرعت مجموعة «بي إف» الإيطالية، المتخصصة في القطاع الزراعي والصناعات الغذائية، في تنفيذ مشروع واسع لإنتاج القمح والبقوليات في تيميمون جنوب البلاد. كما يتم منذ نهاية 2023 تركيب سيارات علامة «فيات» في طفراوي قرب وهران.

الرئيسان الجزائري والايطالي (الرئاسة الجزائرية)

ورغم الجذور التاريخية المتينة التي تربط الجزائر وروما، فإن التنسيق الحالي بين الرئيس تبون وميلوني أعطى دفعة قوية لهذه العلاقات، جاعلاً منها نقطة ارتكاز أساسية في حوض المتوسط، تتسم بالانسجام في المواقف والواقعية في المصالح.

وفي مايو من العام ذاته (2023)، زار تبون إيطاليا بدعوة من نظيره الرئيس سيريجيو ماتاريلا، وأجرى زيارة ثانية عام 2025؛ حيث تم إطلاق أشكال تعاون جديدة من خلال التوقيع على بروتوكولات لبناء السفن، شملت الجوانب التجارية والهيكلية العسكرية.

* تراجع الاستثمار الفرنسي

على عكس إيطاليا، التي اعتمدت الجزائر معها مقاربة «رابح - رابح» في مجالات الطاقة والصناعة، غالباً ما تواجه الاستثمارات الفرنسية في الجزائر ضغوطاً سياسية تجعلها عرضة للتراجع مع أي توتر في العلاقات الدبلوماسية، وهذا ما حدث منذ صيف 2024، حينما تفجر ما بات يُعرف بـ«أزمة اعتراف باريس بمغربية الصحراء»؛ حيث دخلت علاقة فرنسا مع الجزائر مرحلة مظلمة تداخلت فيها مشكلات التاريخ والاستعمار مع قضايا الهجرة النظامية والسرية.

وفي تأكيد على أن علاقات الجزائر مع فرنسا تختلف عن علاقاتها مع باقي الشركاء الأوروبيين في حوض المتوسط، صرّحت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، الوزيرة الفرنسية السابقة سيغولين روايال، بنبرة استغراب في سياق دورها كوسيط بين البلدين خلال زيارتها للجزائر، الأسبوع الماضي، بأن «جميع الدول تتفاهم مع الجزائر: إيطاليا، وإسبانيا، وألمانيا (...) إلا فرنسا، رغم أننا نملك التاريخ المشترك الأكثر إيلاماً، لكنه أيضاً الأعمق حضوراً في وجدان شعبينا».

الرئيس الجزائري مستقبلاً السياسية الاشتراكية الفرنسية سيغولين روايال (الرئاسة الجزائرية)

وبرأيها، فإن البلدين «يجمعهما تاريخ مؤلم، ولا سيما العواقب المأسوية للاستعمار التي لم يعترف بها أبداً». وحثت الوزير الفرنسي لوران نوييز على «التخلي» عن شروطه المتعلقة بالزيارة المقررة للجزائر منذ نهاية 2025، التي تتعلق باستعادة العشرات من المهاجرين الجزائريين، الذين صدرت بحقهم أوامر إدارية بالطرد من فرنسا، وهو ملف شكَّل «أزمة داخل أزمة»، في سياق التصعيد الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال الأشهر الأخيرة.


اغتيال سيف الإسلام القذافي يجدد الجدل عن الانتخابات الرئاسية الليبية

TT

اغتيال سيف الإسلام القذافي يجدد الجدل عن الانتخابات الرئاسية الليبية

سيف الإسلام القذافي خلال تقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية في سبها جنوب ليبيا عام 2021 (مفوضية الانتخابات)
سيف الإسلام القذافي خلال تقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية في سبها جنوب ليبيا عام 2021 (مفوضية الانتخابات)

جدد اغتيال سيف الإسلام، نجل الرئيس الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، مساء الثلاثاء في الزنتان (غرب)، النقاش حول الانتخابات الرئاسية المؤجلة والمتعثرة منذ سنوات، وقد كان تقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية التي ألغيت قبل انطلاقها عام 2021 أحد أبرز محاور الخلاف، إذ اعتبر البعض ظهوره المفاجئ حينها أبرز عوامل هذا الإلغاء.

وتحت تأثير الصدمة التي عاشتها ليبيا عقب الإعلان عن نبأ مقتله، لا يزال الجدل مستمراً حول دوره السياسي، علماً بأن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي وصفه بـ«المرشح الرئاسي»، واعتبر الواقعة اغتيالاً، في بيان صادر الأربعاء.

رئيس المجلس الرئاسي وصف سيف الإسلام بـ«المرشح الرئاسي» واعتبر الواقعة اغتيالاً (إ.ب.أ)

وعكست صفحات ليبية على منصات التواصل الاجتماعي انقساماً عميقاً في رؤية النخب الليبية لمسار الانتخابات الرئاسية تحديداً؛ بين مَن يرى أن الشخصيات الجدلية، مثل سيف الإسلام، تشكل عقبات إجرائية يمكن لإزالتها تخفيف حدة الخلافات، ومَن يعتبر أن الأزمة الليبية جوهرية وبنيوية، ولا تتأثر بشكل جذري بغياب أو حضور أي فرد.

وكان هذا الجدل واضحاً من خلال رأي مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة سابقاً إبراهيم الدباشي، الذي رأى أن مقتل نجل القذافي قد «يقلل العوائق أمام الانتخابات الرئاسية»، بينما وصف الباحث في «المجلس الأطلسي» عماد الدين بادي، غيابه بأنه سيؤدي إلى «تغيير الديناميكيات الانتخابية من خلال إزالة عقبة رئيسية».

* مخاوف وشكوك

في المعسكر السياسي الآخر، شكك الكاتب المقرب من النظام السابق مصطفى الفيتوري في الاعتقاد بأن هذا «الاغتيال سيعيد طريق الديمقراطية ويمهّد الطريق للانتخابات الرئاسية»، مستنداً إلى ما شهدته ليبيا من عدم استقرار بعد سقوط والده العقيد معمر القذافي في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011. وهي نفس وجهة نظر الإعلامي خليل الحاسي، الذي أعرب عن تخوفه من «فتح فصل جديد في الحرب الأهلية» في البلاد.

اغتيال سيف الإسلام القذافي يجدد الجدل عن الانتخابات الرئاسية الليبية (مفوضية الانتخابات)

وكان سيف الإسلام قد تقدّم بأوراق ترشحه رسمياً إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في مدينة سبها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، قبل أن تعلن المفوضية لاحقاً حالة «القوة القاهرة»، وتعليق العملية الانتخابية.

ووقتها ذهب مراقبون إلى اعتبار أن ترشحه كان عائقاً أمام إتمام هذا الاستحقاق، وذلك بالنظر إلى تحفظات محلية ودولية عليه وعلى نظام والده، في بلد يعاني من انقسام حكومي بين حكومتين في الشرق والغرب، وتضارب المصالح الدولية.

سيف الإسلام القذافي محاطاً بعدد من مؤيديه ومؤيدي نظام والده في طرابلس في أغسطس 2011 (أ.ف.ب)

غير أن الباحث المتخصص في الشأن الليبي والمشارك في «المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة» جلال حرشاوي يرى أن اسم سيف الإسلام استُخدم خلال السنوات الماضية كإحدى أبرز ذرائع تعطيل المسار الانتخابي، تحت لافتة «القوة القاهرة»، سواء بسبب ترشحه أو بفعل الخلافات المحلية والدولية حول أهليته القانونية والسياسيةً.

واعتبر حرشاوي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب نجل القذافي قد يجعل النقاش حول الانتخابات «أقل حساسية وخطورة» مما كان عليه سابقاً، «دون أن يعني ذلك بالضرورة اقتراب موعد تنظيمها فعلياً».

من جهته، يرى المحلل السياسي عبد الحكيم فنوش أن «تغييب أي شخصية، مهما كان حضورها الرمزي، لا يؤدي تلقائياً إلى تغيير حقيقي»، مبرزاً أن القوى الفاعلة والميليشيات والإرادات الخارجية «تواصل التحكم في المشهد بمعزل عن الأفراد».

ويقر فنوش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأن ترشح سيف الإسلام أربك المشهد الانتخابي قبل سنوات، لكنه أوضح أن هذا الارتباك «لم يكن مرتبطاً بسيف الإسلام وحده»، مشيراً إلى أن أطرافاً عدة أسهمت في تعطيل الانتخابات، من بينها حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وميليشيات في المنطقة الغربية، إلى جانب مجموعات مؤدلجة وتدخلات خارجية. ويستنتج أن «الانتخابات لم يتم التوافق عليها من قبل الأطراف الأخرى المتحكمة في المشهد، ولا أرى أن الإرادة الخارجية تتجه في هذا الاتجاه في الفترة القريبة المقبلة».

* «نهاية حقبة القذافي»

رغم أن سيف الإسلام (53 عاماً)، الذي كان يقيم بمعزل في الزنتان، لم ينخرط في المشهد العام بشكل عملي، فإنه اعتُبر في مرحلة ما رقماً صعباً في المعادلة السياسية الليبية بعد سقوط حكم والده، الذي استمر أكثر من أربعة عقود، خاصة في ظل الأوضاع السياسية والأمنية المتردية في البلاد.

صورة أرشيفية لسيف الإسلام مع والده معمر القذافي التقطت في 3 سبتمبر من عام 1989 (أ.ف.ب)

وتجدر الإشارة إلى أنه أُفرج عن سيف الإسلام عام 2017 بموجب عفو عام صادر عن مجلس النواب، بعد أن كان محكوماً عليه بالإعدام قبل هذا العفو بعامين.

ومن منظور بعض السياسيين الليبيين، فإن ترشح سيف الإسلام القذافي ومستقبل العملية السياسية بعد غيابه ينطويان على أبعاد دولية واضحة، برزت في مناكفات بإحدى جلسات مجلس الأمن الدولي قبل أقل من عامين، حين طالب المندوب الأميركي بتقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية «لتحقيق العدالة»، مقابل دفاع روسي اعتبر أن ملاحقته سبقت صدور العفو عنه من مجلس النواب.

وتشير عضو المؤتمر الوطني العام الليبي السابق نادية الراشد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن سيف الإسلام وتياره كانا يحظيان بقدر من القبول الروسي ضمن حسابات النفوذ في ليبياً، وهو ما لم يكن متوفراً لدى الولايات المتحدة.

صورة لسيف الإسلام تعود إلى فبراير 2008 خلال حضوره مهرجاناً سينمائياً في برلين (د.ب.أ)

وتذهب نادية الراشد إلى الاعتقاد بأن «مقتل سيف الإسلام يعني عملياً نهاية الحقبة السياسية المرتبطة بعائلة القذافي»، لكنها تشدّد أيضاً على أن «إجراء الانتخابات يظل مستحيلاً في المدى المنظور، سواء بوجوده أو غيابه، في ظل استمرار الانقسام السياسي، وتحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الدولية».


اغتيال سيف الإسلام القذافي بأيدي مسلحين في الزنتان

سيف الاسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)
سيف الاسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)
TT

اغتيال سيف الإسلام القذافي بأيدي مسلحين في الزنتان

سيف الاسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)
سيف الاسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)

تعرَّض سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، للاغتيال في منطقة الزنتان، جنوب العاصمة طرابلس، أمس (الثلاثاء)، على أيدي مسلحين لم تُحدَّد هوياتهم على الفور.

وذكرت مواقع إعلامية ليبية، أن سيف الإسلام قُتل خلال اشتباك مع قوة مسلحة تتبع «اللواء 444 - قتال» قرب منطقة الحمادة القريبة من الزنتان، إلا أنَّ الناطق باسم اللواء المذكور نفى المسؤولية عن الحادث.

وقال «اللواء 444 - قتال»، في بيان، إنه لا توجد له أي قوة عسكرية أو انتشار ميداني داخل مدينة الزنتان أو في نطاقها الجغرافي، كما أنه لم تصدر إلى اللواء أي تعليمات أو أوامر تتعلق بملاحقة سيف الإسلام القذافي.

وأوضح البيان أن «هذا الأمر ليس ضمن لائحة مهامنا العسكرية أو الأمنية»، وأنه «غير معني بما جرى في الزنتان، ولا تربطه أي صلة مباشرة أو غير مباشرة بالاشتباكات التي تحدث هناك».