هل يستطيع نتنياهو الهروب إلى الحرب؟

بين حسابات الجيش... ورغبات اليمين الإسرائيلي المتشدد

المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)
المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)
TT

هل يستطيع نتنياهو الهروب إلى الحرب؟

المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)
المظاهرات المناوئة لخطة الحكومة الانقلابية (أ.ب)

من حربٍ إلى حرب، تقرع طبول الحرب في الشرق الأوسط بلا توقف. فما أن تضع حرب ما أوزارها، حتى تقرع طبول الحرب التالية. وإلى جانبها تدريبات عسكرية تتناول عدة سيناريوهات. وإذا لم يكن ذلك كافياً، فإن الجيش الإسرائيلي اخترع شيئاً اسمه «الحرب ما بين الحروب» (واسمها المختصر باللغة العبرية «مبام»)، وهي التي تشمل العمليات العسكرية المختلفة، الصغيرة والكبيرة، التي تجري على الطريق، ما بين حرب وأخرى. واليوم، بات الخبراء واثقين من أن الحرب المقبلة ليست مسألة أن تقع أم لا، بل... متى ستقع. ذلك أنها مؤكدة... وحتمية، وستبدو كأنها رحلة. ومن الطبيعي والحالة كهذه أن يكثر الكلام عن حرب مقبلة، ومتى وكيف، خاصة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش أزمة داخلية عويصة، يمكن أن تكون الحرب «أفضل» مخرج منها. ولقد حصل مثل هذا الأمر في الماضي. فنتنياهو نفسه لجأ إلى حرب عام 2012 لكي يجهض المظاهرات الشعبية ضده... ونجح. إذ أخمد الاحتجاج يومها، ثم شن عملية أخرى على غزة في 2014، وضمن لنفسه البقاء في الحكم 9 سنوات، حتى عام 2021. فلماذا لا يسلك الطريق نفسها اليوم؟ والسؤال الأهم هو؛ هل يرغب بذلك؟ وإن رغب، فهل يستطيع تكرار السلوك نفسه اليوم؟

على صعيد المصلحة الذاتية، لدى بنيامين نتنياهو، اليميني الليكودي، أسباب تدفع نحو شن حرب. أبرزها وضعه السياسي المتأزم جداً. فهو يواجه أكبر موجة احتجاج جماهيري في تاريخ إسرائيل، حيث يخرج كل مساء أيام السبت مئات ألوف المتظاهرين ضده، منذ أن صودق على حكومته، 31 أسبوعاً على التوالي.

وألوف المتظاهرون يلاحقونه شخصياً، حيثما تحرك، أمام بيته الخاص في قيسارية، ومقره في القدس، حتى أصبح يقلل من زياراته الميدانية إلى الحد الأدنى. بل لاحقوه في عطلته التي أمضاها في إحدى مستوطنات الجولان.

في هذه المظاهرات يُرفع الشعار اللاسع، الذي التصق بنتنياهو منذ توجيه اتهامات له بالاحتيال وخيانة الأمانة وتلقي الرشى «Crime Minister» (رئيس حكومة مجرم). وهو يشعر بالاختناق من المظاهرات التي ينظمها أيضاً المحتجون على خطته للانقلاب على منظومة الحكم وهجومه على أجهزة القضاء، التي بلغت حد التوجه إلى السفارات الأميركية والأوروبية رافعة شعارات «أنقذوا الديمقراطية من خطط نتنياهو الديكتاتورية» (SOS). ثم إنه فوجئ بجمهور الشباب، وشعر بالخوف. فبعدما ساد الانطباع أن الشباب لا يتدخلون في السياسة، غمر الشباب الإسرائيلي الساحات وجعلوا دماءهم الحارة تسير في عروق الاحتجاجات، حماسةً ومثابرة وقوة، وقادوا المظاهرات التي تلاحقه.

رغبة غلاة اليمين

وليس نتنياهو وحده الراغب في الخروج من هذا المأزق... بحرب، فحلفاؤه من غلاة اليمين المتشدد، بقيادة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، يتحمّسون لها أكثر منه. وهنا ثمة هدف آخر للحرب، هو وقف المسار الذي يسعى اليه الأميركيون لتغيير الأوضاع مع الفلسطينيين واتخاذ إجراءات «لمنع سقوط السلطة الفلسطينية».

قوى اليمين المتشدد لا تسعى فقط لشطب بقايا «اتفاقيات أوسلو»، بل ترى أن وجودها في الحكم فرصة تاريخية قد لا تعود، ويجب استغلالها لتصفية القضية الفلسطينية تماماً. وهي تطالب باجتياح شامل للضفة الغربية، كما حصل عام 2002، وإعلان حرب على قطاع غزة. ولدى سموتريتش خطة متكاملة نشرها باسمه عام 2017 في مجلة «هشيلواح» اليمينية، تحت عنوان «خطة الحسم»، يضع فيها «خريطة طريق» لتصفية القضية الفلسطينية. تبدأ الخطة بنشر فوضى عارمة في الضفة الغربية، تؤدي إلى سقوط السلطة الفلسطينية، وتنتهي بتشجيع الفلسطينيين على الهجرة، ومساعدتهم على تأسيس دولة لهم في الأردن.

أيضاً لدى المتشددين خطة لحرب على لبنان، تنتهي بضم الجنوب إلى إسرائيل، وجعل نهر الليطاني حدوداً طبيعية بين البلدين، وبناء مستوطنات يهودية هناك، كما هي الحال في الضفة الغربية. وبالنسبة لهذا اليمين، تجهض الحرب حملات الاحتجاج وتدفع الجيش للتركيز على واجباته العسكرية. بل ثمة اتهام للجيش بأنه شريك في عملية الاحتجاج بشكل مباشر، وأن الظاهرة التي تنتشر في صفوف الجيش اليوم بالامتناع عن التطوّع للخدمة الاحتياطية هي خير دليل على ذلك.

من ناحية أخرى، كان بمقدور نتنياهو التوجه إلى الانتخابات للتخلص من المظاهرات، لكنه لا يجرؤ على ذلك. فجميع الاستطلاعات التي تنشرها وسائل الإعلام، والتي يجريها هو بشكل سرّي، تشير إلى أنه سيخسر الحكم، وسيفقد معسكره 10 أو 11 مقعداً على الأقل من أصل 64 مقعداً، حصل عليها في الانتخابات الأخيرة بنوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ولذا، فإن الحرب مصلحة مباشرة لحكم اليمين. لكن المشكلة أن هناك شركاء آخرين في قرار الحرب لديهم رأي مختلف... في مقدمتهم الجيش، الذي سيتولى مهمة خوض القتال.

حسابات الجيش

الجيش الإسرائيلي يعد للحرب بكل قوته. ولديه خطط حربية لكثير من «السيناريوهات»، مثل حرب على لبنان وحده، أو حرب ينخرط فيها الجيش السوري، الذي وفق تقرير صادر عن «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل أبيب، سيشهد هذا الجيش «إجراءات ترميم متسارعة»، كما أن «قسماً من هذه الإجراءات بات يضع الآن تهديداً استراتيجياً محتملاً، ويتعيّن على إسرائيل الاعتراف به». أيضاً لدى الجيش الإسرائيلي خطط لحرب على قطاع غزة، وأخرى لحرب متعددة الجبهات في آن واحد، وحرب إقليمية تدخل فيها إيران وميليشياتها في العراق حتى اليمن مع غزة والضفة الغربية. بل يدخل في حساباته «احتمال ان ينفجر المواطنون العرب في إسرائيل في مظاهرات عنيفة»، وربما تكون بينهم «خلايا إرهاب نائمة» سبق تنظيمها بأيدي قوى خارجية مثل «حماس» و«الجهاد الإسلامي» أو «حزب الله» لكي تستغل الحرب لشن عمليات مسلحة في الجبهة الداخلية.

الجيش يأخذ بالاعتبار هذا التصوّر الراديكالي، البعيد عن الواقع، ضمن رؤية عسكرية تأخذ في الحساب أكبر وأخطر الاحتمالات. والهدف من التدرب على أخطر الاحتمالات هو ألا يصدم بمفاجآت. وكلما ازدادت التصورات واتسعت، تدخل القوات العسكرية الأميركية إلى الساحة. ولذا، نلاحظ طفرة في عدد وحجم المناورات المشتركة التي يجريها الجيشان، بشكل ثنائي، وكذلك ضمن الشراكة في «القيادة الوسطى للولايات المتحدة» (سنتكوم) في الشرق الأوسط.

أسلحة جديدة

في العادة، يجرّب الجيش الإسرائيلي في كل حرب أسلحة جديدة بشكل دائم. وهذه التجارب تجعل أسلحته مميزة، كونها مجربة ميدانياً. إلا أن الجيش يواجه راهناً تناقضات عصيبة تجعله لا يتحمس للحرب ويبذل وسعه لضمان ألا تنشب. ومع أن قادته يؤكدون أنه جاهز للحرب ويهددون «العدو» أو الأعداء مجتمعين» بأن يمتنعوا عن الحرب: «لا تمتحنوا قوتنا فهي ضاربة وفتاكة» و«ستعيد لبنان إلى العصر الحجري»، فإنهم يتكلمون في الغرف المغلقة عن «مساس في الجاهزية» بسبب خطة الحكومة الانقلابية.

وبحسب «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي (الخميس)، فإن «مسؤولاً أمنياً رفيعاً حذّر من أن الجيش سيفقد جاهزيته للحرب، ولا سيما سلاح الجو، خلال الشهر الحالي، ما لم يعمل على إعادة المتطوعين إلى الخدمة في الاحتياط». أيضاً، لو أراد الجيش الحرب، فإنه يحتاج إلى قاعدة شعبية موحّدة وراءه، وهذه القاعدة غير متوافرة الآن. ولأن الحرب ستكون مكلفة جداً، فهو يحتاج إلى اقتناع شعبي واسع بأنها ضرورية واضطرارية للدفاع عن النفس.

قبل أيام، وتحديداً يوم 7 أغسطس (آب) الحالي، نشرت توقعات لمسؤولين تقول إنه «في الأيام الأولى لقتال مع (حزب الله) وحده في حرب مقبلة، قد تواجه إسرائيل حوالي 6000 صاروخ في اليوم». وكتبت صحيفة «يسرائيل هيوم»، التي تعدّ مقربة من نتنياهو، أن «تقديرات المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين تفيد بأن هناك احتمالاً حال نشوب حرب أن يبدأ (حزب الله) القتال بإطلاق بين 5 و6 آلاف صاروخ في اليوم، ثم يخفضها تدريجياً إلى ما بين 1500 و2000 صاروخ في اليوم». وقالت أيضاً إن «هؤلاء المسؤولين الأمنيين يتوقعون أن يتطور تزايد الحوادث على الحدود الإسرائيلية اللبنانية في الأسابيع الأخيرة، إلى سيناريو حرب معقدٍ ضد (حزب الله)». وتابعت أن هؤلاء لا يستبعدون إمكانية مشاركة الجماعات المسلحة في غزة والضفة الغربية أيضاً في القتال، ما يعرض إسرائيل لتهديدات متعددة. ويخشون بشكل خاص أعمال الشغب داخل المجتمع العربي الإسرائيلي، وهو «السيناريو» الذي يعتبرونه الأكثر رعباً.

البُعد الإيراني للمواجهة

وفق «يسرائيل هيوم» أيضاً، يتوقع المسؤولون الأمنيون أن «تكون القبة الحديدية (منظومة اعتراض الصواريخ)، قادرة على تحييد قسم كبير من الصواريخ، لكن قذف 6000 صاروخ لن يكون بالأمر الهين، خاصة مع الفاعلية الواضحة للطائرات المسيّرة، كما تجلّى خلال الحرب في أوكرانيا». ثم إنهم لا يستبعدون تمكن «حزب الله» أو إيران أو حلفائهما من إلحاق أضرار بالمنشآت الاستراتيجية في إسرائيل، مثل محطات الطاقة. وذكرت أن الخوف الرئيس يكمن في توجيه ضربة إلى محطات الطاقة. الأمر الذي قد يضر بشكل خطير بقدرة إسرائيل على توليد الكهرباء، وربما يتسبب مثل هذا السيناريو في انقطاع التيار الكهربائي لعدة ساعات حتى أيام، ما يغرق البلاد في الظلام لمدة 24 إلى 72 ساعة.

واعتماداً على هذا الحجم الضخم لإطلاق الصواريخ، يتوقع السيناريو الحالي أن تؤدي حملة مشتركة بقيادة «حزب الله» إلى مقتل حوالي 500 مدني إسرائيلي، وإصابة آلاف آخرين على الجبهة الداخلية. وكي يتحمل الجمهور مثل هذا الثمن، يجب أن يكون موحداً وراء قيادتيه السياسية والعسكرية. وهذا غير متوفر اليوم. فاليمين الحاكم يدير حرباً سياسية شرسة ضد الجيش، ليست بسبب خطة الحكومة الانقلابية فقط.

هذه الحرب بدأت عام 2010، عندما رفض الجيش خطة نتنياهو ووزير دفاعه في ذلك الوقت إيهود باراك شن حرب على إيران. فمنذ ذلك العام، بدأ ذبح «البقرة المقدسة» وأطلق اليمين حملته ضد الجيش. ووسائل الإعلام العبرية اليمينية، التي أسست في تلك الفترة، مثل «ميدا» و«القناة 14» وصحيفة «يسرائيل هيوم»، بجانب وسائل الإعلام الاستيطانية «القناة السابعة» و«مكور ريشون» ومعاهد الأبحاث اليمينية، نشرت مقالات ودراسات حول «تراجع قيم الوحدة الوطنية» و«عقيدة الإقدام والقتال والاشتباك» واتهمت الجيش بالتبذير والفساد.

معسكر معارضي اليمين

في الطرف الثاني من الشارع الإسرائيلي، يرى معارضو خطة الحكومة الانقلابية أن الدولة «الجديدة» التي يبنيها نتنياهو مع سموتريتش وبن غفير ليست الدولة التي تستحق التضحية بالأرواح.

وهؤلاء يتظاهرون أسبوعياً، وفي بعض الأحيان يومياً، تحت الشمس الحارقة أو الأمطار، فيتركون عائلاتهم أو يصحبونهم معهم في الشوارع ويظهرون خوفاً حقيقياً على مستقبلهم.

هؤلاء هم المقاتلون في الجيش والمخابرات والشرطة، وهم قادة قطاع «الهايتك» الذين يجلبون 40 في المائة من المداخيل في الدولة، وهم قطاع البنوك والتجارة والصناعات الحربية والمدنية، وهم رؤساء الجامعات والمحاضرون والطلاب، هم الباحثون والعلماء والمخترعون، وهم قادة الجهاز الطبي ونقابة المحامين والجهاز القضائي.

إنهم الدولة العميقة

هؤلاء لا يترددون في امتداح الجيش والالتفاف حوله، لكنهم يطرحون فكرة قوية مقنعة لغالبية الجمهور؛ أن اليمين الديني يحطم الدولة، ويؤسس دولة ذات قيم غريبة، ويجعل منا مسخرة، فنحن الذين نعمل وندفع الضرائب... وهم الذين لا يعملون ويقبضون.

نحن الذين نضحي بحياتنا في الجيش... وهم الذين ينعمون بالدراسة في المعاهد الدينية ويربحون المال. إنهم يعيشون على حسابنا. وبعد هذا كله يشتموننا ويعتبروننا أعداء. هل لأجلهم نحارب ونموت؟

في هذا الجو يصعب على الجيش الخروج إلى الحرب، حتى لو لم يعترف بذلك علناً.

التعامل مع «الأعداء»!

ولكن هنا يدخل شريك آخر إلى الميدان. هو ما يسمى بـ«العدو» أو «الأعداء». في إسرائيل شعور بأن إيران تحث «حزب الله» كي يحارب، بينما تدفع بتنظيم «الجهاد الإسلامي» الفلسطيني ليحارب، وتمارس أيضاً ضغوطاً على «حماس».

صحيح أن الحروب في منطقتنا ما عادت بحاجة إلى قرار، بل يكفي أن يشن طرف ما عملية ما، ويرد الطرف الآخر بمنسوب زائد حتى تشتعل الحرب. فغالبية الحروب نشبت في المنطقة، بعد «حرب أكتوبر» 1973 من دون رغبة من أحد. ولذا يتدرب الإسرائيليون على كل صنوف الحرب باستمرار، لأنهم يعرفون هذه المعادلة. وفي الوقت نفسه، يبذلون الجهود لإبعادها.

لكن اليمين المتشدد الحاكم يحاول اليوم تغيير هذه المعادلة، ويقول إن الامتناع عن مهاجمة إيران قبل 12 سنة أتاح لطهران تعزيز قوتها العسكرية وأن تعيد نشر مرافقها النووية على امتداد البلاد وبناءها بعمق مئات الأمتار في قلب الجبال. كذلك، يرون أن الإحجام عن احتلال لبنان عام 2006 والحذر من «الرد على استفزازات (حزب الله) بحرب» جعل الحزب يبني ترسانة أسلحة تضم أكثر من 150 ألف صاروخ وقذيفة. وبينما يتهمون حكومات إسرائيل بدعم سلطة «حماس» في قطاع غزة والامتناع عن فعل أي شيء لإرغامها على إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، يعتبرون السلطة الفلسطينية «عدواً» و«مشجعاً» للإرهاب.

لكل هذا، يضغط اليمين على الجيش ويهاجم قادته ويستفزهم، ولا يكتفون بما يقوم به الجيش من ممارسات بشعة في المناطق الفلسطينية، من أعمال قتل وجرح واعتقالات وعمليات حصار وبطش، بل يحاولون جره إلى معارك أكبر ضد الفلسطينيين.

والجيش، من جهته، يحاول صد هذه الضغوط بنعومة. وفي بعض الأحيان، يساير ويقدم على البطش أكثر وعلى إطلاق التهديدات وقصف سوريا. بيد أنه لا يكف عن جهوده لإيصال رسائل للأطراف العربية أنه غير معني بتصعيد حربي.

بل إن الناطق بلسان الجيش، العميد دانئيل هجري، جعلها رسالة علنية، إذ أطلق تصريحات تهدئة في السابع من الشهر الحالي، عبر إذاعة جيشه (غالي تصاهل)، وقال: «الجيش على أتم الجاهزية لمواجهة أي تهديد في الشرق الأوسط، لكنه يعمل كل ما في وسعه لئلا تنشب حرب. ولديه وسائل كافية لنزع الفتيل». وأضاف: «لا أريد أن يدخل المواطنون في حالة ضغط، فالجيش يبذل جهوداً خارقة لحماية أمنهم، ولا ينجر في كل استفزاز لـ(حزب الله)».

وضرب مثلاً على ذلك بالخيمة التي نصبها «حزب الله» على الحدود، وقال: «أجل هذا استفزاز، لكن ليس لدرجة أن نشعل حرباً بسببه. بل نعدّه تهديداً هامشياً»، و«حزب الله» من جهته أخلى الخيمة، وأعاد رجاله إلى الجهة اللبنانية من الحدود.

بنيامين نتنياهو وسموترتش (رويترز)

تجربة «حرب أكتوبر»... والتعامل مع «حزب الله»

> ترفض رموز اليمين الإسرائيلي المتشدد منطق الجيش في التعامل مع «حزب الله»، ويعرب هؤلاء عن اعتقادهم بأن أمينه العام حسن نصر الله يمارس الخداع، ومن شأنه أن يفاجئ إسرائيل بحرب.

دورية للقوات الدولية "اليونيفيل" في المنطقة الحدودية بجنوب لبنان (لرويترز)

أحد نشطاء اليمين، وهو العميد في جيش الاحتياط أوري أجمون، حذر خلال مقابلة مع «معريب» (10 الحالي): «أشعر بأننا نعيش أجواء شبيهة بما حصل قبيل حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. أعتقد أن نصر الله يعد لنا مفاجآت. وليس عندي شك في أننا نعيش أوضاعاً حساسة ستقود إلى حرب». وأضاف أجمون: «في حينه، تلبّكنا وطرحنا أيضاً كثيراً من الأسئلة. وكانوا يردون علينا؛ لا داعي للقلق. المصريون والسوريون لن يحاربوا. وفجأة تعرّضنا لهجوم حربي منسّق، انطوى على خطر على كيان الدولة برمّتها، لولا أننا قلبنا المعادلة بمساعدة قوية من أميركا».

يرى معارضو نتنياهو أن «الدولة» التي يبنيها لا تستحق التضحية


مقالات ذات صلة

نتنياهو وبن غفير يتفقان على «تخفيف صيغة» قانون إعدام الأسرى

المشرق العربي الأسير الفلسطيني معزز عبيات عقب الإفراج عنه من سجن إسرائيلي قرب مدينة الخليل في الضفة الغربية عام 2024 (رويترز) p-circle 02:11

نتنياهو وبن غفير يتفقان على «تخفيف صيغة» قانون إعدام الأسرى

نقلت وسائل إعلام عبرية عن مصادر إسرائيلية قولها إن اتفاقاً حكومياً تم التوصل إليه لتخفيف صياغة قانون يسمح بـ«إعدام الأسرى الفلسطينيين» لتجنب «ضرر دولي». 

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)

بعد تحذير إسرائيلي... لبنان يخشى استهداف بنيته التحتية حال التصعيد مع إيران

يخشى لبنان من ضربات قد تشنها إسرائيل على بنيته التحتية في حال التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، كما صرّح وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي من جنيف الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)

سموتريتش: الجيش سيحتل كل غزة إذا لم تسلم «حماس» سلاحها

قال وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش الاثنين إن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قد تُمنح قريباً مهلة نهائية لإلقاء أسلحتها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (أرشيفية - رويترز)

واشنطن: تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل بشأن الشرق الأوسط أُخرجت من سياقها

استمرت موجة الغضب، اليوم (الأحد)، بعد أن قال السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، إن لإسرائيل حقاً في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

إدانات عربية وإسلامية واسعة لتصريحات سفير أميركا عن «حق إسرائيل» في الشرق الأوسط

نددت دول عربية وإسلامية، في بيان مشترك اليوم (الأحد)، بتصريحات أدلى بها سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.