الصيف حاضر في الذاكرة المصرية دوماً، حيث البحر والرمل والشماسي والسفن وخبز الأمهات وبهجة الأطفال، والأوقات المُفعمة بالمرح، وقصص الحب الباقية والعابرة، والحكايات الشائقة الممتزجة بجلسات السمر على الشواطئ الممتدة.
وهو لذلك أيضاً حاضر بقوة في الإبداع؛ تجذب تفاصيله وعجائبه وتقلبات أمواجه الشعراء والروائيين والتشكيليين، وفي النسخة الثالثة من معرض «Wonder Art» (وندر أرت) يتجول المتلقي بينها مستمتعاً بتلوينات صادحة نابضة بالدهشة ما بين زرقة السماء والخطوط الطازجة.

كان المعرض قد اجتذب عند إقامته في العلمين الشهر الماضي جمهور الساحل الشمالي المصري، قبل أن ينتقل إلى غاليري «كليغ» بالشيخ زايد في القاهرة، ويستمر حتى نهاية شهر أغسطس (آب) الحالي. ويشارك في المعرض نحو 60 فناناً يقدمون أكثر من 200 لوحة من التصوير الزيتي والباستيل والفحم، فضلاً عن المجسمات.
ويتميز الحدث وفق دينا فهمي، أحد مؤسسي الغاليري بطابع خاص؛ إذ «يجمع أجيالاً من الفنانين التشكيليين تحت سقف واحد بهدف التواصل الدائم فيما بينهم، وإمتاع الجمهور بالفن الجميل».
وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «اتسمت الأعمال بالتفاعل مع البيئة والطبيعة وتجارب الواقع، وتميزت بتعدد اتجاهاتها ومدارسها الفنية، في حين سجلت الحداثة حضوراً بارزاً في أعمال الكثير من الفنانين المشاركين، إضافة إلى الطاقات التعبيرية والدلالات الرمزية، التي منحت أبعاداً جديدة للموضوعات التي تم تناولها».
ويستدعي الحدث الأجواء المميزة لفصل الصيف، حيث تجتمع الذكريات والضحكات ولحظات البهجة والمرح على مسطح اللوحات وبين ثنايا المجسمات، ومن بين هذه الأعمال تطالعنا الفنانة فريدة درويش بلوحات زيتية من وحي العطلات الصيفية، وتمثل نافذة مفتوحة على البحر وذكرياته، حيث الشخوص الذين يتجولون على الشاطئ في سعادة، يشترون مثلجات وحلوى المصايف، أو يفترشون الرمل ويسرقون من الحياة أوقاتاً سعيدة بعيداً عن وهج الحر ومشكلات الواقع.

بينما تتوزع على اللوحات عناصر مختلفة حُفرت في ذاكرة الجميع، حيث الشمسية ولعب الأطفال وسلة الطعام و«تُرمس» الشاي، وبائع الجيلاتي والطائرة الورقية، تقول درويش لـ«الشرق الأوسط»: «الصيف مُلهم، وهناك العديد من اللوحات التي جسدت فيها البحر وأجواء المصايف، باعتبارها جزءاً أساسياً من ذاكرة المصريين الذين يخطفون في كل صيف لحظات تمثل لهم متنفساً لهم من ضغوط الحياة».

وتابعت: «ولأن الألوان في الصيف تكون صادحة وواضحة جداً، حتى وقت الغروب؛ فقد جاءت لوحاتي مُفعمة بتلوينات زاهية وقوية كالشمس».
بجانب ألوان الصيف يجمع الفنانين المشاركين النظر إلى الفن بروح المعاصرة، وهو هدف يسعى إليه باستمرار غاليري «كليغ»، حيث يحرص على نشر مفهوم الجمال ووصوله إلى الجمهور ببساطة واحترافية وفق دينا فهمي، ومن هنا فإن أعمال كل فنان رغم اختلاف المدارس والأجيال الفنية فإنها تدعو إلى التأمل وتبث معاني جميلة في النفس وتصنع البهجة وتستثير دهشة ومخيلة المتلقي.

في لوحات الفنانة ليلى حسني يعيش المتلقي حكايات ومواقف درامية من وحي الحياة اليومية للمصطافين، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الروابط بين الصيف والمبدع وثيقة، وتمتد لتطول الفن التشكيلي، وتدفع الفنان دائماً إلى تجسيد العديد من القصص المتعلقة بهذا الموسم في أعماله، حيث يطول خلاله النهار، وتحلو في لياليه جلسات السمر، ومعها تشكل ذاكرة بصرية ملهمة للمبدعين».

إلى هذا، ضم المعرض أعمالاً لفنانين سجلوا من خلالها مشاعرهم الفياضة تجاه الصيف، متجاوزين القصص اليومية للصيف إلى مساحات أرحب للنوستالغيا والحنين إلى الماضي، فضلاً عن التراث والفلكلور الشعبي، ومنها أعمال الفنان الراحل حسن الشرق، التي أبحرت لوحاته في الموتيفات والعناصر الشعبية، والفنان محسن أبو العزم الذي نقلنا داخل البيت المصري لنتلصص على النساء في جلساتهن وأحاديثهن الخاصة، في حين نقلنا عمر عبد الظاهر إلى جنوب مصر، حيث وهج الشمس في نهارات الصيف.















