أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ترحيبه بانعقاد أول مؤتمر لمجلس الأساقفة السريان الكاثوليك في العالم في العراق. وأشاد خلال استقباله الخميس بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي مار أغناطيوس يوسف الثالث يونان، طبقا لبيان صادر عن مكتبه الإعلامي بـ«أصالة المكوّن المسيحي ضمن نسيج الشعب العراقي».
وأكد السوداني إن «الحكومة تضع ضمن أهدافها ومسؤولياتها استدامة التقارب والتلاقي الفكري والإنساني بين جميع العراقيين، وتغذية أسباب العيش المشترك الكريم لكل تنوعات الطيف العراقي الغنية بتلاحمها وتاريخها الواحد».
وبشأن رغبة مجلس الأساقفة عقد مؤتمرهم في العراق لأول مرة قال: إن «سعة التنوّع في أطياف الشعب العراقي، وتحوّله إلى مصدر قوّة وانفتاح ثقافي هما ما يعزز تلاحم أبناء هذا البلد من كل الأطياف».

من جانبه، أكد البطريرك يونان خلال اللقاء، أن «محاولات الفتنة الأخيرة بازدراء الأديان والاعتداء على الكتب السماوية، لا تمثل إلّا نفراً ضالاً، ويتوجب على المجتمع الدولي كبح هذه الأصوات المسيئة، التي تزرع العداء والكراهية».
وكان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي في العالم، أعلن الأربعاء خلال لقائه رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، أن الاستعدادات جارية لعقد المؤتمر في مدينة قرقوش بإقليم كردستان العراق خلال الشهر المقبل.
وتأتي الرغبة في انعقاد مثل هذا المؤتمر في العراق، في وقت تشهد العلاقة بين أطراف المكون المسيحي بعض التوتر، وهو ما يحصل للمرة الأولى على صعيد الأقليات الدينية والعرقية في بلاد الرافدين.
والمعروف، أنه يجري تمثيل المسيحيين بمختلف طوائفهم في البرلمان العراقي، طبقا لنظام الكوتا الذي يشمل أيضا الإيزيديين والصابئة لكن خلافات نشأت بشأن احتكار التمثيل من قبل أطراف سياسية من داخل المكون المسيحي، وعمقت التباعد بينها، الأمر الذي أشعل فتيل نزاع تصاعد مؤخرا، سيما بعد قيام رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد بسحب المرسوم الجمهوري الصادر عام 2013 والخاص ببطريك الكلدان في العراق والعالم الكاردينال لويس رافائيل ساكو المعين من قبل بابا الفاتيكان.

وتتزامن مثل هذه الخلافات مع تقلص وجود المسيحيين في العراق بعد عام 2003، نظرا لما تعرضوا له من اضطهاد ديني وعرقي، فضلا عن الاستيلاء على أملاكهم ومنازلهم في العديد من المناطق، بدءا من العاصمة بغداد وصولا إلى العديد من المحافظات الوسطى والجنوبية التي بقي فيها وجود مسيحي.
وفيما هاجر الآلاف من المسيحيين إلى خارج العراق، فإن آلافا آخرين منهم رفضوا الهجرة، أو فضلوا النزوح إلى مدن إقليم كردستان وسهل نينوى في الموصل، حيث يعود وجودهم هناك إلى أزمان سحيقة.
مرسوم جمهوري وخلافات
وفيما بقي رئيس الوزراء العراقي يؤكد على أهمية «ترسيخ التعايش المجتمعي بين أطياف الشعب العراقي»، فإنه سرعان ما تفجرت أزمة لا تزال تتصاعد حتى الآن بعد قيام رئيس الجمهورية رشيد بسحب المرسوم الجمهوري الخاص بالبطريرك ساكو غداة منحه لقب البطريركية من قبل البابا... وأكدت رئاسة الجمهورية، أن سحب المرسوم هو تصحيح لوضع قانوني، إلا أن ساكو رفض القرار، وغادر إلى إقليم كردستان معلنا عدم عودته إلى بغداد «إلا بعد تصحيح الوضع القانوني».
وبينما استقبلت أربيل ساكو بترحاب كبير، فإن الخلافات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) دخلت على خط أزمة المرسوم الجمهوري، بعد تفجر خلاف بين البطريرك ساكو و«حركة بابليون» المسيحية التي يتزعمها ريان الكلداني، والتي تملك عدة مقاعد في البرلمان العراقي كجزء من كوتا المسيحيين، فضلا عن وزارة الهجرة والمهجرين.
وفيما تؤيد أربيل ساكو، فإن السليمانية تؤيد الكلداني.

وكان السوداني استقبل ساكو قبيل ذهابه إلى كردستان، مؤكدا إيلاء حكومته «أهمية كبيرة لترسيخ التعايش المجتمعي بين أطياف الشعب العراقي، والذي يعد عماد السلم الأهلي، وأساس المواطنة البنّاءة الداعمة لأمن العراقيين واستقرار أوضاعهم المعيشية والاجتماعية». كما عبر عن «تقديره لدور الطيف المسيحي العراقي في تمثيل الإرث الحضاري والتواصل التاريخي لسكّان العراق، وتقديره عالياً تنوّع المجتمع العراقي»، موجهاً «بتسهيل ومتابعة القضايا المتعلقة بعدد من الاحتياجات والملفات التي طُرحت خلال اللقاء».

وفي منطقة عينكاوة في أربيل، التي تعد أحد أهم معاقل المسيحيين في العراق، تظاهر المئات بشأن ما عدوه تعرض البطريرك ساكو للظلم. وقال كوران عبد الجبار، رئيس «الرابطة الكلدانية السريانية» خلال كلمة له نيابة عن المتظاهرين: «إن ما قام به الرئيس العراقي هو عدم احترام للمسيحيين»، مشيرا إلى أن «يداً سيئة تقف وراء هذا الأمر». وأضاف أن «هذه الخطوة سيكون لها تأثير سلبي على المسيحيين». وبرغم تأكيد رئاسة الجمهورية أن سحب المرسوم الجمهوري ليس من شأنه المساس بالوضع الديني أو القانوني للكاردينال لويس ساكو، كونه معيناً من قبل الكرسي البابوي بطريركاً للكنيسة الكلدانية في العراق والعالم، بل جاء لتصحيح وضع دستوري، إذ صدر المرسوم رقم (147) لسنة 2013 دون سند دستوري أو قانوني، فضلاً عن مطالبة رؤساء كنائس وطوائف أخرى بإصدار مراسيم جمهورية مماثلة ودون سند دستوري... برغم ذلك، استمرت التظاهرات ضد هذا الإجراء، ورفض ساكو العودة إلى بغداد تحت أي ذريعة، ما لم يتم تصحيح وضعه قائلا في تصريحات له إنه «ليس موظفا لدى رئيس الجمهورية».


