وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني

يشترط التغطية والإصلاحات لعبور الأزمة المالية والتوازنات السياسية

وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني
TT

وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني

وسيم منصوري... قانوني بين ألغام «المصرف المركزي» اللبناني

فاجأ وسيم منصوري، حاكم «مصرف لبنان» (البنك المركزي) بالإنابة، الأوساط السياسية اللبنانية، بالشروط التي وضعها لقاء تسلّمه مهام الحاكمية خلفاً للحاكم السابق رياض سلامة. إذ لم يكن متوقعاً أن يرفق عملية التسلم بتلك التعقيدات التي أعادت خلط أوراق السياسات النقدية المعتمدة منذ 3 أشهر، وأقنعت كثيرين بأن الرجل، الآتي من خلفية قانونية، لا مالية، يسير بين ألغام التوازنات الداخلية والخارجية، ويبحث عن غطاء خارجي وداخلي استطاع انتزاعه لتحصين نفسه من الانتقادات. الواقع أن مثار الحذر والتعقيد يعود إلى شقين؛ أولهما أنه يخلف حاكماً مثيراً للجدل، شغل موقعه في «المركزي» طوال 30 سنة وارتبط اسمه به، وحدّد سياسات الحكومة اللبنانية في العقد الأخير، عندما كانت الحكومة محاصرة بالخلافات السياسية والتجاذبات الدولية والمقاربات المتنافرة، وانتهى فيها مديراً للأزمة المالية، ومُلاحقاً بالدعاوى القضائية والشبهات باستخدام النفوذ، وهي مثار تحقيقات أوروبية ومحلية متواصلة. أما الشق الثاني فيعود إلى كونه ينتمي إلى طائفة «الشيعة» التي لم يستلم أي من شخصياتها قبله حاكمية مصرف لبنان منذ تأسيسه قبل 6 عقود، وذلك لأن موقع «الحاكمية»، وهو أعلى منصب مالي في البلاد، مخصصٌ عُرفاً للمسيحيين الموارنة. ثم إنه يتزامن تسلّمه موقعه مع تنافر سياسي، له بُعد طائفي متصل بالمواقع والصلاحيات، في ظل عجز عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ما أعاق تشكيل حكومة يفترض أن تجري تعيينات للمواقع الشاغرة.

ثمة عُرف في لبنان أن حاكم مصرف لبنان الذي تعيّنه الحكومة في الحاكمية، يجب أن يكون مسيحياً مارونياً. وله وفق القانون 4 نواب...

النائب الأول، عُرفاً، يشغله شيعي، والثاني يشغله درزي، والثالث سنّي، والرابع ينتمي إلى طائفة الأرمن الكاثوليك. وعملاً بالمحاصصة الطائفية، غالباً ما تتقاطع القوى السياسية على أسماء النواب الأربعة، ويجري تعيينهم دفعة واحدة.

في ظل هذه «الألغام» الداخلية، والمطالب الخارجية، كان رئيس البرلمان نبيه برّي، الذي اقترح اسم منصوري لتعيينه نائباً أول للحاكم في عام 2020، ميالاً لأن تجتمع الحكومة وتعيّن حاكماً، كما كان ميالاً لاستقالة منصوري من موقعه وقذف كرة التوازنات الداخلية في ملعب القوى الأخرى، قبل أن تتصاعد المطالب السياسية المحلية بتطبيق القانون، إذ ينص قانون النقد والتسليف في مادته الـ25 على أنه «في حال شغور منصب الحاكم، يتولى نائب الحاكم الأول مهام الحاكم ريثما يُعيَّن حاكم جديد». إلا أن استقالته مثلت عقبة، بالنظر إلى أنها ستترك شغوراً في حاكمية «المركزي»، وذلك في لحظة مالية وسياسية دقيقة بعد 30 سنة أمضاها رياض سلامة في موقعه. وهي للمفارقة، نصف عمر المصرف المركزي، ولقد استطاع خلالها رسم السياسات وابتداع المخارج للأزمات، وأدارها أخيراً بدعم حكومي وبمواكبة أذرع له في سوق القطع في الداخل، وبتقاطعات مع البنوك المراسلة.

ومع أن منصوري سمّاه رئيس البرلمان لموقعه، فإنه يحتفظ بهامش كبير من الاستقلالية، كما يقول عارفوه، ويقارب المسائل من زاوية تقنية وقانونية تلتزم المعايير الدولية. وهذا ما دفع قوى سياسية لبنانية متعددة للترحيب بوصوله إلى موقعه، وكان أبرزهم رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي قال في تغريدة: «ما سمعناه من منصوري يبشّر بالخير».

قانوني في حاكمية «المركزي»

للمرة الثالثة منذ تأسيس مصرف لبنان المركزي، يصل إلى حاكميته قانوني، وليس مصرفي.

في المرة الأولى، انتقل المحامي والقاضي إلياس سركيس من منصب حاكمية المصرف المركزي إلى رئاسة الجمهورية. وفي المرة الثانية، وصل النائب والمرجع القانوني الراحل إدمون نعيم إلى الحاكمية في أصعب مراحل البلاد مالياً وسياسياً وعسكرياً بين 1985 و1991. والآن، وصل منصوري الذي يحمل شهادة الدكتوراه في القانون العام تخصّص القانون الدستوري من جامعة مونبيليه 1 في فرنسا، كما يحمل دبلوم دراسات عليا في القانون الشامل من الجامعة ذاتها، ودكتوراه أخرى من الجامعة اللبنانية، بجانب إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية.

تشير سيرته الذاتية المنشورة على موقع المصرف المركزي إلى أنه تلقى تدريباً في المحاماة، وكان يدير «مكتب منصوري وشركاه للمحاماة» قبل تعيينه نائباً أول لحاكم المصرف المركزي. ثم شغل في وقت سابق موقع مدير الفرع الفرنسي في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية بالجامعة اللبنانية منذ يوليو (تموز) 2019 حتى 2020.

خلال سنوات سابقة، عمل مستشاراً قانونياً لوزارة المالية، حين كان وزير المال الأسبق علي حسن خليل، كما عمل مستشاراً قانونياً للبرلمان في السنوات الأخيرة.

ومع أن تجربة سركيس في الحاكمية كانت سلسة ومحصّنة ضمن نظام مالي وسياسي مستقر، أتاح له تخزين الذهب لصالح «المركزي»، فإن تجربة منصوري تتقاطع مع نعيم لجهة صعوبة الظروف السياسية والمالية. ففي عام 1985، كانت الليرة اللبنانية بدأت تتدهور، وفقدت 800 في المائة من قيمتها خلال الفترة التي خرج فيها نعيم من الحاكمية، وتزامنت مع خلافات سياسية عميقة وحروب وشغور في الرئاسة اللبنانية.

واليوم، يتسلم منصوري الحاكمية بعدما فقدت الليرة اللبنانية نحو 600 في المائة من قيمتها، في ظل شغور رئاسي وتجاذبات سياسية وانقسامات عميقة تتخذ بُعداً طائفياً أيضاً، وهو ما دفعه لفرض شروطه. انتقال مشروط لم يكن انتقال الحاكمية إلى منصوري سلساً. بل تدرّج من تلويح باستقالة نواب الحاكم الأربعة، إلى فرض شروط على البرلمان والحكومة لتحصين هذا التسلم بغطاء تشريعي وتنفيذي، وغطاء «صندوق النقد الدولي» كون شروطه متطابقة مع مطالب الصندوق. هذا الغطاء، يوازيه غطاء آخر من وزارة الخزانة الاميركية التي زارها في يونيو (حزيران) الفائت، وتتقاطع مع الصندوق في الإصلاحات التي يشترطها لوضع لبنان على سكة النهوض.

ولقد أبلغت مصادر مواكبة لزيارته إلى واشنطن «الشرق الأوسط» أن الزيارة كانت «إيجابية»، ويستحيل أن يكون شخص في موقعه نائباً لحاكمية المركزي أو حاكماً له، ليس على علاقة واضحة وشفافة مع الخزانة الأميركية، وذلك لضمانة التزام لبنان بمكافحة تبييض الأموال وتطبيق القوانين والإجراءات الدولية.

غير أن هذا الالتزام يتخطّى كونه تقاطعاً مع القوانين والشروط الدولية، بالنظر إلى أن منصوري، والنواب الثلاثة الآخرين للحاكمية، يؤمنون بها. وجرى التعبير عن ذلك من خلال عشرات المراسلات مع السلطات اللبنانية (وزارة المالية والحكومة وحاكمية مصرف لبنان) بعد شهرين على تسلّمهم مناصبهم في صيف 2020، اعتراضاً على بعض الإجراءات التي يتخذها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، ومن ضمنها منصة «صيرفة» المثيرة للجدل.

شروط بوجه الحكومة

على الضفة الداخلية، وضع منصوري شروطاً لمهمته أعلنها عشيّة تسلّمه منصبه، حين قال إن القيادة الجديدة للبنك المركزي تخطط لفرض قيود صارمة على متى يمكن للبنك المركزي إقراض الحكومة، معتبراً أن الإقراض «لم يعُد خياراً، والتدرّج باتخاذ القرار يحتاج إلى قانون، وسيسمح قانون إقراض الحكومة بدفع رواتب القطاع العام، والتشريع المطلوب يسمح بتنشيط الإدارة وتأمين الأموال للدواء». كذلك، أكد أن الحلّ الوحيد لأزمة حاجة الحكومة للدولار يكمن في إصلاح المالية العامة، «فالمسألة ليست نقديّة، والحلّ ليس في المركزي، إنّما في السياسة المالية للحكومة».

أيضاً، قال منصوري إنه يتوجب على السلطات أيضاً التخلص التدريجي من منصة «صيرفة» التي يديرها مصرف لبنان. وأوضح أن «تحرير سعر الصرف وتوحيده يجب أن يتحقق بالتدّرج حفاظاً على الاستقرار»، لافتاً إلى أن «هذا القرار يُتّخذ بالتوافق مع الحكومة». وأضاف: «لقد تواصلنا مع القوى الأمنية والقضاء للقضاء على التلاعب بسعر الصّرف»، مشدداً على أن «ما يُعزّز الاستقرار النقدي هو القانون الذي ستطلب الحكومة إقراره».

من جهة ثانية، وصف منصوري الوضع اللبناني بأنه «أمام مفترق طرق»، وقال: «الاستمرار في نهج السياسات السابقة في ظلّ إمكانات المركزي المحدودة يعني أنّه لا بدّ من الانتقال إلى وقف تمويل الدولة بالكامل، ولن يوقَّع على أيّ صرف لتمويل الحكومة إطلاقاً خارج قناعاتي وخارج الإطار القانوني لذلك».

ثم أشار إلى أنّ «وقف التمويل للحكومة لا يمكن أن يحصل بشكلٍ مفاجئ، بل يجب أن يحصل تعاون قانوني متكامل بين الحكومة ومجلس النواب والمركزي (أي مصرف لبنان) ضمن خطّة متكاملة تكفل أن تُعاد الأموال... وننظر إلى فترةٍ انتقاليّة قصيرة تسمح بتمويل الدولة بموجب قانون».

بالتزامن، دعا الحاكم بالإنابة الحكومة إلى تنفيذ إصلاحات تشكل قانون «الكابيتال كونترول» وقانوناً لإعادة الهيكلة المالية وميزانية الدولة لعام 2023 في غضون 6 أشهر، قائلاً إن هذه هي «الفرصة الأخيرة» للبنان لسنّ التغييرات.

مهمة معقّدة

في الواقع، لا توصف مهمة منصوري بالسلسة، إذ يكاد يجمع كثيرون على أنها «مهمة معقدة»، بالنظر إلى أن تجربة سلفه سلامة مع إقراض الحكومة لم تكن مشجعة، حيث يفرض تغطية قانونية من السلطات التنفيذية والتشريعية لإقراض الحكومة.

هذا، وحاولت الحكومة مواكبته حين ناقشت في يوم تسلمه مهامه مشروع القانون الذي كانت الحكومة بصدد إعداده للاقتراض من مصرف لبنان بالعملة الأجنبية. وتقرر بعد التشاور مع الوزراء أن يُطلب إلى مجموعة من النواب تقديمه بصيغة اقتراح قانون، لأن البعض يعتبر أن حكومة تصريف الأعمال لا يحق لها تقديم مشاريع قوانين. وتلافياً للتأخير ووفق النظام الداخلي، فإن أي مشاريع قوانين تحتاج لمهلة أسبوع، وقرّرت أن يكون هناك مشروع قانون، وليس اقتراح قانون من الحكومة، علماً أن ذلك يعني تقاذف مسؤوليات ورمي الكرة في ملعب المجلس النيابي، في وقت يشترط رئيس البرلمان نبيه برّي أن ترسل له الحكومة مشروع قانون، لأنها المعنية بتحديد مصدر وآلية رد هذه الأموال.

غير أن هذا الجانب محاط بعراقيل سياسية، في ظل رفض سياسي لبناني للتشريع، في ظل الشغور الرئاسي، ومعارضة اتخاذ الحكومة قرارات أساسية في ظل هذا الشغور. لكن من جانبه، يؤمن منصوري بأنه «لا يمكن أن يُطلب من النواب الأربعة تنفيذ مهام الحاكم، بغياب الحد الأدنى من الإصلاحات المالية والسياسية المطلوبة... وفي فترة معقدة، يحيط بها وضع مالي دقيق وخطير». ويصرّ على أنه «من دون إصلاحات ودعم حكومي وبرلماني، ستقوّض مهمة أي شخص في هذا الموقع».

ثم يكرّر تأكيده أن الإصلاحات «لا يمكن تطبيقها من دون توحيد لسعر الصرف، كما أن تحرير سعر الصرف لا يمكن تنفيذه من دون إقرار قانون الكابيتال كونترول»، ما يعني في النتيجة أن الأمر «يحتاج إلى تكامل الحكومة والبرلمان والمصرف المركزي في جهود متطابقة وتعاون لإضفاء جو من الثقة».

لم يكن انتقال الحاكمية إلى منصوري سلساً. بل تدرّج من تلويح باستقالة

نواب الحاكم الأربعة، إلى فرض شروط على البرلمان والحكومة

بطاقة شخصية

- وسيم منصوري... حاكم المصرف المركزي اللبناني

- يحمل شهادة الدكتوراه في القانون العام تخصص القانون الدستوري من جامعة مونبيليه 1 في فرنسا

- حائز دبلوم دراسات عليا في القانون الشامل من جامعة مونبيليه 1.

- حائز دكتوراه في القانون من الجامعة اللبنانية.

- شغل بين 2019 و2020 موقع مدير الفرع الفرنسي في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية بالجامعة اللبنانية.

- عُين في أغسطس (آب) 2020 نائباً أول لحاكم المصرف المركزي.

3 نواب من خلفيات مصرفية ومالية يواكبون منصوري في مهمته

لم يخرج نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة، طوال الشهر الفائت الذي سبق تسلم وسيم منصوري الحاكمية، متباينين في المواقف. إذ أصدر النواب الأربعة بيانات مشتركة، كما ظهر النواب الثلاثة إلى جانب منصوري أثناء المؤتمر الصحافي الذي عقده عشية تسلمه منصبه، وأعلن فيه شروطه.

ولحاكم مصرف لبنان، الماروني عُرفاً، 4 نواب؛ الأول شيعي، والثاني درزي، والثالث سني، والرابع ينتمي إلى طائفة الأرمن الكاثوليك. وبحسب المادة 18 من قانون النقد والتسليف، فإن مهمّة هؤلاء أو وظائفهم تقتصر على المهام التي يسندها إليهم الحاكم، ولهم حق إبداء الرأي في القرارات التي يتّخذها الحاكم، لكنها ليست سلطة تقريرية، حيث يتمتع الحاكم بصلاحيات واسعة واستقلالية كبيرة.

وينص القانون اللبناني على تعيين نواب الحاكم بموجب مرسوم من قبل مجلس الوزراء لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد، وذلك بالتشاور مع الحاكم وبناء على اقتراح من وزير المالية، ومهمتهم المساعدة في إدارة المصرف، وتنفيذ المهام المحددة من قبل الحاكم.

يواكب منصوري اليوم 3 نواب، هم...

بشير يقظان

عندما عيّن في يونيو (حزيران) 2020، كان يقظان (ينتمي إلى طائفة الموحدين الدروز) يشغل منصباً مالياً في أحد المصارف اللبنانية. ولقد شغل عدة مناصب في بنك بيروت والبلاد العربية «BBAC». منها؛ مساعد المدير العام لشؤون الحوكمة والمخاطر والامتثال بين 2018 و2020، ورئيس إدارة المخاطر بين 2012 و2020، وضابط ائتمان الشركات بين 1999 و2006.

بشير يقظان

ويقظان حاصل على الماجستير في إدارة الأعمال عام 2000 من الجامعة اللبنانية الأميركية، والبكالوريوس عام 1997 من الجامعة الأميركية في بيروت. وسبق له أن عمل مدرّساً للمالية في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا بين عامي 2011 و2019، كما تولى منصب مساعد المدير العام لشؤون الائتمان وإدارة المخاطر في «بنك سوريا والمهجر» بين 2011 و2012، ومدير الائتمان والمخاطر في البنك ذاته بين 2006 و2011.

سليم شاهين

مثل يقظان، وصل النائب الثالث للحاكم في عام 2020 إلى موقعه من خلفية مالية ومصرفية. وهو عضو مجلس إدارة في «جبيل غروب» وبنك البحر المتوسط في لبنان ومصرف TURKLAND .

يحمل شاهين، الذي كان أستاذاً جامعياً في الجامعة الأميركية في بيروت، درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة إيكس – مرسيليا 3، وشهادتي ماجستير في الهندسة المالية من كلية كيدج للأعمال في فرنسا. وكان شاهين قد بدأ حياته المهنية كمحلل مالي في صناعة خطوط الأنابيب والنفط في أوروبا. وعمل لاحقاً مستشاراً لبنوك ومؤسسات مالية أوروبية وعربية بارزة، بينما بدأ مسيرته المهنية في المجال الأكاديمي.

سليم شاهين

خبرته المهنية وسيرته الأكاديمية والبحثية أكسبته عدة جوائز، أهمها جائزة «مؤسسة الكويت للتقدم العلمي». وعند الإعلان عن الجائزة، تحدثت المؤسسة عن «أبحاث شاهين المتميزة حول المواضيع المتعلقة بالتمويل والمصارف، بما في ذلك تمويل المشاريع ورأس المال الاستثماري وحوكمة الشركات».

ألكسندر موراديان

ينتمي النائب الرابع لحاكم مصرف لبنان إلى طائفة الأرمن الكاثوليك، ووصل إلى موقعه من خلفية مصرفية أيضاً، أسوة بالنائبين اللذين سبقاه. فقد كان لحظة تعيينه مدير العلاقات مع المستثمرين في «بنك لبنان والمهجر»، ولقد سماه حزب «الطاشناق» (أكبر الأحزاب الأرمنية) لموقعه.



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.