التدقيق الجنائي بحسابات «المركزي» يكشف مدى استباحة أموال الدولة اللبنانية 

​خبير لـ«الشرق الأوسط»: غياب الرقابة والتلاعب بالميزانيات يفسدان القطاع العام 

مقر «مصرف لبنان» (البنك المركزي) في بيروت (رويترز)
مقر «مصرف لبنان» (البنك المركزي) في بيروت (رويترز)
TT

التدقيق الجنائي بحسابات «المركزي» يكشف مدى استباحة أموال الدولة اللبنانية 

مقر «مصرف لبنان» (البنك المركزي) في بيروت (رويترز)
مقر «مصرف لبنان» (البنك المركزي) في بيروت (رويترز)

تتواصل تفاعلات التدقيق الجنائي في حسابات البنك المركزي اللبناني وخلاصاته المثيرة، بصورة دراماتيكية في الأوساط الداخلية كافة، فيما تتوالى عمليات الكشف عن الثقوب السوداء التي تزخر بها البيانات المالية الأساسية للمؤسسة، بما يشمل مصروفات خاصة بالدولة، وتوظيفات الجهاز المصرفي المسندة خصوصاً بكتلة الودائع، فضلاً عن احتياطات البلاد من العملات الصعبة.

وبما يتعدى حيازته موقع الصدارة في الميادين الداخلية، سياسياً واقتصادياً وشعبياً، اكتسب تقرير «ألفاريز أند مارسال» المنجز بصيغته الأولية، وفقاً لمصادر مصرفية ومالية موثوقة، أرجحية التصنيف المرجعي الموثق لدى سلطات مالية عالمية، وبالأخص لدى المؤسسات المنغمسة بأزمات البلد وانهياراته، وفي طليعتها صندوق النقد والبنك الدوليان. كما يرتقب أن يشكل دعامة أساسية لمؤسسات تقييم التصنيف السيادي والجدارة الائتمانية للبنان.

جانب من احتجاجات المودعين أمام «مصرف لبنان» (البنك المركزي) في بيروت يوم 23 يونيو الماضي (إ.ب.أ)

ومن دون أي شك أو مبالغة، ووفقاً لتحليل الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور جو سرّوع، فإن «ما بعد التدقيق لن يشبه ما قبله»، في بلد يشرف على ختام السنة الرابعة من الأزمات الحادة والكوارث الاجتماعية والمعيشية. فالتقرير المنجز وضع لبنان واقتصاده الوطني ومنظومة الحكم بطبقاتها كافة، في مواجهة حقائق المال العام «السائب» والفساد والهدر، بدءاً من المؤسسة (البنك المركزي) المفترض أن تشكل النموذج للإدارة الرشيدة، وصولاً إلى طغيان المصالح الخاصة، واستغلال المواقع والنفوذ في الدولة والقطاع العام.

وبالفعل، شهدت القيود المحاسبية الخاصة بتمويلات المركزي للدولة، بداية سجالات يرجّح تحولها سريعاً إلى اشتباك جدلي جديد بين الأطراف السياسية المتنازعة، وخصوصاً بعدما أظهرت الكشوفات ضخ نحو 48 مليار دولار لتغطية مصروفات عائدة للقطاع العام، أو استجابة لتعليمات حكومية، مع التنويه بأن نصف هذه المبالغ، أي نحو 24 مليار دولار، تم استهلاكها في تلبية احتياجات مالية لمؤسسة الكهرباء ووزارة الطاقة، في حين جرى إنفاق نحو 7.57 مليار دولار على الدعم الحكومي لمواد غذائية واستهلاكية.

ولم يتأخر رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، الذي تولى مباشرة أو عبر اختيار الوزراء، وزارة الطاقة تباعاً منذ عام 2010، في الإدلاء بمداخلته الأولى، مؤكداً أن المعركة لم تنتهِ بالتقرير، ويجب تسليم كل المستندات المطلوبة، معتبراً أن هذه مسؤولية النائب الأول للحاكم (الحاكم بالإنابة)، بغية استكمال التدقيق بالمصرف المركزي، وبكل مؤسسة أو إدارة، وخاصةً وزارة الطاقة لتبيان كل الحقائق والأكاذيب.

ولاحظ أن التقرير «أظهر كثيراً من المخالفات والسرقات للمال العام وأموال المودعين، وأخطر ما كشفه أن كلفة الهندسات المالية المباشرة، بالإضافة إلى العلاوات، بلغت 76 مليار دولار، وهي جريمة مالية غير مسبوقة بتاريخ البشرية، ومسؤولية القضاء التحقيق، والمجلس النيابي يتحرّك، لأن من حق اللبنانيين أن يعرفوا من سرق أموالهم».

نائب حاكم «المركزي» اللبناني وسيم منصوري (أ.ب)

ثم أضاف: «نحنا أمام سابقة تاريخية»، واصفاً التقرير بأنه «إدانة لحقبة سياسية بكاملها، ولمنظومة، أمين صندوقها هو حاكم المصرف المركزي، وهي تناصبنا العداء بكل الطرق، وبشراء ذمم قضاة وإعلاميين وسياسيين، تبيّن كم كانوا مرتشين».

وإذ تشير حيثيات التقرير إلى تعمد عدم تسليم مستندات وبيانات حيوية وأساسية للتوسع في عمليات التدقيق وإنجاز المهمة على الوجه المطلوب، يؤكد سرّوع في حديثه مع «الشرق الأوسط» على أولوية مبادرة الحكومة إلى المعالجة السريعة لهذه الثغرة، وبما يفضي إلى سبر مجمل الحسابات العامة، والدفع صوب استكمال عمليات التقصي والمتابعة وفق الأصول المهنية، ومقتضيات الشفافية المطلوبة، بغية الكشف عن كل مكامن الخسائر وتوثيقها، وبما يمهد لاجتراح خطة إنقاذية حقيقية تحظى بدعم صندوق النقد الدولي والدول المانحة.

ولا تقتصر المسؤوليات، وفق روحية التقرير وخلاصاته، على السلطة التنفيذية وحدها، بحسب قراءة سرّوع، «فالفضائح والتحليلات والجداول المرفقة، تشكل بذاتها إخبارات موثقة توجب الملاقاة التلقائية من قبل المرجعيات القضائية المختصة، كونها لا تثبت فقط أوجه القصور في إدارة القطاع العام، وغياب مجمل أشكال الرقابة الإدارية والمالية، بل تدل بالإثباتات، على سرقات موصوفة للمال العام، وهدره والتلاعب الجسيم في الميزانيات، فضلاً عن الطمس المتعمّد لعمليات وقيود تحتمل شبهات الجرائم المالية».

كورنيش المنارة في العاصمة اللبنانية بيروت (رويترز)

وليست الإدارة الجديدة للبنك المركزي بمنأى عن الموجبات التي يمكن استنباطها بسهولة من العرض المنهجي للوقائع والموانع والجداول المرفقة في التقرير. فهذه المؤسسة، كما يصفها الخبير الذي شغل مناصب قيادية في مؤسسات مصرفية دولية ومحلية، هي «المرآة العاكسة لمستوى الحوكمة في العالم أجمع»، وهي «تتمتع في لبنان باستقلالية دستورية كسلطة نقدية وبمسؤوليات شبه مطلقة في إدارة السيولة والتضخم والفوائد».

بالتالي، فإن ما تم كشفه من فجوات إدارية ومالية ومن ممارسات غير سويّة، «لا يصيب بالضرر هذه المؤسسة وحدها، إنما يؤشر إلى درك أدنى تقع فيه الدولة بكل سلطاتها ومؤسساتها»، حسب تقييم سرّوع. ولذا، فإن «الأوجب حالياً الشروع فوراً بإعادة هيكلة البنك المركزي وإداراته، والتركيز خصوصاً على التشاركية الحقيقية في صناعة القرارات، ولا سيما ذات المضمون المالي، ثم العناية الاستثنائية بفاعلية الرقابة الإدارية والمالية، والالتزام بكل إفصاحات الميزانية وتصويباتها المطلوبة من قبل المدقق الداخلي أولاً، وشركات المحاسبة والتدقيق الدولية المتعاقد معها».

البرلمان اللبناني (رويترز)

ويشير سروع إلى أن «تحديد مبلغ فجوة الحقوق المالية لدى المركزي بما يصل إلى 52 مليار دولار، ومحاولة الحاكم السابق التعمية عليها بطبع العملة، يكفيان وحدهما للإدانة بانعدام الحوكمة في المؤسسة، وبإساءة الإدارة المالية للموازنة، وبغياب شبه تام للرقابة والمساءلة على مدى سنوات طويلة»، بينما تتجلى شبهة الفساد والنفع الخاص في ضخ العمولات والأرصدة في حسابات شركة «فوري» وفي جداول المنح والمخصصات.

ويسأل: «كيف جرى إخفاء التلاعب بقيود الميزانية، وتظهير أرباح تم تحويل حصص سنوية منها إلى وزارة المال، بموجب قانون النقد والتسليف، لتنقلب بذلك القاعدة القانونية التي تفرض على الدولة تغطية أي خسائر طارئة تصيب رأسمال البنك المركزي؟»، موضحاً أن «الربح الصافي، بموجب نص المادة 113 من القانون، يتألف من فائض الواردات على النفقات العامة والأعباء والاستهلاكات وسائر المؤونات. وإذا كانت نتيجة سنة من السنين عجزاً، تغطى الخسارة من الاحتياطي العام، وعند عدم وجود هذا الاحتياطي، أو عدم كفايته، تغطى الخسارة بدفعة موازية من الخزينة».


مقالات ذات صلة

لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

تحليل إخباري لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

يصر رؤساء الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، على تمرير الاستحقاق النيابي بموعده في مايو المقبل.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً في يوليو الماضي اجتماعاً ضم رئيس بعثة صندوق النقد الدولي ووزيري المالية والاقتصاد والتجارة وحاكم مصرف لبنان (رئاسة الحكومة)

صندوق النقد يتقصَّى ميدانياً تحديثات الإصلاحات المالية في لبنان

تنفّذ بعثة صندوق النقد الدولي المولجة بالملف اللبناني، جولة مناقشات تقنية جديدة في بيروت خلال الأسبوع الحالي.

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)

سلام يتفقد المناطق الحدودية: سيادة لبنان مسؤولية تجاه الناس ومشاكلهم

جال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في عدد من بلدات الجنوب، في زيارة تمتد يومين وتحمل أبعاداً سياسية وإنمائية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (قيادة الجيش اللبناني)

تحليل إخباري زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن بين «اختبار الشراكة» و«كمين التوصيفات»

تحوّلت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة، من محطةٍ يفترض أن تركز على دعم المؤسسة العسكرية وتنسيق المساعدات، إلى ساحة سجال سياسي

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام أيران في تحرك دعا له الحزب أمام منظمة «إسكوا» وسط بيروت الأربعاء (إ.ب.أ)

«حزب الله» يتضامن مع إيران... وجعجع: إنهاء أزمة لبنان يبدأ بوقف دعمها له

في ظلّ الترقب الذي تعيشه المنطقة، تعكس المواقف اللبنانية التناقض القائم في مقاربة الملفات الإقليمية، ولا سيّما ما يتصل بدور إيران.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)
خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)
خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)

اتهمت حركة «فتح» الفلسطينية، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفضاً إسرائيلياً للمضي قدماً في تنفيذ المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع.

وقال المتحدث باسم الحركة في قطاع غزة، منذر الحايك، إن إسرائيل لا تزال تمنع وصول أعضاء اللجنة إلى القطاع رغم إعادة فتح معبر رفح، مشيراً إلى أن هذا المنع يقترن بعدم وجود مؤشرات على استعداد إسرائيل للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.

وأضاف الحايك، في تصريح صحافي نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الجيش الإسرائيلي يواصل فرض سيطرته على مساحات واسعة من قطاع غزة، ما يعرقل أي خطوات عملية لبدء ترتيبات إدارية جديدة على الأرض.

من جهته، أشار عضو اللجنة الوطنية عائد ياغي إلى وجود معوقات فنية تعيق انتقال أعضاء اللجنة من القاهرة إلى غزة، دون أن يوضح طبيعة هذه المعوقات، معرباً عن أمله في تجاوزها خلال الفترة القريبة المقبلة.

وكانت مصر وقطر وتركيا قد أعلنت، في وقت سابق، عن تشكيل لجنة فلسطينية من شخصيات مستقلة لإدارة شؤون قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية، على أن تباشر عملها من داخل القطاع.

يأتي ذلك في وقت يسري فيه اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة «حماس» منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وسط خلافات متواصلة بشأن تنفيذ بنوده اللاحقة.


لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

يصرّ رؤساء الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، على تمرير الاستحقاق النيابي في موعده في مايو (أيار) المقبل، بصرف النظر عما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية-الإيرانية، والمرحلة الثانية من «حصرية السلاح»، طالما أن «احتواءه» يطبق بحذافيره ويلتزم به «حزب الله» بعدم استخدامه أو نقله، والموقف نفسه ينسحب على الفصائل الفلسطينية المنتمية إلى محور الممانعة.

ويؤكد مصدر وزاري أن لا عودة عن إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وأن وزارة الداخلية والبلديات أتمت الاستعدادات اللوجيستية والإدارية لإجراءها في مايو المقبل على أساس قانون الانتخاب النافذ حالياً. ويقول المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن الخيار الوحيد لإخراج قانون الانتخابات من السجال الدائر بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري وخصومه يكمن باعتماد الدوائر الانتخابية الـ15، في مقابل تعليق العمل باستحداث الدائرة الـ16 لتمثيل الاغتراب اللبناني بـ6 مقاعد نيابية، وبعدم السماح للبنانيين في بلاد الانتشار بالاقتراع لـ128 نائباً من مقر إقامتهم، من دون استبعاد تأجيلها تقنياً إلى منتصف الصيف المقبل، إفساحاً للمجال أمام مجيئهم إلى لبنان لممارسة حقهم بانتخاب ممثليهم.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي وأعضاء الحكومة الجديدة في البرلمان خلال جلسة عامة للتصويت على الثقة بالحكومة التي شكلها نواف سلام... يوم 26 فبراير 2025 (رويترز)

الكرة في ملعب البرلمان

يلفت المصدر الوزاري إلى أن الكرة الآن في ملعب المجلس النيابي، وأن عدم انعقاده في جلسة تشريعية للنظر في مشروع القانون الذي أحالته إليه الحكومة بصفة المعجل المكرر، يعني حكماً بأن الانتخابات ستجري على أساس اعتماد الدوائر الانتخابية الـ15، لكن المصدر لم يجزم ما إذا كانت الظروف الدولية المحيطة بلبنان ستسمح بإنجاز الانتخابات في موعدها ما لم يتقدّم عليها إلزام «حزب الله» بـ«حصرية السلاح» الذي لا يزال يتصدر اهتمام المجتمَعَيْن الدولي والعربي.

وسُئِل المصدر عن رأيه حيال تريث أكثر من فريق في التحضير لخوض الانتخابات إلى حين التأكد من أنها ستجري في موعدها بغياب الحد الأدنى من التفاهم حول قانون الانتخاب، فأجاب أن معظم القوى السياسية تضع علامة استفهام حول إمكانية الالتزام بموعد مايو المقبل، رغم إصرار الرؤساء على إتمامها احتراماً للمواعيد الدستورية، والتزاماً بإعادة الانتظام لمؤسسات الدولة، معترفاً في الوقت نفسه بأن مصيرها يتأرجح مناصفة بين إتمامها أو تأجيلها.

الرئيس اللبناني جوزيف عون ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

تفادي الحديث بالانتخابات

لا يجد المصدر ما يقوله حيال الموفدين الأجانب والعرب إلى لبنان الذين يُدرجون حصرية السلاح بنداً أساسياً على جدول أعمال لقاءاتهم الرسمية، ويتجنّبون التركيز على إجراء الانتخابات في موعدها، بخلاف لقاءاتهم السابقة، وهذا ما تبين من خلال الاجتماعات التي عقدها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الذي لم يأت على ذكر الانتخابات أصلاً.

فالوزير الفرنسي، حسب المصدر، ركّز على حصرية السلاح، واستكمال إقرار الإصلاحات المالية والاقتصادية، وطالب إسرائيل بوجوب التقيّد بوقف الأعمال العدائية، إضافة إلى بحثه مع أركان الدولة طبيعة المرحلة التي تلي انتهاء فترة انتداب قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» في جنوب لبنان نهاية العام الحالي.

ويؤكد أن «الثنائي الشيعي» يصر على إجراء الانتخابات في موعدها لتجديد شرعيته الشعبية، رداً على قول خصومه إنها تشهد تراجعاً ملحوظاً بسبب إصرار «حزب الله» على تمسكه بسلاحه بخلاف الإجماع اللبناني وتعهده به عندما قرر المشاركة في الحكومة التي أدرجت السلاح غير الشرعي بنداً أساسياً تصدّر بيانها الوزاري.

وفي المقابل يرى مصدر سياسي، يقف في منتصف الطريق بين بري وخصومه، أن مصير الانتخابات يتوقف على التزام «حزب الله» بتسليم سلاحه وامتناعه عن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران، في حال أن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، التي ما زالت في بداياتها، اصطدمت بحائط مسدود، وبادرت الأخيرة بالرد عسكرياً مستهدفةً منشآتها النووية ومراكز الحرس الثوري، أسوة بما حصل في حربها التي شنتها إلى جانب إسرائيل ضد النظام الإيراني في يونيو (حزيران) الماضي.

«إسناد» إيران

لكن المرجع السياسي إياه يستبعد تدخل «حزب الله» عسكرياً، ويؤكد أن قيادته تتحسّب لرد فعل إسرائيل، وربما أقسى مما كان عليه عندما قرر إسناده لغزة.

ويكشف عن أن الحزب تلقى نصائح من جهات دولية وعربية بعدم التدخّل، ويؤكد أنها كانت كناية عن إنذار وتحذير شديدي اللهجة، وهذا ما تبلّغته أيضاً جهات رسمية رفيعة لم تتردد في تكرار النصائح للحزب عبر قنوات التواصل القائمة بينهما، ويأمل بأن تأخذها على محمل الجد، خصوصاً أن أذرع إيران في الإقليم، في إشارة إلى «حزب الله»، تصدّرت لائحة الشروط الأميركية في المفاوضات، مع أن المرجع، من وجهة نظره، يرى أن الحزب يبالغ في حديثه عن استعادته لقدراته العسكرية، ويدرك سلفاً بأن الاختلال في ميزان القوى يفرض عليه عدم إقحام البلد في مغامرة على غرار إسناده لغزة.

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك دعا إليه الحزب أمام منظمة «إسكوا» وسط بيروت الأربعاء (إ.ب.أ)

لذلك يؤكد المرجع بأن احتمال تدخل «حزب الله» عسكرياً لنصرة إيران، في حال تعرضها لهجوم أميركي، سُحب من التداول، ولن يكون عائقاً أمام إجراء الانتخابات النيابية، وأن ما يعطل إنجازها يكمن في مبادرة إسرائيل لتوسعة الحرب على نحو يؤدي إلى تقطيع أوصال الجنوب وعزله عن المحافظات اللبنانية الأخرى.

وهنا يسأل المصدر، هل تبدي واشنطن استعداداً لتمديد فترة السماح لاستكمال تطبيق «حصرية السلاح» شرط التزام الحزب باحتوائه بما يضمن إجراء الانتخابات في موعدها؟ فالتمديد للبرلمان سيلقى رفضاً من عون بإصراره على احترام الاستحقاقات الدستورية، وإلا قد يتحول عهده إلى «إدارة للأزمة»، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته بتوفير الحماية لإجراء الانتخابات باعتبارها تشكّل محطة لإحداث تغيير في ميزان القوى يأخذ بالتحولات التي شهدتها المنطقة بتراجع نفوذ محور الممانعة بقيادة إيران في الإقليم.


تجار بغداد يغلقون محالهم ويتظاهرون ضد التعريفة الجمركية الجديدة

لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
TT

تجار بغداد يغلقون محالهم ويتظاهرون ضد التعريفة الجمركية الجديدة

لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)
لقطة من فيديو للتجار المتظاهرين في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)

أغلق آلاف التجار في بغداد محالهم وخرجوا بمظاهرات؛ احتجاجاً على تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة على البضائع، وضد قرار السلطات اعتماد نظام «سيكودا» المتعلق بأتمتة الإجراءات الجمركية، وشهدت الأسواق الرئيسية في بغداد (الشورجة، وجميلة، وشارع الربيعي) إغلاقاً شبه كامل واضراباً عن العمل احتجاجاً على القرارات الجديدة.

وتجمع المتظاهرون أمام دائرة الجمارك في شارع «النضال» ببغداد، قبل أن ينسحبوا إلى «ساحة التحرير» وسط العاصمة؛ المعروفة باحتضانها معظم المظاهرات الشعبية التي جرت خلال العقدين الأخيرين. وتضامن مع المتظاهرين نحو 7 من أعضاء البرلمان حضروا إلى ساحة التظاهر.

ظروف صعبة

وأبلغ تجارٌ «الشرق الأوسط» أنهم يمرون بظروف عمل صعبة للغاية منذ تطبيق النظام الجديد، لجهة المبالغ الإضافية التي تُفرض على بضائعهم وتأخر وصول البضائع عبر موانئ البصرة الجنوبية وما يترتب على ذلك من مبالغ خزن إضافية.

من مظاهرة التجار العراقيين في بغداد (الشرق الأوسط)

وينتقد معظم التجار السلطات التي عمدت إلى تطبيق النظام في المنافذ الحدودية والموانئ البحرية، لكن من دون شمول منافذ إقليم كردستان الشمالي بذلك، الأمر الذي يمنح أفضلية للتجار الكرد وكذلك لبقية التجار الذي يُدخلون بضائعهم عبر منافذ الإقليم.

وأعلنت الحكومة العراقية، مطلع الشهر الماضي، تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة، لتشمل مختلف السلع والأجهزة وكذلك سيارات «هايبرد» التي كانت مستثناة في السابق. وتزامن إعلان التعريفة مع تطبيق قرار «البيان الجمركي» المسبق ضمن نظام «سيكودا» الذي يفرض قيوداً للتحقق من صحة وصول البضائع التي يدّعي التجار استيرادها بالعملة الصعبة (الدولار) التي يوفرها لهم «البنك المركزي العراقي».

انتظار القضاء

وفضلاً عن المظاهرات والانتقادات التي يوجهها التجار إلى الحكومة، تواجه الأخيرة حكماً متوقعاً من المحكمة الاتحادية يمكن أن يلغي الإجراءات الجديدة؛ بالنظر إلى أن حكومة رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، حكومة تصريف أعمال ولا يحق لها اتخاذ إجراءات ولا سن قوانين بهذا المستوى.

محال تجارية مقفلة في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية (الشرق الأوسط)

وأعلن عضو مجلس النواب، محمد الخفاجي، الأحد، أن المحكمة الاتحادية حددت يوم 11 فبراير (شباط) الحالي موعداً للبت في الطعن المقدم ضد قرار حكومة تصريف الأعمال الاتحادية زيادة التعريفة الجمركية.

ودعت النائب عن ائتلاف «دولة القانون»، ابتسام الهلالي، رئاسة مجلس النواب إلى إدراج قضية الضرائب والتعريفة الجمركية وانعكاسها على الواقع الاقتصادي والمعيشي للعراقيين؛ بسبب ارتفاع أسعار السلع والبضائع المستوردة في الأسواق المحلية، ضمن جدول جلسة البرلمان المقرر انعقادها يوم الاثنين.

وقالت الهلالي، في تصريحات صحافية، إن «أعضاء مجلس النواب سبق أن تقدموا بطلبات لمناقشة القرارات التي صدرت من الحكومة بزيادة الرسوم والتعريفة الجمركية، والتي أثرت على الشارع والسوق».

وأضافت أن أعضاء البرلمان «سيجددون مطالبتهم في جلسة يوم الاثنين لمناقشة تداعيات القرارات التي صدرت من قبل الحكومة، والتي تسببت في إضراب وإغلاق المجمعات والمحال التجارية».

زيادة الإيرادات الجمركية

في مقابل الانتقادات التي يوجهها مختصون في الشأن الاقتصادي للإجراءات الجديدة، وأنها قللت من حجم الإيرادات المالية، قال المدير العام لـ«الهيئة العامة للجمارك»، الدكتور ثامر قاسم داود، الجمعة، إن «إيرادات الهيئة منذ 1 يناير (كانون الثاني) 2026 بلغت 151 مليار دينار، وهذا الرقم يعدّ مرتفعاً وإيجابياً جداً إذا ما قورن بحجم النشاط التجاري الفعلي لهذه الفترة».

وذكر في تصريحات لوكالة الأنباء الرسمية، رداً على انتقادات بعض الاقتصاديين، أن «الايرادات الجمركية الجديدة لا تُقدّر عبر عمليات حسابية بحتة بتقسيم الإنتاج السنوي على الأشهر، بل الأمر يعتمد على معايير حقيقية تشمل حجم التبادل التجاري، وعدد المعاملات الجمركية، وعدد الحاويات الداخلة فعلياً».

وأضاف داود أن «(الهيئة) غادرت العمل بنظام (المقطوع) للحاويات بشكل نهائي، حيث أصبح الترسيم يعتمد بدقة على نوعية المواد والفقرات (Items) الموجودة داخل كل حاوية». وأشار إلى أن «التقييم يخضع لمعايير عالمية تعتمد فواتير التحويل المالي والأسعار الدولية، ولا يمكن مضاعفة قيمة أي منتج بشكل غير منطقي».

التظلم الرسمي

وبشأن اعتراضات بعض التجار، دعا المدير العام للهيئة «أي تاجر يشعر بالغبن في تقدير الرسوم إلى تقديم تظلم رسمي للهيئة، واللجان المختصة ستعيد دراسة الفواتير ومقارنتها بالتحويلات المالية. الإشكالية غالباً ما تكمن في (القيم) المقدرة للمواد وليس في (النسب) الجمركية الثابتة قانوناً».

وأكد داود أن «المطالبات بإيقاف نظام (سيكودا) العالمي غير دقيقة؛ لأن النظام يمثل نقلة نوعية تهدف إلى تنظيم وتبسيط وتوحيد الإجراءات الجمركية في العراق وفقاً للمواصفات الدولية».