وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني

يشترط التغطية والإصلاحات لعبور الأزمة المالية والتوازنات السياسية

وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني
TT

وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني

وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني

فاجأ وسيم منصوري، حاكم «مصرف لبنان» (البنك المركزي) بالإنابة، الأوساط السياسية اللبنانية، بالشروط التي وضعها لقاء تسلّمه مهام الحاكمية خلفاً للحاكم السابق رياض سلامة. إذ لم يكن متوقعاً أن يرفق عملية التسلم بتلك التعقيدات التي أعادت خلط أوراق السياسات النقدية المعتمدة منذ 3 أشهر، وأقنعت كثيرين بأن الرجل، الآتي من خلفية قانونية، لا مالية، يسير بين ألغام التوازنات الداخلية والخارجية، ويبحث عن غطاء خارجي وداخلي استطاع انتزاعه لتحصين نفسه من الانتقادات. الواقع أن مثار الحذر والتعقيد يعود إلى شقين؛ أولهما أنه يخلف حاكماً مثيراً للجدل، شغل موقعه في «المركزي» طوال 30 سنة وارتبط اسمه به، وحدّد سياسات الحكومة اللبنانية في العقد الأخير، عندما كانت الحكومة محاصرة بالخلافات السياسية والتجاذبات الدولية والمقاربات المتنافرة، وانتهى فيها مديراً للأزمة المالية، ومُلاحقاً بالدعاوى القضائية والشبهات باستخدام النفوذ، وهي مثار تحقيقات أوروبية ومحلية متواصلة. أما الشق الثاني فيعود إلى كونه ينتمي إلى طائفة «الشيعة» التي لم يستلم أي من شخصياتها قبله حاكمية مصرف لبنان منذ تأسيسه قبل 6 عقود، وذلك لأن موقع «الحاكمية»، وهو أعلى منصب مالي في البلاد، مخصصٌ عُرفاً للمسيحيين الموارنة. ثم إنه يتزامن تسلّمه موقعه مع تنافر سياسي، له بُعد طائفي متصل بالمواقع والصلاحيات، في ظل عجز عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ما أعاق تشكيل حكومة يفترض أن تجري تعيينات للمواقع الشاغرة.

ثمة عُرف في لبنان أن حاكم مصرف لبنان الذي تعيّنه الحكومة في الحاكمية، يجب أن يكون مسيحياً مارونياً. وله وفق القانون 4 نواب...

النائب الأول، عُرفاً، يشغله شيعي، والثاني يشغله درزي، والثالث سنّي، والرابع ينتمي إلى طائفة الأرمن الكاثوليك. وعملاً بالمحاصصة الطائفية، غالباً ما تتقاطع القوى السياسية على أسماء النواب الأربعة، ويجري تعيينهم دفعة واحدة.

في ظل هذه «الألغام» الداخلية، والمطالب الخارجية، كان رئيس البرلمان نبيه برّي، الذي اقترح اسم منصوري لتعيينه نائباً أول للحاكم في عام 2020، ميالاً لأن تجتمع الحكومة وتعيّن حاكماً، كما كان ميالاً لاستقالة منصوري من موقعه وقذف كرة التوازنات الداخلية في ملعب القوى الأخرى، قبل أن تتصاعد المطالب السياسية المحلية بتطبيق القانون، إذ ينص قانون النقد والتسليف في مادته الـ25 على أنه «في حال شغور منصب الحاكم، يتولى نائب الحاكم الأول مهام الحاكم ريثما يُعيَّن حاكم جديد». إلا أن استقالته مثلت عقبة، بالنظر إلى أنها ستترك شغوراً في حاكمية «المركزي»، وذلك في لحظة مالية وسياسية دقيقة بعد 30 سنة أمضاها رياض سلامة في موقعه. وهي للمفارقة، نصف عمر المصرف المركزي، ولقد استطاع خلالها رسم السياسات وابتداع المخارج للأزمات، وأدارها أخيراً بدعم حكومي وبمواكبة أذرع له في سوق القطع في الداخل، وبتقاطعات مع البنوك المراسلة.

ومع أن منصوري سمّاه رئيس البرلمان لموقعه، فإنه يحتفظ بهامش كبير من الاستقلالية، كما يقول عارفوه، ويقارب المسائل من زاوية تقنية وقانونية تلتزم المعايير الدولية. وهذا ما دفع قوى سياسية لبنانية متعددة للترحيب بوصوله إلى موقعه، وكان أبرزهم رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي قال في تغريدة: «ما سمعناه من منصوري يبشّر بالخير».

قانوني في حاكمية «المركزي»

للمرة الثالثة منذ تأسيس مصرف لبنان المركزي، يصل إلى حاكميته قانوني، وليس مصرفي.

في المرة الأولى، انتقل المحامي والقاضي إلياس سركيس من منصب حاكمية المصرف المركزي إلى رئاسة الجمهورية. وفي المرة الثانية، وصل النائب والمرجع القانوني الراحل إدمون نعيم إلى الحاكمية في أصعب مراحل البلاد مالياً وسياسياً وعسكرياً بين 1985 و1991. والآن، وصل منصوري الذي يحمل شهادة الدكتوراه في القانون العام تخصّص القانون الدستوري من جامعة مونبيليه 1 في فرنسا، كما يحمل دبلوم دراسات عليا في القانون الشامل من الجامعة ذاتها، ودكتوراه أخرى من الجامعة اللبنانية، بجانب إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية.

تشير سيرته الذاتية المنشورة على موقع المصرف المركزي إلى أنه تلقى تدريباً في المحاماة، وكان يدير «مكتب منصوري وشركاه للمحاماة» قبل تعيينه نائباً أول لحاكم المصرف المركزي. ثم شغل في وقت سابق موقع مدير الفرع الفرنسي في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية بالجامعة اللبنانية منذ يوليو (تموز) 2019 حتى 2020.

خلال سنوات سابقة، عمل مستشاراً قانونياً لوزارة المالية، حين كان وزير المال الأسبق علي حسن خليل، كما عمل مستشاراً قانونياً للبرلمان في السنوات الأخيرة.

ومع أن تجربة سركيس في الحاكمية كانت سلسة ومحصّنة ضمن نظام مالي وسياسي مستقر، أتاح له تخزين الذهب لصالح «المركزي»، فإن تجربة منصوري تتقاطع مع نعيم لجهة صعوبة الظروف السياسية والمالية. ففي عام 1985، كانت الليرة اللبنانية بدأت تتدهور، وفقدت 800 في المائة من قيمتها خلال الفترة التي خرج فيها نعيم من الحاكمية، وتزامنت مع خلافات سياسية عميقة وحروب وشغور في الرئاسة اللبنانية.

واليوم، يتسلم منصوري الحاكمية بعدما فقدت الليرة اللبنانية نحو 600 في المائة من قيمتها، في ظل شغور رئاسي وتجاذبات سياسية وانقسامات عميقة تتخذ بُعداً طائفياً أيضاً، وهو ما دفعه لفرض شروطه. انتقال مشروط لم يكن انتقال الحاكمية إلى منصوري سلساً. بل تدرّج من تلويح باستقالة نواب الحاكم الأربعة، إلى فرض شروط على البرلمان والحكومة لتحصين هذا التسلم بغطاء تشريعي وتنفيذي، وغطاء «صندوق النقد الدولي» كون شروطه متطابقة مع مطالب الصندوق. هذا الغطاء، يوازيه غطاء آخر من وزارة الخزانة الاميركية التي زارها في يونيو (حزيران) الفائت، وتتقاطع مع الصندوق في الإصلاحات التي يشترطها لوضع لبنان على سكة النهوض.

ولقد أبلغت مصادر مواكبة لزيارته إلى واشنطن «الشرق الأوسط» أن الزيارة كانت «إيجابية»، ويستحيل أن يكون شخص في موقعه نائباً لحاكمية المركزي أو حاكماً له، ليس على علاقة واضحة وشفافة مع الخزانة الأميركية، وذلك لضمانة التزام لبنان بمكافحة تبييض الأموال وتطبيق القوانين والإجراءات الدولية.

غير أن هذا الالتزام يتخطّى كونه تقاطعاً مع القوانين والشروط الدولية، بالنظر إلى أن منصوري، والنواب الثلاثة الآخرين للحاكمية، يؤمنون بها. وجرى التعبير عن ذلك من خلال عشرات المراسلات مع السلطات اللبنانية (وزارة المالية والحكومة وحاكمية مصرف لبنان) بعد شهرين على تسلّمهم مناصبهم في صيف 2020، اعتراضاً على بعض الإجراءات التي يتخذها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، ومن ضمنها منصة «صيرفة» المثيرة للجدل.

شروط بوجه الحكومة

على الضفة الداخلية، وضع منصوري شروطاً لمهمته أعلنها عشيّة تسلّمه منصبه، حين قال إن القيادة الجديدة للبنك المركزي تخطط لفرض قيود صارمة على متى يمكن للبنك المركزي إقراض الحكومة، معتبراً أن الإقراض «لم يعُد خياراً، والتدرّج باتخاذ القرار يحتاج إلى قانون، وسيسمح قانون إقراض الحكومة بدفع رواتب القطاع العام، والتشريع المطلوب يسمح بتنشيط الإدارة وتأمين الأموال للدواء». كذلك، أكد أن الحلّ الوحيد لأزمة حاجة الحكومة للدولار يكمن في إصلاح المالية العامة، «فالمسألة ليست نقديّة، والحلّ ليس في المركزي، إنّما في السياسة المالية للحكومة».

أيضاً، قال منصوري إنه يتوجب على السلطات أيضاً التخلص التدريجي من منصة «صيرفة» التي يديرها مصرف لبنان. وأوضح أن «تحرير سعر الصرف وتوحيده يجب أن يتحقق بالتدّرج حفاظاً على الاستقرار»، لافتاً إلى أن «هذا القرار يُتّخذ بالتوافق مع الحكومة». وأضاف: «لقد تواصلنا مع القوى الأمنية والقضاء للقضاء على التلاعب بسعر الصّرف»، مشدداً على أن «ما يُعزّز الاستقرار النقدي هو القانون الذي ستطلب الحكومة إقراره».

من جهة ثانية، وصف منصوري الوضع اللبناني بأنه «أمام مفترق طرق»، وقال: «الاستمرار في نهج السياسات السابقة في ظلّ إمكانات المركزي المحدودة يعني أنّه لا بدّ من الانتقال إلى وقف تمويل الدولة بالكامل، ولن يوقَّع على أيّ صرف لتمويل الحكومة إطلاقاً خارج قناعاتي وخارج الإطار القانوني لذلك».

ثم أشار إلى أنّ «وقف التمويل للحكومة لا يمكن أن يحصل بشكلٍ مفاجئ، بل يجب أن يحصل تعاون قانوني متكامل بين الحكومة ومجلس النواب والمركزي (أي مصرف لبنان) ضمن خطّة متكاملة تكفل أن تُعاد الأموال... وننظر إلى فترةٍ انتقاليّة قصيرة تسمح بتمويل الدولة بموجب قانون».

بالتزامن، دعا الحاكم بالإنابة الحكومة إلى تنفيذ إصلاحات تشكل قانون «الكابيتال كونترول» وقانوناً لإعادة الهيكلة المالية وميزانية الدولة لعام 2023 في غضون 6 أشهر، قائلاً إن هذه هي «الفرصة الأخيرة» للبنان لسنّ التغييرات.

مهمة معقّدة

في الواقع، لا توصف مهمة منصوري بالسلسة، إذ يكاد يجمع كثيرون على أنها «مهمة معقدة»، بالنظر إلى أن تجربة سلفه سلامة مع إقراض الحكومة لم تكن مشجعة، حيث يفرض تغطية قانونية من السلطات التنفيذية والتشريعية لإقراض الحكومة.

هذا، وحاولت الحكومة مواكبته حين ناقشت في يوم تسلمه مهامه مشروع القانون الذي كانت الحكومة بصدد إعداده للاقتراض من مصرف لبنان بالعملة الأجنبية. وتقرر بعد التشاور مع الوزراء أن يُطلب إلى مجموعة من النواب تقديمه بصيغة اقتراح قانون، لأن البعض يعتبر أن حكومة تصريف الأعمال لا يحق لها تقديم مشاريع قوانين. وتلافياً للتأخير ووفق النظام الداخلي، فإن أي مشاريع قوانين تحتاج لمهلة أسبوع، وقرّرت أن يكون هناك مشروع قانون، وليس اقتراح قانون من الحكومة، علماً أن ذلك يعني تقاذف مسؤوليات ورمي الكرة في ملعب المجلس النيابي، في وقت يشترط رئيس البرلمان نبيه برّي أن ترسل له الحكومة مشروع قانون، لأنها المعنية بتحديد مصدر وآلية رد هذه الأموال.

غير أن هذا الجانب محاط بعراقيل سياسية، في ظل رفض سياسي لبناني للتشريع، في ظل الشغور الرئاسي، ومعارضة اتخاذ الحكومة قرارات أساسية في ظل هذا الشغور. لكن من جانبه، يؤمن منصوري بأنه «لا يمكن أن يُطلب من النواب الأربعة تنفيذ مهام الحاكم، بغياب الحد الأدنى من الإصلاحات المالية والسياسية المطلوبة... وفي فترة معقدة، يحيط بها وضع مالي دقيق وخطير». ويصرّ على أنه «من دون إصلاحات ودعم حكومي وبرلماني، ستقوّض مهمة أي شخص في هذا الموقع».

ثم يكرّر تأكيده أن الإصلاحات «لا يمكن تطبيقها من دون توحيد لسعر الصرف، كما أن تحرير سعر الصرف لا يمكن تنفيذه من دون إقرار قانون الكابيتال كونترول»، ما يعني في النتيجة أن الأمر «يحتاج إلى تكامل الحكومة والبرلمان والمصرف المركزي في جهود متطابقة وتعاون لإضفاء جو من الثقة».

لم يكن انتقال الحاكمية إلى منصوري سلساً. بل تدرّج من تلويح باستقالة

نواب الحاكم الأربعة، إلى فرض شروط على البرلمان والحكومة

بطاقة شخصية

- وسيم منصوري... حاكم المصرف المركزي اللبناني

- يحمل شهادة الدكتوراه في القانون العام تخصص القانون الدستوري من جامعة مونبيليه 1 في فرنسا

- حائز دبلوم دراسات عليا في القانون الشامل من جامعة مونبيليه 1.

- حائز دكتوراه في القانون من الجامعة اللبنانية.

- شغل بين 2019 و2020 موقع مدير الفرع الفرنسي في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية بالجامعة اللبنانية.

- عُين في أغسطس (آب) 2020 نائباً أول لحاكم المصرف المركزي.

3 نواب من خلفيات مصرفية ومالية يواكبون منصوري في مهمته

لم يخرج نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة، طوال الشهر الفائت الذي سبق تسلم وسيم منصوري الحاكمية، متباينين في المواقف. إذ أصدر النواب الأربعة بيانات مشتركة، كما ظهر النواب الثلاثة إلى جانب منصوري أثناء المؤتمر الصحافي الذي عقده عشية تسلمه منصبه، وأعلن فيه شروطه.

ولحاكم مصرف لبنان، الماروني عُرفاً، 4 نواب؛ الأول شيعي، والثاني درزي، والثالث سني، والرابع ينتمي إلى طائفة الأرمن الكاثوليك. وبحسب المادة 18 من قانون النقد والتسليف، فإن مهمّة هؤلاء أو وظائفهم تقتصر على المهام التي يسندها إليهم الحاكم، ولهم حق إبداء الرأي في القرارات التي يتّخذها الحاكم، لكنها ليست سلطة تقريرية، حيث يتمتع الحاكم بصلاحيات واسعة واستقلالية كبيرة.

وينص القانون اللبناني على تعيين نواب الحاكم بموجب مرسوم من قبل مجلس الوزراء لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد، وذلك بالتشاور مع الحاكم وبناء على اقتراح من وزير المالية، ومهمتهم المساعدة في إدارة المصرف، وتنفيذ المهام المحددة من قبل الحاكم.

يواكب منصوري اليوم 3 نواب، هم...

بشير يقظان

عندما عيّن في يونيو (حزيران) 2020، كان يقظان (ينتمي إلى طائفة الموحدين الدروز) يشغل منصباً مالياً في أحد المصارف اللبنانية. ولقد شغل عدة مناصب في بنك بيروت والبلاد العربية «BBAC». منها؛ مساعد المدير العام لشؤون الحوكمة والمخاطر والامتثال بين 2018 و2020، ورئيس إدارة المخاطر بين 2012 و2020، وضابط ائتمان الشركات بين 1999 و2006.

بشير يقظان

ويقظان حاصل على الماجستير في إدارة الأعمال عام 2000 من الجامعة اللبنانية الأميركية، والبكالوريوس عام 1997 من الجامعة الأميركية في بيروت. وسبق له أن عمل مدرّساً للمالية في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا بين عامي 2011 و2019، كما تولى منصب مساعد المدير العام لشؤون الائتمان وإدارة المخاطر في «بنك سوريا والمهجر» بين 2011 و2012، ومدير الائتمان والمخاطر في البنك ذاته بين 2006 و2011.

سليم شاهين

مثل يقظان، وصل النائب الثالث للحاكم في عام 2020 إلى موقعه من خلفية مالية ومصرفية. وهو عضو مجلس إدارة في «جبيل غروب» وبنك البحر المتوسط في لبنان ومصرف TURKLAND .

يحمل شاهين، الذي كان أستاذاً جامعياً في الجامعة الأميركية في بيروت، درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة إيكس – مرسيليا 3، وشهادتي ماجستير في الهندسة المالية من كلية كيدج للأعمال في فرنسا. وكان شاهين قد بدأ حياته المهنية كمحلل مالي في صناعة خطوط الأنابيب والنفط في أوروبا. وعمل لاحقاً مستشاراً لبنوك ومؤسسات مالية أوروبية وعربية بارزة، بينما بدأ مسيرته المهنية في المجال الأكاديمي.

سليم شاهين

خبرته المهنية وسيرته الأكاديمية والبحثية أكسبته عدة جوائز، أهمها جائزة «مؤسسة الكويت للتقدم العلمي». وعند الإعلان عن الجائزة، تحدثت المؤسسة عن «أبحاث شاهين المتميزة حول المواضيع المتعلقة بالتمويل والمصارف، بما في ذلك تمويل المشاريع ورأس المال الاستثماري وحوكمة الشركات».

ألكسندر موراديان

ينتمي النائب الرابع لحاكم مصرف لبنان إلى طائفة الأرمن الكاثوليك، ووصل إلى موقعه من خلفية مصرفية أيضاً، أسوة بالنائبين اللذين سبقاه. فقد كان لحظة تعيينه مدير العلاقات مع المستثمرين في «بنك لبنان والمهجر»، ولقد سماه حزب «الطاشناق» (أكبر الأحزاب الأرمنية) لموقعه.



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟