جورجيا تستخدم قانوناً صمم لملاحقة المافيا لمقاضاة ترمب

هل يتسبب «ريكو» بسجن الرئيس السابق 20 عاماً؟ 

في الطريق إلى سجن فولتون (رويترز)
في الطريق إلى سجن فولتون (رويترز)
TT

جورجيا تستخدم قانوناً صمم لملاحقة المافيا لمقاضاة ترمب

في الطريق إلى سجن فولتون (رويترز)
في الطريق إلى سجن فولتون (رويترز)

يواجه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب 13 تهمة جنائية تضمنتها لائحة الاتهام التي صدرت بحقه يوم الثلاثاء في ولاية جورجيا، وتضمنت انتهاك قانون معروف في جورجيا باسم «ريكو»، وهو اختصار لـ«Racketeer Influenced and Corrupt Organization» الذي يحظر الابتزاز ويعاقب عليه بالسجن لمدة تصل إلى 20 عاماً، وأقرته الولاية عام 1970.

ويستهدف في الأصل، ملاحقة عصابات المافيا والجريمة المنظمة، واستخدمته فاني ويليس المدعية العامة لمقاطعة فولتون، لتوجيه لائحة بإجمالي 41 تهمة ضد ترمب و19 آخرين تقول إنهم «قاموا بجهود مستمرة كجزء من مؤامرة واسعة، لتخريب نتائج انتخابات 2020 في الولاية».

ويسمح القانون برصد أنشطة غير قانونية خارج جورجيا، مثل اجتماع ترمب مع حلفائه في ميتشيغان لإلغاء نتائج الانتخابات هناك، وبالتالي يسمح للمدعين العامين بتضمين عدد من الوقائع والأحداث، حتى لو بدت صغيرة أو ليس لها علاقة بالولاية.

المدعية العامة في فولتون بجورجيا فاني ويليس (رويترز)

وتشير أوراق الاتهام إلى أحداث في ولايات أريزونا وميتشيغان ونيفادا ونيو مكسيكو وبنسلفانيا وويسكنسن والعاصمة واشنطن، ويرصد 161 حدثا لمحادثات وتواصل بين ترمب ومستشاريه مع مشرعين لعكس خسارة ترمب الانتخابية، وأحداثا أخرى في ولايتي ويسكنسن وأريزونا وغيرهما لوضع قوائم ناخبين مزيفة، وهي جهود تصفها لائحة الاتهام بأنها «مؤامرة قام بها ترمب وحلفاؤه لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020».

وتقول لائحة الاتهام المؤلفة من 98 صفحة، إن المتهمين، بما فيهم مارك ميدوز رئيس طاقم الموظفين لدى الرئيس ترمب، والمحامي رودي جولياني «انتهكوا قوانين الانتخابات من خلال الإدلاء ببيانات كاذبة حول تزوير أصوات الناخبين، وقاموا بعقد اجتماعات لوضع استراتيجية لتعطيل عملية فرز الأصوات الانتخابية».

ويقول كلاك كننغهام أستاذ القانون بجامعة جورجيا، «إن قانون ريكو أوسع بكثير من القوانين الفيدرالية، وهو يسمح للمدعين العامين برصد أحداث في مقاطعات مختلفة. فلائحة الاتهام تشير إلى أن ميدوز قام بزيارة مقاطعة كوب، وحصل على رقم الهاتف الشخصي للمشرف على تدقيق بطاقات الاقتراع الغيابي، وهذا تصرف لا يمكن عده غير قانوني، لكن ميدوز أعطى رقم الهاتف للرئيس ترمب الذي استخدمه لمحاولة التأثير على نتائج الانتخابات».

ترمب في أيوا في 12 من أغسطس الحالي (أ.ب)

وبدوره، يقول أندرو فليشمان المحامي الجنائي بولاية جورجيا، «إن القضايا التي تستند إلى قانون ريكو تتضمن تعقيدات كثيرة قد تجعل مجريات القضية طويلة للغاية، وتجعل من الصعب من الناحية الإجرائية المضي قدما بها».

وترى المدعية العامة فاني ويليس «أن قانون ريكو يعد أداة تسمح لمكتب المدعي العام برواية القصة بشكل متكامل»... وهي تطمح إلى دفع بعض المتهمين إلى الإقرار بالذنب في مقابل تخفيف العقوبة.

المثير في الأمر أن المحامي الشهير رودي جولياني الذي يواجه اتهامات بموجب «قانون ريكو»، قام باستخدام قانون فيدرالي مشابه في جهوده لملاحقة رجال المافيا في ثمانينات القرن الماضي، حينما كان يشغل منصب المدعي العام للمنطقة الجنوبية من نيويورك، وهو ما ساهم في صعوده السياسي وبروز نجمه بعد ذلك.

100 تهمة تواجه ترمب

 

وبتوجيه لائحة اتهام رابعة للرئيس ترمب الذي يعد المنافس الرئيسي للفوز بترشيح الحزب الجمهوري لخوض سباق 2024، فإنه سيخوض السباق وهو يواجه ما يقرب من 100 تهمة جنائية في أربع قضايا في أربع ولايات، منها قضية تزوير سجلات تجارية، ودفع أموال لإسكات الممثلة الإباحية ستورمي دانيال في نيويورك، وقضية الاحتفاظ بوثائق سرية بشكل غير قانوني في فلوريدا، وقضية التآمر على الولايات المتحدة لإلغاء نتائج انتخابات 2020 في واشنطن العاصمة. وقد تم تحديد محاكمتين خلال شهري مارس (آذار) ومايو (أيار) من العام المقبل.

ويعتمد الأمر على قدرة فريق المحامين لدى ترمب على تأجيل المحاكمات أو تبرئته، لكن إذا تمت إدانته بتهم جنائية في أي من هذه القضايا قبل الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فإن الولايات المتحدة ستدخل في منطقة جدلية شديدة الإثارة: إذا أدين فبإمكانه الاستمرار في الترشح (ربما لن يتمكن من التصويت في ولايته فلوريدا)، لكن الدستور لا ينص على أي شيء يتعلق بالسجل الجنائي للمرشح الرئاسي أو عقوبة السجن التي قد تقف في طريقه.

صورة جوية لسجن مقاطعة فولتون الذي يفترض بترمب والمتهمين الآخرين الحضور إليه (رويترز)

ويقول الخبراء القانونيون إنه إذا أدين ترمب وحكم عليه بالسجن في أي من القضايا المنظورة في نيويورك أو فلوريدا أو واشنطن العاصمة، فمن شبه المؤكد أنه سيستأنف الحكم، وسيكون الأمر متروكا للقاضي ليقرر سجنه، أو تركه حرا حتى موعد جلسات الاستئناف.

أما بالنسبة لولاية جورجيا، فإن «قانون ريكو» ينص بالسجن لمدة خمس سنوات إلى عشرين سنة في حالة الإدانة، وهنا لن يكون مؤهلا للإفراج عنه بكفالة أثناء تقديم طلب استئناف.

وهناك شكوك عالية في أنه يمكن إنهاء القضية في ولاية جورجيا قبل موعد الانتخابات في نوفمبر 2024، خاصة مع كثرة عدد المتهمين الآخرين في القضية، وما يمكن أن يقوم به المحامون من مناورات قانونية ولوجيستية لإطالة أمد التقاضي بما يجعل من الصعب صدور أحكام قبل نوفمبر 2024.

ويطرح الخبراء قضية جدلية أخرى، فبإمكان ترمب إذا فاز بالانتخابات أن يعفو عن نفسه في التهم الفيدرالية التي وجهها له المحقق الخاص جاك سميث في التدخل للتأثير على الانتخابات، ما أدى للهجوم على مبني الكابيتول. كما يمكنه أن يعفو عن نفسه في قضية الوثائق السرية في فلوريدا، وقد تنتهي قضية السجلات التجارية وإسكات ستورمي دانيال بالحكم بدفع مبالغ مالية، لكنه لا يستطيع العفو عن نفسه في ولاية جورجيا إذا تمت إدانته لأنها ستكون إدانة في تهم حكومية لا يجوز العفو عن الرؤساء فيها.


مقالات ذات صلة

محامو تونس يتظاهرون ضد «قيود تعوق عملهم»

شمال افريقيا جانب من وقفة احتجاجية سابقة للمحامين التونسيين في العاصمة (إ.ب.أ)

محامو تونس يتظاهرون ضد «قيود تعوق عملهم»

تجمع محامون في قصر العدالة بتونس العاصمة، الجمعة، في وقفة احتجاجية ضد القيود التي تعوق عملهم في المحاكم وفي الدفاع عن الموقوفين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا صورة مركبة تخص محاكمة مسؤولي الشركة الفرنسية

الجزائر تسلط أحكاماً ثقيلة بحق مسؤولي شركة فرنسية في قضية «تجسس»

شهدت التوترات بين الجزائر وفرنسا، خلال الأسبوع الحالي، تطوراً لافتاً بعد صدور أحكام ثقيلة بالسجن بحق مسؤولي فرع شركة أمنية فرنسية تنشط في الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية توجيه اتهامات لمواطن وجندي إسرائيليين بارتكاب جرائم أمنية خطيرة (د.ب.أ)

إسرائيل توجه اتهامات لمدني وجندي احتياط راهنا على عمليات عسكرية

قالت السلطات الإسرائيلية، اليوم الخميس، إن اتهامات وُجهت إلى مواطن وجندي احتياط للاشتباه في أنهما استخدما معلومات ​سرية للمراهنة على عمليات عسكرية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
يوميات الشرق تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)

تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

أربك توأمان متماثلان يُحاكمان في فرنسا بتهمة القتل جهود المحققين لتحديد مطلق النار؛ بسبب تطابق حمضهما النووي، وفقاً لوسائل إعلام فرنسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من جلسة سابقة للبرلمان التونسي (رويترز)

إيداع برلماني السجن بسبب تدوينات ساخرة ضد الرئيس التونسي

أودعت السلطات القضائية التونسية النائب في البرلمان التونسي، أحمد السعيداني، السجن بعد إيقافه أول من أمس الأربعاء، والتحقيق معه بتهمة «الإساءة للغير».

«الشرق الأوسط» (تونس)

خلاف في الكونغرس يهدد تمويل وزارة الأمن الداخلي

عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 25 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 25 يناير 2026 (أ.ب)
TT

خلاف في الكونغرس يهدد تمويل وزارة الأمن الداخلي

عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 25 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 25 يناير 2026 (أ.ب)

تستعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية لشلل مالي جديد، الجمعة، بعد فشل مفاوضات بين الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس بشأن إدارة الهجرة والجمارك، بعد مقتل أميركيَين في مينيابوليس على يد عناصر تابعين لها.

وقبل الإغلاق الجزئي، الذي يبدأ، منتصف ليل الجمعة - السبت، قال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، الخميس: «إنّنا نضغط منذ أسابيع من أجل إصلاحات منطقية».

واتهمت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت المعارضة، قائلة عبر قناة «فوكس نيوز»، إن «الديمقراطيين يدفعون حكومتنا نحو إغلاق آخر لأسباب سياسية وحزبية».

وكان الديمقراطيون قد أكدوا معارضتهم لأي تمويل جديد لوزارة الأمن الداخلي، قبل إجراء تغييرات جذرية في طريقة عمل إدارة الهجرة والجمارك (ICE) في كل أنحاء البلاد.

ويطالب الديمقراطيون خصوصاً بالحدّ من الدوريات المتنقلة، وحظر وضع عملاء هذه الوكالة الفيدرالية أقنعة في أثناء العمليات، والحصول على أمر قضائي لدخول الممتلكات الخاصة.

وتصاعدت معارضة الديمقراطيين لإدارة الهجرة والجمارك وأساليبها العنيفة، بعد مقتل رينيه غود وأليكس بريتي في يناير (كانون الثاني)، وهما مواطنان أميركيان قضيا برصاص عناصرها في مينيابوليس في أثناء احتجاجهما على عمليات مكافحة الهجرة.

ويسعى المشرّعون إلى تحقيق قدر أكبر من المحاسبة لعملاء إدارة الهجرة والجمارك، بما في ذلك فرض الالتزام بمعايير الاستخدام المعقول للقوة.

وأكد شومر أنّ «الديمقراطيين لن يدعموا منح شيك على بياض للفوضى».

«أنصاف حلول»

كذلك، أعرب زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز عن مخاوف، محذراً من أن إدارة الهجرة والجمارك «خارجة عن السيطرة تماماً».

وقال: «ينبغي استخدام أموال دافعي الضرائب لجعل الحياة أكثر يسراً للشعب الأميركي، لا لتعذيبهم أو قتلهم»، مشيراً إلى أنّ العنف يحدث «عندما يظهر هؤلاء العملاء الملثمون وغير المدرّبين التابعون لإدارة الهجرة والجمارك في مكان ما».

وحتى لو صوّت جميع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الـ53 لصالح تمويل وزارة الأمن الداخلي، فإنّ قواعد المجلس تتطلّب دعم 60 عضواً من أصل 100 لإمرار مشروع قانون الميزانية؛ ما يعني الحاجة إلى انضمام بعض الديمقراطيين إليهم.

ورداً على مطالب الديمقراطيين، قال البيت الأبيض إنه مستعد للتفاوض، وأرسل مقترحاً مضاداً في وقت متأخر، الأربعاء.

وقالت ليفيت، الجمعة: «انخرط البيت الأبيض بشكل كبير مع الديمقراطيين في مناقشات ومفاوضات جادة بشأن سياسة إنفاذ قوانين الهجرة».

ووصف زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون العرض بأنّه «جاد للغاية»، وقال إنّ الديمقراطيين «لن يحصلوا أبداً على تلبية قائمة مطالبهم الكاملة»، غير أنّ المعارضة رفضت بشكل قاطع تقديم تنازلات.

وقالت السيناتور الديمقراطية باتي موراي: «لن تنجح أنصاف الحلول»، مضيفة أنّ مطالب حزبها منطقية وضرورية.

تداعيات على المطارات

إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فقد يتم إيقاف آلاف الموظفين الحكوميين عن العمل، بينما يُطلب من آلاف آخرين العمل دون أجر، إلى حين التوصل إلى اتفاق ينهي شلل الميزانية.

لكن إدارة الهجرة والجمارك ستكون قادرة على مواصلة عملياتها خلال الإغلاق الجزئي، بعدما وافق الكونغرس على تمويل لها، العام الماضي.

وسيطول التأثير الأساسي وكالات أخرى، من بينها الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA) التي تشرف على الاستجابة الطارئة للكوارث الطبيعية.

وحذرت إدارة أمن النقل المسؤولة عن سلامة المطارات، في منشور على منصة «إكس»، من أنّ الإغلاق المطوّل قد تكون له عواقب «كبرى»، لا سيما في مجال الطيران مع استنزاف الموظفين وأوقات انتظار أطول وتأخير رحلات جوية وإلغائها.

وسيكون هذا ثالث إغلاق خلال ولاية الرئيس دونالد ترمب الثانية، أحدها إغلاق حكومي قياسي استمر 43 يوماً في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) الماضيين.


ترمب يُثير هواجس أوروبية أعمق من الدفاع

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)
TT

ترمب يُثير هواجس أوروبية أعمق من الدفاع

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)

لم تعد مخاوف الأوروبيين من سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب محصورة في حدود الأمن والدفاع أو «مزاج» البيت الأبيض تجاه الحلف الأطلسي. الجديد أن القلق انتقل إلى القلب النابض للسيادة الحديثة: المال، والبيانات، والبنى التحتية الرقمية التي تمر عبرها المدفوعات، وتدار فوقها الخدمات الحكومية، وتُخزَّن فيها الأسرار الصناعية، وتُبنى عليها نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي لحظة تتسارع فيها «الثورة الجديدة»، من الحوسبة السحابية إلى الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية، يكتشف الأوروبيون أن اعتمادهم على شبكات وشركات أميركية لا يشبه اعتمادهم على سلاح أو صفقة تجارية يمكن استبدالها، بل هو اعتماد بنيوي يطال كل معاملة تقريباً، وكل بريد رسمي، وكل طبقة من طبقات الاقتصاد.

التمويل والتكنولوجيا أداة ضغط

تُقرأ هذه الهواجس الأوروبية على خلفية إشارات سياسية صادمة بالنسبة لكثير من العواصم الأوروبية: الحديث المتكرر عن الاستحواذ على أراضٍ أو موارد، والتهديد باستخدام القوة أو الرسوم لإجبار الشركاء على خيارات لم تكن تُطرَح بهذا الشكل سابقاً.

بحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن الخطر الذي يعدّه قادة وخبراء في أوروبا بأنه «أقل وضوحاً للعين» وأكثر قابلية للتسييس، هو قدرة واشنطن، عبر تفوقها في التكنولوجيا والتمويل، على تحويل الاعتماد إلى أداة ضغط: من شبكات الدفع وبطاقات الائتمان، إلى منصات البريد والتخزين السحابي، وصولاً إلى العملات المستقرة المشفَّرة التي يمكن أن تُزاحم العملات الوطنية من دون أن ترفع علماً فوق دبابة.

هنا تتقدَّم فكرة «السيادة النقدية» و«السيادة الرقمية» من كونها شعاراً فرنسياً أو نزعة بيروقراطية في بروكسل، إلى مشروع أمن قومي. فحين يقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في اجتماع عُقد هذا الأسبوع، إن على أوروبا أن تلتقط «لحظة غرينلاند» لتقوية استقلالها، فهو لا يتحدث عن سيادة سياسية فقط، بل عن قابلية «الضغط الاقتصادي» في عصر تُدار فيه الاقتصادات عبر سلاسل توريد رقمية وشبكات دفع مملوكة أو مُدارة خارج القارة.

ويكفي رقم واحد لفهم عمق المأزق: أكثر من ثلثي معاملات البطاقات في منطقة اليورو تتمّ عبر مخططات دفع دولية، بينما تعتمد دول عدة بالكامل على حلول غير أوروبية في المدفوعات الرقمية، وفق بيانات البنك المركزي الأوروبي.

هذا هو المعنى العملي لعبارة «السيادة» في زمن الشبكات: ليست الحدود وحدها ما يُخترق، بل «المفاتيح» التي تفتح أو تغلق الخدمات. المثال الذي تداوله أوروبيون بكثافة في الأشهر الأخيرة، بوصفه مؤشراً على كيف يمكن أن يمتد أثر القرارات الأميركية إلى خارج خصومها التقليديين، هو استهداف أفراد أو هيئات بعقوبات تقطع عنهم خدمات رقمية ومالية، ما يترك لدى مؤسسات أوروبية سؤالاً مُقلقاً: ماذا لو وُضعت أوروبا، يوماً ما، على طرف هذا النوع من القرارات، ولو بشكل انتقائي أو رمزي أو «تأديبي»؟

السيادة الرقمية الأوروبية

في الآونة الأخيرة، تصاعدت الدعوة لسياسات «تقليل الاعتماد» في مجالات تبدو للوهلة الأولى تقنية محضة: السحابة والذكاء الاصطناعي، والاتصالات المشفرة، ومراكز البيانات. فالاتحاد الأوروبي يدفع نحو بنية سحابية وحوسبة فائقة، وقدرات سيبرانية أوروبية، لكن الطريق مليء بالتحديات: السوق تهيمن عليها شركات أميركية كبرى، والتكلفة ضخمة، والبدائل تتطلب وقتاً ومهارات وبيئة استثمارية لا تُبنى بقرار سياسي. وحتى حين تشتري دولة أوروبية «شركة سحابة وطنية»، قد تستيقظ لاحقاً على خبر انتقال الملكية إلى شركة متعددة الجنسيات خارج القارة، فتعود المشكلة من نافذة أخرى.

في المقابل، لا تبدو واشنطن في وارد تسهيل هذا المسار الأوروبي. ففي خضمّ الدفع الأوروبي نحو «السيادة الرقمية»، حذَّرت شركة «غوغل» من أن بناء «جدران» قد يرتدّ على تنافسية أوروبا، داعية إلى صيغة «سيادة رقمية منفتحة» تقوم على الشراكات بدلاً من الإقصاء. وبغض النظر عن الدافع التجاري للشركات، فإن الرسالة الأساسية واحدة: أوروبا تريد «تقليل الاعتماد»، وأميركا، سياسياً أو تجارياً، لا تريد أن يتحوَّل ذلك إلى سابقة عالمية تقلص نفوذها في أكثر أدوات القوة هدوءاً وفاعلية.

أميركا تغيّرت

يأتي بعد ذلك العامل السياسي - الاجتماعي الذي يجعل سؤال «إعادة عقارب الساعة» شديد الصعوبة. فالتوتر عبر «الأطلسي» لم يعد مجرد اختلاف إدارة مع أخرى؛ بل أصبحت لدى كثير من الأوروبيين قراءة مفادها أن المزاج الأميركي نفسه تغيّر، وأن فكرة «أميركا القديمة» التي تُقدّم المظلة مقابل الولاء الاستراتيجي لم تعد ضمانة، بحسب رئيس كتلة «حزب الشعب الأوروبي» في البرلمان الأوروبي، مانفريد فيبر.

في هذا المناخ، حاول وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، تهدئة الأجواء عشية توجهه إلى «مؤتمر ميونيخ للأمن»، مؤكداً الترابط الوثيق بين ضفتَي «الأطلسي» على مستوى التاريخ والمجتمع والمصالح. لكن الأهم أن السجال بات يدور في أوروبا حول «إدارة المخاطر» لا حول «حُسن النيات»: كيف تُحصِّن القارة نفسها إذا كانت أدوات الضغط المحتملة ليست الدبابات، بل التعريفة الجمركية، والمعايير التقنية، وحقّ الوصول إلى السحابة وشبكات الدفع؟

وفي ميونيخ، حيث تتقاطع ملفات الدفاع مع الاقتصاد والتكنولوجيا، بدا واضحاً أن أوروبا تنظر إلى المرحلة بوصفها «لحظة مفصلية» لإعادة تعريف العلاقة مع واشنطن: أقل عاطفية، أكثر تعاقداً، وأكثر تشكيكاً بركائز ما بعد الحرب الباردة، وفق تغطيات المؤتمر التي تحدَّثت أيضاً عن تراجع صورة الولايات المتحدة لدى قطاعات من الرأي العام الأوروبي.

لذلك، يرى البعض أن ما تستطيع أوروبا فعله واقعياً ليس قطع الارتباط، بل إعادة التوازن: بناء بدائل تدريجية في الدفع والهوية الرقمية والسحابة الحكومية، وتوحيد مشتريات الدفاع والتقنية لتقليل الهدر، وتوسيع شراكاتها التجارية مع كتل ودول تبحث عن «نظام قائم على القواعد» لا على منطق القوة، كما حصل في الاتفاقات التي عُقدت مع الهند ودول «ميركوسور».


وسط توتر العلاقات الاقتصادية... وزيرا خارجية أميركا والصين يلتقيان في ميونيخ

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
TT

وسط توتر العلاقات الاقتصادية... وزيرا خارجية أميركا والصين يلتقيان في ميونيخ

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيره الصيني وانغ يي، اليوم (الجمعة)، على هامش اليوم الأول من مؤتمر ميونيخ للأمن، في وقت تخوض فيه واشنطن وبكين تنافساً محموماً، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويأتي اللقاء الذي دام ساعة حسب أوساط روبيو، بعد أيام من إعلان دونالد ترمب أن نظيره شي جينبينغ سيزور الولايات المتحدة أواخر العام الحالي، وأنه سيستقبله في البيت الأبيض للبحث خصوصاً في المسائل التجارية.

واجتمع روبيو ووانغ في أحد الفنادق الكبرى بعاصمة مقاطعة بافاريا، وتصافحا من دون الإدلاء بتصريحات للصحافيين.

وهيمن التوتر بشأن الرسوم الجمركية على العلاقات بين القوتين العظميين منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي. ويؤكد الرئيس الأميركي أنه ونظيره الصيني يجريان باستمرار مباحثات هاتفية تتعلق بالقضايا الاقتصادية والتجارية.

أما روبيو ووانغ فسبق أن التقيا في ماليزيا خلال يوليو (تموز) المنصرم، وتحادثا هاتفياً مرات عدة.

ووصل وزير الخارجية الأميركي صباحاً إلى ميونيخ حيث يُتوقع أن يعقد سلسلة من الاجتماعات، أحدها الجمعة مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، قبل أن يلقي كلمة مرتقبة، السبت، أمام كبار المسؤولين الدفاعيين والأمنيين.

وحصل اجتماع روبيو ووانغ في وقت كثفت فيه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) جهودها لتجنيد جواسيس في الصين، إذ نشرت يوم الخميس مقطع فيديو باللغة الصينية موجهاً إلى ضباط في الجيش. وتوعّدت الصين بالرد على ذلك باتّخاذ «كلّ الإجراءات اللازمة» لمكافحة محاولات التجسس الخارجي.