ترمب يُثير هواجس أوروبية أعمق من الدفاع

تحذيرات من الاعتماد الكامل على منظومة واشنطن التقنية والمالية

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)
TT

ترمب يُثير هواجس أوروبية أعمق من الدفاع

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)

لم تعد مخاوف الأوروبيين من سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب محصورة في حدود الأمن والدفاع أو «مزاج» البيت الأبيض تجاه الحلف الأطلسي. الجديد أن القلق انتقل إلى القلب النابض للسيادة الحديثة: المال، والبيانات، والبنى التحتية الرقمية التي تمر عبرها المدفوعات، وتدار فوقها الخدمات الحكومية، وتُخزَّن فيها الأسرار الصناعية، وتُبنى عليها نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي لحظة تتسارع فيها «الثورة الجديدة»، من الحوسبة السحابية إلى الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية، يكتشف الأوروبيون أن اعتمادهم على شبكات وشركات أميركية لا يشبه اعتمادهم على سلاح أو صفقة تجارية يمكن استبدالها، بل هو اعتماد بنيوي يطال كل معاملة تقريباً، وكل بريد رسمي، وكل طبقة من طبقات الاقتصاد.

التمويل والتكنولوجيا أداة ضغط

تُقرأ هذه الهواجس الأوروبية على خلفية إشارات سياسية صادمة بالنسبة لكثير من العواصم الأوروبية: الحديث المتكرر عن الاستحواذ على أراضٍ أو موارد، والتهديد باستخدام القوة أو الرسوم لإجبار الشركاء على خيارات لم تكن تُطرَح بهذا الشكل سابقاً.

بحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن الخطر الذي يعدّه قادة وخبراء في أوروبا بأنه «أقل وضوحاً للعين» وأكثر قابلية للتسييس، هو قدرة واشنطن، عبر تفوقها في التكنولوجيا والتمويل، على تحويل الاعتماد إلى أداة ضغط: من شبكات الدفع وبطاقات الائتمان، إلى منصات البريد والتخزين السحابي، وصولاً إلى العملات المستقرة المشفَّرة التي يمكن أن تُزاحم العملات الوطنية من دون أن ترفع علماً فوق دبابة.

هنا تتقدَّم فكرة «السيادة النقدية» و«السيادة الرقمية» من كونها شعاراً فرنسياً أو نزعة بيروقراطية في بروكسل، إلى مشروع أمن قومي. فحين يقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في اجتماع عُقد هذا الأسبوع، إن على أوروبا أن تلتقط «لحظة غرينلاند» لتقوية استقلالها، فهو لا يتحدث عن سيادة سياسية فقط، بل عن قابلية «الضغط الاقتصادي» في عصر تُدار فيه الاقتصادات عبر سلاسل توريد رقمية وشبكات دفع مملوكة أو مُدارة خارج القارة.

ويكفي رقم واحد لفهم عمق المأزق: أكثر من ثلثي معاملات البطاقات في منطقة اليورو تتمّ عبر مخططات دفع دولية، بينما تعتمد دول عدة بالكامل على حلول غير أوروبية في المدفوعات الرقمية، وفق بيانات البنك المركزي الأوروبي.

هذا هو المعنى العملي لعبارة «السيادة» في زمن الشبكات: ليست الحدود وحدها ما يُخترق، بل «المفاتيح» التي تفتح أو تغلق الخدمات. المثال الذي تداوله أوروبيون بكثافة في الأشهر الأخيرة، بوصفه مؤشراً على كيف يمكن أن يمتد أثر القرارات الأميركية إلى خارج خصومها التقليديين، هو استهداف أفراد أو هيئات بعقوبات تقطع عنهم خدمات رقمية ومالية، ما يترك لدى مؤسسات أوروبية سؤالاً مُقلقاً: ماذا لو وُضعت أوروبا، يوماً ما، على طرف هذا النوع من القرارات، ولو بشكل انتقائي أو رمزي أو «تأديبي»؟

السيادة الرقمية الأوروبية

في الآونة الأخيرة، تصاعدت الدعوة لسياسات «تقليل الاعتماد» في مجالات تبدو للوهلة الأولى تقنية محضة: السحابة والذكاء الاصطناعي، والاتصالات المشفرة، ومراكز البيانات. فالاتحاد الأوروبي يدفع نحو بنية سحابية وحوسبة فائقة، وقدرات سيبرانية أوروبية، لكن الطريق مليء بالتحديات: السوق تهيمن عليها شركات أميركية كبرى، والتكلفة ضخمة، والبدائل تتطلب وقتاً ومهارات وبيئة استثمارية لا تُبنى بقرار سياسي. وحتى حين تشتري دولة أوروبية «شركة سحابة وطنية»، قد تستيقظ لاحقاً على خبر انتقال الملكية إلى شركة متعددة الجنسيات خارج القارة، فتعود المشكلة من نافذة أخرى.

في المقابل، لا تبدو واشنطن في وارد تسهيل هذا المسار الأوروبي. ففي خضمّ الدفع الأوروبي نحو «السيادة الرقمية»، حذَّرت شركة «غوغل» من أن بناء «جدران» قد يرتدّ على تنافسية أوروبا، داعية إلى صيغة «سيادة رقمية منفتحة» تقوم على الشراكات بدلاً من الإقصاء. وبغض النظر عن الدافع التجاري للشركات، فإن الرسالة الأساسية واحدة: أوروبا تريد «تقليل الاعتماد»، وأميركا، سياسياً أو تجارياً، لا تريد أن يتحوَّل ذلك إلى سابقة عالمية تقلص نفوذها في أكثر أدوات القوة هدوءاً وفاعلية.

أميركا تغيّرت

يأتي بعد ذلك العامل السياسي - الاجتماعي الذي يجعل سؤال «إعادة عقارب الساعة» شديد الصعوبة. فالتوتر عبر «الأطلسي» لم يعد مجرد اختلاف إدارة مع أخرى؛ بل أصبحت لدى كثير من الأوروبيين قراءة مفادها أن المزاج الأميركي نفسه تغيّر، وأن فكرة «أميركا القديمة» التي تُقدّم المظلة مقابل الولاء الاستراتيجي لم تعد ضمانة، بحسب رئيس كتلة «حزب الشعب الأوروبي» في البرلمان الأوروبي، مانفريد فيبر.

في هذا المناخ، حاول وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، تهدئة الأجواء عشية توجهه إلى «مؤتمر ميونيخ للأمن»، مؤكداً الترابط الوثيق بين ضفتَي «الأطلسي» على مستوى التاريخ والمجتمع والمصالح. لكن الأهم أن السجال بات يدور في أوروبا حول «إدارة المخاطر» لا حول «حُسن النيات»: كيف تُحصِّن القارة نفسها إذا كانت أدوات الضغط المحتملة ليست الدبابات، بل التعريفة الجمركية، والمعايير التقنية، وحقّ الوصول إلى السحابة وشبكات الدفع؟

وفي ميونيخ، حيث تتقاطع ملفات الدفاع مع الاقتصاد والتكنولوجيا، بدا واضحاً أن أوروبا تنظر إلى المرحلة بوصفها «لحظة مفصلية» لإعادة تعريف العلاقة مع واشنطن: أقل عاطفية، أكثر تعاقداً، وأكثر تشكيكاً بركائز ما بعد الحرب الباردة، وفق تغطيات المؤتمر التي تحدَّثت أيضاً عن تراجع صورة الولايات المتحدة لدى قطاعات من الرأي العام الأوروبي.

لذلك، يرى البعض أن ما تستطيع أوروبا فعله واقعياً ليس قطع الارتباط، بل إعادة التوازن: بناء بدائل تدريجية في الدفع والهوية الرقمية والسحابة الحكومية، وتوحيد مشتريات الدفاع والتقنية لتقليل الهدر، وتوسيع شراكاتها التجارية مع كتل ودول تبحث عن «نظام قائم على القواعد» لا على منطق القوة، كما حصل في الاتفاقات التي عُقدت مع الهند ودول «ميركوسور».


مقالات ذات صلة

جماهير أوسنابروك تبهر بايرن ميونيخ بتصميم لعبة أفعوانية متحركة في المدرجات

رياضة عالمية صمم مشجعو أوسنابروك لعبة أفعوانية حقيقية تعمل في أحد مدرجات ملعب الفريق (أ.ف.ب)

جماهير أوسنابروك تبهر بايرن ميونيخ بتصميم لعبة أفعوانية متحركة في المدرجات

أبهرت جماهير أوسنابروك الكثيرين برفع تيفو عملاق خلال مواجهة بايرن ميونيخ في كأس ألمانيا لكرة القدم مساء الأربعاء، بداخله لعبة أفعوانية متحركة...

«الشرق الأوسط» (برلين )
رياضة عالمية هاري كين (د.ب.أ)

كين يؤكد إجراء مفاوضات لتمديد عقده مع بايرن

أكد الإنجليزي هاري كين مهاجم بايرن ميونيخ، الجمعة، أنه بدأ محادثات لتمديد عقده مع بطل ألمانيا لكرة القدم إلى ما بعد عام 2027.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية أولي هونيس (د.ب.أ)

الرئيس الفخري لبايرن ميونيخ يوجِّه انتقادات لاذعة لإنفانتينو

وجَّه أولي هونيس، الرئيس الفخري لنادي بايرن ميونيخ الألماني، انتقادات حادة إلى السويسري جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بسبب تصرفاته.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية جمال موسيالا (أ.ب)

بايرن ميونيخ يؤمن بقدرة موسيالا على الاستمرار في الملاعب

يؤمن نادي بايرن ميونيخ بأن جمال موسيالا سيتمكَّن من مواصلة مسيرته رغم معاناته من مشكلة أعصاب، مؤكداً أنّه لا توجد حالياً أي مؤشرات على عدم قدرة اللاعب الألماني.

«الشرق الأوسط» (ميونخ )
رياضة عالمية جمال موسيالا (أ.ب)

مصادر ألمانية: مسيرة جمال موسيالا ليست معرضة للخطر

تمنى مشجعو بايرن ميونخ الألماني لكرة القدم والمنتخب الألماني الشفاء والسلامة للنجم جمال موسيالا عبر وسائل التواصل الاجتماعي اليوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (ميونخ )

«مضيق ترمب» أحدثها... أماكن طُرح إطلاق اسم الرئيس الأميركي عليها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

«مضيق ترمب» أحدثها... أماكن طُرح إطلاق اسم الرئيس الأميركي عليها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

أعاد اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطلاق اسم «مضيق ترمب» على مضيق «هرمز» الجدل حول سلسلة من الأماكن والمنشآت التي طُرح إطلاق اسم الرئيس عليها، سواء بطلب منه أو باقتراح من حلفائه ومسؤولين جمهوريين. وفي حين بقيت بعض هذه الأفكار في إطار المقترحات، تحولت أخرى إلى خطوات فعلية أثارت معارك سياسية وقانونية حول حدود سلطة الرئيس وإمكانية تغيير أسماء مؤسسات ومعالم عامة.

ويبرز بينها «مركز جون إف. كيندي للفنون الأدائية» و«معهد السلام الأميركي»، اللذان أضيف اسم ترمب إلى اسميهما، وإن كانت تسمية مركز كيندي تواجه نزاعاً قضائياً.

ولا يقتصر الجدل على «مضيق ترمب»، إذ سبق أن ارتبط اسم الرئيس الأميركي بعدد من الأماكن والمنشآت، بعضها داخل الولايات المتحدة وبعضها خارجها، بعدما طُرحت تسميتها باسمه بطرق مختلفة.

«مضيق ترمب»... أحدث الأسماء المقترحة

في أحدث خطوة من هذا النوع، اقترح ترمب تسمية مضيق «هرمز» بـ«مضيق ترمب»، في وقت تشهد فيه المنطقة مواجهة عسكرية متصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشيال»، إن المضيق أصبح تحت السيطرة الأميركية، متسائلاً عمّا إذا كان ينبغي تغيير اسمه إلى «مضيق ترمب».

ويختلف هذا المقترح عن معظم الحالات الأخرى في القائمة، إذ إن مضيق «هرمز» ممر مائي دولي وليس منشأة تقع داخل الولايات المتحدة.

مطار دالاس... مقايضة سياسية باسم ترمب

وبرز مطار واشنطن دالاس الدولي أيضاً في هذا السياق، بعدما طُرحت فكرة تغيير اسمه ليصبح «مطار دونالد ج. ترمب الدولي».

وكان النائب الجمهوري، أديسون ماكدويل، قد قدم في يناير (كانون الثاني) 2025 مشروع قانون لتغيير اسم المطار إلى «مطار دونالد ج. ترمب الدولي».

لكن القضية أخذت منحى أكثر إثارة في عام 2026، عندما أفادت «رويترز» بأن ترمب عرض في يناير تجميد تمويل مشروع نفق في نيويورك مقابل دعم الديمقراطيين إعادة تسمية مطار دالاس ومحطة بنسلفانيا باسمه.

ونقلت «رويترز» لاحقاً عن ترمب قوله إنه لم يقترح بنفسه إعادة تسمية المطار أو المحطة.

وبقي اسم مطار دالاس مرتبطاً باقتراحات سياسية عدة، من دون أن يتحوَّل إلى اسمه الرسمي.

مطار بالم بيتش باسم ترمب

وفي فلوريدا، اتخذت المسألة منحى أكثر مباشرة، بعدما أطلقت الولاية اسم «الرئيس دونالد جيه. ترمب» على مطار بالم بيتش الدولي، ليصبح الاسم الجديد جزءاً من هوية منشأة عامة في الولاية التي يرتبط بها ترمب سياسياً وشخصياً.

ووقتها أوضح المطار أن رمز التعريف، المكون من 3 أحرف المستخدم لدى إدارة الطيران الاتحادية، تغير من (بي بي آي) إلى (دي جيه تي)، في حين قُدرت تكلفة تغيير الاسم بنحو 5.5 مليون دولار.

الطائرة الخاصة بترمب في مطار بالم بيتش الدولي (رويترز)

محطة بنسلفانيا... «ترمب ستيشن» في نيويورك

ولم تسلم محطة بنسلفانيا الشهيرة في مانهاتن من المقترحات المرتبطة باسم ترمب.

ففي يوليو (تموز) 2026، دعت إدارة ترمب الكونغرس إلى دعم إعادة تصميم المحطة، وتوفير مليار دولار إضافية للمشروع، كما طلب وزير النقل الأميركي، شون دافي، من المشرعين توجيه شركة «أمتراك» لإعادة تسمية المحطة.

وجاء ذلك بعد تقارير عن رغبة الإدارة في أن تحمل المحطة اسم ترمب ضمن عملية إعادة تطوير واسعة تقدر تكلفتها بنحو 8 مليارات دولار.

ويعد هذا الاقتراح لافتاً بشكل خاص لأن محطة بنسلفانيا واحدة من أبرز منشآت النقل في نيويورك، المدينة التي ينحدر منها ترمب.

مركز كيندي... اسم ترمب يشعل معركة قانونية

من أكثر الحالات إثارة للجدل «مركز جون إف. كيندي للفنون الأدائية» في واشنطن.

ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، أضاف مجلس إدارة المركز، الذي أصبح يضم عدداً من الأشخاص الذين اختارهم ترمب، اسم الرئيس إلى واجهة المبنى، ليظهر إلى جانب اسم الرئيس الراحل جون إف. كيندي. ووصفت إدارة ترمب الخطوة بأنها تكريم للرئيس وجهوده في المركز.

لكن هذه الخطوة تحوَّلت إلى معركة قانونية، إذ قضى قاضٍ فيدرالي في مايو (أيار) 2026 بأن إضافة اسم ترمب إلى المركز غير قانونية، مؤكداً أن المركز سُمّي بقرار من الكونغرس تكريماً لكيندي. كما أُمرت الإدارة بإزالة اسم ترمب من المبنى.

وعادت القضية إلى الواجهة لاحقاً، مع محاولة مجلس إدارة المركز إعادة اسم ترمب إلى الواجهة، ما دفع المحكمة إلى التشكيك في قانونية هذه الخطوة وتوقيتها.

مبنى «معهد السلام الأميركي» في واشنطن (رويترز)

اسم ترمب على مؤسسة للسلام

ومن واشنطن أيضاً، أُضيف اسم ترمب إلى معهد السلام الأميركي.

وفي ديسمبر 2025، ظهر اسم الرئيس على واجهة مبنى المعهد، وأعلنت متحدثة باسم البيت الأبيض أن المؤسسة أصبحت تحمل اسم «معهد دونالد ج. ترمب للسلام». وجاءت الخطوة بعد صراع طويل بين إدارة ترمب وإدارة المعهد بشأن السيطرة عليه، وانتهت إحدى مراحل النزاع بحكم قضائي عدَّ إجراءات الإدارة الأميركية للاستيلاء على المؤسسة غير قانونية.

وبرر البيت الأبيض التسمية بالإشارة إلى ما وصفها بـ«إنجازات ترمب في إنهاء عدد من الحروب»، وهي ادعاءات أثارت بدورها جدلاً واسعاً.

وبحلول فبراير (شباط) 2026، كانت «رويترز» تشير إلى المؤسسة باسم «معهد دونالد ج. ترمب للسلام»، في حين استمرَّ الجدل حول ظروف إعادة تشكيل قيادتها وتغيير اسمها.


هيغسيث يستعد لحرب إيران حتى 2027... وترمب يدرس إعلان انتهائها

هل تستعد واشنطن لاحتمال استمرار الحرب مع إيران لفترة طويلة أم تناقش انتهاء الحرب؟ (أ.ف.ب)
هل تستعد واشنطن لاحتمال استمرار الحرب مع إيران لفترة طويلة أم تناقش انتهاء الحرب؟ (أ.ف.ب)
TT

هيغسيث يستعد لحرب إيران حتى 2027... وترمب يدرس إعلان انتهائها

هل تستعد واشنطن لاحتمال استمرار الحرب مع إيران لفترة طويلة أم تناقش انتهاء الحرب؟ (أ.ف.ب)
هل تستعد واشنطن لاحتمال استمرار الحرب مع إيران لفترة طويلة أم تناقش انتهاء الحرب؟ (أ.ف.ب)

في حين كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن أن وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، يعمل بهدوء على تمديد انتشار القوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى عام 2027، في مؤشر على استعداد واشنطن لاحتمال استمرار الحرب مع إيران لفترة طويلة، فإنها أشارت أيضاً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يناقش سراً مع كبار مساعديه إمكانية إعلان انتهاء الحرب، والاعتماد بدرجة أكبر على الضغط الاقتصادي؛ لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

ويأتي ذلك في وقت دخل فيه الصراع شهره السابع، بعدما كان هيغسيث قد تعهد في بدايته بأن تكون الحملة العسكرية «ضربة سريعة وحاسمة» تتجنب التورُّط الأميركي في حرب طويلة، وفق ما نقلته الصحيفة عن مصادر مطلعة على الملف.

19 سفينة حربية... و50 ألف جندي

وأوضحت «وول ستريت جورنال» أن النهج الأميركي الشامل في المنطقة يشمل نشر 19 سفينة حربية، ووحدات دفاع جوي، وأسراب مقاتلات ومظليين، بينما يحتفظ الجيش الأميركي بقرابة 50 ألف جندي في المنطقة جزئياً، لمنح الرئيس دونالد ترمب «هامش مرونة» في تحديد خطواته المقبلة.

وتشمل المهام الحالية اعتراض الصواريخ الإيرانية، وتوفير الغطاء للسفن التجارية في مضيق «هرمز»، وفرض حصار على الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، مع بقاء القوات جاهزة لشنِّ هجمات هجومية أوسع إن قرر ترمب التصعيد.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول في البحرية الأميركية أن الأسطول المنتشر في مياه الشرق الأوسط يضم حاملتَي طائرات، و13 مدمّرة موجهة بالصواريخ. وأشارت إلى أن عدداً من هذه المدمّرات، من بينها «يو إس إس ديلبرت دي بلاك» و«يو إس إس سبروانس»، أرسلت إلى المنطقة في الضربات الافتتاحية للحرب، وهي اليوم تبحر لأشهر متواصلة لفرض الحصار، بدلاً من فترات الراحة الشهرية المعتادة، وعلى متن كل منها نحو 300 عنصر.

استراتيجية «البنتاغون»... وضغوط ترمب الاقتصادية على إيران

ويأتي نهج البنتاغون القائم على حشد القدرات العسكرية في وقت بعث فيه ترمب بإشارات متباينة بشأن ما قد يحدث لاحقاً.

فقد تبنى ترمب خلال الأسابيع الأخيرة حملة ضغط اقتصادي على إيران، أملاً في إجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. لكن طهران لم تُظهر أي مؤشرات على التراجع، فيما تواصل الولايات المتحدة وإيران تبادل إطلاق النار، بينما تؤكد كل منهما سعيها إلى فرض السيطرة على مضيق «هرمز».

بعيداً عن العلن... ترمب يناقش إنهاء الحرب

وقال مسؤولون أميركيون للصحيفة، إن ترمب يجري، بعيداً عن العلن، نقاشات مع كبار مساعديه بشأن ما إذا كان ينبغي إعلان انتهاء الحرب مع إيران، مشيرين إلى أن الرئيس قال إنه يؤيد هذه الفكرة.

وأضاف المسؤولون أن ترمب يقول لمساعديه أيضاً إنه يعتقد أن مواصلة الضغط الاقتصادي ستجبر النظام الإيراني في نهاية المطاف إما على تفكيك برنامجه النووي أو الانهيار.

وكتب ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي: «أحب وضعنا الآن بدرجة أكبر بكثير، مع سيطرة شبه كاملة على مضيق هرمز، وانهيار اقتصادهم بالكامل تقريباً. إنهم لا يفعلون سوى إطالة ما هو حتمي. متى سيهب الشعب الإيراني ويقاتل؟».

مخاوف من تداعيات حرب إيران على انتخابات التجديد النصفي

وينصح مساعدون ترمب بأن يؤدي تصعيد الحرب مع إيران إلى ما هو أبعد من الضربات المتبادلة الأخيرة، إلى الإضرار بفرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال الرئيس إنه لا يأخذ التداعيات الانتخابية في الاعتبار عند اتخاذ قراراته المتعلقة بالحرب.

وبينما ينتظر ترمب لمعرفة ما إذا كانت استراتيجيته ستنجح، يحافظ الجيش الأميركي على وجود نحو 50 ألف جندي في المنطقة، جزئياً لمنح الرئيس مرونة في تحديد خطواته المقبلة.

تمديد انتشار وحدات الدفاع الجوي الأميركية إلى 12 شهراً

وقال أحد المصادر المطلعين للصحيفة، إن وحدات الدفاع الجوي التابعة للجيش، التي تعمل تحت ضغط لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، شهدت تمديد فترة انتشارها المعتادة من 9 أشهر إلى 12 شهراً.

وأضاف أن بعض الوحدات التي نُقلت إلى الشرق الأوسط من مواقعها المقررة في أوروبا والمحيط الهادئ أمضت بالفعل أكثر من عام في الانتشار بالمنطقة.

وقال توم كاراكّو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن «وتيرة العمليات بالنسبة لوحدات الدفاع الجوي قبل هذه الحرب كانت بالفعل من بين الأعلى في القوات المشتركة».

وأضاف أن تمديد عمليات الانتشار ينطوي على مخاطر تتمثل في إنهاك القوات، وتأخير أعمال الصيانة، وإعاقة جهود التحديث على المدى الطويل.

إبقاء حاملات الطائرات في المنطقة استعداداً لتصعيد الحرب

وقال برايان كلارك، وهو مسؤول سابق رفيع المستوى في البحرية الأميركية وزميل أول حالياً في معهد هدسون، إن المدمرات البحرية تشكل العمود الفقري للحصار، لكن خطة إبقاء حاملات الطائرات في المنطقة تشير إلى أن إدارة ترمب تريد الحفاظ على قدرات هجومية قوية تحسباً لتصعيد القتال.

وقال كلارك: «إنهم يهيئون الأمر ليكون مستداماً على المدى الطويل، أي حتى العام المقبل بكثير. لكن الحفاظ عليه بهذا المستوى يعني التخلي عن الوجود العسكري في مناطق أخرى. لذا فإنكم تضعون كل ثقل القدرة العسكرية تقريباً في التركيز على إيران خلال العام المقبل».

«البنتاغون» قد يبقي قوات «الفرقة 82 المحمولة جواً» حتى 2027

وقد يبقي البنتاغون أيضاً عناصر من «الفرقة 82 المحمولة جواً» التابعة للجيش الأميركي في الشرق الأوسط حتى عام 2027، وفقاً لرسالة بعث بها قادة عسكريون إلى عائلات أفراد الفرقة، واطلعت عليها «وول ستريت جورنال».

وجاء في الرسالة: «نحن لا نشارككم هذا الأمر باستخفاف، وندرك أن الجولة الأطول تشكل عبئاً كبيراً على كل أسرة، بما في ذلك أسرنا».

ترمب: الجيش الأميركي مستعد لضرب إيران «في أي وقت نريده»

وقال ترمب للصحافيين، الأربعاء، إن الجيش الأميركي سيبقى مستعداً لشن المزيد من الضربات «في أي وقت نريده»، على غرار ما فعله هذا الأسبوع بعد محاولة إيران زرع ألغام جديدة في مضيق «هرمز».

وقال ترمب: «نحن نرى كل ما يفعلونه. لا يمكنهم حتى الذهاب إلى الحمام من دون أن نراهم».


بعد كشف تحفظات جنرالات كبار على حرب إيران... «البنتاغون» يسحب وثائق سرية

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (أ.ب)
TT

بعد كشف تحفظات جنرالات كبار على حرب إيران... «البنتاغون» يسحب وثائق سرية

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (أ.ب)

كشفت صحيفة «واشنطن بوست»، الأربعاء، عن أن وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) سحبت المعلومات والوثائق السرية المتعلقة بـ«كتاب أوامر وزير الحرب» من شبكة كمبيوتر داخلية شائعة الاستخدام لدى المسؤولين والضباط الأميركيين، وذلك بعد أيام من نشر الصحيفة تسريباً لتقرير كشف عن أن عدداً من كبار الجنرالات أبدوا تحفظات على قرارات وزير الحرب، بيت هيغسيث، بشأن إطالة أمد الحرب على إيران، محذّرين من أنها باتت «غير مستدامة» وتنهك قدرة الجيش الأميركي على مواجهة تهديدات في مناطق أخرى من العالم.

ونقلت الصحيفة عن 3 أشخاص مطلعين على الأمر، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهام، أن وثائق مرتبطة بـ«كتاب أوامر وزير الحرب» (SDOB) أُزيلت من بوابة إلكترونية داخلية على «شبكة موجهات بروتوكول الإنترنت السرية (SIPRNet)».

وتحتوي شبكة «SIPRNet» على معلومات مُصنَّفة «سرية»، بينما تُحفظ المعلومات المُصنَّفة «سرية للغاية» على شبكات ذات مستوى أعلى من التصنيف، ولا يملك صلاحية الوصول إليها سوى عدد أقل من الأشخاص.

البنتاغون لا ينفي سحب وثائق «كتاب أوامر وزير الحرب»

ورفض شون بارنيل، المتحدث باسم البنتاغون، مناقشة التغيير يوم الأربعاء، لكنه لم ينفِ حدوثه.

وقال بارنيل في بيان: «كما ذكرنا سابقاً، لا تناقش وزارة الحرب علناً عملياتها الداخلية المتعلقة بالمداولات، بما في ذلك إدارة كتاب أوامر وزير الحرب (SWOB) والتعامل معه وبروتوكولات الوصول إليه».

وأضاف: «إن نجاح أفراد قواتنا هو الأولوية القصوى للوزير هيغسيث، ولهذا السبب تُدار القرارات المتعلقة بالعمليات، ووضع القوات، والكوادر المشاركة في المداولات من خلال قنوات أمنية مناسبة لضمان أمن المهمة وسلامة العمليات».

ويأتي هذا الإجراء بعدما اتخذت إدارة ترمب عدداً من الخطوات الأخرى لعرقلة التسريبات إلى وسائل الإعلام، من بينها إخضاع بعض الموظفين لاختبارات كشف الكذب، وإصدار مذكرات استدعاء بحق صحافيين، وصولاً إلى تفتيش منزل صحافية في «واشنطن بوست» ومصادرة أجهزتها الإلكترونية.

ما الذي تكشفه وثائق «كتاب أوامر وزير الحرب»؟

ويوثق «كتاب أوامر وزير الحرب» مواقع وتوافر السفن الحربية الأميركية والوحدات العسكرية وأنظمة الأسلحة وغيرها من الموارد، كما يوفر لكبار الجنرالات والأدميرالات مساحة يمكنهم من خلالها مخالفة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهيغسيث في الرأي، مع الاستمرار في تنفيذ أوامرهما.

ويفعل القادة ذلك من خلال ما يُعرف باسم «عدم الموافقة» (non-concur)، وهي عملية يشرحون فيها تحفظاتهم أو الآثار السلبية التي قد تترتب على الأوامر بالنسبة إلى خطط عسكرية أخرى.

كبار القادة العسكريين حذروا من إطالة حرب إيران

ويُنشر «كتاب أوامر وزير الحرب» مرتين شهرياً. وفوق «واشنطن بوست»، تحول إلى محور نقاش مكثف بعدما نشرت الصحيفة، الأحد، أن عدداً من كبار الجنرالات والأدميرالات حذَّروا هيغسيث من أن مواصلة العمليات واسعة النطاق ضد إيران لفترة طويلة أمر غير مستدام، وقد يؤدي إلى إضعاف قدرتهم على مواجهة تهديدات في مناطق أخرى.

ونقلت الصحيفة عن أشخاص مطلعين على الوثيقة أن هؤلاء القادة عبَّروا عن تحفظاتهم من خلال تسجيل «عدم موافقة» في كتاب الأوامر.

وكان من بين الذين أثاروا تحفظات بهذه الطريقة الجنرال أليكسوس غرينكويتش، قائد القيادة الأوروبية الأميركية؛ والجنرال فرانسيس دونوفان، قائد القيادة الجنوبية الأميركية؛ والأدميرال صامويل بابارو، قائد القيادة الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ؛ والأدميرال داريل كاودل، رئيس العمليات البحرية، بحسب الأشخاص المطلعين على النقاش.

وفي المقابل، وافق الجنرال كينيث إس. ويلسباخ، رئيس أركان القوات الجوية، والجنرال كريستوفر لانييف، القائم بأعمال رئيس أركان الجيش، على خطة هيغسيث لتمديد فترة انتشار بعض وحداتهما، لكن كلاً منهما شدد على أن ذلك سيأتي بمخاطر كبيرة، وفقاً لهؤلاء الأشخاص.

حرب إيران تدخل شهرها السابع... وتزيد الضغوط على الجيش الأميركي

وكان مسؤولون أميركيون كبار قد أثاروا، على مدى أشهر، مخاوف متزايدة بشأن التداعيات طويلة الأمد للحرب مع إيران، التي دخلت شهرها السابع بعدما كان ترمب قد قال في البداية إنها ستستغرق بضعة أسابيع فقط.

وتشمل المخاوف الاستهلاك الهائل من الذخائر التي تزداد ندرة، مثل صواريخ «باتريوت» الاعتراضية وصواريخ «توماهوك» الجوالة، فضلاً عن الضغط الذي يتعرَّض له أسطول البحرية الأميركية في الوقت الذي يُنفَّذ فيه حصار بحري فرضته إدارة ترمب على إيران.

وكانت «رويترز» قد نقلت عن مصادر إن الجيش الأميركي استهلك معظم مخزونه من الصواريخ بعيدة المدى عالية الدقة خلال الحرب مع إيران، مما أثار مخاوف داخل الإدارة الأميركية بشأن جاهزية القوات المسلحة إذا اندلع صراع جديد مع خصوم مثل روسيا أو الصين.

وقال مسؤول دفاعي سابق كان يراجع هذه الوثائق بصورة منتظمة، وتحدث للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويته، إن إزالة «كتاب أوامر وزير الحرب» أو نقله إلى أنظمة ذات مستويات تصنيف أعلى من شأنه أن «يقلص بشكل كبير عدد الأشخاص الذين لديهم وصول مباشر إليه»، وهو ما يمكن أن يعرقل التخطيط العاجل.

تقليص الوصول إلى الوثائق قد يبطئ القرارات العسكرية

وأوضح المسؤول الدفاعي السابق أن القادة وموظفيهم يعتمدون على الوصول إلى «كتاب أوامر وزير الحرب» لاتخاذ قرارات وإرسال إخطارات في الوقت المناسب.

وأشار على سبيل المثال، إلى أن نقل الطائرات والأسلحة من قيادة عسكرية إلى أخرى يتطلب عملاً لوجيستياً عاجلاً لإعادة توجيه المعدات والموارد.

وأضاف أن تقييد الوصول إلى المعلومات ذات الصلة سيجعل هذه العملية أبطأ وأكثر صعوبة.

وقال المسؤول إن هذا التغيير لا يعني استحالة وصول هؤلاء الموظفين إلى الوثائق الاستراتيجية والعملياتية، لكنه يجعل الأمر «بالتأكيد أكثر صعوبة».