هل يستطيع نتنياهو الهروب إلى الحرب؟

بين حسابات الجيش... ورغبات اليمين الإسرائيلي المتشدد

المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)
المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)
TT

هل يستطيع نتنياهو الهروب إلى الحرب؟

المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)
المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)

من حربٍ إلى حرب، تقرع طبول الحرب في الشرق الأوسط بلا توقف. فما أن تضع حرب ما أوزارها، حتى تقرع طبول الحرب التالية. وإلى جانبها تدريبات عسكرية تتناول عدة سيناريوهات. وإذا لم يكن ذلك كافياً، فإن الجيش الإسرائيلي اخترع شيئاً اسمه «الحرب ما بين الحروب» (واسمها المختصر باللغة العبرية «مبام»)، وهي التي تشمل العمليات العسكرية المختلفة، الصغيرة والكبيرة، التي تجري على الطريق، ما بين حرب وأخرى. واليوم، بات الخبراء واثقين من أن الحرب المقبلة ليست مسألة أن تقع أم لا، بل... متى ستقع. ذلك أنها مؤكدة... وحتمية، وستبدو كأنها رحلة. ومن الطبيعي والحالة كهذه أن يكثر الكلام عن حرب مقبلة، ومتى وكيف، خاصة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش أزمة داخلية عويصة، يمكن أن تكون الحرب «أفضل» مخرج منها. ولقد حصل مثل هذا الأمر في الماضي. فنتنياهو نفسه لجأ إلى حرب عام 2012 لكي يجهض المظاهرات الشعبية ضده... ونجح. إذ أخمد الاحتجاج يومها، ثم شن عملية أخرى على غزة في 2014، وضمن لنفسه البقاء في الحكم 9 سنوات، حتى عام 2021. فلماذا لا يسلك الطريق نفسها اليوم؟ والسؤال الأهم هو؛ هل يرغب بذلك؟ وإن رغب، فهل يستطيع تكرار السلوك نفسه اليوم؟

على صعيد المصلحة الذاتية، لدى بنيامين نتنياهو، اليميني الليكودي، أسباب تدفع نحو شن حرب. أبرزها وضعه السياسي المتأزم جداً. فهو يواجه أكبر موجة احتجاج جماهيري في تاريخ إسرائيل، حيث يخرج كل مساء أيام السبت مئات ألوف المتظاهرين ضده، منذ أن صودق على حكومته، 31 أسبوعاً على التوالي.

وألوف المتظاهرون يلاحقونه شخصياً، حيثما تحرك، أمام بيته الخاص في قيسارية، ومقره في القدس، حتى أصبح يقلل من زياراته الميدانية إلى الحد الأدنى. بل لاحقوه في عطلته التي أمضاها في إحدى مستوطنات الجولان.

في هذه المظاهرات يُرفع الشعار اللاسع، الذي التصق بنتنياهو منذ توجيه اتهامات له بالاحتيال وخيانة الأمانة وتلقي الرشى «Crime Minister» (رئيس حكومة مجرم). وهو يشعر بالاختناق من المظاهرات التي ينظمها أيضاً المحتجون على خطته للانقلاب على منظومة الحكم وهجومه على أجهزة القضاء، التي بلغت حد التوجه إلى السفارات الأميركية والأوروبية رافعة شعارات «أنقذوا الديمقراطية من خطط نتنياهو الديكتاتورية» (SOS). ثم إنه فوجئ بجمهور الشباب، وشعر بالخوف. فبعدما ساد الانطباع أن الشباب لا يتدخلون في السياسة، غمر الشباب الإسرائيلي الساحات وجعلوا دماءهم الحارة تسير في عروق الاحتجاجات، حماسةً ومثابرة وقوة، وقادوا المظاهرات التي تلاحقه.

رغبة غلاة اليمين

وليس نتنياهو وحده الراغب في الخروج من هذا المأزق... بحرب، فحلفاؤه من غلاة اليمين المتشدد، بقيادة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، يتحمّسون لها أكثر منه. وهنا ثمة هدف آخر للحرب، هو وقف المسار الذي يسعى اليه الأميركيون لتغيير الأوضاع مع الفلسطينيين واتخاذ إجراءات «لمنع سقوط السلطة الفلسطينية».

قوى اليمين المتشدد لا تسعى فقط لشطب بقايا «اتفاقيات أوسلو»، بل ترى أن وجودها في الحكم فرصة تاريخية قد لا تعود، ويجب استغلالها لتصفية القضية الفلسطينية تماماً. وهي تطالب باجتياح شامل للضفة الغربية، كما حصل عام 2002، وإعلان حرب على قطاع غزة. ولدى سموتريتش خطة متكاملة نشرها باسمه عام 2017 في مجلة «هشيلواح» اليمينية، تحت عنوان «خطة الحسم»، يضع فيها «خريطة طريق» لتصفية القضية الفلسطينية. تبدأ الخطة بنشر فوضى عارمة في الضفة الغربية، تؤدي إلى سقوط السلطة الفلسطينية، وتنتهي بتشجيع الفلسطينيين على الهجرة، ومساعدتهم على تأسيس دولة لهم في الأردن.

أيضاً لدى المتشددين خطة لحرب على لبنان، تنتهي بضم الجنوب إلى إسرائيل، وجعل نهر الليطاني حدوداً طبيعية بين البلدين، وبناء مستوطنات يهودية هناك، كما هي الحال في الضفة الغربية. وبالنسبة لهذا اليمين، تجهض الحرب حملات الاحتجاج وتدفع الجيش للتركيز على واجباته العسكرية. بل ثمة اتهام للجيش بأنه شريك في عملية الاحتجاج بشكل مباشر، وأن الظاهرة التي تنتشر في صفوف الجيش اليوم بالامتناع عن التطوّع للخدمة الاحتياطية هي خير دليل على ذلك.

من ناحية أخرى، كان بمقدور نتنياهو التوجه إلى الانتخابات للتخلص من المظاهرات، لكنه لا يجرؤ على ذلك. فجميع الاستطلاعات التي تنشرها وسائل الإعلام، والتي يجريها هو بشكل سرّي، تشير إلى أنه سيخسر الحكم، وسيفقد معسكره 10 أو 11 مقعداً على الأقل من أصل 64 مقعداً، حصل عليها في الانتخابات الأخيرة بنوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ولذا، فإن الحرب مصلحة مباشرة لحكم اليمين. لكن المشكلة أن هناك شركاء آخرين في قرار الحرب لديهم رأي مختلف... في مقدمتهم الجيش، الذي سيتولى مهمة خوض القتال.

حسابات الجيش

الجيش الإسرائيلي يعد للحرب بكل قوته. ولديه خطط حربية لكثير من «السيناريوهات»، مثل حرب على لبنان وحده، أو حرب ينخرط فيها الجيش السوري، الذي وفق تقرير صادر عن «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل أبيب، سيشهد هذا الجيش «إجراءات ترميم متسارعة»، كما أن «قسماً من هذه الإجراءات بات يضع الآن تهديداً استراتيجياً محتملاً، ويتعيّن على إسرائيل الاعتراف به». أيضاً لدى الجيش الإسرائيلي خطط لحرب على قطاع غزة، وأخرى لحرب متعددة الجبهات في آن واحد، وحرب إقليمية تدخل فيها إيران وميليشياتها في العراق حتى اليمن مع غزة والضفة الغربية. بل يدخل في حساباته «احتمال ان ينفجر المواطنون العرب في إسرائيل في مظاهرات عنيفة»، وربما تكون بينهم «خلايا إرهاب نائمة» سبق تنظيمها بأيدي قوى خارجية مثل «حماس» و«الجهاد الإسلامي» أو «حزب الله» لكي تستغل الحرب لشن عمليات مسلحة في الجبهة الداخلية.

الجيش يأخذ بالاعتبار هذا التصوّر الراديكالي، البعيد عن الواقع، ضمن رؤية عسكرية تأخذ في الحساب أكبر وأخطر الاحتمالات. والهدف من التدرب على أخطر الاحتمالات هو ألا يصدم بمفاجآت. وكلما ازدادت التصورات واتسعت، تدخل القوات العسكرية الأميركية إلى الساحة. ولذا، نلاحظ طفرة في عدد وحجم المناورات المشتركة التي يجريها الجيشان، بشكل ثنائي، وكذلك ضمن الشراكة في «القيادة الوسطى للولايات المتحدة» (سنتكوم) في الشرق الأوسط.

أسلحة جديدة

في العادة، يجرّب الجيش الإسرائيلي في كل حرب أسلحة جديدة بشكل دائم. وهذه التجارب تجعل أسلحته مميزة، كونها مجربة ميدانياً. إلا أن الجيش يواجه راهناً تناقضات عصيبة تجعله لا يتحمس للحرب ويبذل وسعه لضمان ألا تنشب. ومع أن قادته يؤكدون أنه جاهز للحرب ويهددون «العدو» أو الأعداء مجتمعين» بأن يمتنعوا عن الحرب: «لا تمتحنوا قوتنا فهي ضاربة وفتاكة» و«ستعيد لبنان إلى العصر الحجري»، فإنهم يتكلمون في الغرف المغلقة عن «مساس في الجاهزية» بسبب خطة الحكومة الانقلابية.

وبحسب «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي (الخميس)، فإن «مسؤولاً أمنياً رفيعاً حذّر من أن الجيش سيفقد جاهزيته للحرب، ولا سيما سلاح الجو، خلال الشهر الحالي، ما لم يعمل على إعادة المتطوعين إلى الخدمة في الاحتياط». أيضاً، لو أراد الجيش الحرب، فإنه يحتاج إلى قاعدة شعبية موحّدة وراءه، وهذه القاعدة غير متوافرة الآن. ولأن الحرب ستكون مكلفة جداً، فهو يحتاج إلى اقتناع شعبي واسع بأنها ضرورية واضطرارية للدفاع عن النفس.

قبل أيام، وتحديداً يوم 7 أغسطس (آب) الحالي، نشرت توقعات لمسؤولين تقول إنه «في الأيام الأولى لقتال مع (حزب الله) وحده في حرب مقبلة، قد تواجه إسرائيل حوالي 6000 صاروخ في اليوم». وكتبت صحيفة «يسرائيل هيوم»، التي تعدّ مقربة من نتنياهو، أن «تقديرات المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين تفيد بأن هناك احتمالاً حال نشوب حرب أن يبدأ (حزب الله) القتال بإطلاق بين 5 و6 آلاف صاروخ في اليوم، ثم يخفضها تدريجياً إلى ما بين 1500 و2000 صاروخ في اليوم». وقالت أيضاً إن «هؤلاء المسؤولين الأمنيين يتوقعون أن يتطور تزايد الحوادث على الحدود الإسرائيلية اللبنانية في الأسابيع الأخيرة، إلى سيناريو حرب معقدٍ ضد (حزب الله)». وتابعت أن هؤلاء لا يستبعدون إمكانية مشاركة الجماعات المسلحة في غزة والضفة الغربية أيضاً في القتال، ما يعرض إسرائيل لتهديدات متعددة. ويخشون بشكل خاص أعمال الشغب داخل المجتمع العربي الإسرائيلي، وهو «السيناريو» الذي يعتبرونه الأكثر رعباً.

البُعد الإيراني للمواجهة

وفق «يسرائيل هيوم» أيضاً، يتوقع المسؤولون الأمنيون أن «تكون القبة الحديدية (منظومة اعتراض الصواريخ)، قادرة على تحييد قسم كبير من الصواريخ، لكن قذف 6000 صاروخ لن يكون بالأمر الهين، خاصة مع الفاعلية الواضحة للطائرات المسيّرة، كما تجلّى خلال الحرب في أوكرانيا». ثم إنهم لا يستبعدون تمكن «حزب الله» أو إيران أو حلفائهما من إلحاق أضرار بالمنشآت الاستراتيجية في إسرائيل، مثل محطات الطاقة. وذكرت أن الخوف الرئيس يكمن في توجيه ضربة إلى محطات الطاقة. الأمر الذي قد يضر بشكل خطير بقدرة إسرائيل على توليد الكهرباء، وربما يتسبب مثل هذا السيناريو في انقطاع التيار الكهربائي لعدة ساعات حتى أيام، ما يغرق البلاد في الظلام لمدة 24 إلى 72 ساعة.

واعتماداً على هذا الحجم الضخم لإطلاق الصواريخ، يتوقع السيناريو الحالي أن تؤدي حملة مشتركة بقيادة «حزب الله» إلى مقتل حوالي 500 مدني إسرائيلي، وإصابة آلاف آخرين على الجبهة الداخلية. وكي يتحمل الجمهور مثل هذا الثمن، يجب أن يكون موحداً وراء قيادتيه السياسية والعسكرية. وهذا غير متوفر اليوم. فاليمين الحاكم يدير حرباً سياسية شرسة ضد الجيش، ليست بسبب خطة الحكومة الانقلابية فقط.

هذه الحرب بدأت عام 2010، عندما رفض الجيش خطة نتنياهو ووزير دفاعه في ذلك الوقت إيهود باراك شن حرب على إيران. فمنذ ذلك العام، بدأ ذبح «البقرة المقدسة» وأطلق اليمين حملته ضد الجيش. ووسائل الإعلام العبرية اليمينية، التي أسست في تلك الفترة، مثل «ميدا» و«القناة 14» وصحيفة «يسرائيل هيوم»، بجانب وسائل الإعلام الاستيطانية «القناة السابعة» و«مكور ريشون» ومعاهد الأبحاث اليمينية، نشرت مقالات ودراسات حول «تراجع قيم الوحدة الوطنية» و«عقيدة الإقدام والقتال والاشتباك» واتهمت الجيش بالتبذير والفساد.

معسكر معارضي اليمين

في الطرف الثاني من الشارع الإسرائيلي، يرى معارضو خطة الحكومة الانقلابية أن الدولة «الجديدة» التي يبنيها نتنياهو مع سموتريتش وبن غفير ليست الدولة التي تستحق التضحية بالأرواح.

وهؤلاء يتظاهرون أسبوعياً، وفي بعض الأحيان يومياً، تحت الشمس الحارقة أو الأمطار، فيتركون عائلاتهم أو يصحبونهم معهم في الشوارع ويظهرون خوفاً حقيقياً على مستقبلهم.

هؤلاء هم المقاتلون في الجيش والمخابرات والشرطة، وهم قادة قطاع «الهايتك» الذين يجلبون 40 في المائة من المداخيل في الدولة، وهم قطاع البنوك والتجارة والصناعات الحربية والمدنية، وهم رؤساء الجامعات والمحاضرون والطلاب، هم الباحثون والعلماء والمخترعون، وهم قادة الجهاز الطبي ونقابة المحامين والجهاز القضائي.

إنهم الدولة العميقة

هؤلاء لا يترددون في امتداح الجيش والالتفاف حوله، لكنهم يطرحون فكرة قوية مقنعة لغالبية الجمهور؛ أن اليمين الديني يحطم الدولة، ويؤسس دولة ذات قيم غريبة، ويجعل منا مسخرة، فنحن الذين نعمل وندفع الضرائب... وهم الذين لا يعملون ويقبضون.

نحن الذين نضحي بحياتنا في الجيش... وهم الذين ينعمون بالدراسة في المعاهد الدينية ويربحون المال. إنهم يعيشون على حسابنا. وبعد هذا كله يشتموننا ويعتبروننا أعداء. هل لأجلهم نحارب ونموت؟

في هذا الجو يصعب على الجيش الخروج إلى الحرب، حتى لو لم يعترف بذلك علناً.

التعامل مع «الأعداء»!

ولكن هنا يدخل شريك آخر إلى الميدان. هو ما يسمى بـ«العدو» أو «الأعداء». في إسرائيل شعور بأن إيران تحث «حزب الله» كي يحارب، بينما تدفع بتنظيم «الجهاد الإسلامي» الفلسطيني ليحارب، وتمارس أيضاً ضغوطاً على «حماس».

صحيح أن الحروب في منطقتنا ما عادت بحاجة إلى قرار، بل يكفي أن يشن طرف ما عملية ما، ويرد الطرف الآخر بمنسوب زائد حتى تشتعل الحرب. فغالبية الحروب نشبت في المنطقة، بعد «حرب أكتوبر» 1973 من دون رغبة من أحد. ولذا يتدرب الإسرائيليون على كل صنوف الحرب باستمرار، لأنهم يعرفون هذه المعادلة. وفي الوقت نفسه، يبذلون الجهود لإبعادها.

لكن اليمين المتشدد الحاكم يحاول اليوم تغيير هذه المعادلة، ويقول إن الامتناع عن مهاجمة إيران قبل 12 سنة أتاح لطهران تعزيز قوتها العسكرية وأن تعيد نشر مرافقها النووية على امتداد البلاد وبناءها بعمق مئات الأمتار في قلب الجبال. كذلك، يرون أن الإحجام عن احتلال لبنان عام 2006 والحذر من «الرد على استفزازات (حزب الله) بحرب» جعل الحزب يبني ترسانة أسلحة تضم أكثر من 150 ألف صاروخ وقذيفة. وبينما يتهمون حكومات إسرائيل بدعم سلطة «حماس» في قطاع غزة والامتناع عن فعل أي شيء لإرغامها على إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، يعتبرون السلطة الفلسطينية «عدواً» و«مشجعاً» للإرهاب.

لكل هذا، يضغط اليمين على الجيش ويهاجم قادته ويستفزهم، ولا يكتفون بما يقوم به الجيش من ممارسات بشعة في المناطق الفلسطينية، من أعمال قتل وجرح واعتقالات وعمليات حصار وبطش، بل يحاولون جره إلى معارك أكبر ضد الفلسطينيين.

والجيش، من جهته، يحاول صد هذه الضغوط بنعومة. وفي بعض الأحيان، يساير ويقدم على البطش أكثر وعلى إطلاق التهديدات وقصف سوريا. بيد أنه لا يكف عن جهوده لإيصال رسائل للأطراف العربية أنه غير معني بتصعيد حربي.

بل إن الناطق بلسان الجيش، العميد دانئيل هجري، جعلها رسالة علنية، إذ أطلق تصريحات تهدئة في السابع من الشهر الحالي، عبر إذاعة جيشه (غالي تصاهل)، وقال: «الجيش على أتم الجاهزية لمواجهة أي تهديد في الشرق الأوسط، لكنه يعمل كل ما في وسعه لئلا تنشب حرب. ولديه وسائل كافية لنزع الفتيل». وأضاف: «لا أريد أن يدخل المواطنون في حالة ضغط، فالجيش يبذل جهوداً خارقة لحماية أمنهم، ولا ينجر في كل استفزاز لـ(حزب الله)».

وضرب مثلاً على ذلك بالخيمة التي نصبها «حزب الله» على الحدود، وقال: «أجل هذا استفزاز، لكن ليس لدرجة أن نشعل حرباً بسببه. بل نعدّه تهديداً هامشياً»، و«حزب الله» من جهته أخلى الخيمة، وأعاد رجاله إلى الجهة اللبنانية من الحدود.

بنيامين نتنياهو وسموترتش (رويترز)

تجربة «حرب أكتوبر»... والتعامل مع «حزب الله»

> ترفض رموز اليمين الإسرائيلي المتشدد منطق الجيش في التعامل مع «حزب الله»، ويعرب هؤلاء عن اعتقادهم بأن أمينه العام حسن نصر الله يمارس الخداع، ومن شأنه أن يفاجئ إسرائيل بحرب.

دورية للقوات الدولية "اليونيفيل" في المنطقة الحدودية بجنوب لبنان (لرويترز)

أحد نشطاء اليمين، وهو العميد في جيش الاحتياط أوري أجمون، حذر خلال مقابلة مع «معريب» (10 الحالي): «أشعر بأننا نعيش أجواء شبيهة بما حصل قبيل حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. أعتقد أن نصر الله يعد لنا مفاجآت. وليس عندي شك في أننا نعيش أوضاعاً حساسة ستقود إلى حرب». وأضاف أجمون: «في حينه، تلبّكنا وطرحنا أيضاً كثيراً من الأسئلة. وكانوا يردون علينا؛ لا داعي للقلق. المصريون والسوريون لن يحاربوا. وفجأة تعرّضنا لهجوم حربي منسّق، انطوى على خطر على كيان الدولة برمّتها، لولا أننا قلبنا المعادلة بمساعدة قوية من أميركا».

يرى معارضو نتنياهو أن «الدولة» التي يبنيها لا تستحق التضحية


مقالات ذات صلة

جنرالات إسرائيل يحذرون الحكومة من تصريحاتها المتغطرسة وأضرارها مع العرب

شؤون إقليمية ضربة إسرائيلية استهدفت مخيماً للنازحين إلى الغرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

جنرالات إسرائيل يحذرون الحكومة من تصريحاتها المتغطرسة وأضرارها مع العرب

حذرت المؤسسة الأمنية القيادة السياسية من «التحول من حالة الردع الإقليمي إلى حالة الإهانة الإقليمية».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية محتجون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة في تل أبيب (أ.ف.ب)

فلسطينيو 48 يقترحون مراسلة ترمب لإجبار نتنياهو على «قراءة» معاناتهم من الإجرام

جميع العرب في إسرائيل، دون استثناء، يعيشون تحت وطأة تهديد منظمات الإجرام وعصابات المجرمين التي تعمل بصفتها «دولة داخل الدولة».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب) p-circle

تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، يوم الأحد، بأن المجلس الوزاري الأمني يقول: «سنواجه أي محاولة إيرانية للمساس بإسرائيل بقوة حاسمة».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام لوحة دعائية معادية للولايات المتحدة معروضة في ميدان ولي عصر وسط طهران (أ.ف.ب)

إسرائيل تلوّح بضرب «الباليستي» الإيراني وتُشكك في جدوى أي اتفاق

أفادت مصادر أمنية بأن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أبلغوا الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني يمثل تهديداً وجودياً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.