نيكولا بو يعترف: الرجل الحلقة الأضعف بالنسبة لنا ونحتاج استراتيجية لإغوائه

مدير القسم العالمي للساعات يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن المولود«شانيل» الجديد «بريميير بوي» وأهمية المرأة في عملية الإبداع

نيكولا بو يعترف: الرجل الحلقة الأضعف بالنسبة لنا ونحتاج استراتيجية لإغوائه
TT

نيكولا بو يعترف: الرجل الحلقة الأضعف بالنسبة لنا ونحتاج استراتيجية لإغوائه

نيكولا بو يعترف: الرجل الحلقة الأضعف بالنسبة لنا ونحتاج استراتيجية لإغوائه

في حال قابلت نيكولا بو، مدير القسم العالمي للساعات بدار «شانيل» احذر أن ترتكب خطأ مكاشفته أنك تعتقد أن ساعة «بوي» (Boy) الجديدة يمكن أن تكون للجنسين، لأنه سيرد عليك بحزم أنها «ساعة نسائية بكل المقاييس.. فهي ليست تصميما رجاليا تم تصغيره ليناسب المرأة.. هذه النقطة مهمة جدا بالنسبة لنا وهذا ما راعيناه عندما فكرنا في طرح ساعة جديدة هذا الموسم».
يتابع مدافعا عن أنوثتها أن السوق متخمة بالساعات الرجالية في الوقت الحالي، بينما «شانيل»، ومنذ تأسيسها إلى اليوم، تحتفل بالأنوثة والجمال الراقي، وهو ما تقدره المرأة بإقبالها على كل ما تطرحه من أزياء وإكسسوارات وجواهر وساعات يد. «هذا لا يعني أن الرجل غير مهم بالنسبة لنا، لا تفهميني خطأ» يستطرد مدافعا «فنحن ندرك أنه مؤثر في صناعة الساعات عموما، لكن لكي نقنعه بأننا دار ساعات متخصصة، علينا أن نتسلح بعمر يقارب الـ150 عاما تقريبا، لأن هذا ما ترسخ في ذهنه، ومن دون ذلك يصعب إقناعه. صحيح أن لدينا زبائننا الأوفياء من الجنس الخشن، إلا أنهم نسبة قليلة مقارنة بالجنس الناعم، لهذا ليس غريبا أن نكثف جهودنا الإبداعية ونوجهها للمرأة، وإذا احتاج الأمر إلى جرعات ذكورية لكسب ودها، فلا بأس من ذلك على شرط أن تكون بجرعات محسوبة كما هو الحال في هذه الساعة».
والحقيقة أن «شانيل» سباقة في إعطاء الأولوية للمرأة مقارنة بغيرها من بيوت الجواهر والساعات التي كثفت لغتها النسائية في السنوات الأخيرة فقط، بعد أن كانت تركز على الرجل، لأنه كان يُقبل على الساعات أكثر منها في العقود الماضية.
أكبر دليل على هذا ساعاتها «بروميير» (PREMIERE) التي شغلت الكل في عام 1987 بتحطيمها المتعارف عليه. فقد كانت أول ساعة مفعمة بالأنوثة، بسوارها وعلبتها، حتى من دون أن تكون مرصعة بالماس. كان تصميمها يحاكي قارورة عطر N°5 وساحة فاندوم في الوقت ذاته، تطبعه نفحة عصريّة وكلاسيكية، بزواياه المصقولة وسوارها الأنيق. وكان من البديهي أن تلمس وترا حساسا بداخل المرأة التي لا تحتاج إلى الكثير من الإقناع أساسا لتقع في حب كل ما تقدمه لها الدار. ولحد الآن تعتبر ساعة «بروميير» واحدة من بين أنجح الساعات النسائية.
بيد أنها ليست الوحيدة التي تفخر بها «شانيل»، فهناك ساعتها «جي12» (J12 ) التي أطلقتها منذ أكثر من عقد ونصف، وخصت بها الرجل، حجما وشكلا ومواد وحققت بدورها النجاح. غير أن ما لم يتوقعه الكثيرون، بمن فيهم الدار نفسها، أن المرأة استخسرتها في الرجل وسرقتها منه بمجرد أن وقعت عليها عيناها، لتصبح ملكها هي أيضا.
طبعا، لم يكن من الممكن أن تتجاهل الدار هذا الغزو الكاسح، أو بالأحرى هذا الحب غير المشروط الذي يكنه لها الجنس اللطيف، فاستغلته أحسن استغلال. فليس هناك أدنى شك في أن سوقها الأول نسائي، لا يشكل فيه الرجل سوى نسبة قليلة، وهذا ما أكده نيكولا بو، في لقاء خاص بمقر «شانيل» الرئيسي بـ«بلاس فاندوم». يشرح لي وكأنه يذكرني، أن مؤسسة الدار امرأة، كان همها خدمة المرأة وتحريرها من قيود أساليب قديمة كبلها بها مصممون رجال. من هذا المنطلق فإن الساعة الجديدة، «Première BOY» موجهة للمرأة رغم ما يكسوها من لمسات ذكورية واضحة، تتجسد في الوظائف والحركات وشكل العلبة المستطيل، كما في استعمال جلد التماسيح. «فحتى هذا الجلد لا يخلو من مسحة أنثوية لأنه جاء ناعما ورقيقا من الجوانب، إضافة إلى أنه غير محاك بالطريقة التقليدية المتبعة في حياكة أسورة الساعات الرجالية». يقول هذا وهو يلتقط واحدة من بين مجموعة من الساعات التي كانت متراصة على طاولة أمامنا، وهو يتلمس زواياها ثم يشير إلى الميناء قائلا إن عدم وجود أرقام يجعلها مريحة للعين «كأنها تريد أن تقول لنا إن وظيفتها الأساسية ليست قراءة الوقت بقدر ما هي تحريك الرغبة فيها. فالساعات النسائية تُحركها العواطف أكثر من الحاجة إلى قراءة الوقت»، حسب تأكيده.
المتابع لمسيرة الدار منذ بداية القرن الماضي إلى اليوم، يعرف أن هذا ما تتقنه جيدا وبات يدخل ضمن جيناتنا الوراثية، أي تلك الأنوثة الكلاسيكية العصرية، التي تخفي بين ثناياها لمسات ذكورية خفيفة. فكوكو شانيل كانت أول مصممة تستعمل قماش الجيرسيه في تصاميمها، علما أنه كان قماشا يستعمل في الملابس الرجالية فحسب، وهي التي أخذت أيضا سترة التويد الرجالية وأنثتها على شكل جاكيت محتفظة بإيحاءاتها الرجالية حتى تزيدها سحرا وقوة. وهكذا أصبح الجاكيت المصنوع من التويد اليوم من أساسيات خزانة كل امرأة أنيقة.
من هذا المنطلق، ليس غريبا أن يلتقط قسم الساعات هذه النقطة ويركز عليها في «بروميير بوي» الجديدة، التي يُشير اسمها إلى ارتباط جيناتها بمجموعة «بروميير» التي أطلقتها الدار في عام 1987 رغم اختلافهما الظاهري. فبينما تتمتع «بروميير» بسوار يلتف على المعصم وكأنه قطعة جواهر، فإن ساعة «بوي» تتميز بحزام من الجلد يُعزز تلاعبها على مفهوم الأنوثة والذكورة.
كلما نظرت إليها، تشعر بأنه على الرغم من رفض نيكولا بو لفكرة أنها تتوجه إلى الرجل بتصميمها، وتأكيده بأن النية كانت غير ذلك تماما، يمكن أن تروق، وبسهولة، لزبون الأسواق الآسيوية. فحجمها متوسط وتصميمها كلاسيكي، ورغم أنوثتها وكونها تنتمي إلى سلالة «بروميير» إلا أنها تبدو أكثر نضجا وهدوءا. هذا النضج والتصميم الكلاسيكي المطعم بنفحة رجالية، بالنسبة لنيكولا بو، يمكن أن يغري الرجل لشرائها كهدية لامرأة عزيزة على نفسه، وليس بالضرورة له شخصيا، لأن المتعارف عليه أن المرأة تشتري ساعتها من منطلق عاطفي وخاص، على العكس من الرجل الذي يفكر بالعملية بطريقة منطقية.
مجرد فكرة أن يشتري الرجل هذه الساعة للمرأة تُعجب نيكولا بو. فأي شيء يشجع الرجل على دخول محلات «شانيل» مُرحب به حتى يتعرف على منتجاتها وعالمها عن قرب. فالرجل، لا يزال لحد الآن الحلقة الأضعف، ليس لأنه لا يقدر الدار بل لأنه يجهل الكثير عنها. فهو يعرف «شانيل» بالاسم، كدار أزياء فرنسية راقية، ولا يعرف، للأسف، الكثير عن جانبها الخاص بالساعات المعقدة، مثلا، وربما لا يخطر بباله أن تكون رائدة بإمكانها أن تنافس شركات عريقة من حيث وظائفها وتعقيداتها. هذا الحاجز القائم بين الرجل وبين الدار يتطلب استراتيجيات قوية لإغوائه وزيادة وعيه بها حسب نيكولا «علينا أن نكثف جهودنا لنشرح له تطورنا، حتى يفهم أننا بالفعل من صناع الساعات الجادين. وإذا تطلب الأمر إصدار ساعات رجالية بين الفينة والأخرى، فلم لا؟ فقد قمنا بذلك من خلال ساعة (J12 ) التي تتمتع بتعقيدات ووظائف مهمة. كل ما نحتاج بعض الوقت لربط التواصل معه، وإتقان لغة خاصة لمخاطبته وإقناعه. فمقولة الوقت من ذهب من الكليشيهات، لكنها صحيحة، لأني قرأت مؤخرا مقالا يفيد بأن عملية شراء ساعة يمكن أن تستغرق 5 سنوات من الرجل. طبعا هذا يستثني الطبقات الثرية، التي يمكنها شراء ساعة كل يوم، لكن حتى هذه الطبقة باتت متطلبة وتحتاج إلى الكثير لكي تقع في حب ساعة بعينها».
السبب برأيه لا يتعلق بالسعر وحده، بل أيضا بالتصميم والتعقيدات فضلا عن القصة التي تحكيها، ومدى عكسها للمكانة الاجتماعية. «فشراؤها يختلف عن شراء حقيبة مثلا.. فبينما يمكن تغيير هذه الأخيرة حسب المواسم، يجب أن ترافق ساعة يد صاحبها لسنوات، إن لم نقل العمر كله، لهذا تتطلب مواصفات معينة حسب أسلوب حياة صاحبها». ويستشهد بساعة خاصة بالغطس مثلا فهي يجب أن تتميز بمواصفات جد خاصة، بدءا من حجم مؤشرات الوقت إلى الضوء وتحمل الصدمات وغيرها. لهذا أعود وأقول إن مخاطبة الرجل تحتاج إلى لغة خاصة. ثم يضيف مبتسما «طبعا نعول على زوجاتهم وبناتهم بتعبيد الطريق لنا لأنهن يعرفننا جيدا».
عندما أشرت إلى أن المشكلة قد تكمن في أن البعض لا يزال يرى أن ساعات «شانيل» موضة أكثر منها ساعات متخصصة، لم ينتفض أو يعرب عن انزعاجه كما كنت أتوقع، بل حافظ على هدوئه، كما لو أنه كان يتوقع هذا السؤال، وأجاب: «منذ عشر سنوات، كان هذا السؤال يطرح أكثر من الآن، وآخر مرة سُئلت كانت في لقاء مع مجموعة من الزبونات السعوديات، قلن لي إن (شانيل) ليست دار ساعات متخصصة مثل (كارتييه). عندما شرحن لي وجهة نظرهن، تفاجأت وفهمت أن مسألة التخصص ترتبط في أذهانهن بالتاريخ، بمعنى المدة الزمنية. فتاريخ (كارتييه) يمتد لقرون مقارنة بنا. أنا لا أشك إطلاقا بأن تصاميم (كارتييه) وإصداراتها رائعة، إلا أن (شانيل) لا تقل عنها قوة وجمالا ولا ابتكارا، لهذا يبقى الفرق مسألة ذوق شخصي، والمهم أن تعشق المرأة الساعة التي تستعملها أيا كانت ماركتها».
عندما ينطق نيكولا بو كلمة ابتكار يركز عليها ببطء، وكأنه يذكرني بأن الابتكار عنصر مهم في الدار ويعتبر أحد مقوماتها وأعمدتها، ويستطرد قائلا: إن «ابتكار شيء بمعنى المطلق ومن الصفر سواء في مجال الساعات أو مجالات أخرى صعب للغاية فكل شيء ابتكر من قبل، لهذا ما نحرص عليه هو أخذ بعض العناصر أو الرموز الموجودة والبناء عليها بأسلوبنا، وهذا ما قمنا به في ساعة (جي12)، مثلا حين خففنا من اللون النحاسي، وقمنا باختبارات طويلة إلى أن توفقنا إلى اللون الذهبي المطلوب فيها. نفس الأمر يمكن أن يُقال عن ساعة (بروميير توربيون)، فتقنيتها كانت موجودة من قبل، لكننا أضفنا إليها رشة جمال وصبغة عاطفية وهذا مهم». الحديث مع نيكولا بو، ورغم نكهته الخاصة، لا يختلف عن الحديث مع غيره من المسؤولين في أقسام الدار الأخرى من إذ إنه متشبع بثقافة «شانيل» واستراتيجياتها بعيدة المدى. وهذا مفهوما بحكم أن الدار مثل شجرة باسقة ووارفة تحتضن كل أنواع الابتكار بلغتها الباريسية الأنيقة، ولا تتوقف عن التفرع والتفتح في كل موسم. بالنسبة لنيكولا، لا تقتصر علاقة الدار بالابتكار على المواد الجديدة أو التقنيات والتصاميم المبتكرة وحدها، بل كل هذه العناصر مجتمعة فضلا عن تفاصيل أخرى لا ينتبه إليها آخرون، وتركز عليها الدار لتحولها إلى سحر. والأهم من هذا حسب قول نيكولا بو «نحن لا نقلد أبدا، لكننا نتابع ما في السوق، فمثلا عندما أصدرنا ساعة (بروميير) لأول مرة، كانت هناك الكثير من الساعات النسائية من بيوت جواهر وشركات ساعات متخصصة، لكنها كانت مأخوذة من التصاميم الرجالية مع تصغير أحجامها فقط، بينما قمنا نحن بالتفكير بها من البداية إلى النهاية وبكل تفاصيلها كساعة نسائية محضة. كذلك الأمر بالنسبة لساعة (جي 12) فعندما قدمنا بالسيراميك باللونين الأبيض والأسود لم يكن الأمر مألوفا، بل واعتبر الأمر حينها ثوريا. بعدها رأينا الكل يتبعنا ويصنع ساعات من السيراميك أو باللون الأبيض».
والحقيقة أن هذا ليس غريبا على دار «شانيل» التي تُلهم الآخرين. فاستراتيجياتها التسويقية يُحتذى بها، وكل ما تطرحه يصبح توجها جديدا يتم تقليده من قبل مصممين آخرين. هذا لا يعني أن ما تطرحه موضة موسمية بل العكس تمام، وهنا يكمن نجاحها.

** الساعة

*  يذكّر شكلها بتصميم ساعة PREMIERE الأيقوني كما يشيد بقارورة عطر N°5 وساحة فاندوم.
* قرص أوباليني مع زخرفة بنمط guilloche دقيقة، يبرزه شكل مستطيلي خال من الأرقام.
* تغلب على التصميم نفحة عصريّة وكلاسيكية في آن معًا مع زوايا مصقولة أو ملمّعة.
* علبة الساعة مقوّسة بأطراف مقطوعة بشكل مائل، ملمّعة ومصقولة، بالذهب البيج عيار 18 قيراطًا مع أو دون حبّات ألماس، أو بالذهب الأبيض عيار 18 قيراطا المرصّع بحبّات الألماس.
* تأتي بحجمين. حجم بقطر 37 x 28.60 مم مزوّد بحركة ميكانيكية يدويّة التدوير وعدّاد ثوان صغير عند مؤشّر الساعة 6 وحجم بقطر 34.60 x 26.70 مم مزوّد بحركة كوارتز ونافذة صغيرة لعرض التاريخ عند مؤشّر الساعة 6.
* حزام من جلد التمساح الشبه لمّاع مع مشبك أو إبزيم ثلاثي الطيات.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.