معرض السيرة النبوية بالرباط... زيارة «مستقبلية» للتاريخ

عدد زائريه تجاوز المليونين

هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)
هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)
TT

معرض السيرة النبوية بالرباط... زيارة «مستقبلية» للتاريخ

هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)
هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)

هي بالفعل رحلة عبر الزمن، يمتزج فيها عبق الماضي، ببشائر المستقبل وتقنياته، ليصنع المكان حالة فريدة من التجانس والتعايش مع سيرة، ربما يعرف كثير من الزوار بعض جوانبها، لكنهم يخوضون في هذه الرحاب تجربة مختلفة تماماً، تجعلهم يعودون 14 قرناً من الزمان، وهم يقطعون خطوات معدودة.

هنا في العاصمة المغربية الرباط، استطاع أكثر من مليوني زائر الطواف في جنبات التاريخ النبوي الشريف، حيث حطّت النسخة المتجولة الأولى لمتاحف السيرة النبوية، التي تحتضن المملكة العربية السعودية مقرها الرئيس بالمدينة المنورة، بيد أن القائمين على هذه النسخة أرادوا أن يمنحوا ملايين الزوار حول العالم الفرصة للتعرف على تلك التجربة الفريدة من دون مغادرة أوطانهم، على الرّغم من أن هذه النسخة لا تمثّل سوى 30 في المائة من حجم المعرض الأصلي بالمدينة المنورة.

جانب من المقتنيات التي استُلهمت من كتب السيرة وتوضح بساطة الغرفة النبوية حيث كان يعيش النبي صلى الله عليه وسلم (الشرق الأوسط)

يستضيف مقر منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) بالرباط «المعرض الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية»، وكان من المقرر أن يدوم 6 أشهر فقط، بدأ في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، لكن الإقبال المتزايد، وطلبات الزيارة التي تنهال عبر الموقع الإلكتروني للمعرض، دفعت بالمسؤولين إلى تمديد زمن إقامته 6 أشهر أخرى، الأمر الذي استقبله المغاربة وضيوف المغرب من مختلف الجنسيات بسعادة بالغة، وسط مطالب رسمية من أكثر من 20 دولة عربية وإسلامية باستضافة نسخ مشابهة من المعرض الفريد.

معايشة بكل الحواس

يحتاج من يزور معرض السيرة النبوية إلى أن يشحذ كل حواسه من أجل الاستمتاع بجميع التفاصيل، ففي رحابه يخطو الزائرون وكأنهم يعودون إلى مكة والمدينة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشاهدون مكونات الحياة اليومية لذلك العصر، ويعاينون مجسمات للمدينتين اللتين صنعتا تاريخ الإسلام في صدره الأول.

تبدأ الرحلة داخل المعرض الذي يضم 5 قاعات، في بهو الاستقبال الرئيسي، حيث تُعرض مجسمات بالخط العربي تحوي أسماء الأنبياء، مصحوبة بتجسيد لأبرز ما تتناوله قصته، فمثلاً تجد اسم نبي الله موسى مصحوباً برسم لثعبان يجسد أبرز ملامح المواجهة بين كليم الله وسحرة فرعون، كما يُعرض في البهو مجموعة من أحاديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة بخط عربي بديع، تجسد حكمة خاتم المرسلين وتعكس مبادئ رسالته العالمية.

بعض أدوات الحياة اليومية المستخدمة في الزمن النبوي كما يقدمها المعرض (الشرق الأوسط)

يدلف بعدها الزائرون بصحبة مرافقين من القائمين على المعرض، إلى مجسمات لغرف تحاكي واقع البيوت والحجرات على زمن النبوة، وهنا يفاجأ الزائر بأنه لا يرى فقط أدوات الحياة البسيطة آنذاك، ويشاهد الأسرة وأدوات الطهي وحتى أسلحة القتال المستخدمة في ذلك الزمن، بل إنه يشمّ أيضاً رائحة المكان الذي تغلب عليه مكونات النخيل.

عند خروج الزائر من تلك الغرفة التي تناظر مقاييس الغرف الشائعة في مكة والمدينة قبل 14 قرناً، ومنها الغرفة النبوية الشريفة، يتوقف أمام مجسمين للمدينتين، يقدم كل منهما وصفاً مرئياً للبيوت والشوارع والتضاريس الأساسية في زمن النبي، وعبر الإضاءة يمكن أن يرى الزائرون موقع البيت الذي ولد فيه خاتم المرسلين بمكة، والبيت الذي عاش فيه، وبيوت الصحابة البارزين، علاوة على موقع بيت الندوة الذي كان بمثابة «برلمان» قبيلة قريش وموقع اتخاذ قراراتها الكبرى، وغير ذلك من المعالم البارزة في المدينة التي كان ولا يزال بيت الله الحرام والكعبة المشرفة هما درتها التي تتوسط كل شيء.

يتكرر الأمر في «ماكيت» المدينة المنورة، حيث يتعرف الزائرون على أبرز معالمها في العصر النبوي، من أين دخلها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأين أقام، وموقع مسجده الأول، والحجرات الشريفة وسقيفة بني ساعدة والبقيع وغيرها.

مجسم للكعبة المشرفة في الزمن النبوي كما يقدمها متحف السيرة النبوية بالرباط (الشرق الأوسط)

لوحات نابضة بالحياة

تتحوّل جدران المعرض نفسه إلى لوحات نابضة بالحياة، بفضل 50 شاشة ذكية وزعت في جنبات إحدى قاعاته الفسيحة، وهي تروي لمحات من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إحداها تصف جسده الشريف وملابسه، وأخرى تروي مواقف من سيرته، وثالثة تستعرض علاقاته بأصحابه، ورابعة تقدم سيراً لأبرز الصحابة والصحابيات، فضلاً عن شاشات تستعرض جوانب من المواقف والوصايا النبوية في المواقف المختلفة، وتجسد سمو أخلاقه وصوراً من رحمته.

البهو الرئيسي للمعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية في نسخته الأولى بالرباط (الشرق الأوسط)

اللافت كما يقول المدير العام للمعرض الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية، توفيق بن علي الشريف، والذي رافق «الشرق الأوسط» في جولتها، أن المعلومات التي تحتويها كل هذه الشاشات مستقاة ومدققة من أصحّ كتب السيرة، وهو ما ينطبق على كل المعروضات، ويشير إلى أن ذلك كان أحد الأسباب التي استدعت أن يستغرق إعداد المعرض وتجهيزه 17 عاماً كاملة، معظمها في عمليات البحث والتدقيق ومقارنة المعلومات بين كتب السيرة، حتى تكون كل كلمة ومعلومة وقطعة تُعرض أقرب ما تكون إلى ما استقر عليه علماء السيرة.

ويضيف الشريف أن الإقبال الهائل على المعرض الذي يصل إلى أكثر من 10 آلاف زائر يومياً، وما يزيد على ضعف هذا العدد في الإجازات ويومي الجمعة والسبت، دفع إدارة المعرض إلى تمديد إقامته، مشيراً إلى أن هناك مطالب رسمية من أكثر من 22 دولة عربية وإسلامية حول العالم لاستضافة هذه النسخة من المعرض المتجول.

وبالفعل تتطلب زيارة المعرض حجزاً مسبقاً يمتد إلى ثلاثة أشهر لتحديد موعد الزيارة، عبر الموقع الإلكتروني له، الذي يفتح أبوابه للزيارة أمام الجمهور العام مجاناً، من الساعة العاشرة صباحاً إلى الساعة الخامسة مساءً، طوال أيام الأسبوع، ما عدا يوم الاثنين.

جانب من الغرفة النبوية كما يعرضها متحف السيرة النبوية بالرباط (الشرق الأوسط)

وتحول المعرض إلى وجهة محببة لمعظم الوفود الرسمية التي تزور العاصمة المغربية، وكذلك للآلاف من طلاب المدارس والجامعات والمنظمات الأهلية التي باتت تنظم رحلات أسبوعية ليتمكن منتسبوها من الاستمتاع بمعايشة العديد من تفاصيل الحياة والسيرة النبوية الشريفة بأساليب غير مسبوقة من التفاعل والعرض.

توظيف أحدث التقنيات

من الأمور اللافتة بالفعل داخل المعرض هو ذلك التوظيف المدروس لأحدث التقنيات سواء في العرض، أو في عمل معايشة وسرد عصري لجوانب السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي في العصر الأول، وعن هذا يقول المدير العام للمعرض إن الأمر بالفعل دُرس بعناية، فهناك أجيال عديدة تزور المعرض، ويحتاج تقريب السيرة النبوية إلى أذهانهم أدوات متنوعة لتقديم هذه الرحلة المشوقة، ولهذا يمزج المعرض بين تقنيات العرض البصري والصوتي، كما تُستخدم تقنيات «الهولوغرام» في عرض بعض التصورات المبنية على معلومات مدققة للمقتنيات النبوية مثل خاتمه وسيفه وبعض الأدوات التي استخدمها، كما تُستخدم الشاشات ثلاثية الأبعاد لتقديم بعض جوانب السيرة في تجربة معايشة فريدة من نوعها، يراها الزائرون للمرة الأولى، إلى أن تصل تلك التجربة إلى ذروتها في آخر قاعات المعرض عندما يعيش الزائر عبر استخدام تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، ومن دون الحاجة إلى النظارات المعتادة في هذه التقنية داخل الغرفة النبوية الشريفة، حيث عاش الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، ودفن فيها بعد وفاته، وتحوّلت اليوم إلى مزار لمئات الملايين من المسلمين.

داخل قاعة عرض الـVR، يجد الزائر نفسه وكأنه يسير بالفعل داخل مسجد الرسول في صورته الأولى بالزمن النبوي، تُفتح أمامه الأبواب ليرى تقسيم المسجد، وموقع بيت الرسول منه، وغرفة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، التي قضى فيها الرسول الكريم أيامه الأخيرة، وفيها دُفن صلى الله عليه وسلم، ومن بعده دُفن إلى جواره الخليفتان أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب. كما يرى الزائر شكل البنيان الذي يحيط بالمقام النبوي الشريف، وهي صور لا يراها حتى الزائر الفعلي للمسجد النبوي؛ إذ تقتصر رؤيته على واجهة جدار السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، من دون أن تتاح له الفرصة ليرى ما وراء ذلك الجدار، لكنه في هذه القاعة وعبر أحدث تقنيات العرض والمعايشة، يدخل إلى ما وراء ذلك الجدار في رحلة بانورامية تستعرض تطور حجرة أم المؤمنين عائشة منذ إغلاقها بعد وفاتها ودفنها بالبقيع إلى البناء المخمّس الذي أقامه عمر بن عبد العزيز، ثم شكل الغرفة والجدران المتعددة التي بنيت حول الحجرة حتى العصر الحاضر.

يتضمن المعرض كذلك جزءاً آخر يُعرض في قاعة منفصلة هو «معرض صلة المغاربة بالجناب النبوي الشريف، جمال المحبة والوفاء»، الذي تشرف عليه الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب.

ويضم هذا المعرض كنوزاً تراثية مغربية، تتنوع ما بين مخطوطات تاريخية، ولوحات وعملات نادرة، ونماذج من العمارة والزخارف والنقوش المغربية، التي تجسد ارتباط المغاربة عبر العصور بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.


مقالات ذات صلة

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

يوميات الشرق تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال في تنشيط السياحة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق تتميز مدينة دهب بإطلالتها على البحر (فيسبوك)

ما أسباب اجتذاب «دهب» المصرية لعشاق اليوغا والتأمل؟

تعد السياحة البيئية وسياحة التأمل من عوامل الجذب لفئات متنوعة من السائحين، وتنشط هذه السياحة في مدن مصرية من بينها دهب بمحافظة جنوب سيناء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق زوار يلقون العملات المعدنية في نافورة تريفي في روما بعد أن فرضت المدينة رسوماً بقيمة يوروين لمشاهدتها عن قرب (أ.ف.ب)

نافورة تريفي بتذكرة دخول… خطوة جديدة لتنظيم السياحة في روما

سيُضطر السياح الراغبون في الاقتراب من نافورة تريفي الشهيرة إلى دفع رسوم قدرها يوروان (2.36 دولار)، وذلك في إطار مساعي مدينة روما للسيطرة على الحشود.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق امرأة تتخذ وضعية تصوير عند حوض نافورة «تريفي» في اليوم الأول من الدخول المدفوع إلى هذا المعلم السياحي في روما... إيطاليا 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

روما تفرض رسم دخول لزيارة نافورة «تريفي» الشهيرة

بدأ السياح، الاثنين، في دفع رسوم لزيارة نافورة «تريفي»، أحد أشهر المعالم في العاصمة الإيطالية روما، في إطار خطة تهدف إلى خفض الأعداد الهائلة من السياح حولها.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق المسؤولون المحليون يرغبون في تخفيف وتيرة توافد السياح (غيتي)

قرية إيطالية تقيِّد الوصول إلى كنيستها الشهيرة

لأكثر من عقد من الزمن، انتشرت عبر الإنترنت صور كنيسة «سانتا مادالينا»، وهي كنيسة صغيرة في شمال إيطاليا، تحيط بها القمم المسننة لجبال الدولوميت.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.