حجر رشيد يعود للوطن... رقمياً

مجموعة من المصممين تسعى لإعادة الكنوز المنهوبة من خلال العالم الافتراضي

جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale
جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale
TT

حجر رشيد يعود للوطن... رقمياً

جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale
جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale

يمثل حجر رشيد للمتحف البريطاني ما تمثله لوحة الموناليزا لمتحف اللوفر. وكل يوم، تتدفق طوابير من الزائرين على المتحف المقام في لندن، ويستعينون بهواتفهم الذكية لالتقاط صور لحجر أسود جرى جلبه من مصر منذ أكثر عن 200 عام، ولم يعد قط منذ ذلك الحين. ومع ذلك، من المنتظر أن يعود حجر رشيد للوطن، الشهر المقبل ـ بصورة ما.

داخل قلعة قايتباي في رشيد، المطلة على الساحل الشمالي لمصر، سيتمكن الزائرون قريباً من الوقوف عند النقطة التي يعتقد أنه عثر عندها على حجر رشيد، ليركزوا هواتفهم الذكية على كود «كيو آر»، لتتاح لهم مشاهدة صورة الحجر تظهر على شاشات هواتفهم في إطار مشروع للواقع المعزز. وبذلك، تجري استعادة الحجر «رقمياً» من خلال جهود «لوتي»، مجموعة من المصممين المقيمين في لندن، والذين يعملون، حسب وصفهم، على إعادة الأعمال الفنية الموجودة بالمتاحف الغربية إلى أماكنها الأصلية التي سلبت منها أثناء الحقبة الاستعمارية.

تشيديريم نواوباني أحد مؤسسي مجموعة «لوتي» (Looty)

تأسست مجموعة «لوتي» عام 2021، على يدي تشيديريم نواوباني وأحمد أبوكور، واستوحيا الاسم من اسم كلب الملكة فيكتوريا الذي انتُشل من داخل أحد القصور الصينية المنهوبة. وتسعى المجموعة لأن تمنح الناس من أبناء المستعمرات السابقة والذين ليس بمقدورهم السفر إلى الغرب، فرصة الاطلاع على صورة ثلاثية الأبعاد ومعلومات عن كنوزهم المسروقة. ويهدفون من وراء ذلك لإنهاء احتكار المتاحف الغربية على السرد المتعلق بمثل هذه القطع، وإعطاء الجمهور العام صورة أوسع.

استعادة رقمية

مساء أحد الأيام القريبة، وقف نواوباني، الذي كان قد عاد لتوه من القلعة في رشيد، أمام حجر رشد البالغ عمره 2200 عام في لندن. وقال مشيراً إلى الحجر والتماثيل المحيطة به داخل قاعة عرض المنحوتات المصرية في المتحف البريطاني. وقال: «هذه القطع تذكرنا بغنائم الحرب والهزيمة والاستعمار».

وأضاف أن المتحف قدم وصفاً غير كامل للقطع الأثرية التي يجري عرضها داخل جوانبه، ولا يطرحها بالصورة التي كان من المفترض في الأصل عرضها بها. وأوضح أن هذه كانت في الغالب قطعاً ملكية أو دينية أو شعائرية، والتي لم يكن مقصوداً لها قط أن تعرض داخل صندوق عرض زجاجي. وعن أصحاب الأصول الأفريقية أمثاله، قال: «من الخطأ ألا تملك القوة لأن تروي قصتك».

واستطرد موضحاً أن: «ما تمكنت من فعله هو استقطاع جزء من هذه القوة».

ومن المقرر أن يتيح تركيب الواقع المعزز في رشيد للزائرين صورة عالية الدقة للحجر، مع وصف مفصل بالعربية والإنجليزية، وترجمة للنقوش التي يحملها الحجر، وشرح للكيفية التي خرج بها من مصر.

ومن خلال صنع نسخ رقمية للكنوز المنهوبة، سعى نواوباني لتحويل بعض الانتباه باتجاه المساحة الرقمية، وذلك بوصفها «فضاءً جديداً»، وفق قوله: «لم تلحق به القوانين بعد. لم يستعمر أحد الفضاء الرقمي، لذا يبدو فضاءً حراً».

سيعود حجر رشيد إلى مكانه الأصلي في قلعة قايتباي بمدينة رشيد المصرية عبر الواقع المعزز (Looty)

تعد «لوتي» جزءاً من مجموعة من نشطاء وفنانين وأكاديميين شباب من جذور أفريقية، عقدوا العزم على إعادة الأعمال الفنية المنهوبة من خلال صنع نسخ رقمية من تراثهم وعرض هذه النسخ عبر الميتافيرس، وفي إطار معارض دولية ـ مثل معرض حالي تنظمه «لوتي» داخل «بينالي فنيسيا للعمارة» ـ داخل الدول التي جاءت منها هذه القطع.

في هذا الصدد، قال دان هيكس، بروفيسور علم الآثار المعاصر بجامعة أوكسفورد: «يدور كل الحديث عن استعادة القطع الأثرية حول ما سيحدث لاحقاً، وثمة جيل جديد، على ما يبدو، ليس على استعداد للانتظار حتى تتحرك تروس المتاحف بالسرعة شديدة البطء التي غالباً ما تعمل بها».

وأضاف أن مجموعة «لوتي» عمدت إلى تحدي سيطرة المتاحف الغربية على الكنوز الأثرية والسرد المحيط بها، وتعمد إلى استغلال الإعلام الرقمي لإظهار أن القطع الأثرية «لم تمت»، وإنما مستمرة في كونها جزءاً حياً من ثقافتنا.

حجر رشيد

أما أحدث القطع الأثرية التي انصب عليها اهتمام «لوتي»، فهو حجر رشيد، وهو شظية حجرية يبلغ حجمها 3 أقدام و8 بوصات تضم النص ذاته منقوشاً بثلاث كتابات مختلفة، منها الهيروغليفية. وكانت هذه الشظية العنصر الوحيد الذي مكن العلماء من فك شفرة اللغة الهيروغليفية، ليولد من رحم هذه الجهود علم المصريات.

يرجع تاريخ اكتشاف الحجر إلى عام 1799، بعد عام من غزو نابليون بونابرت لمصر. وفي الوقت الذي كانت القوات الفرنسية منهمكة في بناء تحصينات لها، استعداداً لمعركة حاسمة، من المعتقد أنهم عثروا على الحجر داخل الجدار الخارجي لقلعة قايتباي المحطمة. وجرى إرسال الحجر إلى علماء في القاهرة، وبعد ذلك نقل إلى الإسكندرية عام 1801.

ومن ناحية أخرى، بدأت عملية الاستعادة الرقمية في مارس (آذار). صباح أحد الأيام، بعد أن فتح المتحف البريطاني أبوابه بقليل، توجه نواوباني وأبوكور وعالمة المصريات مونيكا حنا نحو الصندوق الزجاجي الذي يضم حجر رشيد، وأحاطوا بأجهزة آيباد، وتولوا عمل مسح له ثلاثي الأبعاد من جميع الزوايا. وكانوا يرتدون سترات سوداء وأقنعة «هوكي»، ويحملون حقائب متشابهة. وعندما اقترب منهم أفراد الحرس وسألوهم إذا كانوا في مهمة احتجاجية، أجابوا أنهم يتولون تصوير الحجر فحسب، ولا يقترفون أي شيء غير قانوني. وبالفعل، تركهم الحرس لحالهم.

تعمل حنا بروفيسور مساعد بكلية الآثار والتراث الحضاري، التابعة للأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في أسوان بمصر. وقالت إن عمل مجموعة «لوتي» يأتي في إطار جهود دعم استعادة حجر رشيد، التي تحث رئيس الوزراء المصري على المطالبة باستعادة حجر رشيد، الذي وصفته بأنه كان غنيمة حرب، ودخل في حيازة بريطانيا بشكل غير قانوني. (في بيان له، أعلن المتحف البريطاني أن حجر رشيد جرى تسليمه لهم بوصفه «هدية دبلوماسية»).

وقالت حنا إن حجر رشيد «أيقونة التراث المصري والهوية المصرية، لكنه يمثل كذلك كيف فقدت هذه الهوية».

منحوتات بنين البرونزية

في الواقع، الفقدان كان ما عايشه نواوباني عندما كان طفلاً ولد ببريطانيا من أبوين نيجيريين. وأثناء فترة ترعرعه داخل وحول لندن، لطالما تميز بروح الابتكار، وانغمس في ممارسة هواية الرسم.

بمرور السنوات، أصبح نواوباني مصمم محتوى رقمي، يعمل بالتعاون مع علامات تجارية كبرى مثل «بيربري». عام 2020، قرر استخدام مهاراته في مجال التكنولوجيا الرقمية كي «يسترد» أعمال بنين البرونزية، وهي عبارة عن منحوتات تعود إلى مملكة بنين القديمة (نيجيريا اليوم)، والتي تنتشر في الوقت الحاضر عبر مختلف أرجاء متاحف الغرب.

جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale

وتسعى مشاركة المجموعة في «بينالي فنيسيا» لطرح أعمال بنين البرونزية في إطارها الأصلي: داخل القصر الملكي بمدينة بنين الذي تعرض للنهب من جانب غارة عسكرية بريطانية عام 1897. وثمة صور ثلاثية الأبعاد وهولوغرام ونسخ بتكنولوجيا الواقع المعزز لآلاف القطع البرونزية. وشرح أبوكور أنه نظراً لوجود هذه القطع البرونزية في الكثير من المتاحف الغربية، «فإنه قد توجد 10 قطع هنا و15 هناك»، فإنه يصعب على الزائرين إدراك حجم النهب الذي حدث. وعليه، فإن هدف «لوتي» «سرد القصة بصرياً».

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

ثقافة وفنون أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»

محمود الزيباوي
يوميات الشرق تتميَّز المقبرة برسومها وألوانها الزاهية (فيسبوك)

مصر تدرس إعادة فتح مقبرة نفرتاري... والجمال ينتظر قرار العلماء

تُعد مقبرة الملكة نفرتاري، زوجة الملك رمسيس الثاني، من أبرز مقابر وادي الملكات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق حجارة عمرها أطول من يقيننا (إ.ب.أ)

البارثينون يخسر إحدى أساطيره بعد 2000 عام

من أبرز ملامح البارثينون أنّ ما يبدو أعمدةً دوريةً رأسيةً مستقيمةً ليس كذلك في الحقيقة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق استعادة قناع أثري مصري من سويسرا (السفارة السويسرية بالقاهرة)

استعادة قناع جنائزي من سويسرا تُكرِّس لمطالب استرداد الآثار المصرية

جدَّد الإعلان عن استعادة مصر قناعاً أثرياً من سويسرا مطالب الأثريين والمتخصصين المصريين باسترداد الآثار المهرَّبة إلى الخارج.

محمد الكفراوي (القاهرة)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي

أحمد العوضي يعتذر لياسمين عبد العزيز عن إساءة فهم «تصريحات السيارات»

ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي
ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي
TT

أحمد العوضي يعتذر لياسمين عبد العزيز عن إساءة فهم «تصريحات السيارات»

ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي
ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي

عادت فصول «العلاقة الشخصية والفنية» التي جمعت الفنان أحمد العوضي بالفنانة ياسمين عبد العزيز لسنوات للواجهة مجدداً رغم طلاقهما قبل عامين، خصوصاً بعد حديثه عن «الذكريات والحب»، و«العلاقات العاطفية» في بودكاست «قصتي» من خلال تصريحات وتشبيهات غامضة اعتبرها البعض جدلية ولا تليق.

وعلى خلفية سؤاله في البودكاست، «عن الذكريات الحلوة التي تبقى إذا انتهى الحب، وهل الحب الجديد بإمكانه محو الذكريات أم تظل مرافقة للإنسان؟»، أكد العوضي أن كلامه سيكون صادماً، مضيفاً: «عندما اقتنيت سيارة للمرة الأولى في حياتي أعجبت بها كثيراً وكنت سعيداً بها، وعندما استبدلتها بماركة مغايرة شعرت بسعادة أكبر، لذلك لا يمكنني العودة لسيارتي الأولى».

وفور انتشار المقطع المصور على مواقع التواصل الاجتماعي انتقدت تعليقات ومشاركات عدة لحديث العوضي، وهاجمه بعضهم مفسرين حديثه وكأنه يلمح إلى علاقته السابقة بطليقته الفنانة ياسمين عبد العزيز، مؤكدين أنها السبب في نجوميته. ومن بين التعليقات اللافتة التي انتقدت العوضي «الحب أرقى من التشبيه بالسيارات»، وكتب آخر «النهايات أخلاق».

وبدوره، رد أحمد العوضي على الجدل المثار في بيان رسمي الثلاثاء، جاء فيه: «لم أقصد مطلقاً أي معنى سيء لأي شخص في برنامج (قصتي)، وما جرى تداوله من تصريحات تخصُّ السيارات وتأويليها يخص من نقلها»، مضيفاً: «لم أقصد ما فهمه بعضهم، فالتشبيه كان عائداً على مراحل الحياة، وليس على العلاقات العاطفية، وأعتذر إن كان بعضهم قد فهم ما قلته بشكل خاطئ».

وأكد العوضي أنه يكنُّ كل الاحترام والتقدير لـ«نجمة العالم العربي الأولى» حسبما وصفها، وتابع: «ذكرت على مدار حديثي أنني أحمل كل الذكريات الطيبة لكل من دخل حياتي».

وختاماً؛ اعتذر العوضي عن تفسير كلامه بشكل خاطئ، مؤكداً أنه يدين لياسمين عبد العزيز بالكثير في مشواره الفني.

ياسمين عبد العزيز (إنستغرام)

الناقد الفني طارق الشناوي قال إن «العوضي جانبه الصواب في حديثه، وعليه أن يكون أكثر حصافة في اختيار الأمثلة للتوضيح»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «تشبيه الحب أو الحياة العاطفية بالسيارات كان غليظاً وينقصه العمق والطرافة، ويسيء إلى المرأة في المطلق بعيداً عن زوجته السابقة، فالحديث عن موديلات السيارات والحب يشير إلى ضعف الثقافة والخيال».

ورداً على تفسير تصريحات العوضي بالمسيئة، خصوصاً من قبل النساء، عدّت الاستشارية النفسية والأسرية لمى الصفدي ما قاله العوضي «غير مناسب وناتج عن حالة توتر، لأن الإنسان يلجأ إلى التشبيهات غير المنطقية في مثل هذه الحالة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «ما قاله العوضي لا يمثل الواقع وعلاقات البشر المبنية على التفاعل من ناحية المشاعر والإنسانيات، التي تختلف عن التعامل مع الآلات، ولذلك فهناك مشكلة كبيرة وتشبيه في غير محله استدعى الاعتذار».

أحمد العوضي (فيسبوك)

وكان آخر ظهور رسمي جمع الثنائي ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي خلال احتفالية تكريم «الأفضل» عام 2023، وفنياً تصدَّر العوضي خلال موسم دراما رمضان الماضي بطولة «علي كلاي»، فيما قدَّمت ياسمين عبد العزيز بطولة «وننسي اللي كان». كما شهد موسم الصيف السينمائي على منافستهما من خلال فيلمي «شمشون ودليلة»، و«خلي بالك من نفسك».

وأكد الناقد الفني أحمد سعد الدين، أن «ما صنع هذا اللبس في الفهم هو أن اسم العوضي لا يزال مرتبطاً بياسمين، وأن نجوميته هي أساسها، وذلك حسب وجهة نظر البعض الذين يفسرون تصريحاته دائماً من هذا الجانب»، لافتاً إلى أن تجاهل ياسمين للتصريحات وعدم الرد أمر طبيعي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «حمل كلام العوضي الأخير أوجه عدة، وفتح المجال لوضعه في سياقات مختلفة طبيعية أو غير ذلك»، لافتاً إلى أن «البرامج الحوارية أصبحت فخاً للمشاهير، وفقدت مصداقيتها لتعمُّدها التعمق في العلاقات الشخصية من أجل صناعة (الترند)».

وأوضح الناقد الفني أن «العتب على البرامج يأتي بعد العتب على الفنان الذي يسمح بالدخول في حياته الخاصة، ولذلك عليه تحمُّل التبعات السلبية والتفسيرات حمالة الأوجه للتصريحات».


مخاوف في مصر من فقدان حدائق تاريخية غطاءها الأخضر بـ«فعل التطوير»

حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)
حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)
TT

مخاوف في مصر من فقدان حدائق تاريخية غطاءها الأخضر بـ«فعل التطوير»

حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)
حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)

في وقت تتجه فيه السلطات المصرية إلى تشديد إجراءات حماية الأشجار، وإطلاق خطط لزيادة الرقعة الخضراء، تتجدد المخاوف بشأن مصير الغطاء النباتي في عدد من الحدائق التاريخية، لا سيما تلك التي تشهد مشروعات تطوير واسعة، وفي مقدمتها حديقتا الحيوان والأورمان بالجيزة.

ووجهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض، في مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي، بحظر قطع الأشجار أو اقتلاعها إلا بموافقة المحافظ وبعد الرجوع إلى جهاز شؤون البيئة، بالتزامن مع خطة «تخضير القاهرة» التي تستهدف زراعة 60 ألف شجرة و800 ألف شجيرة ونبات قبل نهاية العام.

غير أن تجدد الجدل بشأن إزالة الأشجار خلال بعض مشروعات التطوير يطرح تساؤلات حول مصير الأشجار القائمة، خصوصاً المعمَّرة منها، ومدى إمكانية تعويضها بزراعات جديدة.

وتبرز حديقتا الحيوان والأورمان (غرب القاهرة) بين المواقع التي أثارت أعمال تطويرها مخاوف بشأن الغطاء النباتي. وأُغلقت الحديقتان في يوليو (تموز) 2023 لبدء مشروع تطوير شامل، وسط تساؤلات بشأن حجم ما تبقى من غطائهما النباتي القديم، ومدى إمكانية تعويض ما يُفقد منه، خصوصاً مع غياب أرقام معلنة تقارن أعداد الأشجار ومساحة الغطاء الأخضر قبل التطوير وبعده.

جانب من الغطاء النباتي لحديقة الحيوان المرتقب افتتاحها بعد التطوير (صفحة سيرة القاهرة على «فيسبوك»)

وتقول الدكتورة هناء عبد النبي، أستاذة الزراعة بجامعة عين شمس، لـ«الشرق الأوسط» إن «أعمال التطوير في حديقة الأورمان أضرت في النهاية ببعض الأشجار القديمة، من بينها أشجار نادرة ومعمرة، لا سيما في الحزام الأخضر المحيط بالحديقة». وتلفت إلى «القيمة النباتية الخاصة للأورمان، التي كانت تضم أكثر من 5 آلاف شجرة معمرة ونادرة، من بينها (الماهوجني) و(أبو المكارم) و(الدلينا)».

وتضيف أن الحديقة أُنشئت «نهاية القرن التاسع عشر، في فترة شهدت انتشاراً كبيراً للحدائق والمساحات الخضراء في مصر، تقلص جزء كبير منها بمرور الزمن»، وهو ما يضاعف، وفق رؤيتها، أهمية الحفاظ على الحدائق التاريخية المتبقية وأشجارها المعمرة.

ولا تقتصر القيمة النباتية على حديقة الأورمان، التي تقع على مساحة 95 فداناً؛ إذ كانت حديقة الحيوان المجاورة تضم، عند بدء تطويرها عام 2023، نحو 38 ألف شجرة، بينها أنواع نادرة.

وتعهدت الحكومة المصرية آنذاك بالحفاظ على النباتات والأشجار النادرة خلال تطوير حديقة الحيوان، ونفى مجلس الوزراء ما تردد عن تجريفها، مؤكداً أنه «لا يمكن المساس بأي من النباتات والأشجار النادرة»، بينما أكدت وزارة الزراعة أن خطة التطوير تراعي الحفاظ عليها وعلى الطابع التراثي للحديقة.

ويرى الناشط البيئي أحمد فتحي أن أهمية الأشجار القديمة والمعمرة تتجاوز أعدادها، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كل شجرة تمثل بيئة كاملة للكائنات التي تعيش عليها أو حولها، وعندما يتأثر الغطاء النباتي يتأثر النظام البيئي كله».

مخاوف من تراجع الغطاء الأخضر بحديقة الأورمان بالجيزة (الشرق الأوسط)

ويلفت فتحي إلى أن «الأشجار المعمرة توفر موائل للطيور والحشرات وغيرها من الكائنات، إلى جانب دورها في امتصاص الملوثات»، موضحاً أن جذورها ونظامها البيئي تطورا على مدار سنوات طويلة، ومن ثم لا يمكن النظر إلى الشتلات الجديدة بوصفها بديلاً فورياً لها.

ووصل الجدل إلى البرلمان المصري؛ إذ تقدم النائب محمد عبد الحفيظ، عضو مجلس النواب، بسؤال برلماني بشأن قطع الأشجار، لا سيما المُعمَّرة، وتراجع المساحات الخضراء. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأشجار المعمَّرة ليست مجرد عنصر جمالي، وإنما جزء من البنية الأساسية والأمن البيئي والصحي»، محذراً من «تأثير فقدان الغطاء الشجري على التوازن البيئي ودرجات الحرارة».

ولفت عبد الحفيظ إلى أن بعض الأشجار التي تطولها أعمال التطوير يتجاوز عمرها 50 عاماً، داعياً إلى دراسة بدائل تحافظ عليها، «سواء بتعديل التصميمات أو نقل الأشجار بدلاً من قطعها»، إلى جانب توفير قاعدة بيانات ترصد ما أزيل منها والمساحات الخضراء التي فُقدت خلال السنوات الأخيرة، في مقابل ما تتم زراعته ضمن المبادرة الرئاسية «100 مليون شجرة».

وتتصاعد المخاوف بشأن قطع الأشجار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع تداول شبه يومي لصور ومقاطع مصورة لما يقول ناشروها إنها وقائع قطع أو إزالة في مناطق مختلفة.

وامتد الرصد إلى صور الأقمار الاصطناعية، إذ أظهرت مقارنات زمنية منشورة لصور ملتقطة قبل بدء تطوير حديقتي الحيوان والأورمان وبعده تغيراً في كثافة الغطاء النباتي داخل الحديقتين خلال مرحلة التطوير، وهو ما أعاد إثارة التساؤلات بشأن حجم المساحات الخضراء التي تأثرت بالأعمال.

جانب من أعمال التطوير بحديقة الأورمان (الشرق الأوسط)

ويرى فتحي أن «الحملات المضادة لقطع الأشجار عبر مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في إيصال القضية إلى المسؤولين»، لافتاً إلى أن «كثيرين باتوا يبلغون عن حالات القطع الجائر للأشجار عبر مواقع التواصل، ومخاطبة صفحة وزارة الداخلية التي تعاملت، وفق قوله، مع بعض هذه الوقائع، واتخذت إجراءات قانونية بحق المتسببين فيها».

ويضيف: «وصول مطالب حماية الأشجار إلى هذا المستوى من الاهتمام الرسمي يعد أعلى مستوى وصلت إليه حملات المناصرة للبيئة حتى الآن»، معتبراً أن التحرك الشعبي لم يعد مقتصراً على تداول الصور والشكاوى، وإنما بدأ ينعكس في إجراءات رسمية.

وسبق أن أعلنت وزارة البيئة عام 2024 تشكيل لجنة استشارية علمية لدعم ملف التشجير، مع تعميم تعليمات تمنع قطع الأشجار أو تقليمها جائراً دون الرجوع إلى اللجان المختصة في المحافظات، غير أن استمرار إثارة وقائع الإزالة يعيد التساؤل حول فاعلية هذه الضوابط ومدى تطبيقها.


كتاب شقيق ديانا يصدر اليوم... انتقادات لإليزابيث واتهامات تطول تشارلز

نسخ من كتاب تشارلز سبنسر شقيق الأميرة ديانا تظهر في مكتبة بلندن (رويترز)
نسخ من كتاب تشارلز سبنسر شقيق الأميرة ديانا تظهر في مكتبة بلندن (رويترز)
TT

كتاب شقيق ديانا يصدر اليوم... انتقادات لإليزابيث واتهامات تطول تشارلز

نسخ من كتاب تشارلز سبنسر شقيق الأميرة ديانا تظهر في مكتبة بلندن (رويترز)
نسخ من كتاب تشارلز سبنسر شقيق الأميرة ديانا تظهر في مكتبة بلندن (رويترز)

في كتاب يصدر اليوم (الثلاثاء)، ويثير ضجة إعلامية منذ أيام، يصفّي تشارلز سبنسر، شقيق الأميرة ديانا، حساباته مع العائلة الملكية البريطانية، لا سيما مع الملك تشارلز الثالث، بعد نحو ثلاثين عاماً على وفاة أميرة ويلز، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

فيما يأتي أبرز ما يتضمّنه كتاب «سوان سونغ: ديانا، ماي سيستر» (أغنية البجعة: ديانا، شقيقتي) الذي تنشر صحف محلية منذ 16 سبتمبر (أيلول) مقتطفات منه استدعى أحدها ردّاً من قصر باكنغهام.

اتهام لتشارلز الثالث

يقول سبنسر إن تشارلز، زوج ديانا السابق وولي العهد البريطاني عند وفاتها، بدا خلال اتصال هاتفي معه عقب الحادث الذي أودى بحياتها في باريس في 31 أغسطس (آب) 1997، «مرحاً على نحو لافت»، كأنه «فاز باليانصيب».

وقُتلت ديانا في حادث سير في نفق ألما بالعاصمة الفرنسية في أغسطس 1997، وقضى معها عماد «دودي» الفايد الذي كانت تربطها به علاقة عاطفية، وهو نجل الثري المصري الراحل محمد الفايد.

وأثارت وفاة الأميرة التي كانت تحظى بشعبية واسعة، عن 36 عاماً، حزناً وتأثراً في مختلف أنحاء العالم.

وحسب سبنسر، رأى تشارلز في رحيل ديانا فرصة «للزواج من المرأة التي أحبّها»، كاميلا، الملكة الحالية.

تشارلز سبنسر شقيق الأميرة البريطانية الراحلة ديانا (رويترز)

وفي مقتطف آخر، يتحدث شقيق ديانا عن خلاف نشب بينه وبين تشارلز بشأن مشاركة الأميرين ويليام وهاري في موكب الجنازة خلف نعش والدتهما. ويتهم تشارلز بـ«ازدراء ديانا»، وبقوله إنّ الأميرة «ستُنسى قريباً».

وفي خطوة نادرة، ردّ قصر باكنغهام على هذه الاتهامات، ونفاها بشكل قاطع.

وقال ناطق باسم الملك: «إنّ ألم فقدان الأخ أو الأخت قد يشوّش العقل، ويؤثر في الحكم على الأمور، ويُغيّر الذكريات».

وفي مقابلة صحافية، أصرّ سبنسر (62 عاماً) على أقواله، وانتقد الملك لتشكيكه فيها.

وأشار إلى أن ديانا فكرت في إلغاء زواجها من الأمير بعد عثورها على سوار اشتراه تشارلز لكاميلا. وقال أيضاً إن الأميرة التي كانت تراودها فكرة الانتحار، قادت سيارتها مرات عدة إلى بيتشي هيد، وهو جرف بحري يقع في جنوب إنجلترا. لكن حبّها لنجليها «منعها من الذهاب أبعد من ذلك»، وفق ما كتب.

حصّة لإليزابيث الثانية

يقول سبنسر إنّ الملكة إليزابيث الثانية التي توفيت عام 2022، غضبت في البداية عند علمها بحادث الأميرة ديانا، وأنها سألت «ماذا فَعَلَتْ أيضاً؟»، قبل أن تدرك خطورة الوضع.

بعد وفاة ديانا، تَردَّد أن إليزابيث الثانية عرضت إعادة لقب «صاحبة السمو الملكي» إلى الأميرة، بعدما جُرّدت منه إثر طلاقها من تشارلز عام 1996. لكن شقيقها رفض ذلك.

في ذلك الوقت، وُجّهت انتقادات إلى الملكة بسبب فتورها الظاهر في التعامل مع وفاة ديانا، والذي بدا على تناقض مع الحزن الذي أثاره رحيلها عالمياً.

القصر يردّ

باستثناء ردّه على التصريحات التي استهدفت تشارلز، التزم قصر باكنغهام الصمت حيال محتوى الكتاب والمقابلات التي أجراها سبنسر، ولا سيما مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

ونقل عدد من وسائل الإعلام عن مصادر مقرّبة من القصر إدانة «نفاق» شقيق ديانا، الذي اتهموه بكشف تفاصيل حياتها الخاصة، بعدما كان يتهم الصحف بمضايقتها طوال حياتها.

لكن سبنسر يرى أن من «واجبه»، بصفته شاهداً، كتابة هذا العمل، مشيراً أيضاً إلى رغبته في تصحيح «الأكاذيب التي ترسخت عبر الزمن».

وهو كان قد أكد رغبته في «التحدث باسم ديانا، والقيام بذلك بأسلوب إيجابي صريح»، مشدداً على أن «هدف هذا الكتاب هو قول الحقيقة عن ديانا من منظور شقيقها». وأعرب عن أمله في أن يثير كذلك اهتمام «الصغار في السن الذين لا يذكرونها في أوج شهرتها».

هاري وميغان

في مقابلة مع «بي بي سي» بُثت الأحد، قارن سبنسر بين معاملة الصحف الشعبية للأميرة ديانا، ومعاملة هذه الصحف لابنها الأصغر هاري وزوجته ميغان في السنوات الأخيرة، واللذين عادا حديثاً إلى المملكة المتحدة.

استنكر سبنسر ما وصفه بـ«التأثير الخبيث» و«السامّ»، كما فعل خلال كلمته في جنازة شقيقته. وأعرب عن قلقه على سلامة هاري الذي حُرم من الحماية الأمنية منذ تخلّيه عن مهامه الملكية.

كما ذكر سبنسر في كتابه أن ديانا «لم تكن تحب محمد الفايد»، والد «دودي» الذي توفي معها في الحادث.