معرض السيرة النبوية بالرباط... زيارة «مستقبلية» للتاريخ

عدد زائريه تجاوز المليونين

هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)
هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)
TT

معرض السيرة النبوية بالرباط... زيارة «مستقبلية» للتاريخ

هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)
هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)

هي بالفعل رحلة عبر الزمن، يمتزج فيها عبق الماضي، ببشائر المستقبل وتقنياته، ليصنع المكان حالة فريدة من التجانس والتعايش مع سيرة، ربما يعرف كثير من الزوار بعض جوانبها، لكنهم يخوضون في هذه الرحاب تجربة مختلفة تماماً، تجعلهم يعودون 14 قرناً من الزمان، وهم يقطعون خطوات معدودة.

هنا في العاصمة المغربية الرباط، استطاع أكثر من مليوني زائر الطواف في جنبات التاريخ النبوي الشريف، حيث حطّت النسخة المتجولة الأولى لمتاحف السيرة النبوية، التي تحتضن المملكة العربية السعودية مقرها الرئيس بالمدينة المنورة، بيد أن القائمين على هذه النسخة أرادوا أن يمنحوا ملايين الزوار حول العالم الفرصة للتعرف على تلك التجربة الفريدة من دون مغادرة أوطانهم، على الرّغم من أن هذه النسخة لا تمثّل سوى 30 في المائة من حجم المعرض الأصلي بالمدينة المنورة.

جانب من المقتنيات التي استُلهمت من كتب السيرة وتوضح بساطة الغرفة النبوية حيث كان يعيش النبي صلى الله عليه وسلم (الشرق الأوسط)

يستضيف مقر منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) بالرباط «المعرض الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية»، وكان من المقرر أن يدوم 6 أشهر فقط، بدأ في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، لكن الإقبال المتزايد، وطلبات الزيارة التي تنهال عبر الموقع الإلكتروني للمعرض، دفعت بالمسؤولين إلى تمديد زمن إقامته 6 أشهر أخرى، الأمر الذي استقبله المغاربة وضيوف المغرب من مختلف الجنسيات بسعادة بالغة، وسط مطالب رسمية من أكثر من 20 دولة عربية وإسلامية باستضافة نسخ مشابهة من المعرض الفريد.

معايشة بكل الحواس

يحتاج من يزور معرض السيرة النبوية إلى أن يشحذ كل حواسه من أجل الاستمتاع بجميع التفاصيل، ففي رحابه يخطو الزائرون وكأنهم يعودون إلى مكة والمدينة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشاهدون مكونات الحياة اليومية لذلك العصر، ويعاينون مجسمات للمدينتين اللتين صنعتا تاريخ الإسلام في صدره الأول.

تبدأ الرحلة داخل المعرض الذي يضم 5 قاعات، في بهو الاستقبال الرئيسي، حيث تُعرض مجسمات بالخط العربي تحوي أسماء الأنبياء، مصحوبة بتجسيد لأبرز ما تتناوله قصته، فمثلاً تجد اسم نبي الله موسى مصحوباً برسم لثعبان يجسد أبرز ملامح المواجهة بين كليم الله وسحرة فرعون، كما يُعرض في البهو مجموعة من أحاديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة بخط عربي بديع، تجسد حكمة خاتم المرسلين وتعكس مبادئ رسالته العالمية.

بعض أدوات الحياة اليومية المستخدمة في الزمن النبوي كما يقدمها المعرض (الشرق الأوسط)

يدلف بعدها الزائرون بصحبة مرافقين من القائمين على المعرض، إلى مجسمات لغرف تحاكي واقع البيوت والحجرات على زمن النبوة، وهنا يفاجأ الزائر بأنه لا يرى فقط أدوات الحياة البسيطة آنذاك، ويشاهد الأسرة وأدوات الطهي وحتى أسلحة القتال المستخدمة في ذلك الزمن، بل إنه يشمّ أيضاً رائحة المكان الذي تغلب عليه مكونات النخيل.

عند خروج الزائر من تلك الغرفة التي تناظر مقاييس الغرف الشائعة في مكة والمدينة قبل 14 قرناً، ومنها الغرفة النبوية الشريفة، يتوقف أمام مجسمين للمدينتين، يقدم كل منهما وصفاً مرئياً للبيوت والشوارع والتضاريس الأساسية في زمن النبي، وعبر الإضاءة يمكن أن يرى الزائرون موقع البيت الذي ولد فيه خاتم المرسلين بمكة، والبيت الذي عاش فيه، وبيوت الصحابة البارزين، علاوة على موقع بيت الندوة الذي كان بمثابة «برلمان» قبيلة قريش وموقع اتخاذ قراراتها الكبرى، وغير ذلك من المعالم البارزة في المدينة التي كان ولا يزال بيت الله الحرام والكعبة المشرفة هما درتها التي تتوسط كل شيء.

يتكرر الأمر في «ماكيت» المدينة المنورة، حيث يتعرف الزائرون على أبرز معالمها في العصر النبوي، من أين دخلها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأين أقام، وموقع مسجده الأول، والحجرات الشريفة وسقيفة بني ساعدة والبقيع وغيرها.

مجسم للكعبة المشرفة في الزمن النبوي كما يقدمها متحف السيرة النبوية بالرباط (الشرق الأوسط)

لوحات نابضة بالحياة

تتحوّل جدران المعرض نفسه إلى لوحات نابضة بالحياة، بفضل 50 شاشة ذكية وزعت في جنبات إحدى قاعاته الفسيحة، وهي تروي لمحات من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إحداها تصف جسده الشريف وملابسه، وأخرى تروي مواقف من سيرته، وثالثة تستعرض علاقاته بأصحابه، ورابعة تقدم سيراً لأبرز الصحابة والصحابيات، فضلاً عن شاشات تستعرض جوانب من المواقف والوصايا النبوية في المواقف المختلفة، وتجسد سمو أخلاقه وصوراً من رحمته.

البهو الرئيسي للمعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية في نسخته الأولى بالرباط (الشرق الأوسط)

اللافت كما يقول المدير العام للمعرض الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية، توفيق بن علي الشريف، والذي رافق «الشرق الأوسط» في جولتها، أن المعلومات التي تحتويها كل هذه الشاشات مستقاة ومدققة من أصحّ كتب السيرة، وهو ما ينطبق على كل المعروضات، ويشير إلى أن ذلك كان أحد الأسباب التي استدعت أن يستغرق إعداد المعرض وتجهيزه 17 عاماً كاملة، معظمها في عمليات البحث والتدقيق ومقارنة المعلومات بين كتب السيرة، حتى تكون كل كلمة ومعلومة وقطعة تُعرض أقرب ما تكون إلى ما استقر عليه علماء السيرة.

ويضيف الشريف أن الإقبال الهائل على المعرض الذي يصل إلى أكثر من 10 آلاف زائر يومياً، وما يزيد على ضعف هذا العدد في الإجازات ويومي الجمعة والسبت، دفع إدارة المعرض إلى تمديد إقامته، مشيراً إلى أن هناك مطالب رسمية من أكثر من 22 دولة عربية وإسلامية حول العالم لاستضافة هذه النسخة من المعرض المتجول.

وبالفعل تتطلب زيارة المعرض حجزاً مسبقاً يمتد إلى ثلاثة أشهر لتحديد موعد الزيارة، عبر الموقع الإلكتروني له، الذي يفتح أبوابه للزيارة أمام الجمهور العام مجاناً، من الساعة العاشرة صباحاً إلى الساعة الخامسة مساءً، طوال أيام الأسبوع، ما عدا يوم الاثنين.

جانب من الغرفة النبوية كما يعرضها متحف السيرة النبوية بالرباط (الشرق الأوسط)

وتحول المعرض إلى وجهة محببة لمعظم الوفود الرسمية التي تزور العاصمة المغربية، وكذلك للآلاف من طلاب المدارس والجامعات والمنظمات الأهلية التي باتت تنظم رحلات أسبوعية ليتمكن منتسبوها من الاستمتاع بمعايشة العديد من تفاصيل الحياة والسيرة النبوية الشريفة بأساليب غير مسبوقة من التفاعل والعرض.

توظيف أحدث التقنيات

من الأمور اللافتة بالفعل داخل المعرض هو ذلك التوظيف المدروس لأحدث التقنيات سواء في العرض، أو في عمل معايشة وسرد عصري لجوانب السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي في العصر الأول، وعن هذا يقول المدير العام للمعرض إن الأمر بالفعل دُرس بعناية، فهناك أجيال عديدة تزور المعرض، ويحتاج تقريب السيرة النبوية إلى أذهانهم أدوات متنوعة لتقديم هذه الرحلة المشوقة، ولهذا يمزج المعرض بين تقنيات العرض البصري والصوتي، كما تُستخدم تقنيات «الهولوغرام» في عرض بعض التصورات المبنية على معلومات مدققة للمقتنيات النبوية مثل خاتمه وسيفه وبعض الأدوات التي استخدمها، كما تُستخدم الشاشات ثلاثية الأبعاد لتقديم بعض جوانب السيرة في تجربة معايشة فريدة من نوعها، يراها الزائرون للمرة الأولى، إلى أن تصل تلك التجربة إلى ذروتها في آخر قاعات المعرض عندما يعيش الزائر عبر استخدام تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، ومن دون الحاجة إلى النظارات المعتادة في هذه التقنية داخل الغرفة النبوية الشريفة، حيث عاش الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، ودفن فيها بعد وفاته، وتحوّلت اليوم إلى مزار لمئات الملايين من المسلمين.

داخل قاعة عرض الـVR، يجد الزائر نفسه وكأنه يسير بالفعل داخل مسجد الرسول في صورته الأولى بالزمن النبوي، تُفتح أمامه الأبواب ليرى تقسيم المسجد، وموقع بيت الرسول منه، وغرفة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، التي قضى فيها الرسول الكريم أيامه الأخيرة، وفيها دُفن صلى الله عليه وسلم، ومن بعده دُفن إلى جواره الخليفتان أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب. كما يرى الزائر شكل البنيان الذي يحيط بالمقام النبوي الشريف، وهي صور لا يراها حتى الزائر الفعلي للمسجد النبوي؛ إذ تقتصر رؤيته على واجهة جدار السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، من دون أن تتاح له الفرصة ليرى ما وراء ذلك الجدار، لكنه في هذه القاعة وعبر أحدث تقنيات العرض والمعايشة، يدخل إلى ما وراء ذلك الجدار في رحلة بانورامية تستعرض تطور حجرة أم المؤمنين عائشة منذ إغلاقها بعد وفاتها ودفنها بالبقيع إلى البناء المخمّس الذي أقامه عمر بن عبد العزيز، ثم شكل الغرفة والجدران المتعددة التي بنيت حول الحجرة حتى العصر الحاضر.

يتضمن المعرض كذلك جزءاً آخر يُعرض في قاعة منفصلة هو «معرض صلة المغاربة بالجناب النبوي الشريف، جمال المحبة والوفاء»، الذي تشرف عليه الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب.

ويضم هذا المعرض كنوزاً تراثية مغربية، تتنوع ما بين مخطوطات تاريخية، ولوحات وعملات نادرة، ونماذج من العمارة والزخارف والنقوش المغربية، التي تجسد ارتباط المغاربة عبر العصور بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.


مقالات ذات صلة

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

يوميات الشرق تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال في تنشيط السياحة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق تتميز مدينة دهب بإطلالتها على البحر (فيسبوك)

ما أسباب اجتذاب «دهب» المصرية لعشاق اليوغا والتأمل؟

تعد السياحة البيئية وسياحة التأمل من عوامل الجذب لفئات متنوعة من السائحين، وتنشط هذه السياحة في مدن مصرية من بينها دهب بمحافظة جنوب سيناء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق زوار يلقون العملات المعدنية في نافورة تريفي في روما بعد أن فرضت المدينة رسوماً بقيمة يوروين لمشاهدتها عن قرب (أ.ف.ب)

نافورة تريفي بتذكرة دخول… خطوة جديدة لتنظيم السياحة في روما

سيُضطر السياح الراغبون في الاقتراب من نافورة تريفي الشهيرة إلى دفع رسوم قدرها يوروان (2.36 دولار)، وذلك في إطار مساعي مدينة روما للسيطرة على الحشود.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق امرأة تتخذ وضعية تصوير عند حوض نافورة «تريفي» في اليوم الأول من الدخول المدفوع إلى هذا المعلم السياحي في روما... إيطاليا 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

روما تفرض رسم دخول لزيارة نافورة «تريفي» الشهيرة

بدأ السياح، الاثنين، في دفع رسوم لزيارة نافورة «تريفي»، أحد أشهر المعالم في العاصمة الإيطالية روما، في إطار خطة تهدف إلى خفض الأعداد الهائلة من السياح حولها.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق المسؤولون المحليون يرغبون في تخفيف وتيرة توافد السياح (غيتي)

قرية إيطالية تقيِّد الوصول إلى كنيستها الشهيرة

لأكثر من عقد من الزمن، انتشرت عبر الإنترنت صور كنيسة «سانتا مادالينا»، وهي كنيسة صغيرة في شمال إيطاليا، تحيط بها القمم المسننة لجبال الدولوميت.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية: إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري ضمن برامج إعادة التوطين

شملت الإطلاقات التي نفذها المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 80 نوعاً من الأنواع الفطرية ذات الأولوية الوطنية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)
شملت الإطلاقات التي نفذها المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 80 نوعاً من الأنواع الفطرية ذات الأولوية الوطنية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)
TT

السعودية: إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري ضمن برامج إعادة التوطين

شملت الإطلاقات التي نفذها المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 80 نوعاً من الأنواع الفطرية ذات الأولوية الوطنية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)
شملت الإطلاقات التي نفذها المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 80 نوعاً من الأنواع الفطرية ذات الأولوية الوطنية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

أعلن المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية أن إجمالي أعداد الكائنات الفطرية التي أطلقها ضمن برامجه لإكثار وإعادة توطين الأنواع المحلية المهددة بالانقراض تجاوز 10 آلاف كائن فطري، في إنجاز يعكس حجم الجهود المتواصلة التي يبذلها المركز في تنمية الحياة الفطرية، واستعادة النظم البيئية، وتعزيز التنوع الأحيائي في مختلف مناطق المملكة.

وشملت الإطلاقات التي نفذها المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 80 نوعاً من الأنواع الفطرية ذات الأولوية الوطنية، من بينها ظباء الريم والمها الوضيحي، إلى جانب ظباء الإدمي، والوعول الجبلية، وطيور الحبارى، والنعام، والقطا، وذلك ضمن جهود تستهدف دعم تعافي التجمعات الطبيعية لهذه الأنواع وتعزيز استمراريتها ضمن نطاقها البيئي والتاريخي.

شملت الإطلاقات ظباء الريم والمها الوضيحي إلى جانب ظباء الإدمي والوعول الجبلية وطيور الحبارى والنعام والقطا (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

وأوضح الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، الدكتور محمد علي قربان، أن عمليات الإطلاق تُعد من الأدوات المهمة في استعادة النظم البيئية والحد من اختلالها، إذ تسهم عودة الكائنات الفطرية إلى موائلها الطبيعية في حماية التنوع الأحيائي وتحسين جودة البيئة، بما ينعكس على سلامة الموائل واستمرارية مكوناتها النباتية والحيوانية، وتعزيز وظائفها البيئية على المدى الطويل. كما أشار إلى أهمية عديد من الأنواع الفطرية في السلاسل الغذائية، ودورها في تلقيح النباتات ونشر البذور وتجدد الغطاء النباتي، بما يعزز استعادة العلاقات الطبيعية بين المفترسات والفرائس والنباتات، ويرفع قدرة النظم البيئية على التعافي والاستدامة ومكافحة التصحر.

وأضاف الدكتور قربان أن إطلاق الكائنات الفطرية في البرية يسهم في تكوين جماعات جديدة قادرة على التكاثر ذاتياً، وهو امتداد طبيعي لبرامج الإكثار في الأسر التي تسهم في رفع أعداد الأنواع المهددة بالانقراض»، مبيناً أن هذه الإطلاقات تدعم التنوع الوراثي داخل الجماعات البرية، بما يعزز قدرتها على مقاومة الأمراض والتكيف مع التغيرات البيئية.

وأكد أن برامج الإكثار ارتفعت مؤخراً من 7 إلى 21 برنامجاً، مع استهداف الوصول إلى 50 برنامج إكثار بحلول عام 2030، موضحاً أن هذه البرامج تستند إلى أسس علمية وبحثية تبدأ باختيار السلالات المناسبة في مراكز الأبحاث، مروراً بالرعاية البيطرية وبرامج التغذية، ووصولاً إلى تأهيل الكائنات للإطلاق ومتابعتها ميدانياً باستخدام أحدث تقنيات الرصد وتحليل البيانات لدعم صناعة القرار وإدارة المجموعات الفطرية، بما يعكس جهود المركز في تطوير أساليب الحماية وتعزيز كفاءة الإدارة البيئية واستدامتها.

مواقع الإطلاق تتوزع في مختلف مناطق المملكة وتشمل أكثر من 60 موقعاً بيئياً (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

وبيّن أن خطط الإطلاق لكل نوع تتم ضمن نطاق توزيعه الجغرافي الطبيعي والتاريخي داخل السعودية، بما يضمن ملاءمة المواقع للأنواع المستهدفة، ويدعم تكوين تجمعات فطرية قادرة على الاستمرار والتكاثر وفق أسس علمية تراعي القدرة الاستيعابية للموائل الطبيعية ومتطلبات سلامة النظام البيئي، مع مراعاة أهمية الممرات البيئية الآمنة التي تربط بين المناطق المحمية لتعزيز حركة الأنواع واستدامة تجمعاتها.

وأشار إلى أن مواقع الإطلاق تتوزع في مختلف مناطق المملكة وتشمل أكثر من 60 موقعاً بيئياً، من بينها المحميات الطبيعية والمحميات الملكية والمتنزهات الوطنية، إضافةً إلى مواقع ضمن مشاريع السعودية الكبرى، في إطار تكامل الجهود الوطنية لاستعادة النظم البيئية وتعزيز التوازن البيئي.

ويواصل المركز تنفيذ خططه الاستراتيجية لتنمية الحياة الفطرية وحماية الأنواع المهددة بالانقراض ورفع كفاءة إدارة الموائل الطبيعية، من خلال التوسع في برامج الإكثار، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وبناء القدرات الوطنية، وتطبيق أفضل الممارسات العالمية في إدارة التنوع الأحيائي، إلى جانب تعزيز الوعي البيئي وتحفيز المجتمعات المحلية ودعم السياحة البيئية، بما يسهم في دعم مستهدفات «مبادرة السعودية الخضراء» و«رؤية المملكة 2030»، وتحقيق «الاستراتيجية الوطنية للبيئة»، وصولاً إلى حياة فطرية وتنوع أحيائي ونظم بيئية مزدهرة ومستدامة.


تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
TT

تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)

أربك توأمان متماثلان يُحاكمان في فرنسا بتهمة القتل جهود المحققين لتحديد مطلق النار؛ بسبب تطابق حمضهما النووي، وفقاً لوسائل إعلام فرنسية.

ويُعدّ الشقيقان، البالغان من العمر 33 عاماً، من بين 5 متهمين يُحاكمون قرب باريس، بتهمة ارتكاب جريمة قتل مزدوجة ومحاولات قتل عدة لاحقة في عام 2020، وفقاً لصحيفة «لو باريزيان» الفرنسية المرموقة.

وتشير الصحيفة إلى أن كليهما يُشتبه في تآمره لتدبير جريمة القتل المزدوجة، إلا أن الحمض النووي الموجود على بندقية هجومية استُخدمت في أحد الاشتباكات المسلحة اللاحقة لا يمكن أن يكون إلا لأحد التوأمين.

وأبلغ ضابط شرطة المحكمة أن خبراء الطب الشرعي لم يتمكنوا من تحديد أي من الشقيقين متورط بشكل قاطع.

ونُقل عن أحد المحققين قوله للمحكمة في بوبيني، شمال العاصمة الفرنسية: «أمهما فقط هي من تستطيع التمييز بينهما».

كما أفادت تقارير بوجود أجواء متوترة داخل قاعة المحكمة، حيث جرى إخراج التوأمين مؤقتاً بعد رفضهما الوقوف أثناء الجلسة.

وتعتقد الشرطة أنهما استغلا التشابه بينهما للتلاعب بسير التحقيق. ونقلت صحيفة «لو باريزيان» عن ضابط رفيع قوله إن التوأمين كانا يتبادلان الملابس والهواتف ووثائق الهوية بشكل متكرر.

وينشأ التوأم المتطابق من بويضة مخصبة واحدة تنقسم أثناء الحمل. ولأنهما ينشآن من البويضة والحيوان المنوي نفسيهما، فإنهما يتشاركان الحمض النووي نفسه تماماً؛ ما يجعل تحديد هويتهما جنائياً أمراً بالغ الصعوبة.

وبسبب عدم قدرة البيانات الجينية على التمييز بينهما، اعتمد المحققون على سجلات الهاتف، ولقطات المراقبة، والتنصت، وجهود التحقق من مكان وجودهما وتحركاتهما.

لكن السؤال المحوري حول هوية مطلق النار من السلاح الذي تم العثور عليه لا يزال مطروحاً.

وتستمر المحاكمة، ومن المقرر أن تصدر المحكمة حكمها في أواخر فبراير (شباط).


جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
TT

جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)

قالها الأديب والفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران قبل أكثر من قرن: «أولادُكم ليسوا لَكُم، أولادُكم أبناءُ الحياة». هو لم يقصد حينَها الانفصال بين الأولاد وأهلِهم إلى حدّ القطيعة، غير أنّ الجيل «زد» أخذَ مقولة جبران إلى أقصاها، فبات يُسمّى «جيل اللا تواصل».

ليسَ خلاف بروكلين بيكهام مع والدَيه ديفيد وفيكتوريا، سوى نموذج عن تحوّل اللا تواصل No Contact، من مجرّد «ترند» رائج على «السوشيال ميديا»، إلى واقعٍ يهزّ العلاقات العائلية. فما خفيَ تحت الضجيج الذي أحدَثَته قصة آل بيكهام، قضيةٌ اجتماعية مستجدّة هي قطعُ بعض الجيل «زد» وجيل الألفيّة علاقاتهم بذويهم لأسباب متعددة، على رأسها تلك النفسية.

وإذا كان ابنُ بيكهام قد ذكر معاناته مع القلق والتوتّر بسبب تحكّم ذويه بحياته وزواجه، فإنّ لائحة الأسباب التي يبرّر بها أبناء جيله القطيعة مع أهلهم طويلة.

القطيعة بين بروكلين بيكهام وذَويه نموذج عن موضة اللا تواصل المنتشرة بين الجيل «زد» وأهاليهم (إ.ب.أ)

«تيك توك»... المنصّة الشاهد

على «تيك توك»، تُحصى أعداد مُشاهَدات الفيديوهات المُرفقة بهاشتاغ #ToxicFamily أي «عائلة سامّة» و#NoContact (لا تواصل) بالملايين. يأتي ذلك في سياق موضة قطع العلاقات مع الوالدَين، والتي تأخذ حيّزاً كبيراً من النقاشات على المنصة الأحَبّ إلى قلب الجيل «زد».

وتَشهد «تيك توك» انقساماً حادّاً في الآراء حول الموضوع. ففي وقتٍ تُبدي غالبية روّاد المنصة دعمَها لمَن قرروا قطع التواصل مع أهاليهم، يعبّر قسمٌ آخر عن ذهوله أمام هذه الظاهرة. وفيما يبرّر الأولاد القطيعة بالقول إنها تحصل انطلاقاً من الحفاظ على الصحة النفسية واحترام الذات والحَدّ من القلق، يصرّون على أنّ رابط الدم لا يبرّر تقبّل سوء المعاملة. أما الأهالي ومَن ينتمون إلى جيلهم، فيُبدون ذهولهم غير مصدّقين ما يجري، وغير مستوعبين العبارات التي يستخدمها الأبناء تبريراً للهَجر، مثل «التربية النرجسية» أو «التلاعب بالعقول».

تتركّز غالبية حالات اللا تواصل في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، حيث ذهبت مقولاتٌ على غرار «العائلة أوّلاً»، و«العائلة إلى الأبد»، و«الدم لا ينقلب ماءً» أدراج الرياح.

@katherinechoiii

Even though I’m no longer living with them and am currently no contact, their reactions have still affected me. Every time I post, there’s a quiet awareness that they’re watching. And while that’s difficult, I don’t want them to continue silencing me after I’ve already left their home.

♬ autumn - Gede Yudis

مبرّرات القطيعة معظمها نفسيّ

في زمن فَورة الحديث عن الصحة النفسية وسقوط المحرّمات ووصمة العار التي كانت تُحيط بها سابقاً، ينطلق الجيل الجديد في قرار القطيعة مع ذويه من مسبّباتٍ معظمها نفسيّ.

يقولون إنهم حريصون على صَون سلامهم الداخلي واتّزانهم العقلي، حتى وإن كلّف ذلك بَترُ علاقاتٍ يعتبرونها سامّة مع أحد الوالدَين أو مع الاثنَين معاً. يستَقون كلماتٍ من قاموس علم النفس للتعبير عن المسبّبات التي دفعتهم إلى هذا القرار. يتحدّثون عن تصرّفاتٍ مؤذية صادرة عن الأهل، مثل «النرجسيّة»، و«التلاعب النفسي»، و«السلوك الصِدامي»، و«اضطراب الشخصية الحدّيّة»، و«التحكّم المفرط».

يَحدثُ كذلك أن يأتي قرار اللا تواصل كردّ فعلٍ على صدماتٍ وتجارب صعبة حصلت خلال الطفولة، ولم يتمكّن الولد التعامل معها وهو في سنٍ صغيرة. ومع تراكم السنوات والسكوتِ طويلاً عن جرحٍ تسبّبَ به الأهل، يقررون قطعَ الخيط ما إن تسنح لهم الظروف بذلك.

في المقابل، تبدو بعض أسباب ومبرّرات القطيعة غير منطقية أحياناً. يذكر الشبّان والشابات المنفصلون عن أهلهم من بينها الاختلاف في أسلوب العيش والقِيَم، والملل من القواعد التي تفرضها العائلة. يتحدّثون كذلك عن تخطّي ذويهم الحدود التي رسمَها الأولاد لهم. من بين الأسباب التي يبرّر بها الجيل الجديد كذلك الانقطاع عن العائلة، الاختلافات في الآراء السياسية، وكلام الأهل بطريقة سلبيّة عن شركائهم العاطفيين.

معظم الأسباب التي يبرر الأولاد القطيعة مع أهلهم هي نفسية (بكساباي)

«جائحة» اللا تواصل

وسط غياب الأرقام والإحصائيات الموثوقة، يلفت خبراء علم النفس إلى أنّ الظاهرة إلى تزايد، وهم يشبّهون قطع التواصل مع الأهل بـ«جائحة تصيب الأبناء البالغين». ووفق مجلّة «سيكولوجي توداي»، فإنّ الهَجرَ غالباً ما يحصل من دون سابق إنذار أو تفسير، فيُترَك الأهل في حالٍ من الألم العميق والتساؤل.

وكلّما كان الدافع النفسيّ جدّياً، كأن يكون الولد قد تعرّض لصدمة في الطفولة بسبب الوالدَين أو أحدهما، كلّما وجد لنفسه تبريراً للانسحاب وأسباباً تخفيفيّة لعدم الشعور بالذنب.

تشهد على ذلك فيديوهات «تيك توك» والمنتديات الإلكترونية المخصصة لظاهرة اللا تواصل، حيث يقدّم مَن اختبروا الأمر الدعم لبعضهم البعض. ويستند روّاد تلك المنتديات إلى نظرية تقول إنه إذا كان الخروج من علاقة زوجيّة سامّة مبرراً، فيجب أن ينطبق الأمر كذلك على العلاقات العائلية السامّة.

في حوار مع مجلّة «نيويوركر»، يقول المعالج النفسي جوشوا كولمان إنّ «القطيعة أصبحت أكثر شيوعاً، ويعود ذلك جزئياً إلى تغير المفاهيم حول ما يُعتبر سلوكاً ضاراَ أو مسيئاً أو صادماً»؛ بمعنى أنّ ما كان يُعَدّ إساءة عابرة في الماضي، بات يُرفع اليوم إلى مرتبة الصدمة النفسية. ويضيف كولمان إن مفهوم «أكرِم أباك وأمّك قد سقط على حساب مفاهيم كالسعادة الشخصية وحب الذات والصحة النفسية».

صراع الأجيال

ما بدأ كظاهرة اجتماعية بات يهدد بأن يتحول إلى عدوى نابعة من التأثّر بموجة تغزو وسائل التواصل الاجتماعي. لكن يكفي النظر بمنطقٍ إلى القضية المستجدّة، للاستنتاج أنها مرآةٌ لصراع الأجيال.

أساليب التربية المختلفة بين الأجيال هي أحد أسباب ظاهرة اللا تواصل مع الأهل (بكسلز)

نشأ جيل «طفرة المواليد» (1946 - 1964) على يد آباء من «الجيل الأعظم» (حتى 1927)، الذين كبروا خلال الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية، فتبنّوا أساليب تربية صارمة وسلطوية. كان يُتوقّع من الأطفال الطاعة والصمت. وكان الخوف، بما في ذلك العقاب الجسدي، وسيلة لضبط السلوك وبناء الشخصية.

رداً على ذلك، سعى كثير من أبناء طفرة المواليد إلى تربية مختلفة عن تلك التي عاشوها. فأصبحوا أكثر انخراطاً في حياة أبنائهم، وبرز مفهوم «الأبوّة المفرِطة». كما سعى «الجيل إكس» (1965 - 1980) وجيل الألفيّة (1981 - 1996) إلى بناء علاقات أكثر مساواةً مع أطفالهم، رافضين استخدام الخوف كأداة تربوية.

بدلاً من العقاب، اعتمدت هذه الأجيال على الحوار والتبرير، وأحياناً تجنّبت الصراع خشية الإضرار بالعلاقة. ومع نضوج الأبناء، أدَّى ضعف الخبرة في إدارة الغضب والخلافات الأسريّة إلى صعوبة تحمّل مشاعر الإحباط وخيبة الأمل. وفي بعض الحالات، تحوَّلت القطيعة مع الوالدين إلى وسيلة للتعامل مع هذه المشاعر، عبر إلقاء اللوم عليهم بدلاً من معالجة الصراع داخل الأسرة.