حجر رشيد يعود للوطن... رقمياً

مجموعة من المصممين تسعى لإعادة الكنوز المنهوبة من خلال العالم الافتراضي

جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale
جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale
TT

حجر رشيد يعود للوطن... رقمياً

جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale
جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale

يمثل حجر رشيد للمتحف البريطاني ما تمثله لوحة الموناليزا لمتحف اللوفر. وكل يوم، تتدفق طوابير من الزائرين على المتحف المقام في لندن، ويستعينون بهواتفهم الذكية لالتقاط صور لحجر أسود جرى جلبه من مصر منذ أكثر عن 200 عام، ولم يعد قط منذ ذلك الحين. ومع ذلك، من المنتظر أن يعود حجر رشيد للوطن، الشهر المقبل ـ بصورة ما.

داخل قلعة قايتباي في رشيد، المطلة على الساحل الشمالي لمصر، سيتمكن الزائرون قريباً من الوقوف عند النقطة التي يعتقد أنه عثر عندها على حجر رشيد، ليركزوا هواتفهم الذكية على كود «كيو آر»، لتتاح لهم مشاهدة صورة الحجر تظهر على شاشات هواتفهم في إطار مشروع للواقع المعزز. وبذلك، تجري استعادة الحجر «رقمياً» من خلال جهود «لوتي»، مجموعة من المصممين المقيمين في لندن، والذين يعملون، حسب وصفهم، على إعادة الأعمال الفنية الموجودة بالمتاحف الغربية إلى أماكنها الأصلية التي سلبت منها أثناء الحقبة الاستعمارية.

تشيديريم نواوباني أحد مؤسسي مجموعة «لوتي» (Looty)

تأسست مجموعة «لوتي» عام 2021، على يدي تشيديريم نواوباني وأحمد أبوكور، واستوحيا الاسم من اسم كلب الملكة فيكتوريا الذي انتُشل من داخل أحد القصور الصينية المنهوبة. وتسعى المجموعة لأن تمنح الناس من أبناء المستعمرات السابقة والذين ليس بمقدورهم السفر إلى الغرب، فرصة الاطلاع على صورة ثلاثية الأبعاد ومعلومات عن كنوزهم المسروقة. ويهدفون من وراء ذلك لإنهاء احتكار المتاحف الغربية على السرد المتعلق بمثل هذه القطع، وإعطاء الجمهور العام صورة أوسع.

استعادة رقمية

مساء أحد الأيام القريبة، وقف نواوباني، الذي كان قد عاد لتوه من القلعة في رشيد، أمام حجر رشد البالغ عمره 2200 عام في لندن. وقال مشيراً إلى الحجر والتماثيل المحيطة به داخل قاعة عرض المنحوتات المصرية في المتحف البريطاني. وقال: «هذه القطع تذكرنا بغنائم الحرب والهزيمة والاستعمار».

وأضاف أن المتحف قدم وصفاً غير كامل للقطع الأثرية التي يجري عرضها داخل جوانبه، ولا يطرحها بالصورة التي كان من المفترض في الأصل عرضها بها. وأوضح أن هذه كانت في الغالب قطعاً ملكية أو دينية أو شعائرية، والتي لم يكن مقصوداً لها قط أن تعرض داخل صندوق عرض زجاجي. وعن أصحاب الأصول الأفريقية أمثاله، قال: «من الخطأ ألا تملك القوة لأن تروي قصتك».

واستطرد موضحاً أن: «ما تمكنت من فعله هو استقطاع جزء من هذه القوة».

ومن المقرر أن يتيح تركيب الواقع المعزز في رشيد للزائرين صورة عالية الدقة للحجر، مع وصف مفصل بالعربية والإنجليزية، وترجمة للنقوش التي يحملها الحجر، وشرح للكيفية التي خرج بها من مصر.

ومن خلال صنع نسخ رقمية للكنوز المنهوبة، سعى نواوباني لتحويل بعض الانتباه باتجاه المساحة الرقمية، وذلك بوصفها «فضاءً جديداً»، وفق قوله: «لم تلحق به القوانين بعد. لم يستعمر أحد الفضاء الرقمي، لذا يبدو فضاءً حراً».

سيعود حجر رشيد إلى مكانه الأصلي في قلعة قايتباي بمدينة رشيد المصرية عبر الواقع المعزز (Looty)

تعد «لوتي» جزءاً من مجموعة من نشطاء وفنانين وأكاديميين شباب من جذور أفريقية، عقدوا العزم على إعادة الأعمال الفنية المنهوبة من خلال صنع نسخ رقمية من تراثهم وعرض هذه النسخ عبر الميتافيرس، وفي إطار معارض دولية ـ مثل معرض حالي تنظمه «لوتي» داخل «بينالي فنيسيا للعمارة» ـ داخل الدول التي جاءت منها هذه القطع.

في هذا الصدد، قال دان هيكس، بروفيسور علم الآثار المعاصر بجامعة أوكسفورد: «يدور كل الحديث عن استعادة القطع الأثرية حول ما سيحدث لاحقاً، وثمة جيل جديد، على ما يبدو، ليس على استعداد للانتظار حتى تتحرك تروس المتاحف بالسرعة شديدة البطء التي غالباً ما تعمل بها».

وأضاف أن مجموعة «لوتي» عمدت إلى تحدي سيطرة المتاحف الغربية على الكنوز الأثرية والسرد المحيط بها، وتعمد إلى استغلال الإعلام الرقمي لإظهار أن القطع الأثرية «لم تمت»، وإنما مستمرة في كونها جزءاً حياً من ثقافتنا.

حجر رشيد

أما أحدث القطع الأثرية التي انصب عليها اهتمام «لوتي»، فهو حجر رشيد، وهو شظية حجرية يبلغ حجمها 3 أقدام و8 بوصات تضم النص ذاته منقوشاً بثلاث كتابات مختلفة، منها الهيروغليفية. وكانت هذه الشظية العنصر الوحيد الذي مكن العلماء من فك شفرة اللغة الهيروغليفية، ليولد من رحم هذه الجهود علم المصريات.

يرجع تاريخ اكتشاف الحجر إلى عام 1799، بعد عام من غزو نابليون بونابرت لمصر. وفي الوقت الذي كانت القوات الفرنسية منهمكة في بناء تحصينات لها، استعداداً لمعركة حاسمة، من المعتقد أنهم عثروا على الحجر داخل الجدار الخارجي لقلعة قايتباي المحطمة. وجرى إرسال الحجر إلى علماء في القاهرة، وبعد ذلك نقل إلى الإسكندرية عام 1801.

ومن ناحية أخرى، بدأت عملية الاستعادة الرقمية في مارس (آذار). صباح أحد الأيام، بعد أن فتح المتحف البريطاني أبوابه بقليل، توجه نواوباني وأبوكور وعالمة المصريات مونيكا حنا نحو الصندوق الزجاجي الذي يضم حجر رشيد، وأحاطوا بأجهزة آيباد، وتولوا عمل مسح له ثلاثي الأبعاد من جميع الزوايا. وكانوا يرتدون سترات سوداء وأقنعة «هوكي»، ويحملون حقائب متشابهة. وعندما اقترب منهم أفراد الحرس وسألوهم إذا كانوا في مهمة احتجاجية، أجابوا أنهم يتولون تصوير الحجر فحسب، ولا يقترفون أي شيء غير قانوني. وبالفعل، تركهم الحرس لحالهم.

تعمل حنا بروفيسور مساعد بكلية الآثار والتراث الحضاري، التابعة للأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في أسوان بمصر. وقالت إن عمل مجموعة «لوتي» يأتي في إطار جهود دعم استعادة حجر رشيد، التي تحث رئيس الوزراء المصري على المطالبة باستعادة حجر رشيد، الذي وصفته بأنه كان غنيمة حرب، ودخل في حيازة بريطانيا بشكل غير قانوني. (في بيان له، أعلن المتحف البريطاني أن حجر رشيد جرى تسليمه لهم بوصفه «هدية دبلوماسية»).

وقالت حنا إن حجر رشيد «أيقونة التراث المصري والهوية المصرية، لكنه يمثل كذلك كيف فقدت هذه الهوية».

منحوتات بنين البرونزية

في الواقع، الفقدان كان ما عايشه نواوباني عندما كان طفلاً ولد ببريطانيا من أبوين نيجيريين. وأثناء فترة ترعرعه داخل وحول لندن، لطالما تميز بروح الابتكار، وانغمس في ممارسة هواية الرسم.

بمرور السنوات، أصبح نواوباني مصمم محتوى رقمي، يعمل بالتعاون مع علامات تجارية كبرى مثل «بيربري». عام 2020، قرر استخدام مهاراته في مجال التكنولوجيا الرقمية كي «يسترد» أعمال بنين البرونزية، وهي عبارة عن منحوتات تعود إلى مملكة بنين القديمة (نيجيريا اليوم)، والتي تنتشر في الوقت الحاضر عبر مختلف أرجاء متاحف الغرب.

جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale

وتسعى مشاركة المجموعة في «بينالي فنيسيا» لطرح أعمال بنين البرونزية في إطارها الأصلي: داخل القصر الملكي بمدينة بنين الذي تعرض للنهب من جانب غارة عسكرية بريطانية عام 1897. وثمة صور ثلاثية الأبعاد وهولوغرام ونسخ بتكنولوجيا الواقع المعزز لآلاف القطع البرونزية. وشرح أبوكور أنه نظراً لوجود هذه القطع البرونزية في الكثير من المتاحف الغربية، «فإنه قد توجد 10 قطع هنا و15 هناك»، فإنه يصعب على الزائرين إدراك حجم النهب الذي حدث. وعليه، فإن هدف «لوتي» «سرد القصة بصرياً».

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

يوميات الشرق «توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان.

عصام فضل (القاهرة )
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
يوميات الشرق لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

تحت عنوان «القدر في النجوم: بدايات الأبراج» افتتح المعرض الأثري بالمتحف المصري في العاصمة الألمانية برلين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

مواقع أثرية بمدينة صور اللبنانية تحت رحمة الغارات الإسرائيلية

في موقع البصّ في مدينة صور في جنوب لبنان، تتصدّر علامة «الدرع الأزرق» مدخل المَعلم المُدرج على قائمة التراث العالمي، في محاولة لحمايته من الغارات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مراهق يقتل والدته بعد تواصله مع ذكاء اصطناعي: جريمة صادمة في شمال ويلز

المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
TT

مراهق يقتل والدته بعد تواصله مع ذكاء اصطناعي: جريمة صادمة في شمال ويلز

المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)

استمعت محكمة مولد الجنائية في شمال ويلز إلى تفاصيل قضية صادمة، بعد أن أقدم شاب يبلغ من العمر 18 عاماً على قتل والدته باستخدام مطرقة ثقيلة، عقب تواصله مع روبوت ذكاء اصطناعي واستفساره عن طرق تنفيذ الجريمة، وفقاً لصحيفة «التلغراف».

قتل الشاب تريستان روبرتس (18 عاماً) والدته أنجيلا شيليس (45 عاماً) في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2025؛ إذ قضى أسابيع في التخطيط للجريمة والبحث في تفاصيلها بدقة، وسجّل الهجوم صوتياً لمدة تجاوزت أربع ساعات ونصف الساعة.

وكشفت التحقيقات عن أن روبرتس نشر عدة تعليقات عبر الإنترنت عبّر فيها عن كراهيته للنساء، وحمّل والدته مسؤولية مشكلاته الشخصية، قبل أن يلجأ إلى محرك بحث قائم على الذكاء الاصطناعي يُدعى «ديب سيك»، طالباً منه نصائح حول القتل، مثل: «فقط أخبرني بالطريقة البسيطة لإزالة آثار الدم من الجدران والأرضية والسرير».

وعلى الرغم من أن النظام رفض الإجابة مباشرة عن سؤاله بشأن السلاح الأفضل للقتل، فإن روبرتس أعاد طرح السؤال مدعياً أنه يكتب كتاباً عن القتلة المتسلسلين، فتلقى إجابات تضمنت مقارنة بين المطرقة والسكين؛ إذ أشار النظام إلى مزايا كل أداة وكيفية استخدامها، مع نصائح نظرية.

وأوضحت المحكمة أن الاعتداء بدأ نحو الساعة الحادية عشرة مساءً واستمر حتى الثالثة والنصف فجراً. وفي صباح اليوم التالي، عثر بعض المارة على جثة الضحية، وهي مساعدة تدريس، مصابة بجروح بالغة في الرأس قرب محمية طبيعية.

وأشار المدعي العام إلى أن المتهم سجّل جميع تفاصيل الجريمة منذ بدايتها وحتى الضربات القاتلة، وكان يُسمع في أثناء التسجيل يقول: «هذه هي اللحظة... سنضربها بالمطرقة».

وأفاد التحقيق بأن روبرتس أمضى أيامه الأخيرة على الإنترنت يبحث في قضايا القتل ووسائله، وشراء عدة أدوات عبر الإنترنت، منها مطارق وأغطية بلاستيكية وقفازات، قبل أن يستدرج والدته إلى الخارج بحجة مساعدتها طبياً، ثم قادها إلى مقعد في محمية طبيعية حيث وجه إليها عدة ضربات قاتلة على الرأس.

وأوضحت المحكمة أن الضحية كانت تحاول طلب المساعدة لابنها، الذي شُخّص سابقاً بـ«اضطراب طيف التوحد» وفرط الحركة وتشتت الانتباه. وفي رسالة أرسلتها قبل يوم من الجريمة، أعربت عن قلقها بعد أن اشترى روبرتس سكيناً ومطرقة، متسائلة: «لماذا؟ لماذا يحتاج إلى هذه الأشياء؟ هل يخطط لإيذائي أم إيذاء نفسه؟».

وفي نهاية الجلسة، أصدرت المحكمة حكمها بالسجن المؤبد على المتهم، مع حد أدنى للعقوبة يبلغ 22 عاماً ونصف العام، مؤكدة أن الجريمة كانت «طريقة مروّعة للغاية للموت»، وما زاد فظاعتها هو أن الجاني كان ابن الضحية الذي أحبته وقلقت عليه حتى أيامه الأخيرة.


«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
TT

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

يحمل العرض الأدائي والموسيقي «الغارابيا» (Algarabía) مشروعاً فنّياً عابراً للثقافات، ينطلق من بامبلونا الإسبانية قبل أن يصل إلى أبوظبي، ضمن «مهرجان أبوظبي»، جامعاً بين الإرث العربي وفنّ الفلامنكو في رؤية معاصرة تستعيد الذاكرة الأندلسية، وترأب ما صدَّعته الجغرافيا عبر لغة الفنّ.

العمل إنتاج مشترك بين متحف جامعة نافارا و«مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون» ومؤسّسة «خولة للفنّ والثقافة»، ويُقدَّم بمناسبة مرور 150 عاماً على ميلاد الموسيقار الإسباني مانويل دي فالا، ويُعرض للمرة الأولى يومَي 27 و28 مارس (آذار) في بامبلونا، على أن ينتقل إلى العاصمة الإماراتية في 26 أبريل (نيسان) المقبل. وهو من إعداد وإخراج جهاد ميخائيل وإغناسيو غارسيا، ويقدّم تجربة متعدّدة المستويات تمزج بين الموسيقى والرقص والشِّعر، في محاولة لخلق حوار مُتجدِّد بين الثقافتين العربية والإسبانية.

كلّ خطوة على الخشبة تُعاند ما يتكسَّر في الداخل (البوستر الرسمي)

في المشروع، تحضر الفنانة اللبنانية سينتيا كرم بدور رئيسي، تؤدّي فيه شخصية عالِمة نبات عربية شابة تنطلق في رحلة إلى الأندلس بحثاً عن أسرار الأرض والنبات والزهور. شخصية تتجاوز بُعدها العلمي لتلامس أسئلة الانتماء والذاكرة، وتستدعي علاقة الإنسان بأرضه، وما يرافقها من ألم ومسؤولية.

سينتيا كرم التي تجمع بين الغناء والتمثيل والرقص، تضع هذه التجربة في إطارها الشخصي والمهني، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أختر المشاركة، وإنما اخترتُ قبولها لما تُمثّله لي من فخر كبير. خيسوس كارمونا أحد أبرز راقصي الفلامنكو في العالم، وأنا الحاضرة العربية الوحيدة في هذا العمل، أُمثّل من خلاله العالم العربي».

وتضيف أنّ اختيارها جاء نتيجة قدرتها على الجَمْع بين أكثر من أداء في آن، «لأنني أتنقّل بين الغناء والتمثيل والرقص. بدا هذا التعاون بالنسبة لي مساحة استثنائية تتقاطع فيها أدواتي الفنّية، وتجربة ألامس فيها نفسي كاملة».

ترى في الشخصية امتداداً لعلاقة حميمة وراسخة مع الأرض: «تأتي إلى المدينة الحمراء في الأندلس للتعمُّق في دراسة الأرض والورد والنبات». وتمنح الدور بُعداً رمزياً أوسع، مضيفةً: «هي صورة الإنسان المُتمسّك بأرضه، المُثقل بالألم حدّ أنه حين يلامس أرضاً أخرى، يرعاها برفق، ويدعو أصحابها إلى حمايتها والحفاظ عليها».

التداخُل بين العلمي والوجداني ينسحب أيضاً على طبيعة العمل الذي يسعى إلى إعادة اكتشاف الروابط بين العالمَيْن العربي والإسباني. على مستوى الكوريغرافيا، أشار بيان صحافي إلى أنّ الفنان الإسباني خيسوس كارمونا صمَّم لغة حركية تمزج بين الفلامنكو والتعبير الجسدي العربي، بمشاركة راقصين عرب وفنانين دوليين، في حين يجمع التكوين الموسيقي بين مؤلّفات دي فالا وأعمال المؤلّف الإماراتي إيهاب درويش، ضمن توزيع حديث ينسج حواراً متناغماً بين الإيقاعات الشرقية والغربية.

ترقص على المسرح وصدى القصف يتردَّد في داخلها (سينتيا كرم)

وتؤكّد الفنانة أنّ العمل أتاح لها لَمْس تقاطعات إنسانية وثقافية عميقة بين الشعبين: «ثمة كثير ممّا يجمع بين الثقافتين. نتشابه في الفخر والعزم، في الفرح والحبّ والكرم». وتشير إلى أنّ هذه المشتركات تجلّت بوضوح خلال تجربتها في إسبانيا؛ حيث بدا التلاقي أكثر رسوخاً من أيّ اختلاف.

ولا يقتصر «الغارابيا» على الموسيقى والرقص، فيتضمَّن نصوصاً شعرية مُختارة لشعراء من عصور مختلفة، من بينهم نزار قباني وميغيل إيرنانديث، إضافة إلى شعراء من التراث الأندلسي، ممّا يمنح العمل بُعداً ثقافياً وإنسانياً يُعمِّق فكرة الحوار بين الأزمنة واللغات.

ذلك يجعلها على يقين بأنّ الفنّ اليوم ينهض بمسؤولية مضاعفة في لحظة حرجة تتَّسع فيها الشروخ، وتقول: «الفنّ ضرورة لنُعيد جمع بعضنا. في هذه المرحلة التي تُفرّقنا، نحاول عبره أن نُقرّب المسافات ونُخفّف حدّة الفوارق». وتتابع: «الحوار مدخل لفهم الآخر والاقتراب منه، مع وعي لخطوطنا الحمراء واحترامها».

وتلفت إلى أنّ العمل، بما ينسجه من شِعر وموسيقى، «يحمل رسالة مُلحّة في هذه الظروف، كأننا ندعو إلى فتح القلوب والجلوس حول مساحة مشتركة تحتوي خلافاتنا».

يتميَّز المشروع أيضاً بطابعه التشاركي، فيجمع بين فنانين محترفين وطلاب بمشاركة عشرات الموسيقيين من أوركسترا جامعة نافارا، إلى جانب مغنِّي الجوقة وفرقة فلامنكو وعازفين من العالم العربي، في تجربة تعاونية تعكس روح التبادل الفنّي والتعليمي.

وإنما سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها. تقول: «تُنضجني هذه المشاركة وتمنحني قوّة أكبر؛ امرأةً وممثلةً». وتستعيد مشهد سفرها وسط التصعيد: «أتيتُ في وقت كان عبور المطار فيه محفوفاً بالخطر. فعلنا ذلك من دون يقين بالنجاة. عندما وصلتُ كان القصف يدور في بيروت. أقلعت الطائرة والغارات في الأرجاء، وحلّقتُ فوق الدخان».

وتتابع بنبرة تُظهر شقوقاً داخلية: «لا أدري إن كنتُ سأعود أم لا، لكنّ الشغف يقود الإنسان إلى حيث ينبغي أن يكون، حتى لو كانت الطريق مُثقلة بالتهديدات». وتضيف: «أُختيرتُ لهذا الدور، غير أنني في العمق أؤدّي دور المرأة العربية. قطعة من قلبي بقيت في بيروت. في لبنان الذي أراه يتشظّى أمام عينَيّ. وكأنني أنا أيضاً أتناثر وأحاول لملمة نفسي».

ورغم هذا الحِمِل، تُصرّ على الاستمرار: «أضحك، أرقص، أصنعُ فنّاً وفرحاً، في حين القلب يُداس كلّ لحظة. كلّ يوم يمرّ يضيف إلى أعمارنا ما يُشبه مائة عام. وجع، ولا استقرار، واستحالة يقين. ومع ذلك، يبقى الفنّ خشبة العبور الوحيدة».


أسرار الجيزة تعود إلى الواجهة: فرضية «أبو الهول الثاني» تثير جدلاً علمياً

أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
TT

أسرار الجيزة تعود إلى الواجهة: فرضية «أبو الهول الثاني» تثير جدلاً علمياً

أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

تعود هضبة الجيزة، بأهراماتها الشامخة وتمثالها الأسطوري، إلى صدارة النقاش العلمي، بعد طرح فرضية جديدة تتحدث عن احتمال وجود «أبو الهول الثاني» مدفوناً تحت الرمال، في ظل مؤشرات على ما وُصف ببنية عملاقة تحت الأرض.

وأعلن الباحث الإيطالي فيليبو بيوندي نتائج دراسته خلال ظهوره في برنامج «Matt Beall Limitless»، مشيراً إلى أن نقوشاً أثرية قديمة قد تحمل دلائل تركها المصريون القدماء قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، ربما تقود إلى هذا الاكتشاف المثير، وفقاً «جي بي نيوز».

وتستند الفرضية إلى ما يُعرف بـ«لوحة الحلم»، وهي نصب حجري قائم بين قدمي تمثال أبي الهول، حيث تظهر وفق قراءة الفريق صورتان لتمثالين بدل تمثال واحد. ويرى الباحثون أن هذا المشهد قد لا يكون رمزاً فنياً فحسب، بل إشارة محتملة إلى وجود تمثال ثانٍ مطمور.

واعتمد الفريق البحثي على تقنيات الرصد عبر الأقمار الصناعية، لتحليل اهتزازات دقيقة في باطن الأرض، ما أفضى إلى تحديد ما يُعتقد أنه هيكل ضخم مخفي تحت طبقات متماسكة من الرمال.

ويقول بيوندي إن النتائج أظهرت تطابقاً هندسياً كاملاً، معبّراً عن ثقته بها بنسبة تقارب 80 في المائة، وهي نسبة، وإن بدت مرتفعة، فإنها لا تزال تفتح الباب أمام التحقق العلمي.

ومن خلال رسم محور يصل بين مركز هرم خفرع وتمثال أبي الهول، توصّل الفريق إلى نقطة مرجعية، قبل أن يعكس هذا المحور انطلاقاً من مركز الهرم الأكبر، لتظهر نقطة مقابلة تشير بيانات المسح إلى احتمال وجود الهيكل الثاني فيها.

ويشير بيوندي إلى أن الموقع المفترض يتمثل في تل صغير يبلغ ارتفاعه نحو 108 أقدام، في حين يقع تمثال أبي الهول الحالي في منخفض أقل ارتفاعاً من سطح الهضبة، وهو ما يعزز بحسب رأيه فرضية التماثل بين الموقعين.

كما أظهرت المسوحات الأولية وجود أعمدة رأسية وممرات تحت الأرض، تتشابه بشكل لافت مع التكوينات المكتشفة أسفل تمثال أبي الهول المعروف. ويؤكد الباحث أن هذه الخطوط الرأسية تمثل على الأرجح جدراناً صلبة، لا فراغات، إضافةً إلى رصد أنفاق أفقية تمتد إلى أعماق أكبر، ما يعزز الحديث عن بنية تحتية معقدة.

وكان فريق بيوندي قد أشار في وقت سابق إلى رصد شيء هائل تحت هضبة الجيزة، واصفاً إياه بأنه بنية عملاقة تحت الأرض، في توصيف يعكس حجم الطموح العلمي، وربما حجم الجدل أيضاً.

منطقة الأهرامات تشهد زخماً سياحياً (وزارة السياحة والآثار)

ويعود تاريخ «لوحة الحلم» إلى عهد الفرعون تحتمس الرابع، نحو عام 1401 قبل الميلاد، حين أقيمت خلال الأسرة الثامنة عشرة، لتبقى حتى اليوم مصدراً للتأويلات التاريخية والعلمية على حد سواء.

في المقابل، ليست هذه الفرضية الأولى من نوعها، إذ سبق لعالم المصريات بسام الشمّاع أن طرح تصوراً مشابهاً قبل سنوات، مستنداً إلى روايات قديمة، فيما رفض عالم الآثار المصري ووزير الآثار الأسبق زاهي حواس هذه الادعاءات عام 2017، مؤكداً أن المنطقة خضعت لحفريات مكثفة دون العثور على أدلة داعمة.

ورغم ما تحمله هذه الطروحات من إثارة، يشدد بيوندي على أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن التحقق الميداني، بمشاركة خبراء الجيولوجيا، يظل خطوةً حاسمةً قبل الجزم بأي نتائج. كما كشف عن إعداد مقترح مشروع رسمي لتقديمه إلى السلطات المصرية، أملاً في الحصول على موافقة لإجراء دراسات ميدانية أوسع.

وبين الحماسة العلمية والحذر الأثري، تبقى هضبة الجيزة، كما كانت دوماً، مساحةً مفتوحةً للأسئلة، ومرآةً لعلاقة الإنسان بالمجهول، حيث تتقاطع الحقائق بالفرضيات، ويظل الرمل شاهداً صامتاً على ما لم يُكشف بعد.

Your Premium trial has ended