قراءة في أسباب انقلاب الرأي العام الأفريقي على فرنسا

رفضها الإقرار بالأخطاء وتبّنيها معاييرَ مزدوجة أساءا لصورتها

عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)
عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)
TT

قراءة في أسباب انقلاب الرأي العام الأفريقي على فرنسا

عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)
عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الغابوني علي بونغو (ا ف ب)

أخذ الخطاب المُعادي لفرنسا في الرأي العام الأفريقي أبعاداً كبيرة لم يسبق أن وصل إليها من قبل. وبعدما كانت الانتقادات والاحتجاجات مُنحصرة في صفوف المثقفين والنُّخب، فإنها انتقلت، في الآونة الأخيرة، إلى الشارع، وقد تجلّت بصفة واضحة في خروج ملايين المتظاهرين عبر مدن أفريقيا الغربية، من داكار إلى باماكو، مروراً بواغادوغو ونيامي؛ للتنديد بالتدخل الفرنسي والمطالبة بوقفه نهائياً. وحمل المتظاهرون المحتجّون لافتات كُتب عليها عبارات مثل «يا فرنسا ارحلي!». لماذا وصلت العلاقات الفرنسية الأفريقية إلى هذه الوضعية المُتردية؟ كثيرون من الخبراء حاولوا البحث في العوامل التي أفضت إلى هذا الوضع الجديد، بينما يحاول الساسة، في حالة من الذهول، استيعاب هذه المعطيات من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

المعروف لكثيرين أن فرنسا أنشأت لنفسها إمبراطورية واسعة، بعد استعمارها أكثر من عشرين دولة في غرب أفريقيا ووسطها وشمالها على امتداد ثلاثة قرون. واتسم الاستعمار الفرنسي خصوصاً بأنه «ثقافي الهوية»، والقصد أنه تميَّز بمحاولة صبغ الهويات الخاصة بالشعوب الأفريقية بألوان المسيحية والفرنكوفونية، ناهيك عن ميله إلى القمع العنيف.

وواقعاً، كان الاستعمار الفرنسي في هذا الجزء من العالم شديد الوطأة ودمويَّ الممارسات، خلّف فصولاً سوداء في تجارة العبيد والمجازر البشرية والتعذيب ونهب الثروات. وبعد استقلال المستعمرات السابقة - ومعظمها استقلّ في عقد الستينات - طوّرت فرنسا ما يسمى سياسة «فرنس أفريك (أفريقيا الفرنسية)»؛ للمحافظة على نفوذها في هذه المنطقة من العالم، معتمدة فيها على تكثيف حضورها العسكري والاقتصادي، والتدخل في السياسات الداخلية، مع بسط نفوذها الثقافي عبر «المنظمة الدولية للناطقين بالفرنسية».

الوضع، كما يبدو، يتغير اليوم.

كثيرة من التقارير يتكلم عن تقلّص دائرة هذا النفوذ، بعد توجّه حكومات الدول الأفريقية إلى نسج شراكات اقتصادية وأمنية وثقافية جديدة مع قوى دولية طارئة على المشهد، كالصين وروسيا وتركيا. وفي تداخل على قناة «تي في5» الفرنسية، شرح عصمان نديامي، رئيس تحرير قسم أفريقيا، أن «القطيعة» مع الرأي العام في أفريقيا «بدأت بسبب طريقة تعامل فرنسا مع مستعمراتها السابقة التي تغلب عليها الرؤية الفوقية، والنزعة نحو التفوق العِرقي، إضافة إلى شعور الأفارقة بأن فرنسا لم تغادر أوطانهم بعد الاستقلال». وهنا يشرح: «إن السؤال الذي يعود دائماً في الدوائر الفرنسية هو هل سنخسر أفريقيا؟ وهذا يفترض أن فرنسا تمتلك أفريقيا... فبأي صفة يطرح الفرنسيون هذه الأسئلة؟ ثمة أزمة قراءة من طرف الفرنسيين، وهي الثغرة التي استغلّها الروس والأطراف الأخرى التي تتوجه، اليوم، إلى الشعوب الأفريقية بخطاب مختلف، وكأنها تقول لهم «نحن مختلفون عن المستعمر السابق، سنعاملكم بصفة مختلفة، سنكون شُركاء لكم، النّد بالنّد، وليس كمستعمرات سابقة».

الانتقادات الأفريقية المالوفة أيضاً تشمل أيضاً «التعامل الأبوي»، وازدواجية المعايير التي تعتمدها فرنسا وتدخلاتها في السياسات الداخلية لدول المفروض أنها تتمتع بسيادة كاملة على أراضيها. وهذا ما أشار إليه فيليكس تشيسيديكي، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير والكونغو البلجيكي سابقاً)، خلال اللقاء الذي جمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته الأخيرة، في الرابع من شهر مارس (آذار) 2023، حين توجه إليه أمام عدسات الكاميرات بالقول: «ما يجب أن يتغير في علاقتنا الثنائية هو نظرتكم إلى ما يحدث في أفريقيا... عندما يجري في عهد الرئيس (الفرنسي الأسبق جاك) شيراك الكشف عن استعمال أصوات أشخاص متوفِّين، في الانتخابات، فلا أحد يتكلم عن تجاوزات... بينما تنتقدون كل ما يحدث عندنا وتتابعونه عن كثب...».

الانقلابات العسكرية ودور باريس فيها

وليس سراً الإقرار بأن باريس كانت وراء كثير من الانقلابات العسكرية والاغتيالات والانتخابات التي كانت تُموّلها مباشرة أو عبر شركاتها التي توغلت في الأوساط السياسية لدعم النُّخب الحاكمة وضمان ولائها، دراسة أخيرة صادرة عن جامعة تكساس قيَّمت عدد هذه التدخلات بأكثر من عشرين بين 1961 و2018، لذا فإن لجوء فرنسا إلى إعطاء دروس في الديمقراطية أصبح يثير تقزز الشارع الأفريقي.

هذه «التناقضات» أشار إليها الباحث المختص في الشؤون الأفريقية أنطوان غلاسير، في كتابه «ماكرون الفخ الأفريقي»، حين شرح: «عندما تكون دولة كالغابون عضواً (غير دائم) في مجلس الأمن، فإن من مصلحة فرنسا الحصول على صوتها، والحرص على تجنب إغضابها. والشيء نفسه بالنسبة لتشاد، التي حصل فيها محمد إدريس ديبي على تأييد باريس وزيارة خاصة من ماكرون، رغم الانتقادات. وما لا يفهمه الأفريقيون هو أنْ تُوجه باريس بعد ذلك كله انتقادات لأنظمة الحكم العسكري في مالي والنيجر وبوركينا فاسو... فبأي صفة تقرّ ما هو شرعي وما هو غير شرعي؟!... كل هذه التناقضات أصبحت مرفوضة وجاءت كالقطرة التي أفاضت الكأس...».

الرئيس السنغالي السابق الراحل ليوبولد سنغور مع الرئيس الفرنسي التاريخي شارل ديغول (غيتي)

رفض الإقرار بالأخطاء

مؤرخون وناشطون كُثر حذّروا من تجاهل فرنسا طلبات مستعمراتها السابقة بإعادة فتح ملفات حقبة الاحتلال والاعتراف بأخطاء الماضي، ولا سيما أن هذا المطلب الثابت لقي صدًى عند الكثير من القوى الاستعمارية السابقة التي بذلت جهوداً لا يُستهان بها في هذا المجال.

بريطانيا مثلاً، اعترفت رسمياً بالجرائم التي اقترفتها في حق الجماعات التي شاركت في ثورة «الماو ماو» في كينيا، وقدّمت لها تعويضات مع طلب العفو. وإيطاليا هي الأخرى، بلسان رئيس حكومتها السابق سيلفيو برلوسكوني، طلبت من ليبيا العفو رسمياً في 2008. وكذلك فعلت بلجيكا، التي تقدمت باسم ملكها الملك فيليب، يوم 30 يونيو (حزيران) المنصرم، باعتذار رسمي إلى الكونغو، معبّرة عن «أسفها العميق عن البشاعات التي اقترفتها في حق شعب الكونغو، وأعلنت الحكومة البلجيكية تأسيس لجنة لـ(الحقيقة والتصالح)»، وكذلك فعلت هولندا «جارة بلجيكا» مع مستعمرتها السابقة الضخمة إندونيسيا.

في المقابل، ماذا فعلت فرنسا للتصالح مع ماضيها الاستعماري؟ على هذا السؤال يجيب باسكال بلانشار، الباحث المختص في التاريخ الاستعماري: «لا شيء..! بل بدل ذلك صُودق، خلال فبراير (شباط) 2005، بإيعاز من اليمين، على قانون يقضي بأن تمتدح المُقرَّرات المدرسية الدور الإيجابي للاستعمار الفرنسي... الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً في أوساط النخبة الأفريقية».

وتابع: «حين وصل ماكرون إلى السلطة، اعتقدنا أن الأمور ستتغير حين أعلن عن صفحة جديدة مع أفريقيا، إلا أنه بدلاً من اتخاذ قرارات فورية للتعبير عن وجود الإرادة السياسة لتصحيح الأخطاء، تخلّص من هذه الوعود بتمريرها للجان من المؤرخين، من أجل البحث في الجرائم التي اقتُرفت في الجزائر والكاميرون، والتي قد تأخذ سنين للوصول إلى نتيجة...».

ويضيف بلانشار: «في بلد يضم أكثر من 12 ألف متحف، لا يوجد واحد يهتم بالتاريخ الاستعماري!... كيف نتصالح مع ماضينا ونحن ما زلنا نصر على دفنه؟! لماذا نستغرب حين تنتفض أجيال الهجرة، ونحن الذين تركنا أولادهم يعيشون بالذاكرة الجريحة نفسها التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم؟ إننا لن نتخلص من هذا العبء إلا إذا واجهنا الأمور وقررنا تصفية هذا الإرث الثقيل...».

رموز الحقبة الاستعمارية

الماضي يعيش أيضاً في الفضاء العام الذي يبقى مطبوعاً برموز الحقبة الاستعمارية، إذ إن كثيراً من المدارس والشوارع والتماثيل والنُّصب لا يزال إلى يومنا هذا يحمل أسماء شخصيات ذات ماضٍ استعماري معروف.

وحقاً، رصد ناشطون في جمعية «أنكراج لإعادة اعتبار الثقافات والذاكرات» أكثر من 300 شارع في العاصمة الفرنسية، وثلث الفضاء العام في مدينة مرسيليا، ارتبطت بتمجيد شخصيات ثبتت مسؤوليتها في جرائم حرب أو تجارة الرقيق. وكان رئيس الجمعية باتريك زيلبرشتاين قد شرح أخيراً، لموقع إخباريّ، العراقيل التي يواجهها الناشطون لتغيير الأوضاع، قائلاً: «كثيراً ما يُقال لنا إن الاستعمار، وحتى العبودية، قد شكّلا تاريخ فرنسا، ومن ثم لا يمكن محوهما من الذاكرة الجماعية. لكن ما نطلبه ليس محو أي شيء، بل التوقف عن تمجيد هذا الماضي عبر إعطائه مكاناً في الفضاء العام...».

شباب القارة يواجهون المستعمر القديم

من حيث معدل أعمار السكان، فإن أفريقيا هي القارة الأكثر فتوة في العالم بأكثر من 400 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة، وأكثر من 60 في المائة منهم دون الرابعة والعشرين.

هذه الشبيبة التي تصبو إلى حياة أفضل يئست من وعود الأنظمة الفاسدة ونهْب الغرب خيراتها، وأصبحت واعية بأن الأمور يجب أن تتغير. وهنا يتكلم الباحث السنغالي حميدو، في كتابه «أفريقيا الآتية»، عن رغبة هذه الشبيبة في استرداد كرامة الأفريقي التي أساء إليها المستعمر السابق، في مناسبات كثيرة، كـ«خطاب داكار» في 2007، حين أعلن الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي «أن الرجل الأفريقي لم يدخل التاريخ... وأن العصر الذهبي الذي تتأسف عليه أفريقيا لن يعود؛ لأنه ببساطة لم يوجد...»، أو كما تشير إليه الإعلامية شارلوت لالان، في مقال بصحيفة «ليكسبرس»، قائلة: «في الطوابير الطويلة أملاً في الحصول على تأشيرة دراسة لا تُمنَح إلا نادراً أو في رفع الرسوم الدراسية، وكأن الفرنكوفونية تقتصر على قول باريس تحدثوا بالفرنسية ولكن ابقوا في منازلكم، وهو شيء غير منطقي».

أما الفرنكوفوني ستيفن سميث، الكاتب وأستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة ديوك الأميركية، فكتب، في مقال بصحيفة «لوفيغارو» بعنوان «فرنسا أفريقيا لماذا كل هذا الحقد؟»: «نقمة الأفارقة على فرنسا تظهر في أشياء بسيطة... عندما يشجع السنغاليون كل الفِرق الرياضية التي تلعب ضد الفريق الفرنسي، فإنك تلمس هذا الشعور المناهض لفرنسا... وحين تتحدث إليهم يجيبونك بأن فرنسا لا تفكر إلا في مصالحها... ولا تتردد في إمداد أوكرانيا بجميع أنواع العون، بينما ترفض مساعدة أفريقيا التي كافح أبناؤها إلى جانب الجيوش الفرنسية لتحريرها...».

مِثل هذا الخطاب المُعادي لفرنسا بدأ يظهر كثيراً في وسائل التواصل الاجتماعي مع بعض المؤثرين الذين يتمتعون بنفوذ كبير في أوساط الشباب الأفريقي، أهمُّهم الناشطة السويسرية الكاميرونية نتالي يامب، والفرنسي البنيني كيمي سيبا، اللذان حظيا باهتمام كبير خلال القمة الروسية الأفريقية الأخيرة.

نتالي يامب، التي يلقبها الإعلام الفرنسي بـ«صوت بوتين في أفريقيا»، ممنوعة من دخول الأراضي الفرنسية بسبب خطابها المبنيّ على «الحقد العميق تجاه فرنسا»، كما يقول بيان وزارة الداخلية، وهي تدعو في تداخلاتها إلى إنهاء سياسة «فرنس أفريك» التي تعتبرها وراء تخلف أفريقيا، وتدعو إلى تكثيف التعاون مع روسيا التي تتمتع بتقليد قديم في مناصرة الدول الضعيفة دون ماض استعماري كفرنسا، كما تقول. أما الناشط كيمي سيبا، وهو كاتب وإعلامي حاضر بقوة على منصة «تويتر» فهو يتبنى قناعات «بان أفريكانية» تدعو إلى قطع كل صلّة بالمستعمر القديم، وإنهاء الوجود العسكري، والعودة إلى الأصول الأفريقية في كل مظاهر الثقافة في الأكل واللباس والفنون.

فرنسا: الانتكاسة

يشرح الباحث في الشؤون الأفريقية أنطوان غلاسير، في كتابه «متكبر... كفرنسي في أفريقيا» قائلاً: «كل الأنظار كانت متجهة نحو أوروبا وآسيا، ولا أحد لاحظ أن أفريقيا دخلت عصر العولمة... ففي الوقت الذي كانت فرنسا نائمة، دخلت الصين بقوة حتى أصبحت، اليوم، أول شريك اقتصادي لأفريقيا، وأول مُورِّد للبضائع في حوالي 30 دولة، إضافة إلى كل المنافسين الجدد الذين ظهروا على الساحة، طمعاً في حصّة من الكعكة...». الباحث ستيفن سميث، أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة ديوك يشير إلى أن التوقيت مهم، فما يحدث لفرنسا من متاعب في أفريقيا، كما يقول، يوافق الانتكاسة التي تشهدها في عدة ميادين، بدءاً بالاقتصاد الذي يعرف ركوداً شديداً، إلى الحضور العسكري الذي تَقلّص بصورة ملحوظة من 10000 جندي إلى 3000 اليوم، إلى الاحتجاجات الواسعة التي ميّزت ولاية الرئيس ماكرون، وصعود اليمين المتطرف وخطابه المُعادي للأجانب، ولا سيما الأفارقة، كل هذا أسهم بصورة واضحة في الإساءة لصورة فرنسا في الرأي العام الأفريقي.

هكذا رسمت فرنسا حدود مستعمراتها في أفريقيا

الزعيم الغيني الاستقلالي أحمد سيكوتوري مع الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري ديسكار ديستان (غيتي)

*أدى «مؤتمر برلين» عام 1885 إلى ترسيم الحدود الاستعمارية للقوى الكبرى، حيث لجأت كل منها إلى إنشاء منطقة نفوذ؛ لتأكيد هيمنتها السياسية والاقتصادية. بالنسبة لفرنسا، جرى تقسيم مستعمراتها إلى كتلتين: كتلة أفريقيا الغربية الفرنسية، وكتلة أفريقيا الاستوائية الفرنسية.

كتلة أفريقيا الغربية الفرنسية

كتلة أفريقيا الغربية الفرنسية (1895 - 1958)، ضمت ثماني مستعمرات هي: موريتانيا والسنغال ومالي (عُرفت أيضاً بالسودان الفرنسي سابقاً) وغينيا وكوت ديفوار (ومعناها بالعربية: ساحل العاج) والنيجر وأعالي الفولتا العليا (حالياً بوركينا فاسو)، وداهومي (حالياً بنين). وتبلغ مساحة هذه الكتلة 4.689.000 كيلومتر مربع، أي نحو سبعة أضعاف مساحة فرنسا. أما عاصمتها فكانت سانت لويس (السنغال) حتى عام 1902، ثم صارت داكار (عاصمة السنغال الحالية). قبل أن يسيطر الأوروبيون على هذه الأراضي ويطلقوا عليها اسم أفريقيا الغربية الفرنسية، كان شعب المنطقة مُقسّماً إلى شعوب ومجموعات قبلية ولغوية عدة. وبعض هذه المجموعات كان تجمعات لعائلات عاشت في مساحات صغيرة دون سلطة مركزية. ولاحقاً شكلت بعض الجماعات دولاً أكثر تطوراً ولها حكومات مركزية وتضم عدداً كبيراً من السكان.

أيضاً، يشار إلى أنه قامت عدة إمبراطوريات كبيرة على حدود الصحارى، بلغت إمبراطورية غانا أوج قوتها خلال القرن الـ11 الميلادي، ووصلت إمبراطورية مالي إلى قمة عظمتها في القرن الـ14، وازدهرت إمبراطورية الصنغاي في أوائل القرن الـ16.

منحت فرنسا حقوق المواطنة للأفارقة، إلا أنها لم تمنحهم كلهم حق التصويت. وفي عام 1947م، بدأت فرنسا برنامج تنمية اقتصادية للاتحاد، ثم في عام 1956م أعطت جميع الأفارقة في الاتحاد حق التصويت. وحينما أقرت دستوراً جديداً عام 1958م، صوّتت غينيا الفرنسية لصالح ترك «الاتحاد الفرنسي» لتغدو دولة مستقلة، في حين صوّتت المناطق السبع الأخرى لصالح بقائها في «الاتحاد الفرنسي»، في إطار الجماعة الفرنسية الجديدة. ولكن، في نهاية عام 1958م، صوّتت هذه المناطق لتصبح جمهوريات ذاتية الحكم، قبل أن تحقق استقلالها التام تباعاً.

كتلة أفريقيا الاستوائية الفرنسية

أما كتلة أفريقيا الاستوائية الفرنسية (1910 - 1960)، فكانت اتحاداً من أربع مناطق في أفريقيا الوسطى، يمتد من مصب نهر الكونغو جنوباً إلى شمال شرقي الصحراء الكبرى شمالاً. ضمت هذه الكتلة ما أصبح، اليوم، خمس دول هي: الكونغو (الكونغو-برازافيل)، وتشاد، وجمهورية أفريقيا الوسطى، والغابون، وفيما بعد الكاميرون (المستعمرة الألمانية السابقة التي تقاسمتها فرنسا وبريطانيا لاحقاً)، وهي تمتد على مساحة 2.509.994 كيلومتر، وكانت عاصمة هذه الكتلة مدينة برازافيل الكونغولية.

في المنطقة الشاسعة التي تشمل الكتلتين الغربية والاستوائية تعيش شعوب وقبائل عدة من أعراق متعددة وتتكلم لغات مختلفة. ومن أكبر شعوب دول هاتين الكتلتين: الفولاني (الفولا/ البول/ الفولفولدي) – الذين ينتشرون من السنغال غرباً إلى الكاميرون شرقاً – والهاوسا والكانوري والإيغبو (الإيبو)، والولوف والسيرير والصنغاي والماندينكا (المالينكي)، والصنغاي (منهم الجيرما/ الزبرما) والمانينكا والسونينكي والسينوفو والموسي والمندي والأكان.

ومن الناحية الاقتصادية، تزخر هذه المنطقة الشاسعة بثروات طبيعية مهمة، ذلك أن فيها موارد كثيرة من الغابات والمعادن، وكذلك النفط في الغابون. وأما عن المنتجات الزراعية الأهم فبينها القطن والأرز واللحوم والفول السوداني والكاكاو والبن والخشب والزيوت على أنواعها.

تاريخياً، وصل المستعمرون الفرنسيون الأوائل إلى أفريقيا في عام 1911، وتنازلت فرنسا عن أجزاء من أراضيها لمستعمرة الكاميرون الألمانية نتيجة أزمة أغادير، قبل أن تعاد إليها بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. ولكن، إبان «الحرب الباردة» برزت قيادات أفريقية نشطة سياسياً خاضت معركة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، كان من أبرزهم الزعيم الغيني أحمد سيكوتوري، والزعيم المالي موديبو كيتا، والزعيم السنغالي ليوبولد سنغور، بجانب الزعيم الإيفواري فيليكس هوفويت بوانيي.

الزعيم المالي الاستقلالي موديبو كيتا (غيتي)

- عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية «برخان» ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (أ.ب)

- الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الغابوني علي بونغو (أ.ف.ب)

- الزعيم الغيني الاستقلالي أحمد سيكوتوري مع الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري ديسكار ديستان (غيتي)

- الزعيم المالي الاستقلالي موديبو كيتا (غيتي)

- الرئيس السنغالي السابق الراحل ليوبولد سنغور مع الرئيس الفرنسي التاريخي شارل ديغول (غيتي)


مقالات ذات صلة

مسلحون يقتلون 38 شخصاً على الأقل في هجوم بشمال غرب نيجيريا

أفريقيا دورية للجيش النيجيري (أرشيفية - رويترز)

مسلحون يقتلون 38 شخصاً على الأقل في هجوم بشمال غرب نيجيريا

قتل مسلحون ليل الخميس الجمعة 38 شخصاً على الأقل في قرية بولاية زامفارا بشمال غرب نيجيريا.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
العالم أقارب مواطنين كينيين جُندوا من قِبَل الجيش الروسي في أوكرانيا يقفون مع صور لأفراد عائلاتهم خلال صلاة ومظاهرة سلمية للمطالبة باتخاذ الحكومة إجراءات عاجلة لإعادة أقاربهم إلى الوطن... نيروبي 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تقرير استخباراتي: روسيا استدرجت أكثر من ألف كيني للقتال في أوكرانيا

أفاد تقرير استخباراتي عُرض على البرلمان الكيني بأنّ أكثر من ألف كيني توجّهوا للقتال في صفوف الجيش الروسي في أوكرانيا، وقد خُدع معظمهم لتوقيع عقود عسكرية.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
الاقتصاد طريق نيروبي السريع المنفَّذ بالشراكة بين القطاعين العام والخاص (رويترز)

كينيا: استئناف محادثات التجارة مع أميركا الأسبوع المقبل

قال لي كينيانجوي وزير التجارة الكيني، الأربعاء، إن بلاده والولايات المتحدة ستستأنفان المفاوضات في واشنطن الأسبوع المقبل، سعياً للتوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
أفريقيا لم تحدد سلطة الاتصالات في الغابون أي منصات تواصل اجتماعي سيشملها الحظر (رويترز)

الغابون تحجب وسائل التواصل الاجتماعي «حتى إشعار آخر»

أعلنت هيئة تنظيم الإعلام في الغابون، الثلاثاء، حجب منصات وسائل التواصل الاجتماعي «حتى إشعار آخر»، ملقية باللوم على المحتوى الذي تنشره.

«الشرق الأوسط» (ليبرفيل)
أفريقيا رئيس «هيئة الدواء المصرية» علي الغمري يشارك في ملتقى استخدمات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأدوية بجنوب أفريقيا (الصفحة الرسمية لهيئة الدواء)

«صناعة الدواء»... مدخل لتعزيز الحضور الطبي المصري في أفريقيا

تسعى مصر إلى تنويع مسارات تعاونها مع دول القارة الأفريقية، في ظل تحديات متعددة تتطلب رسم صورة إيجابية تسهم في تعزيز العلاقات مع شعوب وحكومات القارة.

أحمد جمال (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.