لبنان: لقاءات «القوات» و«المردة» لا تنتج تقارباً في الملفّ الرئاسي

هدفها تنظيم خلافات المناصرين والسجالات على وسائل التواصل

سليمان فرنجية (رويترز)
سليمان فرنجية (رويترز)
TT

لبنان: لقاءات «القوات» و«المردة» لا تنتج تقارباً في الملفّ الرئاسي

سليمان فرنجية (رويترز)
سليمان فرنجية (رويترز)

الخلاف المستحكم بين حزب «القوات اللبنانية» وتيّار «المردة»، خصوصاً في الملفّ الرئاسي، لم يحُل دون فتح قنوات التواصل بين الطرفين لتسوية خلافات جمهورهما على الأرض، أو الاتفاق على بعض الملفات السياسية ومشاريع القوانين التي تتقاطع فيها المصلحة المشتركة.

ضخّ الروح في شرايين العلاقات الذي أفصح عنه مؤخراً عضو كتلة «الجمهورية القوية» النائب ملحم رياشي ليس حديث العهد، بل يعود لأشهر بعيدة؛ إذ كشف رياشي لـ«الشرق الأوسط»، عن أن رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع أوكل إليه مهمّة التواصل مع قيادة تيار «المردة»، وأوضح أن «اللقاءات تحصل بشكل دوري وشهرياً بينه وبين النائب طوني فرنجية (نجل المرشح الرئاسي سليمان فرنجية)، وهذا التواصل بدأ قبل الإعلان عن ترشّح فرنجية للرئاسة»، مؤكداً أن «اللقاءات دورية، لكن الاتصالات لا تنقطع وتحصل عند الضرورة، لا سيما لتسوية العلاقات على الأرض بين المحازبين والمناصرين، خصوصاً في المناطق التي يتواجد فيها مناصرو الفريقين»، مشيراً إلى أن «التدخّل يحصل عندما يحتدم السجال بين المؤيدين لكل طرف على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تجري تسوية الاختلافات لمنع الحض على الكراهية بين الطرفين».

ولا تخلو لقاءات الطرفين من ملامسة القضايا السياسية التي يختلفان حولها ويحاذران التعمّق في حال تخطّى التباين الهوامش المسموح بها، وقال رياشي: إن «النقاشات مع فرنجية تلامس بعض الأحيان الملفات السياسية، لكن نتعاطى فيها كلاعبي الشطرنج؛ إذ يعطي كل طرف ملاحظاته على لعب الآخر، دون المسّ بقواعد اللعبة». ورأى أن الأمور السياسية ليست مقفلة، وممكن التقاطع على قضايا محددة بحيث نتفق على بعض الأمور وأحياناً يكون الاختلاف أعمق». ولا يخفي رياشي قوّة الخلاف السياسي. ويختم بالقول: «هم أخصام في السياسة، لكن العلاقات الاجتماعية قائمة ونحرص عليها، كما أن نواب الكتلتين كثيراً ما يتفقون على مشاريع قوانين تهمّ اللبنانيين بشكل عام».

وكان لقاء تاريخي جمع جعجع وفرنجية في بكركي برعاية البطريرك الماروني بشارة الراعي في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، بحضور قيادات من الحزبين، وصدر إثره بيان مشترك أعلن أن «زمن العداوات والخصومات بين (القوات اللبنانية) و(المردة) قد ولى، وحلّ مكانه زمن التفاهم والحوار وطي صفحة أليمة والاتعاظ من دروس الماضي وأخطائه وخطاياه منعاً لتكرارها». وشددا على أن «الاختلاف السياسي لا يمنع التلاقي حول القضايا الوطنية والإنسانية والاجتماعية والإنمائية، مع السعي الدائم لتضييق مساحة الاختلاف السياسي، وتمسّك كل طرف بقناعاته وثوابته، وعدم تقييد الخيارات والتوجهات السياسية، بل تخطي مرحلة أليمة، ووضع أسس حوار مستمر تطلعاً إلى أفق مستقبلي مفتوح».

ومنذ ذلك التاريخ لم يحصل أي لقاء ثنائي بين جعجع وفرنجية، وظلّ التباعد قائماً، خصوصاً أن كلاً منهما يتمسّك بخيارات سياسية تتعارض مع الآخر، وعدّ القيادي في تيّار «المردة» النائب السابق كريم الراسي، أن «المنطق يفرض تواصل (المردة) مع (القوات اللبنانية) لتسوية أي خلاف قد يقع على الأرض». ورأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الخلاف السياسي بين الحزبين كبير جداً؛ إذ إن كل فريق يسير باتجاه معاكس، فنحن ثابتون على موقفنا، أما هم فيتحركون حسب المصالح والأهواء، وإذا أرادوا التقارب معنا على الملفّ الرئاسي أهلاً وسهلاً».

ولا يحول التقارب المستجدّ دون توجيه رسائل سياسية لاذعة، حيث شدد الراسي على أن «القوات اللبنانية اعتادت على تغيير مواقفها في السياسة، وتفاهم معراب (بين القوات والتيار الوطني الحر) خير شاهد على ذلك، فعندما اتفقوا مع ميشال عون تخطّوا الحرب والدماء التي سالت بينهما، ثم عادوا ودفعوا ثمن خياراتهم الخاطئة». وعدّ أن «مصلحة القوات اللبنانية والمسيحيين وكلّ اللبنانيين تفرض عليهم التقارب مع (المردة) في الملفّ الرئاسي، وإذا بدّلوا موقفهم لجهة تأييد سليمان فرنجية، هم الرابحون وكذلك المسيحيون وكلّ الوطن». وذكّر بأن «سليمان فرنجية ثابت على مواقفه، ولا ينقلب على ما يتعهّد به».

ورغم انسداد الأفق بين الطرفين بفعل الافتراق على الخيارات السياسية والوطنية، لا يجد الراسي أن الأفق مقفل، ويرى أن «التقارب وارد فكل شيء قابل للتبدّل في لبنان، سواء على صعيد الحوارات الداخلية التي قد تستأنف في أي وقت، أو على صعيد المتغيّرات الإقليمية والدولية التي يتأثر بها لبنان».



لبنان وإسرائيل نحو «مواجهة دبلوماسية» حول وقف النار

صورة التقطت من مدينة صور لدخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة القليلة (أ.ف.ب)
صورة التقطت من مدينة صور لدخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة القليلة (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل نحو «مواجهة دبلوماسية» حول وقف النار

صورة التقطت من مدينة صور لدخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة القليلة (أ.ف.ب)
صورة التقطت من مدينة صور لدخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة القليلة (أ.ف.ب)

يخوض لبنان وإسرائيل الثلاثاء غمار محاولة دبلوماسية بوساطة الولايات المتحدة للتغلب على عقود من العداء الدامي بينهما، عبر اجتماع تمهيدي يعقد وجهاً لوجه بين السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، كمقدمة لمفاوضات لاحقة يمكن أن تستضيفها قبرص.

ووسط مساعٍ مكثفة في واشنطن لفصل المسار اللبناني-الإسرائيلي عن المسار الأميركي-الإيراني، يمثل إدارة الرئيس دونالد ترمب في الوساطة كل من السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، والمستشار في وزارة الخارجية مدير مكتب تخطيط السياسات مايكل نيدهام، المقرب للغاية من وزير الخارجية ماركو روبيو. ونيدهام، هو خبير استراتيجي في السياسة الخارجية، وعمل لست سنوات كبير الموظفين لدى روبيو عندما كان سيناتوراً ونائباً لرئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي.

تعليمات بوقف إطلاق النار

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر طلب عدم نشر اسمه أن السفيرة حمادة معوض «لديها تعليمات واضحة» من الرئيس اللبناني جوزيف عون «للمطالبة بوقف إطلاق النار» بين إسرائيل و«حزب الله» وسط أنباء عن تسجيل دعوة إسرائيل إلى الانسحاب من المناطق التي احتلتها منذ بدء الغزو الإسرائيلي في مطلع مارس (آذار) الماضي. وتوقع المصدر ألا يتجاوز الاجتماع «مدة عشر دقائق».

ويرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، ويؤكد أن إسرائيل ستنشئ حزاماً أمنياً بعرض ثمانية إلى عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

وعندما سُئل عما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل اتفقتا على تقليص الغارات الجوية في لبنان قبل المحادثات، رفض ليتر مناقشة «القضايا العملياتية» للجيش الإسرائيلي. وأضاف أن حكومته ستكون متعاونة مع جهود الرئيس دونالد ترمب، وستدعمها فيما يتعلق بالحرب مع إيران. وشدد على ضرورة تركيز الحكومة اللبنانية على نزع سلاح «حزب الله».

ويتوقع مراقبون حصول مواجهة دبلوماسية لإقرار مبدأ وقف النار، وعدم الاكتفاء بـ«خفض التصعيد» إلى المستويات التي سبقت بدء الحرب في مطلع مارس الماضي.

سيادة لبنان

وإذ أمل في أن يعزز مسار التفاوض المنفصل عن إيران الجهود الخاصة بتعزيز السيادة اللبنانية، عبر رئيس مجموعة العمل الأميركية للبنان أد غابريال عن «خيبة أمل» حيال رفض إسرائيل وقف عملياتها العسكرية.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، أكد غابريال أن المجموعة التي تحظى بنفوذ واسع في واشنطن العاصمة وتدافع بقوة عن مصالح لبنان في الولايات المتحدة «تدعم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل»، واصفاً المسار الدبلوماسي المنفصل عن إيران بأنه «سبيل أقوى لتحقيق السيادة من دمج مصير لبنان في عملية وقف النار الأوسع نطاقاً بين الولايات المتحدة وإيران».

وحرص غابريال على التمييز بين المناصرة والمشاركة المباشرة، فقال: «ليس لدينا دور مباشر في تقديم المشورة للمفاوضين»، لكنه أضاف أن المجموعة تسعى جاهدة لإجراء محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل «منذ الصيف الماضي»، كاشفاً أنه عمل مع الأطراف الثلاثة -اللبنانية والإسرائيلية والأميركية- لخلق زخم للمفاوضات المباشرة. وقال: «دافعنا عن ذلك أمام كل الأطراف الثلاثة».

عيسى وهاكابي

وأشاد غابريال بإدارة ترمب في التعامل مع الأعمال التمهيدية للمفاوضات، مُثنياً على الدور الاستثنائي الذي اضطلع به السفير عيسى. وقال: «يسرنا أن إدارة ترمب، بقيادة السفير ميشال عيسى، عملت بجد خلال الأشهر القليلة الماضية لتهيئة الأرضية لمثل هذه المفاوضات. ونُثني على جهودها الدؤوبة».

وهو كان يشير بصورة خاصة إلى الدور الذي قام به كل من السفير عيسى، والسفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، بتعليمات من الرئيس ترمب، لتحقيق هدف المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.

وعبر غابريال عن دعمه لإنشاء لبنان وإسرائيل مساراً تفاوضياً ثنائياً منفصلاً عن العملية التي تتوسط فيها باكستان بين الولايات المتحدة وإيران، عازياً السبب إلى الدفاع عن السيادة اللبنانية. قال: «نعتقد أن الأهم بالنسبة للحكومة اللبنانية هو تأكيد حقوقها السيادية كدولة، والعمل مباشرة مع الطرف الآخر، وعدم الانخراط في عملية تجري تحت سيطرة إيران»، محذراً من أن إقحام لبنان في المسار الإيراني سيُخضع مصالح بيروت لمصالح طهران، مما يُقوّض استقلالية الحكومة اللبنانية التي سعت جاهدة لترسيخها.

ورداً على سؤال عن اقتراح كل من الرئيس عون ورئيس الوزراء نواف سلام اعتماد «النموذج الباكستاني» في الاجتماعات بين لبنان وإسرائيل، أي وقف النار أولاً، ثم إجراء مفاوضات جوهرية، قال غابريال: «نشعر بخيبة أمل كبيرة لعدم ربط إسرائيل وقف النار بالمفاوضات المباشرة» مع لبنان.

ومع ذلك، لم يدع غابريال صراحة إلى وقف المحادثات، بل اعتبرها الوسيلة الوحيدة المتبقية لوقف القتال. وأضاف: «نعتقد أن السبيل الوحيد الآن نحو وقف النار هو بدء المفاوضات المباشرة، حتى يتسنى لهم طرح أهمية وقف إطلاق النار الفوري».

ويستند منطق مجموعة العمل إلى أن وقف النار ربما لن يسبق المفاوضات، مؤكداً مع ذلك أن «السبيل الوحيد للمضي في هذه المرحلة هو عبر المفاوضات المباشرة، لا عبر الأعمال العدائية».


إسرائيل تحاصر بنت جبيل وعينها على رمزية «بيت العنكبوت»

جنود إسرائيليون يتمركزون عند الحدود مع بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون يتمركزون عند الحدود مع بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تحاصر بنت جبيل وعينها على رمزية «بيت العنكبوت»

جنود إسرائيليون يتمركزون عند الحدود مع بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون يتمركزون عند الحدود مع بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

لا تحاصر القوات الإسرائيلية، مدينة بنت جبيل حالياً، كهدف عسكري تقليدي، بل كعقدة مركّبة تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ، ويتحوّل فيها الاشتباك امتداداً مباشراً للرمزية. فالمدينة التي لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من السيطرة عليها في حربي 2006 و2024، وتقع في منخفض جغرافي مكشوف على التلال المحيطة، تكتنف رمزية سياسية كبيرة؛ كونها كبرى مدن جنوب الليطاني، وعقدة تواصل المنطقة مع شمال الليطاني، فضلاً عن أن أمين عام «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله كان أقام فيها احتفال «النصر» في عام 2000، ووصف فيها إسرائيل بأنها «أوهن من بيت العنكبوت».

ولا يبدو أن الجانب الإسرائيلي يكترث للصعوبات العسكرية التي تترتب على الموقع الجغرافي، بقدر ما يهتم لرمزيته السياسية. فقد كتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية أفيخاي أدرعي عبر منصة «إكس»: «لا يبنى المجد بالخطابات، بل بوقع خطى الجنود. السيطرة على ملعب بنت جبيل ليست مجرد إنجاز عسكري، بل هي تحطيم لرمزية الغرور»، في إشارة إلى الملعب الذي جرى فيه احتفال عام 2000.

وتابع أدرعي: «من هدّدنا بالوهن، تهاوت قلاعه أمام صمودنا. حيث ظنّوا أنّنا أوهن من بيت العنكبوت، وقفنا اليوم لنُري العالم الحقيقة. جيش الدفاع يطوي صفحة الأوهام في عقر دارها. القول قولنا، والفعل فعلنا».

تطويق بنت جبيل

منذ تصاعد العمليات في مارس (آذار) 2026، يتكرّس نمط عملياتي يقوم على تطويق بنت جبيل، وهي كبرى مدن جنوب الليطاني، عبر القرى المحيطة، لا اقتحامها مباشرة، في إعادة إنتاج لتجربة حرب يوليو (تموز) 2006، حيث لم تكن المدينة تُؤخذ من داخلها، بل تُعزل تدريجياً حتى تصبح قابلة للاختراق.

في هذا السياق، لا يبدو الطوق مجرد إجراء عسكري، بل آلية لإعادة تعريف السيطرة نفسها، من احتلال المكان إلى تفريغه من قدرته على الفعل.

بنت جبيل من موقع إلى رمز

ورغم أن بنت جبيل لا تمتلك ميزات طوبوغرافية حاسمة بالمعنى العسكري الصرف، فإن وزنها يتأتّى من مكانتها الرمزية المتراكمة. ويقول مصدر متابع لتطورات الميدان الجنوبي، لـ«الشرق الأوسط»: «منذ خطاب الأمين العام الأسبق (لحزب الله) حسن نصر الله عام 2000، إلى نقطة مرجعية في السردية السياسية للصراع، حين وُصفت إسرائيل بأنها أوهن من بيت العنكبوت».

ويضيف المصدر: «منذ ذلك الحين، لم تعد المدينة مجرد مساحة جغرافية، بل أصبحت علامة في الوعي السياسي؛ ما يجعل أي معركة فيها تتجاوز حدودها الميدانية. وهو ما يفسّر توصيف رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير للمعركة المرتبطة بها بأنها أساسية».

في هذا الإطار، تتحوّل المواجهة، حسب المصدر، «معركةً على المعنى: مَن يسيطر على بنت جبيل، لا يسيطر على موقع فحسب، بل على رمز يُعاد توظيفه في بناء السرديات».

دخان يتصاعد إثر غارة إسرائيلية على بنت جبيل في جنوب لبنان (رويترز)

تكثيف للتاريخ

في قراءة تتجاوز اللحظة الراهنة، يقول أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية منذر محمود جابر في تصريحٍ لـ«الشرق الأوسط» إنّ بنت جبيل «ليست مجرّد بلدة حدودية، بل موقع رمزي - جغرافي مركزي يختصر تاريخ الجنوب اللبناني وتداخله العضوي مع تاريخ الشمال الفلسطيني، ويتموضع على خط تماس دائم مع التحولات الإقليمية»، مشدداً على أنّ بنت جبيل «كانت طرفاً في كلّ حدث سياسي تقريباً»، وأنّ حضورها «بدأ منذ سنوات العشرينات واستمرّ عبر مختلف المراحل».

ويوضح جابر أنّ «أهمية الموقع لا تُختزل بوقوعها على الشريط الحدودي الممتد من الناقورة إلى العرقوب، بل في كونها عقدة تفاعل تاريخي بين الداخل اللبناني وامتداده الفلسطيني»، لافتاً إلى أنّه «نشأت في وعي أهلها كمدينة تقابل صفد والناصرة، وتشكل نقطة وسطاً بين مدن الداخل والساحل».

أحداث 1936

ويضيف جابر أنّ «خصوصية الموقع الجغرافي هذه ترافقت مع دور سياسي مبكر؛ إذ كانت طرفاً في أحداث ومحطات مفصلية، ولا سيما في أحداث عام 1936 التي عصفت على جانبي الحدود اللبنانية - الفلسطينيّة، لأسباب خاصة بكل منهما. ففي الجانب الفلسطيني كانت هناك حركة الشيخ عز الدين القسام، وفي الجانب اللبناني كانت هناك صراعات ما بين مزارعي التبغ و(مقاطعجيي المحلّة)؛ وهذا ما أوجد تحالفاً بين الفلسطينيين وأهالي بنت جبيل، جعل من بنت جبيل قاعدة تدريب وتذخير لقوّات (القسّام)، وجعل من بنت جبيل مركز اجتماع للقيادات الجنوبية في مواجهة قوات الانتداب، بعد أن رفعت (حركة بنت جبيل الاجتماعية) مطالب سياسية تطالب بزوال الانتداب الفرنسي. وهذا ما ساعد على بروز قيادات جديدة (الوزير علي بزي والشاعر موسى الزين شرارة والدكتور أنيس إيراني)، وفي تكريس بعض القيادات القديمة التي استمرت الأوضاع المستجدة في صالحها (أحمد الأسعد وعادل عسيران)».

المسار العروبي والتحولات السياسية

ويرى الدكتور جابر أنّ هذا المسار العروبي «تكامل مع مواقف جامحة إبان الهجوم الثلاثي سنة 1956، ثم في أحداث 1958 (الاحتجاجات ضد حكم الرئيس السابق كميل شمعون)، حيث انخرط الأهالي مباشرة في حراكها. كما واصل التيار العروبي صعوده بعد حرب 1967؛ الأمر الذي انعكس على هوية المدينة السياسية، مع ارتباطها بشخصيات وتيارات قومية عربية».

جنود إسرائيليون يتمركزون عند الحدود مع بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

ويشير إلى أنّ «رمزية بنت جبيل تعمّقت لأنها لم تكن هامشية في أي مرحلة، بل كانت دائماً في صلب أحداثها، خصوصاً في احتضان خطوط الإمداد خلال الثورة الفلسطينية، وتحوّلها قاعدة دعم وممرّاً بشرياً وسياسياً، وصولاً إلى استوائها ساحة مواجهة مباشرة مع الاعتداءات الإسرائيلية منذ أواخر الستينات».

ويلفت إلى أنّ «البلدة تمثّل نموذجاً مكثفاً لتحولات المجتمع الحدودي»، موضحاً أنّها «انتقلت من فضاء اقتصادي مفتوح على فلسطين، حيث كانت كراجات عكا وحيفا ويافا جزءاً من يومياتها، إلى واقع الانقطاع بعد 1948؛ ما أحدث انقلاباً عميقاً في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية وبدّل موقعها ووظيفتها».

البعد الإداري والدلالات السياسية

ويشدّد جابر على أنّ «أحد أبرز أوجه أهميتها اليوم يكمن أيضاً في بعدها الإداري»، موضحاً أنّها «مركز قضاء يمثل فيه الشيعة أغلبية ديموغرافية»، عادَّاً أنّ هذا الواقع «لا يمكن أن يمرّ من دون دلالات سياسية، بل يفسّر جانباً من الاستثمار في موقعها». وأضاف «أنّ هذه الرمزية انعكست في محطات مفصلية، وحتّمت على السلطات السياسيّة عدّها مهمة، في إشارة إلى أن أول اجتماع لمجلس النواب بعد التحرير عام 2000 كان في بنت جبيل، كما أنّ الأمين العام الأسبق لـ(حزب الله) حسن نصر الله أعلن (خطاب النصر) من ملعبها».

ويرى أنّ «بنت جبيل تختصر معادلة الجنوب: موقع يفرض الاشتباك بحكم الجغرافيا، وذاكرة تُراكم المعنى عبر التاريخ، ورمزية تجعلها أكثر من بلدة... بل مرآةً لصراع السيادة والانتماء في لبنان»، مشدداً على أنّها «مركز قضاء كبير جرى تكريس حضوره عبر عقود من التراكم السياسي والتاريخي».


الهدنة وحدها تتصدّر «اجتماع واشنطن»... ومن دونها المفاوضات بين لبنان وإسرائيل معلقة

دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الهدنة وحدها تتصدّر «اجتماع واشنطن»... ومن دونها المفاوضات بين لبنان وإسرائيل معلقة

دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يقف لبنان على مشارف الدخول في سباق بين الاجتماع التقني المقرر خلال الساعات المقبلة بين سفيرته في واشنطن، ندى حمادة معوض، ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، برعاية السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، وعلى جدول أعماله - من الجانب اللبناني - بند وحيد هو التوصل إلى وقف النار لاختبار مدى استعداد الإدارة الأميركية للضغط على رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، للتجاوب مع رغبتها في هذا الخصوص، وبين رهان الأخير على تحقيق تقدم عسكري يتيح له، قبيل انعقاد الاجتماع، السيطرة على مدينتي بنت جبيل والخيام شرطاً للموافقة على هدنةٍ قاعدتها، من وجهة نظره، استكمال توغُّل جيشه في عمق جنوب الليطاني للضغط على لبنان للتسليم بشروطه للدخول في مفاوضات سلام مباشرة.

فالساعات التي تفصل عن اجتماع الثلاثاء، تُدخل الوضع في جنوب لبنان، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، مرحلةً دقيقة تكاد تكون حاسمة يُمكن من خلالها استقراء ما سيتقرر في لقاء السفيرين، في ضوء ما إذا كان الجيش الإسرائيلي سيُطبق سيطرته على بنت جبيل والخيام، أم إن المعارك تبقى تحت سقف الكر والفر، رغم استقدام الجيش تعزيزات لإطباق الحصار عليهما ظناً منه أن الوقت قد حان للدخول إليهما.

 

تجاوب مع الرغبة الأميركية

 

وكشف المصدر أن لبنان تجاوب مع رغبة الإدارة الأميركية في عقد لقاء تحضيري بين السفيرين، بعد أن تلقى تعهداً منها بممارسة الضغط على نتنياهو لإلزامه الموافقة على وقف النار في الجنوب. وقال إن اجتماع الثلاثاء سيناقش «بنداً وحيداً مدرجاً على جدول أعماله، محصوراً في التوصل إلى هدنة؛ من دونها لا يمكن الانتقال إلى المرحلة الثانية بانطلاق المفاوضات المباشرة بين البلدين برعاية أميركية».

مدفن مستحدَث لـ«حزب الله» بمنطقة الشويفات في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

وأكد أن رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، «لن يحيد قيد أنملة عن مبادرته دعوة إسرائيل إلى مفاوضات مباشرة؛ إنما على قاعدة موافقتها على هدنة أولاً، وهذا ما أبلغه السفيرةَ معوّض، وأَعلَمَ به الإدارة الأميركية التي وعدت بالضغط على نتنياهو لهذا الغرض». وقال إن «عون تواصل مطولاً ليل الجمعة الماضي مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وتوافقا على أن التفاوض يبقى معلقاً ما لم يسبقه وقف النار، وإلا فليس مضطراً إلى التسليم بشروط إسرائيل في حال أصرت على أن تبدأ تحت ضغط النار».

ولفت المصدر إلى «ارتياح بري حيال ما سمعه من عون بربط المفاوضات المباشرة بوقف للنار يشمل الجنوب، ولا يقتصر على بيروت الإدارية وضاحيتها الجنوبية، وذلك بتدخل من واشنطن لدى إسرائيل التي وافقت على تحييدهما وعدم شمولهما في منطقة العمليات العسكرية من وجهة نظرها».

ورأى أن «تحييدهما يشمل (مطار رفيق الحريري الدولي)، ومرفأ بيروت، والبنى التحتية، وهذا ما التزمت به إسرائيل؛ وإن كانت اشترطت، كما قيل للبنان، ألا تسري التطمينات الأميركية على ملاحقتها قيادات وكوادر (حزب الله)».

 

تفهُّم بري الدعوة إلى التفاوض

 

ورداً على سؤال، أكد المصدر أن «إلزام إسرائيل الهدنة يرفع من منسوب التواصل بين عون وبري لتهيئة الأجواء أمام بدء المفاوضات بوفد لبناني يترأسه السفير السابق سيمون كرم». وقال إن بري كان «أبدى تفهمه لدعوته إلى التفاوض، ولم يسبق أن سجّل اعتراضه على المبادرة التي أطلقها في هذا الخصوص». وتابع أن الضرورة تقضي بالتجاوب مع اشتراط بري وقف النار بوصفه «مدخلاً لانفتاح إيجابي على دعوة عون، خصوصاً أنه لم يهاجمها، بخلاف حليفه (حزب الله)». وأكد المصدر أن «هناك استحالة أمام بدء التفاوض من دون أن يحظى بغطاء شيعي بحجم الحضور السياسي الذي تتمتع به (حركة أمل) برئاسة بري».

وسأل: «هل سيكون في مقدور (الحزب) الاعتراض على وقف النار؟ وماذا سيقول لحاضنته الشعبية والمزاج الشيعي العام الذي يتطلع إلى عودة الاستقرار، ولو مؤقتاً، للجنوب والضاحية، في حال قرر الاستمرار في مواجهة إسرائيل وسط الاختلال في ميزان القوى وتراجع قدرته على تحقيق توازن في الردع مع إسرائيل؟».

وتوقف المصدر أمام التمايز بين بري وحليفه في تعاطيهما مع المفاوضات، وقال إن «الحزب» ينظر إليها على أنها «مخالفة للدستور، فيما لم يصدر أي موقف عن بري يتناغم معه في اتهامه حكومة الرئيس نواف سلام بالاستسلام لشروط الإدارة الأميركية - الإسرائيلية، غامزاً، في الوقت نفسه، من قناة عون بذريعة أن دعوته مخالفة للدستور».

 

خيارات «حزب الله»

 

وسأل المصدر «حزب الله»: «ما البديل؟ وهل من خيار لديه سوى التفاوض بعد أن جرّب الحرب التي ألحقت بالبلد الكوارث وأدت إلى تحويل معظم البلدات الجنوبية، بدءاً بتلك الواقعة في جنوب الليطاني، أرضاً محروقة لا تصلح للإقامة فيها؟ وهل حان الوقت لأن يعطي (الحزب) فرصة للخيار الدبلوماسي المحصّن بضوابط في الداخل ترفض التسليم بشروط إسرائيل، ما دام عون أدرج وقف النار أولويةً في مبادرته؟».

كما سأل المصدر «الحزب» عن «الأسباب التي تملي عليه (محاكمة) العهد والحكومة على النيات، استباقاً لما ستؤول إليه المفاوضات، واتهامهما بمخالفة الدستور، فيما شكّل في السابق رأس حربة بدعمه المفاوضات التي أدت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وتفويضه في حينها بري الذي كان وراء وضع اتفاق الإطار لانطلاقها برعاية أميركية».

عناصر من «الصليب الأحمر اللبناني» قرب سيارة إسعاف تعرضت لاستهداف إسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

 

دعوة «حزب الله» للتريّث

 

وأكد المصدر أنه يُفترض بـ«حزب الله» عدم الاستعجال بحرق المراحل، و«التريُّث؛ قبل أن ينزل بكل ثقله مستهدفاً مبادرة عون، إلى حين التأكد من تجاوب إسرائيل مع الشرط الذي أدرجه أساساً لبدء المفاوضات، ليكون في وسع (الحزب) أن يبني على الشيء مقتضاه».

Your Premium trial has ended