الليبيون يعيشون أسوأ أزمة اقتصادية منذ 70 عامًا

الأسعار تضاعفت وكتيبات الدعم بلا قيمة.. والأمل في «حكومة وفاق»

شاحنات بضائع على طريق طبرق في شرق ليبيا قادمة من مصر («الشرق الأوسط»)
شاحنات بضائع على طريق طبرق في شرق ليبيا قادمة من مصر («الشرق الأوسط»)
TT

الليبيون يعيشون أسوأ أزمة اقتصادية منذ 70 عامًا

شاحنات بضائع على طريق طبرق في شرق ليبيا قادمة من مصر («الشرق الأوسط»)
شاحنات بضائع على طريق طبرق في شرق ليبيا قادمة من مصر («الشرق الأوسط»)

دخان حطب جبلي يعمي العيون. لم يكن أحد يتخيل، في هذا البلد الأفريقي الغني بالنفط، العودة للطبخ على نار مصدرها الأعواد الجافة لا الغاز. مثل كثير من الليبيين، تعيش العجوز زهيرة البالغة من العمر 73 عامًا، أسوأ أيامها. السعر الرسمي لأسطوانة غاز الطهي 1.5 دينار. لكن مستودع الأسطوانات فارغ. لهذا تضطر لشراء حاجتها من السوق السوداء بعشرات الدنانير. مضى قرابة شهر والأسطوانة فارغة أمام باب بيتها، حيث صنعت في الزاوية، وعلى عجل، مخبزًا صغيرًا من الطين. تقول وهي تعد حلة أرز بالطماطم لأحفادها: «كأننا في الزمن القديم».
ويؤكد الخبير الاقتصادي الليبي، عمرو فركاش، لـ«الشرق الأوسط»، أن التدهور في الاقتصاد الليبي غير مسبوق منذ عقود. لم يمر الليبيون بأزمة من هذا القبيل إلا في تسعينات القرن الماضي، أثناء الحظر الدولي، لكن الأوضاع لم تتدهور إلى الحد الذي نشهده اليوم. ويضيف: «أيام الحظر على ليبيا ارتفعت الأسعار بالفعل، لكن ليس بهذا الشكل الجنوني». وللأسف، لا يرى فركاش بارقة أمل قريبة، قائلاً إن «المواطن الليبي سيدفع ثمنًا باهظًا».
يأتي هذا بعد أكثر من أربع سنوات على أحداث «الربيع العربي» التي تفجرت بالآمال والطموحات، لدرجة أن معظم الليبيين كانوا يعتقدون أنهم، عقب التخلص من معمر القذافي، سيبنون بلدًا مزدهرًا ينعم فيه كل مواطن بنصيبه من الثروة. بيد أن الواقع على الأرض يزداد تدهورًا. قيمة العملة الليبية، الدينار، تواصل الهبوط إلى القاع. كان الدولار الأميركي يساوي 1.39 دينار. اليوم وصل إلى نحو 3 دنانير. ارتفع سعر الكيلوغرام من الأرز، وهو من السلع الرئيسة على موائد الأسر الليبية، من 0.35 دينارًا، إلى دينارين. أما الطحين وزن 50 كيلوغرامًا، فارتفع من 6 دنانير إلى 25 دينارًا.
«الخطر الاقتصادي الذي يواجههنا فوق الاحتمال»، كما يقول حسين عبد الله، الباحث الليبي في الشؤون المالية، مشيرًا إلى أن البلاد يخيم عليها «شبح أزمة اقتصادية خانقة لأول مرة منذ نحو سبعين عامًا.. فحتى في أيام الحصار الدولي، لم تشهد السلع هذا الشح وهذا الارتفاع في الثمن».
يضيف أن أهم المشكلات تضاعف أسعار المواد الغذائية، قائلاً إن «كتيبات الدعم السلعي»، التي عزز بها القذافي من حكمه طيلة 42 عامًا، فقدت قيمتها. كان القذافي يضخ مليارات الدولارات سنويًا من موارد النفط عبر هذه الكتيبات، لكي تصل في صورة دعم سلعي ونقدي لملايين الليبيين.. «من واردات النفط أيضًا يجري تمويل رواتب الموظفين ودعم الوقود والعلاج، إلا أن تراجع التصدير بسبب الخلافات السياسية والقلاقل الأمنية أصاب الجميع في مقتل».
ومن جانبه، يقول فركاش، إن 95 في المائة من الاقتصاد الليبي يعتمد على النفط، إلا أن الإنتاج انخفض من 1.6 مليون برميل يوميًا إلى نحو 300 ألف برميل يوميًا.. «وما زاد الطين بلة الانخفاض العالمي لأسعار النفط، بعد أن تراجعت إلى النصف تقريبًا». ويزيد موضحًا أن ما يحدث في ليبيا اليوم «يشبه الانهيار الاقتصادي. لقد بدأت السلطات في الاستهلاك من الأموال الاحتياطية الخاصة بواردات النفط، ولهذا، وبعد أن كان يبلغ 130 مليار دولار، تراجع هذا الاحتياطي الآن إلى نحو 50 مليار دولار فقط».
ويقول مصدر حكومي لـ«الشرق الأوسط» إنه جرى، منذ مطلع هذا العام حتى الآن، إنفاق أكثر من 13 مليار دولار من احتياطي العملة الأجنبية بالفعل، وأن هذا الرقم مرشح للزيادة ليصل مع نهاية 2015 إلى ما يقرب من 25 مليار دولار، وهو «مؤشر شديد الخطورة»، ويحمل المسؤولية لهذا التدهور إلى ما يصفه بانحياز أطراف دولية للميليشيات المتشددة التي تحتل العاصمة وبعض مصادر النفط. ويخيم الخوف من شبح الأزمة الاقتصادية كذلك على النواب في مقر انعقاد جلسات البرلمان الذي انتقل إلى طبرق منذ عام هربًا من الاقتتال في المدن الكبرى.
تراهن بعض الأطراف المتصارعة في هذا البلد على إمكانية توصل المبعوث الأممي لليبيا، برناردينو ليون، لاتفاق ينتج عنه حكومة وفاق وطني، في الأسابيع المقبلة، لكن الشكوك ما زالت موجودة بشأن القدرة على تحقيق هذا الأمل، بسبب الشروط التي يفرضها متشددون يحملون السلاح في شوارع العاصمة وعدة مدن أخرى. وسط هذه الأجواء تعبر زهيرة الطريق التي تغطيها مياه الصرف الصحي قرب مقر البرلمان، في سيارة فرنسية الصنع قديمة الطراز، يقودها حفيدها البالغ من العمر 23 عامًا، لكي تتسوق من وسط طبرق كل أسبوعين أو ثلاثة. ما زالت صلبة العود رغم مقتل ابنيها في الحرب ضد القذافي. تقف وسط الميدان؛ ميدان الثورة، وتتأمل الحركة. تعطيك شعورًا بأنها وباقي الشعب وقادته وحتى التجار والباعة، على موعد مع أمر غامض لم تتحدد له معالم بعد. «70 في المائة من السلع التي تعتمد عليها ليبيا أصبحت تأتي من مصر عبر مدينة طبرق. ومن طبرق تتوزع على باقي المدن من خلال الشاحنات. سفن البضائع التي كانت تأتي من تركيا إلى ميناء طبرق توقفت بسبب الخلافات السياسية بين أنقرة والحكومة الشرعية». هكذا يلخص مدير التشاركية في طبرق، حسين الحبوني الأمر، وهو يتكئ على أجولة الطحين خلف الباب. الطحين أصبح مثل المخدرات. سعره يرتفع ومن الصعب أن تجده. وتشاركية الحبوني للمواد الغذائية ما زالت تعمل وفقا لقانون الشركات الذي وضعه القذافي لأنه لم توضع بعد قوانين جديدة.
إذا سألت عن المقصود بـ«الثورة» التي يحمل الميدان اسمها، لا يلتفت إليك أحد. هناك هموم أكبر. كان الليبي لا يفكر أبدا في مشكلة توفير الطعام. يقول مسعود، وهو مساعد للحبوني: ثورة 2011 أم ثورة القذافي في 1969. لا تشغل بالك. فالحُفر الممتلئة بالصرف الصحي والقمامة ما زالت في الشوارع كما هي منذ سنين، وزاد عليهم العائلات المشردة التي تعيش على أطراف المدن. في كل بيت قتيل أو مصاب. ومع ذلك فالسؤال المهم أصبح كالتالي: هل حصلت على نصيبك من الخبز لهذا النهار؟
توجد شاحنات يحرص مديرو المستودعات الغذائية هنا على تجنبها لأطول وقت ممكن. هذه شاحنات فارغة قادمة من مدن درنة وبنغازي وإجدابيا والكفرة. تنتظر في الساحات والميادين لكي تحصل على ما يمكن أن يكون زائدًا عن حاجة مدينة طبرق من سلع تموينية؛ طحين وأرز وشاي وسكر.
طبرق نفسها أصبحت مزدحمة بالناس. من الصعب أن تعثر فيها على شقة خاوية أو غرفة في فندق، وذلك بعد أن فر إليها ألوف الليبيين هربًا من الاقتتال في الكثير من المدن الأخرى بما فيها بنغازي التي كانت يوما مركزًا تجاريًا مهمًا وذات ميناء بحري كبير ومطار دولي معتبر. فهي ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة طرابلس، لكن نيران الاقتتال أتت على أسواقها وموانئها.
يقول الحبوني بعد أن أمر بإغلاق باب المستودع تجنبًا لإلحاح التجار المنتظرين في الساحة، إن طبرق أفضل حالاً من باقي مدن الغرب والجنوب، فعلى الأقل يوجد فيها كل أنواع السلع، وإن كانت بأسعار مرتفعة، أما المدن والبلدات الأخرى فمشكلتها مضاعفة. شح شديد في المواد الغذائية، مع ارتفاع الأسعار بأضعاف ما هي عليه في المناطق الشرقية.
ويضيف أن الليبي قبل 2011 كان يشغل تفكيره في المفاضلة بين الأماكن التي سيمضي فيها عطلته السنوية. هل في منتجع شرم الشيخ على البحر الأحمر. أم في الإسكندرية على البحر المتوسط. أم في تركيا أم إسبانيا أم مالطا (إلخ). طبعًا هذا لم يكن ينطبق على عموم الليبيين، لكن كان يمكن في ذلك الوقت أن تطلق عليها ظاهرة. فابن زهيرة الكبير مثلاً، واسمه جويدة، وكان يعمل مديرًا في التعليم قبل مقتله على جبهة سرت في مثل هذا الوقت من عام 2011. قبلها كان يصحب والدته في إجازته الصيفية إلى شاطئ المتنزه في الإسكندرية، كما حدث في عام 2009، لكنها تقول: «هذا كله كأنه كان من مائة سنة». الحكايات في غرف السهر في طبرق، وهي غرف مبعثرة على طول «اللسان البحري» للمدينة، تعطيك خلفية جيدة عن الماضي الحالم، والحاضر المؤلم. المقصود به طبعًا ليس الماضي القريب في عهد القذافي فقط، ولكن الماضي البعيد أيضًا.. أي أيام الملك في خمسينات وستينات القرن الماضي، حين كانت ترد من أوروبا إلى ميناء طبرق، وباقي الموانئ الليبية، أفخر أنواع الأطعمة والأقمشة والأجهزة الكهربائية. اليوم تستطيع أن ترى من فوق أسقف مساكن كبار ضباط القذافي المغلقة، ضفة الميناء وهي خاوية على عروشها إلا من بعض المراكب الصغيرة.
رغم طول المدة، عاد الأجداد لذكريات الرخاء في عهد الملك محمد إدريس السنوسي، أول حاكم لليبيا بعد الاستقلال، والذي استمر عهده من عام 1951 حتى 1969. جاء القذافي من بعده لتزداد تدفقات النقط، وتصبح ليبيا من أغنى دول العالم. وربما لهذا السبب طال به المقام في السلطة كل تلك العقود. وفرة في الطعام شبه المجاني والخدمات العامة بلا حدود. لكن القذافي لم يضع على ما يبدو بنى تحتية لمؤسسات يمكن لها تسيير الحركة الاقتصادية في أوقات الخطر، كما يقول الباحث عبد الله.
في الجانب الآخر من «اللسان البحري» حيث أسواق الخضراوات واللحوم، يقول أحد التجار، ويدعى عبد الكريم، وهو يقف وسط كراتين زيوت الطعام التي جاءت حالاً من مصر، إن الكيلوغرام من الزيت ارتفع من دينار واحد إلى 3 دنانير، وسعر الكيلوغرام من السكر زاد من 0.25 دينار إلى 1.5 دينار، والكيلوغرام من الشاي قفز من 3 دنانير إلى 8 دنانير.
كما زاد ثمن العلبة الكبيرة من معجون الطماطم (الصلصة) من 0.23 دينار إلى 1.6 دينار. أما أسعار الطماطم نفسها والخيار وباقي الخضراوات فقد تضاعفت عدة مرات خلال السنوات الأربع الأخيرة، وكذلك الحال بالنسبة للجبن وعلب التونة (وهي من الأطعمة المفضلة لدى الليبيين). أما ثمن أسطوانة الغاز في السوق السوداء فقد وصل في طبرق إلى 15 دينارًا، بينما سعره الرسمي المقرر من شركة البريقة التي يوجد مقرها في المدينة فيفترض ألا يزيد على 1.5 دينار. أما في المدن البعيدة عن مقر الشركة فإن سعر الأسطوانة يصل إلى 80 دينارًا خاصة في بنغازي والمدن الأخرى الملتهبة بالحرب. ومنذ قليل جاء تاجر من مدينة درنة يبحث عن كمية من الخبز وأسطوانات غاز الطهي، ويقول: «الوضع في درنة أسوأ بكثير من طبرق». ويحلو للكثير من الشبان مقارنة الأوضاع بين الماضي والحاضر بكلفة الزواج. يقول محمد عليوة، وهو شاب من بنغازي يبلغ من العمر 30 عامًا، ويدير تشاركية للاتصالات في طبرق، إنه قبل عام 2011 كانت مصاريف العرس تدور في المتوسط حول 13 ألف دينار، تشمل قيمة المسكن، وارتفعت اليوم إلى نحو 40 ألف دينار دون حساب المسكن. بينما يقدر الباحث عبد الله الكلفة بأكثر من ذلك بكثير، قائلاً إن غرام الذهب على سبيل المثال ارتفع من 26 دينارًا، إلى 110 دنانير.
كان يمكن لكل ليبي، من خلال كتيب العائلة الذي يشبه بطاقة التعريف الشخصية، الحصول على ما تصل قيمته شهريًا إلى نحو 1500 دينار، تصرف في شكل مواد تموينية وأجهزة كهربائية ووقود وغيرها من السلع المدعومة.. «طحين وزيت وأرز وحليب وأجهزة تلفزيون وغسالات.. إلخ». كما كان القذافي يصرف من خلاله في بعض الأحيان دفعات من الدولارات للمواطنين، تصل أحيانًا إلى ألفي دولار للكتيب الواحد، وذلك من أجل الحفاظ على قيمة العملة المحلية في حال الخطر.
ويقول الباحث عبد الله، إن «الكتيب» كانت له قيمة حتى أواخر عام 2012، وإن مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي في ذلك الوقت، ضخ فيه، لأول مرة، أموالاً سائلة بدلاً من السلع، لكن في الوقت الراهن لم يعد للكتيب فائدة تذكر، لا فيما يخص الأموال ولا السلع المدعومة. فائدته الوحيدة اليوم هو أنه يستخدم كبطاقة هوية لا أكثر.
ويعد الباب الرابع في موازنة الدولة الليبية أهم البنود، لأنه يخص قضية الدعم الذي تبلغ قيمته ما يصل إلى 25 في المائة من إجمالي الموازنة. كما يعاني الاقتصاد الليبي من إرث معقد يعود لحقبة القذافي. فعلى سبيل المثال كان الدعم يصل لجميع المواطنين، وحتى اليوم لا يعرف الشعب أنه سيكون عليه سداد فواتير استهلاك الكهرباء، بعد أن كانت الدولة تتكفل بهذا الأمر لعدة عقود. وتقول مصادر في البرلمان الليبي إن حكومة الوفاق الوطني المزمع التوصل إليها الشهر المقبل كحد أقصى، سيكون عليها وضع خطة إصلاح اقتصادي وخطة تقشف أيضًا. ومثل الليبيين في الداخل، تعلق كثير من المؤسسات الاقتصادية الدولية الأمل على اتفاق الليبيين وإنهاء الصراع. وتقول ناردين سيمونيتا، المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، إن من شأن نجاح المفاوضات السياسية، حل الأزمة وتعزيز استقلالية المؤسسات الاقتصادية الرئيسية في ليبيا وفعاليتها، بما فيها المصرف المركزي.
ومن جانبه يشدد فركاش على أن الحل يتطلب الإسراع بوجود «حكومة توافق وطني»، قائلاً إنه لا بد من أمن، ولا بد من خطة اقتصادية واضحة. ولا يصح أن يستمر الوضع الاقتصادي بهذا الشكل العشوائي. وتابع أن هذا يتطلب «حلولاً عاجلة، والساسة سيضطرون لإجراءات فيها تقشف، سواء الآن أو فيما بعد».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.