«زهر القطن»... تضاد ساخر بين كاتب كهل لم يتغير وطفل تغيَّر

خليل النعيمي يعود ليستلهم البادية السورية في روايته الجديدة

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«زهر القطن»... تضاد ساخر بين كاتب كهل لم يتغير وطفل تغيَّر

غلاف الرواية
غلاف الرواية

تبدو مقولة «الرواية فن مديني» سليمة تماماً إذا كنا نقصد بصفة المدينية وعي كاتبها، وليس عالمها؛ فكم من الروايات الكبيرة في تاريخ هذا الفن تجري في عوالم غير مدينية، ويكفي أن نتذكر أن أم الروايات «دون كيخوتي» تنطلق من قرية، ويتنقل بطلها الشريف العبقري مع تابعه سانشو من استراحة مسافرين بائسة إلى أخرى.

أحدث برهان على هذه الفرضية رواية خليل النعيمي «زهر القطن»، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وتجري جل أحداثها في الجزء السوري من صحراء الحماد العربية التي تتصل على مساحة من السعودية، الأردن، العراق، وسوريا. بيئة شحيحة وبشر بسطاء. لا أحداث جليلة ولا شخصيات عظيمة بأعمالها، لكن البناء والوعي والتصاق الكاتب بموضوعه جعلت من قراءة الرواية تجربة ممتعة، وصار الشيء غير المهم مهماً، وجعلنا نتابع بشغف ما يجري داخل خيمة قديمة تشدها إلى الأرض أوتاد ضعيفة، تخلعها الريح الشديدة عندما تهب من الفضاء أو من داخل صدر ساكنيها فيقررون خلع الأوتاد والرحيل، لكي يحطوا على أطراف تجمع بشري آخر.

في الرواية العربية تجارب عديدة من كتابة الريف والصحراء. وربما تفوق روايات المدينة عدداً، بسبب مصادفة أن الكثير من الكتاب العرب نشأوا في الأرياف والبوادي، لكنهم جميعهم لم يواصلوا الحياة في تلك الأماكن، بل غادروها إلى المدينة، ولتجربة كل منهم حظها من النجاح، حسب معايير النقد الأدبي، لكن يظل هناك معيار شبه خفي يحدد حظ الكتابة من الأصالة، وهو علاقة الكاتب بموضوعه والمكان الذي ينظر منه إلى شخصياته.

هذه العلاقة مع الموضوع يحددها ما حدث للكاتب بعد رحيله عن مرابع طفولته، هل غادر بكامله نفسيّاً وطبقيّاً أم لا يزال ذلك الفلاح وذلك البدوي يقيمان في داخله؟ جواب هذا السؤال هو المعيار الخفي الذي يساهم في تحديد أصالة التجربة الأدبية، ويضع الحدود بين كاتب وآخر. البعض يُقدِّم هذا العالم ببشره البسطاء كـ«فُرجة» يُرضي بها متلقياً مدينياً يتماهى معه أو متلقياً أجنبياً يتطلع إلى إبهاره، والبعض يُرضي نفسه بكتابة متعاطفة مع عالم غادره ويحب أن يسدد له ديناً عليه، وهناك أخيراً كاتب يكتب «تجربة روحية» تخصه، ويتوخى من كتابتها متعة شخصية بالعودة إلى عيش ما عاشه واستدراك ما حلم به ولم يعشه.

لا أعرف كيف اقتنعنا في وقت من الأوقات بفرضية فصل الكاتب عن كتابه (موت المؤلف)، وهي فرضية مضللة بالكامل؛ فليس بوسعنا تجاهل سيرة خليل النعيمي، ابن البادية السورية، لكي نفهم هذا الذي كتبه في «زهر القطن». تجاوزت إقامة النعيمي الباريسية ضعف عيشه السوري، وأضعاف حياته في البادية، صار جرَّاحاً مرموقاً لكنه لم يزل ذلك البدوي البسيط. نستدل من كتابته على بداوته ومن حياته على كتابته. ومن هذه الوحدة بين الكاتب والمكتوب تبدو «زهر القطن» واحدة من الأعمال الأكثر أصالة في التعبير عن المكان، ومحطة مميزة في كتابة الصحراء العربية.

تقدِّم الرواية سيرة طفل يضربه هوى «التعليم» المستحيل في مجتمع البادية الفقير، لكن حلمه يتحقق ويصل إلى الجامعة، ويتخرج متخصصاً في الطب والفلسفة، ثم يهاجر إلى خارج حدود سوريا والعالم العربي، تفلتاً من الحدود السورية اللبنانية ثم هروباً في بطن سفينة بفضل تسامح الشرطي مدقق الأوراق على باب السفينة، وتنتهي الرواية بصافرة الإبحار. هذا الإفشاء للموضوع لا يضر «زهر القطن» في شيء؛ فالطريق من بادية الحماد إلى مرفأ بيروت حيث تنتهي الرواية أهم من الوصول إلى المرفأ، والأحلام الجليلة أهم من الأعمال الجليلة.

هناك تضاد ساخر بين الكاتب الكهل الذي لم يتغير، وطفل الرواية الذي تغيَّر بمجرد أن نطق بجملته المتقشفة «أريد أروح على المدرسة»، وتلقى وعداً غير أكيد من أبيه. أحس أن عصيدة الذرة لم تعد تليق به كمشروع متعلم؛ فطلب من أمه الطلب المستحيل: «أريد خبزاً»، وهكذا بدأت ملحمة للحصول على رغيف، من أين وكيف وهل تجرؤ على طلب قليل من الدقيق من الجيران، لكنها تتذكر حفنة دقيق كانت قد خبأتها، وسرعان ما تبددت الفرحة بهزيمة الأم لأنها لم تجد حفنة الدقيق، بل نثاراً منها مع فضلات الفئران ونسل قماش، هو بقايا ثوب الابن الأكبر الميت فهاجت دموعها.

سيتسلى الصغير بالكلام مع صغيرة الجيران التي يعشقها، وتنجو الأم من قرصة الضيق مرة، لكنه في المرة الثانية سيطلب «بصلية». ربما هي حساء البصل، والأم لديها القليل من الماء والزيت، لكن ليس لديها بصلة، وتقرر أن تطلبها من الجارة، فتتوجه إليها، تجلسان وقتاً طويلاً، ويلوح لها بين وقت وآخر أنها استطاعت أن توجه الحوار نحو الطعام، لتصل بشكل طبيعي إلى طلب البصلة، لكنها بعد كل اقتراب تتراجع خجلاً إلى أن تنصرف دون الحصول على البصلة التي ستتمم حلم صبيها.

معاناة الخبزة والبصلة استدعت لديَّ معاناة الصبي المترف في «البحث عن الزمن المفقود» من أجل الحصول على قبلة ما قبل النوم التي اعتاد تلقيها من الأم، لكن دوران الكوكب يختل وتستعصي تلك القبلة في الأمسيات التي تستقبل فيها الأم الأصدقاء. المسافة بين عالم النعيمي المتقشف وعالم مارسيل بروست الباذخ، لا قيمة لها. الكلمة للصدق الفني والتوتر الذي يخلقه الكاتب في انتظار البصلة أو القبلة!

لا يخلو عالم الصحراء الخشن من حب يتضافر بتلقائية مع القسوة والنقص في كل شيء، حتى أن الكثير من الأشياء لا تجد أسماء تحددها، البشر أنفسهم بلا أسماء!

الاسم دليل الوجود في المجتمع المديني، وفي الحضارات التي تراكم أعمالاً جليلة، لكن البدوي المرتحل يشبه ذرة رمل في الفضاء الفسيح ليس بحاجة إلى اسم. لا أحد في الرواية يحمل اسماً، باستثناء أنثى التقاها الولد الذي صار شاباً في بيروت وأنعم عليها بحرف «سين»! غير ذلك لا اسم للصبي ولا لوالده ولا لأحد من الجيران المؤقتين ولا الحبيبات العابرات. بعضهم يبدأ مجرد ظل يثير كل التهديد والوعود، حتى يقترب فيسفر عن مرتحل ينبغي مد يد العون إليه أو أنثى تمنح لقاء حب عاصف وصامت عند الغروب ينتهي بانفصال سريع وتفرق، حيث يبتلع الظلام كلاً منهما.

الصحراء بالنسبة للبدوي ليست مجرد مكان يعيش فيه، بل جزء من كينونته، لا يدرك نفسه إلا من خلاله، لا يحبه أو يكرهه، لكن يحذره. كان الأب اليتيم يقترب من الموت جوعاً فيحتال بصب الماء فوق الجرابيع في غيرانها فتخرج مذعورة، يلتقطها ليأكلها. لكن اليقظة واجبة، فقد تخرج له الأفاعي الصفر ألسنتها الطويلة التي تكنس الفضاء بحثاً عن فريسة بدلاً من أن يرى بوز الجربوع المتطاول. لا ينظر إلى سعي الأفعى بضغينة؛ فهي مثله، لابد أن تأكل لتعيش، فقط يحذرها ويفر منها ليبحث عن غار جديد.

الرواية هي واحدة من الأعمال الأكثر أصالة في التعبير عن المكان ومحطة مميزة في كتابة الصحراء العربية

الحذر قانون البادية. حذر من شح الطبيعة، حذر من مخاطرها، وحذر حتى من الكلام. لا تتردد كلمة بالرواية بقدر ما ترددت كلمتا الحذر والصمت. ولا يتبدى الصمت فضيلة وعقيدة يؤمن بها البدوي فحسب، لكن استراتيجية في الخطاب. جمل الحوار بالرواية مبتورة، وكثير من الأسئلة ردها نظرة.

الكلام أضخم المسئوليات، وإذا ما تكلم المرء فكلامه جزء منه: «إذا اعتدى أحد على كلامه، كأنه يعتدي على كيانه. الحذر، إذن، هو المطلوب. والحذر هو الخط الفاصل بين السفاهة والنباهة». هذه الخطورة التي يُمثلها الكلام هي التي جعلت الصبي يتطلع إلى حلم التعليم الغريب على أسرته، حيث برر طلبه الذهاب إلى المدرسة بـ«أريد أن أتعلم الحكي».

الحذر الذي يحمل البشر على الصمت، ليس نافعاً على الدوام، حيث: «لا جدران تستر أحداً، ولا حواجز تمنع الحس أو النظر من الوصول إلى مداهما. كل كائن فيها، من الأحياء البرية المقيمة إلى البشر العابرين، أيّاً كان نوعه، وجنسه، مكشوف. مكشوف في هيئته وفي فعله. السري فيها، هو فقط ما لا يستطيع الكائن أن يشارك الآخرين في إنجازه. إنه العدم».

تكثر في الرواية التأملات حول الحياة والموت، العلاقة بالزمان والمكان، الحب، والتسامح. وقد وسَّع الكاتب على نفسه، باستخدام الراوي المستقل، فبدا المضمون الفلسفي مقنعاً بغض النظر عن وعي الشخصيات، لكنها تتمتع هي الأخرى بحكمتها البسيطة العميقة التي تعلمتها من الحياة. يقول الأب: «الدنيا مثل الخانات المنثورة على الدروب. يلجها العابرون ليقضوا حاجاتهم، قبل أن يتركوها. والأريب هو من يجد له داراً أينما حل»، وأما فضاء الحماد بالنسبة له فيحوي أسباب البقاء، وأسباب الموت، «وما عليَّ إلا أن أختار ما أريد».


مقالات ذات صلة

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كتب كورت أندرسن

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية...

جوناثان دي
كتب «مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

توقيع مزوّر سحب 65 مليون دولار من الاحتياطي... والخيط قاد إلى رئيس الحكومة محمود الزعبي الذي انتحر في 24 مايو 2000 

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر» أو «رواد النهضة العربية»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد والدارسين، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران. واللافت في الأمر أن السجالات التي اتخذت أشكالاً حادة في كثير من الأحيان، لم تقتصر ساحتها حول الريادة الأدبية والفكرية لصاحب «العواصف»؛ بل إنها طالت كل نأمة في حياته وسلوكياته وسيرته الشخصية، وبخاصة تلك المتصلة بالشأن العاطفي وعلاقته بالمرأة.

ومع أن مسألة التطابق بين نتاج الكاتب الإبداعي وبين سلوكه، كانت على الدوام مثاراً للجدل وتباين وجهات النظر، فإن شيئاً من الحياة الحقيقية لا بد من أن يتسرب إلى الأدب والفن، وينعكس في مراياهما التعبيرية.

ففي «الأجنحة المتكسرة» تظهر لنا صورة جبران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدماً لغة عاطفية تفطر قلوب القراء، وتستدرُّ دموعهم على نحو ميلودرامي.

وفي «الأرواح المتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة من المجدلية. وفي «عرائس المروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثري يغرر بها ويعدها بالزواج، حتى إذا حملت منه اضطرت لممارسة البغاء لإطعام ولدها وثمرة حملها الآثم، لتموت في نهاية الأمر مُهانة ومرذولة. وفي هذه القصة وغيرها يعري جبران الأسس الفاسدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الذي لا تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته.

أما في كتاب «النبي» فنقف على النسخة الأكثر نضجاً من شخصية جبران ومواقفه الإنسانية. فهو حين يُسأل عن الحب، يجيب بلسان بطله المصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعرة وشائكة. ومع أنه لا يُظهر موقفاً سلبياً من الزواج، فإنه يرفض تحويل العلاقة إلى قيد، مؤكداً على فكرة المسافة التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين، إضافة إلى أنه يرفض فكرة التوحد، والحلول في الآخر، كما في قوله: «غنوا وارقصوا معاً وافرحوا، ولكن ليبق كلٌّ منكم وحيداً». وحين يُسأل عن اللذة، فهو لا يرفض نشدانها ولا يدين طالبيها، شرط ألا يفقدوا قلوبهم في غنائها، وألا يهملوا الروح ويسيئوا إليها.

على أن المواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح، لم يكن لها أن تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتفِ بإنزال صديقه من مكانه السماوي إلى أرض الواقع؛ بل راح ينزع عنه صفتَي الروحانية والزهد الجسدي اللتين طالما ادَّعاهما، مؤكداً على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في علاقته بميشلين، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعاً بين عقل هاسكل وجسد ميشلين.

أما توفيق صايغ الذي يتهم نعيمة بالإساءة إلى صديقه، راداً الأمر إلى غيرته منه، فلا ينفي في كتابه «أضواء جديدة على جبران» أن تكون لجبران علاقات متعددة مع النساء، وبينها علاقة انجذاب شهواني مع ميشلين، إلا أنه -وهو المنذور للكتابة والخلق الإبداعي- كان يعرف كيف يضع في الوقت المناسب حدوداً لها. ويشير صايغ إلى أن علاقة هاسكل بجبران لم تكن روحانية خالصة ولا جسدية خالصة؛ بل ظلت تتأرجح بين النزعتين؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبلات، رغم ما كان يتسبب فيه الأمر من أذى نفسي وجسدي للطرفين.

ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية لا يلحظ عنده إقبالاً على الجنس يصل إلى حدود التهالك، ولا نفوراً منه يلامس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدراً من الاعتدال يجعله أقرب إلى الإنسان الطبيعي، منه إلى الانحراف واللاسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائداً إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية المبدعة لتقبل التنازل عن نفسها لأي شأن عابر، وهو الذي تنقل عنه هاسكل قوله لها عام 1922: «إن حضور عقل آخر مهما كان هذا الحضور طفيفاً، يدمر الأشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل ما أستطيع فعله وأنا وحيد، والمرء يكون قريباً إلى كل إنسان عندما لا يكون قريباً إلى أي إنسان».

والواقع أن جبران قد حرص أشد الحرص على ألا يُفرغ طاقاته الحيوية العالية في مجال الجنس والرغبات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها الأكبر لشحن أعماله الفنية والإبداعية بأسباب القوة والتفجر. ولعل أكثر ما يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقتصار علاقتهما الجسدية على بعض القبلات والعناقات المتقشفة: «إن فيَّ رغم ضعفي الجسماني دفئاً وفيراً من الناحية الجنسية، وأعتقد أن فيَّ دون شك شيئاً حيوياً أيضاً؛ لأني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الناحية الجنسية يتحول وينصبُّ في نتاجي».

ولعلنا نستطيع -في ضوء ما تقدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى علاقته بمي زيادة في إطارٍ لغوي وجداني، تكفلت بحمله عشرات الرسائل المحمولة عبر المحيطات. فالواضح أن جبران كان يبحث عبر مي عن وقود إضافي لمنع جذوة الإبداع في داخله من الضمور، وهو ما لم يكن ليتوفر إلا عبر رفع مي إلى خانة المتخيل الطيفي الذي يؤلفه من عندياته. وجبران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة الإبداعية التي ولدتها علاقته الأفلاطونية بامرأة التخيل، كانت مرشحة للانطفاء السريع لو التقى بامرأة اللحم والدم.

المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بالنساء

أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي دلالة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عمد- بين الفن والحياة؛ لأن تلك الرسوم كانت تعكس توق صاحبها إلى التسامي الروحي والتجرد من حاجات الجسد الترابي، دون أن يعني أنه كان يعاني من الوهن الجنسي، أو من ارتفاع في منسوب الأنوثة، كما ذهب بعض الدارسين.

وقد لا يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيداً عن الحقيقة حين أشار في كتابه «المرأة في حياة جبران»، إلى أن علاقة الحدب والحنو المفرط التي ربطت الأخير بأمه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها في ملامح نسائه الكثيرات، بما يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كنَّ يكبرنه سناً. فحلا الضاهر كانت تكبره بعامين، وماري هاسكل تكبره بعشر سنوات، وسلطانة ثابت تكبره بخمس سنوات، وجوزيفين بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلين عشيقته الأثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر.

إلا أن ما توصل إليه نجم من خلاصات حاسمة حول «أنثوية» جبران ونفوره من الجنس، وصولاً إلى رميه بالعجز الجنسي، ليس في مكانه أبداً؛ إذ ليس يكفي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمعة وابتسامة» و«الأجنحة المتكسرة» المفرطين في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران الأنثوي الذي يخلو من كل أثر للاقتحام الرجولي»؛ لأنه في هذه الحالة سيضع في دائرة الأنوثة عشرات من الكتاب والفنانين والشعراء الرومانسيين. ثم لماذا لم يدر في خلد نجم أن يستشهد بأعمال مغايرة تظهر فيها «ذكورية» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كما هي الحال في «الأرواح المتمردة» و«العواصف» وغيرها؟

صحيح أن جبران قد قال لماري هاسكل: «إن المرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنه شبَّه نفسه بالمرأة الحامل، مضيفاً ما حرفيته: «أشعر أني كنت أُمًّا غير مرة»، إلا أنه لم يكن يقصد بالتأكيد المعنى الفيسيولوجي للكلمة؛ بل المعنى الرمزي الذي يُكسب الكاتب صفات الرقة والصبر، والإصغاء المرهف إلى الأشياء والكائنات، ويجعل من الكتابة بحد ذاتها حالة من أحوال الأنوثة.

 


ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
TT

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل واسع في هذه البقاع. ظلّ هذا التقليد كما يبدو حياً في الحقبة الأموية؛ حيث اعتمد في تزيين العمائر المدنية التي شُيّدت في نواح عديدة من البادية الأردنية. يحضر هذا الفن بشكل محدود في قصير عمرة، في شمال هذه البادية، ويحضر بشكل واسع في قصر الحلابات، في الناحية الشمالية من الطريق المعبدة التي تربط مدينة الزرقاء بواحة الأزرق.

تعود أسس قصر الحلابات إلى حصن دفاعي محلّي، شيّده الغساسنة خلال الحقبة البيزنطية. تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي في الحقبة الأموية؛ إذ أعيد تشييده مع تعديلات كبيرة في تكوينه، إلا أن أسسه الهندسية الأولى بقيت ثابتة، وتمثّلت في مسقط مربع الشكل، تحد زواياه أربعة أبراج. يبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذا المسقط الأربعة 44 متراً، ويبلغ عرض واجهة كل برج من أبراجه نحو 6 أمتار. يقع مدخل القصر الرئيسي وسط الواجهة الخارجية الشرقية، وينفتح على ردهة كبيرة مستطيلة تؤدي مباشرة إلى الفناء الرئيسي الذي يحتل وسط البناء.

يتألف القصر من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. من جهة الشرق، وعلى يمين ردهة المدخل ويسارها، قاعتان واسعتان. ومن جهة الجنوب، ست قاعات وغرف مختلفة المساحات. في الزاوية الشمالية الغربية للقصر، جناح سكني كبير منفصل عن باقي أجزاء القصر، ندخل إليه عبر باب في واجهته الجنوبية المطلة على الفناء الرئيسي الواسع. يحوي هذا الجناح المستقل ثلاثة أجنحة تحيط بفناء صغير. يحوي كل من الجناحين الغربي والشمالي قاعتين واسعتين، ويحوي الجناح الشرقي ثلاث غرف. في الطرف المقابل، في موازاة الضلع الشمالية للفناء الرئيسي للقصر، ثلاث قاعات، أكبرها الوسطى، وتنقسم عبر عقدين نصف دائريَّين إلى ثلاثة أجزاء. في أسفل أرض الفناء الرئيسي، بُني خزان كبير كان يتلقّى مياه الأمطار عبر قنوات متصلة بقسطل القاعات التي تحتل ضلع القصر الشرقية. وفي فناء الجناح الشرقي الذي يحتل زاوية القصر الشمالية الغربية، بُنيَ خزان مشابه.

تطلّ معظم قاعات القصر على الفناء الرئيسي الكبير من خلال أبواب تعلوها سواكف حجرية مستقيمة، ونوافذ تحدها أطر مزينة بشبكات من النقوش المصنوعة بتقنية الجص، ضاع القسم الأكبر منها للأسف. على الصعيد الفني، يتميّز قصر الحلابات في المقام الأول بمجموعة الألواح الفسيفسائية التي تزين قاعاته، غير أن القسم الأكبر من هذه الألواح تصدّع واندثر، وما بقي منها يتمثّل في أجزاء سمحت للمختصين بإعادة تخطيط شبكاتها الهندسية الأصلية. نُقل بعض هذه البقايا إلى متحف خاص بهذا الموقع افتتح في عام 2008، وبقيت في الموقع الأجزاء الأكثر اكتمالاً، ومنها فسيفساء الفناء الداخلي الصغير، وفسيفساء الرواق المجاور له.

تُعتبر فسيفساء الفناء الداخلي أكبر هذه الأرضيات، وهي على شكل لوحة هندسية مستطيلة، رُصفت بخطوط محورية مزدوجة، تتقاطع وتكوّن شبكة تعتمد عنصراً هندسياً واحداً يُعرف بالمُعين، وهو على شكل مربع مائل، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تتألف هذه الشبكة من 375 معيناً، رُصفت بشكل متواز، مع سلسلة من 17 معيناً عرضاً، تقابلها سلسلة من 21 معيناً طولاً. تتساوى هذه التقاسيم في الحجم، وهي بيضاء، وتحدّها خطوط تجمع بين الرمادي والعسلي والزهري، ويبلغ عرض ضلع كلّ منها 20 سنتيمتراً. وسط كل معين، معين منمنم صيغ بهذه الألوان. وحول هذه الشبكة المستطيلة، يمتد إطار على شكل شريط بسيط، تزينه سلسلة زخرفية، تعتمد كذلك هذا المعين المنمنم.

في المقابل، تجمع أرضية الرواق المجاورة بين التأليف الهندسي المحكم والعناصر التصويرية المحوّرة. يتألف هذا الرواق من ردهتين متلاصقتين، يغطي كلاً منهما لوح فسيفسائي مستقل. يزين الردهة العليا لوح زخرفي يتكون من أربع خانات متماثلة، تشكّل معا شبكة زخرفية مربعة، يغلب عليها الطابع التجريدي. تأتي كل خانة على شكل أربع دوائر، تتقاطع فيما بينها، مشكّلة إطاراً يحتضن في وسطه زهرة محوّرة هندسياً، تحدها أربع بتلات متساوية صيغت على شكل نجم. اعتُمد اللون الأحمر الخمري بشكل أساسي في صوغ الحلّة التشكيلية الخاصة بهذه الخانات، إلى جانب مساحات حلّ فيها الأبيض الناصع والأزرق السماوي. أُحيط هذا اللوح بإطار مزخرف، قوامه سلسلة من مثلثات مسنّنة، رُصفت كأسنان المشط، واعتُمدت الصياغة اللونية الخاصة بهذا الإطار على الأحمر الخمري والأبيض الناصع.

تتميّز لوحة الردهة السفلى بعناصرها التصويرية، وتتكوّن من ثماني دوائر كبيرة الحجم، وثمانية مربعات أصغر حجماً، تترابط بشرائط مجدولة، وتشكّل معاً شبكة متناسقة متقنة. في القسم الأعلى، تحضر إوزتان متواجهتان في وضعية جانبية، تستقرّ كل منهما في دائرة مستقلّة. وفي القسم الأدنى، تحضر إوزة ثالثة في وضعية مماثلة، وتستقرّ كذلك في دائرة خاصة بها. يتكرّر هذا التأليف في وسط اللوح، وتحلّ سلّتان متواجهتان، منهما سلة تعلوها عروة عريضة. في المقابل، تحلّ سمكة وسط إناء كبير يستقرّ في وسط الدائرة الثالثة. في القسم الأسفل من اللوح، يحلّ طائران متواجهان في تأليف مماثل، وهما من عائلات الدجاجيات، والأرجح أنهما من صنف الحجل الذي يحضر بقوة في الميراث الفني الأموي.

يتبنّى هذا اللوح طرازاً راج في الكنائس المحلية، ويعكس هذا الأثر حضور السمكة التي تعلو الإناء، وتستقرّ وسط سلّتين كبيرتين، في تأليف يعيد إلى الذهن صورة من أشهر الصور الفسيفسائية الفلسطينية. تعود هذه اللوحة إلى كنيسة تقع في قرية الطابغة، على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وتختزل بحسب التقليد معجزة تكثير الخبز والسمك التي ورد ذكرها في الأناجيل الأربعة بشكل متقارب. ونقع على لوح آخر مشابه، كشفت عنه أعمال التنقيب في كنيسة تقع في مدينة هيبوس الأثرية في الجولان، وتُعرف باسم «الكنيسة المحروقة».


رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر
TT

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري الأبدي في أرض فلسطين كملاذ للحب والمشاعر من ناحية، وبين الخطر والخوف من ناحية أخرى، عبر بنية فنية تضع الشخصيات في مواجهة أسئلة المكان والهوية والذاكرة والحب والخوف.

تدور الأحداث في عام 2017؛ حيث تتسع خريطة السرد لتشمل مدناً وقرى فلسطينية متعددة داخل الضفة الغربية وغزة؛ لا سيما طولكرم ونابلس، بحيث لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها.

تجمع الرواية 14 شخصية فلسطينية في إطار مشروع بحثي ميداني، إلى جانب صحافي من غزة، ودليل سياحي مقدسي، في تركيبة تحمل تناقضات نفسية وإنسانية؛ فالمقدسي يعيش مأزقاً مختلفاً عن الغزِّي، وابن الداخل يواجه أسئلة غير تلك التي يواجهها ابن الخليل أو رفح.

ومن هنا يتحول سؤال الهوية إلى سؤال يومي: من أنا؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ وما الذي يبقى من هوية الإنسان حين يتغير المكان من حوله أو يُنتزع منه؟ كما تتحول العلاقات الإنسانية البسيطة إلى مدخل مختلف لفهم الواقع الفلسطيني المعقد، فالحب -على سبيل المثال- لا يظهر بوصفه مساحة منفصلة عن السياسة والجغرافيا؛ إذ يمكن للحاجز أو التصنيف القانوني أو الانتماء الجغرافي أن يتدخل في علاقة عاطفية ويغير مصيرها.

ومن القضايا اللافتة كذلك حضور الأسرى بعد التحرر، وآثار الحرب والاستشهاد، والصدمة النفسية، إضافة إلى تجربة غزة والحواجز والجدار؛ حيث يتعامل النص مع هذه التفاصيل من زاوية الإنسان الذي يعيش نتائجها في حياته اليومية، ما يجعل العمل يخرج من الحدود الضيقة المباشرة للرواية السياسية، ليصبح نصاً إنسانياً مفتوحاً على أفق بيئة اجتماعية شديدة التعقيد.

فنياً، لا تنتمي «الفراديس الملغومة» إلى البناء الروائي التقليدي الصارم ذي البطل المركزي والحبكة الواحدة، وإنما تقوم على تعدد الأصوات والشخصيات وتداخل الأزمنة والأمكنة، بينما تستخدم المؤلفة ضمائر سرد متعددة، فتنتقل بين المتكلم والغائب، وتستدعي الماضي داخل الحاضر، ما يمنح العمل طبيعة متشعبة تتناسب مع تعدد التجارب داخل الحبكة الدرامية. كما حرصت على منح كل شخصية مساحة خاصة بها في التعبير والسرد.

من أجواء الرواية:

«كلما شرد ذهني وجدتني أنظر إلى النقش المحفور في الجدار المقابل وأجده على حاله. لا أعلم هل يثير هذا الألم في نفسي أم يبعث الطمأنينة؟

منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أساعد أبي في هذه المكتبة، وها قد مر من عمري مثلها، وكلما غاب رواد المكتبة والزبائن وسئمتُ القراءة، أنتبه أني في الجلسة هنا وأمام ذات النقش. صحيح أني درست خلال هذه الفترة في الجامعة، وتزوجت وصرت أباً، ولكن كأن الزمن لم يمر، لا على النقش في الخارج ولا على هذه المكتبة.

أغمض عيني وأصغي إلى حديث الجيران في السوق، هديل الحمام في النافذة، ومرور شاب بعربته فجأة صارخاً (أوعا أوعا). أرفع نظري إلى الرف فوق الباب، الكتب التي ترقد عليه هي نفسها منذ وضعها أبي فوقه، كي يضمن عدم بيعها».