هشام شرابي... النقد داخل النقد

قضية تحرير المجتمع العربي تتمركز في أبحاثه حول المرأة

هشام شرابي
هشام شرابي
TT

هشام شرابي... النقد داخل النقد

هشام شرابي
هشام شرابي

هل هناك حركة فكرية فلسفية في عالمنا العربي؟ ما الأفكار الفلسفية «الأصيلة»، التي طرحها كبار مفكرينا في القرن العشرين؟ وهل يمكن أن نبني عليها ونطورها اليوم؟ ذلك أن الأفكار الفلسفية ليست مجموعة من الآراء التي مضت وانقضت، وإنما الفلسفة هي العلم الموضوعي بالحقيقة، وما يميز الأفكار الفلسفية عن غيرها، حيويتها وقابليتها للتجدد، حيث تظل مفتوحة على النقد والمراجعة والتطوير، مما يثري مضمونها ويخصبه على الدوام.

ربما كان هشام شرابي (1927– 2005) من أهم المفكرين الجذريين الذين تركوا إرثاً فلسفياً غنياً لا يزال بكراً في كثير من جوانبه، ومن القلائل الذين برهنوا على: كيف استوعب الفكر والمفكر العربي مكاسب العقل الحديث من عقلانية وموضوعية وفعالية، في النصف الثاني من القرن العشرين، دون أن يسقط في شباك الخلط بين المناهج الحديثة وآيديولوجيا الغرب، وإنما طرَح أفكاراً مبدعة وأصيلة يمكن البناء عليها والسير بها قدماً نحو المستقبل.

كانت المهمة التي اضطلع بها شرابي وجيله هي الأصعب، حيث تعرض لصدمات وتحديات لم يعرفها رواد النهضة العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر. عاصر في شبابه انسحاب الاستعمار من العالم العربي وارتفاع شعار وشعور زائف بالتحرر والاستقلال ثم هزيمة 1967 وآثارها الكارثية، وكيف استعادت قوة الموروث سيطرتها على العقل العربي من جديد، فيما عانيناه من مختلف أشكال الوصاية على العقل باسم الدين تارة والآيديولوجيا تارة أخرى، لذا قرر أن يتخذ مساراً مختلفاً عن الجيل السابق، ويغوص مباشراً في البنى العميقة للمجتمع العربي، خاصة البنية الأبوية أو البطركية للكشف عن أسباب التخلف، وكيفية تجاوزه على مستوى الفكر والفعل.

وأظهرت دراساته المتعددة، أن التحديث الناتج عن الاحتكاك بالحداثة الغربية أصاب القشرة الخارجية فقط في المجتمع العربي، لكنها إصابة مؤثرة شوهت هذا المجتمع حتى النخاع، بحيث لم يعد منتمياً إلى المجتمع الأبوي التقليدي، ولا بات مؤهلاً للدخول في عصر الحداثة وما بعدها، لذا فإن قراءة الراهن العربي - برأيه - يجب أن تتم في ضوء منظورين مختلفين ومتداخلين: التبعية للغرب والبنية الأبوية المستحدثة.

قاسم أمين

اللافت للنظر أن مفهومه عن «البنية الأبوية المستحدثة» يتجاوز أفكار ماكس فيبر، ومفهوم الاستبداد الشرقي من هيغل وحتى عصر الاستشراق، لأنه كمثقف عضوي - بلغة غرامشي - مهموم بقضايا مجتمعه من الداخل، ويبحث عن الحلول الناجعة للخروج من أزماته واللاحق بالعصر، قام بعملية نقد مزدوج للبنية الأبوية والتبعية للغرب معاً، وخلص إلى نتيجة مفادها: إذا كانت الحداثة لم تستطع أن تلغي البنية الأبوية التقليدية وإنما شوهتها لتصبح أكثر سلطوية، فإن الأنظمة الأبوية بدورها تفاعلت مع الحداثة وأنتجت نظاماً هجيناً، لتثبيت أركانها بشكل أقوى من ذي قبل، وهنا بالتحديد تكمن المعضلة، و«الحل» أيضاً حسب شرابي الذي مارس ببراعة تفكيك هذه الثنائية الميتافيزيقية الملتبسة الأبوية والتبعية بالتوازي والتقاطع عبر استراتيجية مزدوجة: نقدية ونضالية.

ونستطيع أن نعثر في مجمل مؤلفاته – بما في ذلك سيرته الذاتية «الجمر والرماد» - على الخطوط العامة لهذه الاستراتيجية المزدوجة، لا سيما كتبه الثلاثة: «البنية البطركية - بحث في المجتمع العربي المعاصر»، و«النقد الحضاري لواقع المجتمع العربي المعاصر»، و«النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي»، التي ضمنها رؤيته الفلسفية للخلاص من «التخلف» في المجتمع العربي، بالكشف عن جذور هذا الخلاص، وتحديد الوسائل والآليات الكفيلة بتحريره وتحديثه، ذلك أن التخلص من هيمنة السلطة الأبوية الذكورية التراتبية، والتبعية للغرب معاً، يمر أساساً عبر «تحرير المرأة»، الذي هو في العمق تحرير الرجل والمرأة معاً والمجتمع كله، وهذه الفكرة المحورية في تصوري لم تنل الاهتمام الكافي حتى كتابة هذه السطور.

لقد أحدث شرابي انقلاباً في النظر إلى المرأة بوجه عام - حتى داخل بعض المجتمعات المتقدمة - فضلاً عن البنية الأبوية العربية على وجه الخصوص، بوصفها ركيزة هذه السلطة الأبوية الذكورية في مختلف مظاهرها وتجلياتها، وأبرزها تأمين العلاقات الرأسية والقيم والتقاليد والأعراف داخل المجتمع. فمن ناحية نظر مفكرنا إلى «السلطة» بوصفها إكسير الحياة للبنية الأبوية، الذي يجعلها نابضة ومتجددة على الدوام، ومن ناحية أخرى رأى أن «المرأة» تشكل نقطة الضعف والقوة في آنٍ معاً، داخل هذه البنية، التي تملك بالقوة مقومات تفكيك «البنية الأبوية السلطوية» من الداخل، وخلخلة النظام القائم وهدم شرعيته إذا خرجت - بتعبير أرسطو - من حالة القوة إلى الفعل.

وعلى سبيل المثال، وجد شرابي أن لا وعي النظام الأبوي مسكون بالحضور – الغياب للمرأة، فهو لا ينظر إلى المرأة بوصفها في مرتبة أدنى وأقل وأضعف فقط، وإنما كتهديد قوي محتمل وبنفس القدر، لذا فإن الحداثة المنشودة مرهونة بتفكيك هذا «الوعي»، وإن شئنا الدقة: «بناء نوع جديد من الوعي».

وبزوغ هذا النوع الجديد من الوعي يتطلب إجراء عملية تغيير مزدوج: تغيير ذهنية المرأة حتى تصبح أقوى من المنظومة الثقافية السائدة في المجتمع الأبوي، بالتزامن مع تغيير وعي الرجل منذ التنشئة الأولى، بتصحيح المفاهيم التراتبية والفوقية الخاطئة، التي تجعله يرفض التنازل عن سلطته الذكورية وهيمنته على المرأة، باللجوء غالباً إلى التقاليد الثقافية والدينية لتبرير تفوقه.

فمع شرابي باتت قضية تحرير المجتمع العربي، تتمركز حول المرأة بوصفها الفارماكون الداء والدواء – حسب أفلاطون ودريدا – ومن دون تحرير المرأة لن يتحرر المجتمع. هذا التلازم والتداخل إلى حد التماهي، يشير إلى ما هو أبعد من ذلك، لأن تحرير المرأة - برأيه - هو الكفيل بمنع عودة هذه البنية الأبوية مجدداً في وجهيها: التقليدي والمستحدث، وحماية المجتمع المنطلق نحو «الحداثة» والمستقبل.

وتلك من ألمع الأفكار، خاصة وأنه وجد أن البنية الأبوية تمتلك ذاتياً القدرة على «الالتفاف» على الانقلابات حال وقوعها، واستيعاب «الثورات» الداخلية إذا نشبت، بل واجترار نفس السلطة والهيمنة – ويا للمفارقة – خلف قناع ثوري عصري! أي أنها قادرة على إنشاء العديد من «النسخ» دون تغيير جذري في جوهرها.

وقد يكون هذا ما جعل تناول شرابي لقضية تحرير المرأة يتجاوز ما طرحه السابقون عليه والمعاصرون له، من أفكار وتبصرات قيمة، من قاسم أمين والطاهر الحداد مروراً بالطاهر بن عاشور وابنه محمد الفاضل بن عاشور، وانتهاءً بنوال السعداوي وفاطمة المرنيسي، وما بينهم من جهود رائدة.

فقد رأى أن كلاً من الاتجاهين الإصلاحي والمحافظ لم يحققا «تحرير المرأة»، وإنما العكس كرَّسا – ربما بحسن نية - القيم السائدة في المجتمع الأبوي المستحدث، التي تنحاز إلى الرجل وتمنحه نفس الامتيازات والسلطة. أما سعداوي ومرنيسي فقد كانتا أكثر عقلانية ومنهجية ورغبة في الإطاحة بالهيمنة الأبوية الذكورية، من الاتجاهين السابقين، وفي إحداث تغيير اجتماعي جذري لوضعية المرأة، لكنهما برأيه لم تعرفا ميكانيزمات السلطة الأبوية والطبيعة السياسية اللازمة للحل.

وربما بسبب هذه الاستراتيجية النقد داخل النقد، ورؤيته الفلسفية العميقة، كان مشروع شرابي نحو مستقبل أفضل هو الأكثر إبداعاً وقابلية للتطوير عملياً، رغم المعوقات التي ما زالت تظهر على السطح، فقد تنبأ بأن تغيير النظام البطركي الحديث قادم لا محالة، فضلاً عن تحقق الحداثة والقيم الإنسانية العادلة في صميمه، عملاً بمقولة غرامشي: «إن تشاؤم العقل لا يقابله إلا تفاؤل الإرادة».


مقالات ذات صلة

هل توجد حياة في هوليوود؟

ثقافة وفنون لورين روثري

هل توجد حياة في هوليوود؟

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

إلكسندرا جاكوبس
ثقافة وفنون المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».