عبد الرحمن شلقم: القذافي كان يرى أن صدام دفع ثمن تصرفاته وأهدر مقدرات العراق

وزير خارجية ليبيا السابق: الحروب التي دخلناها كانت بقرار منّا وليس من الآخرين

شلقم ممثلاً بلاده في احدى جلسات مجلس الأمن الدولي
شلقم ممثلاً بلاده في احدى جلسات مجلس الأمن الدولي
TT

عبد الرحمن شلقم: القذافي كان يرى أن صدام دفع ثمن تصرفاته وأهدر مقدرات العراق

شلقم ممثلاً بلاده في احدى جلسات مجلس الأمن الدولي
شلقم ممثلاً بلاده في احدى جلسات مجلس الأمن الدولي

شغل وزير الخارجية الليبي السابق والسياسي والكاتب الليبي المعروف عبد الرحمن شلقم مواقع مهمة في القرار الليبي إلى جانب معمر القذافي؛ من مسؤول عن الإعلام في مجلس قيادة الثورة، إلى سفير لبلاده لفترة طويلة في روما، ثم وزير خارجية، rnوصولاً إلى تمثيل بلاده في الأمم المتحدة خلال الفترة لتي سبقت سقوط نظام القذافي. وظل شلقم قريباً من الرئيس الليبي يدافع عنه إلى انفجرت موجة الاحتجاجات ضد النظام المخلوع، عندما أعلن شلقم رفضه قمع الاحتجاجات بالقوة، ووافق على القرار الدولي رقم 1970 الذي فرض عقوبات على ليبيا، ووصفه شلقم بأنه سيساعد على إنهاء «النظام الفاشي» في طرابلس.rnفي هذه المقتطفات من مذكرات عبد الرحمن شلقم التي ستصدر عن دار الفرجاني بعنوان «سنواتي مذكرات»، يعرض مراحل مختلفة من بدايات معرفته وقربه من القذافي، ولا يُخفي إعجابه بشخصية الزعيم الليبي السابق، ويتطرق في مذكراته إلى حدثين يقول إنهما كانا الأكثر تأثيراً على القذافي: الغارات الأميركية على طرابلس وبنغازي رداً على تفجير الطائرة الأميركية فوق بلدة لوكربي الأسكوتلندية سنة 1988، أما الحدث الثاني فهو الغزو الأميركي للعراق، الذي أثار مخاوف القذافي من أن تمتد ذيول الغزو إلى أنظمة عربية أخرى بهدف تغييرها بالقوة. ومما ينقله شلقم عن القذافي رأيه في الرئيس العراقي السابق صدام حسين يقول فيه إن صدام كان مهتماً بمجده الشخصي وليس بمجد العراق.

غلاف مذكرات عبد الرحمن شلقم

قُلْ ما تشاء عن معمر القذافي، تستطيع أن تنتقد شخصيته بلسان أو قلم سياسي أو آيديولوجي، إلا أنه لا أحد يستطيع أن يُنكر أنه كان قارئاً من الطراز الأول، بل هو دارس يتعمق في ما يقرأ ويختار كتبه بعناية. درس مبكراً وبعناية كتاب ميكيافلي «الأمير» ولم يفارقه طوال حياته، وكذلك كتاب هتلر «كفاحي»، و«الكتاب الأحمر» للزعيم الصيني ماوتسي تونغ، إضافةً إلى «مقدمة ابن خلدون»، وكتب التاريخ القديم والحديث، لكنه في كتابه الأخضر لم يقتبس مباشرة شيئاً من تلك الكتب ولم يستعن بأي شخص في التأليف، وإنما اصطاد فكرة تأليف كتاب يحوي أفكاره وأعطاه عنوان النظرية العالمية الثالثة باللون الأخضر من خضمّ أحداث عاشها. في سنة 1982 أبلغني المهندس إبراهيم علي أن الأخ العقيد يريد تأسيس مكتبة نوعية ضخمة في القيادة وطلب أن أتعاون معهم في اختيار العناوين. التقيت المهندس إبراهيم علي وأردت أن أعرف منه بالتحديد الموضوعات التي يريد الأخ العقيد الاطّلاع عليها، وقلت له: لا أظن أن لديه من الوقت ما يسمح له بقراءة المجلدات كاملة، وإن من الأفضل أن نختار الكتب التي تعالج موضوعات عصرية خصوصاً الاجتماعية والسياسية والدينية والفلسفية والاقتصادية، وألا نهمل كتب التاريخ ونحن نعلم مدى عشقه للتاريخ وغوصه فيه. باشرت جمع فهارس الإصدارات العربية الحديثة واخترت منها عدداً كبيراً من العناوين في مختلف الموضوعات وسلّمتها للمهندس إبراهيم الذي عبّر لي عن شكره وامتنانه وباشر التواصل مع الجهات المعنية لجلب الكتب المطلوبة.

لقد صارت المكتبة من الأماكن المفضلة للأخ العقيد حيث يقضي وقتاً طويلاً بها. فيها يستقبل الضيوف ويعقد الاجتماعات ويقتنص الوقت لقراءة بعض الكتب. أذكر أنه تحدث معي مرات حول بعض الكتب والكتّاب العرب، خصوصاً الأستاذ المغربي عبد الله العروي الذي كتب عدداً من المؤلفات تحت عنوان المفاهيم، وعبد المجيد الشرفي المفكر التونسي، والمفكر العراقي علي الوردي وغيرهم. في تقديري أن الأخ العقيد كان يعيش حالات من القلق الثقافي، كان ميالاً إلى القراءة والاطلاع على الإصدارات الفكرية الحديثة العربية والأجنبية، لكنّ مخاض السياسة والأزمات الداخلية والخارجية كثيراً ما كانت يَحول بينه وبين تخصيص وقت للقراءة. معمر القذافي المثقف غير ذلك الثائر والسياسي، فهو في غاية الديمقراطية والانفتاح في أحاديثه ومناقشاته الفكرية، ويحرص على أن يستمع إلى أي معلومة لم يسبق أن مرّت به وكثيراً ما يقوم بكتابتها في مذكرته. حدث مرات ومرات أن استدعاني لأمر سياسي ووجدته غاضباً منفعلاً لكن بمجرد الدخول إلى منعرج فكري أو أدبي خصوصاً الشعر والفلسفة يتحول إلى شخصية هادئة محاورة ومستمعة بل في كثير من الأحيان إلى مستفسر.

القذافي وصدام وغزو العراق

بعد الغزو الأميركي للعراق وإسقاط صدام ونظامه البعثي، تنازعت الأخ العقيد مشاعر وهواجس عدَّة. لم يكن آسفاً على صدام ونظامه لكن السؤال بالنسبة إليه كان، هل سيكون ما حدث ضربة أميركية استثنائية أم سيكون لها امتداد وتفتح باباً لسياسة تغيير الأنظمة بقوة السلاح، وفي القمة العربية التي عُقدت في دمشق سنة 2008 قال في خطابه أمام القمة: «لقد غزت أميركا العراق وأعدمت رئيسه ونحن نتفرج، والدور جاي عليكم كلكم». في خضمّ ما حدث للعراق التقيت الأخ العقيد وكان يضع يده على خده ويطرح الكثير من الأسئلة حول مواقف الدول العربية والأجنبية مما حدث، وماذا يمكن أن نفعل، وفي سياق حديثه قال: «لم يعمل صدام من أجل العراق بل سخَّر إمكانات بلاده لمجده الشخصي، وخاض معارك عبثية مع الأكراد ومع إيران، وغزوه للكويت أضاع فيه المئات من أرواح العراقيين، وأهدر فيه مقدرات العراق الهائلة»، وقال إنه «لا فائدة من أن ندخل في صدامات سياسية مع أحد بسبب ما حدث، لقد دفع صدام ثمن تصرفاته الطائشة».

هزّه ذلك الحدث بقوة، وبدأ يراجع سياساته وتوجهاته. لأول مرة أسمع منه عبارة صاغها في سؤال مكثف يقرع جدران الماضي، ويلقي حجراً ضخماً في بحيرة صبَّت فيها روافد تدفقت عبر سنوات طويلة من العداء والمواجهة الكلامية والسياسية والعسكرية مع أميركا، قال: «لا أعرف ما الذي دفعنا للدخول في عداء وصراع عنيف وطويل مع أميركا». طبعاً لم أنطق بالإجابة التي أعرفها. هو يعلم أكثر من أي شخص آخر الدافع الذي جعله يخوض معارك عن قُرب وبُعد مع الولايات المتحدة الأميركية رغم تغير رؤسائها الجمهوريين والديمقراطيين.

معركة أسلحة الدمار الشامل

يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2003، كان من أطول الأيام في حياتي. هو خاتمة معركة أو نهاية رحلة لم تغب عن فجاجها المفاجآت والتوتر العنيف. نقاش طويل مع الأميركيين والبريطانيين حول التطبيع الكامل للعلاقات بين ليبيا وهاتين الدولتين. بعد تحقيق اختراقات فعلية في الملفات الملتهبة الأخرى وأكبرها ملف لوكربي، كان موضوع أسلحة الدمار الشامل الليبية، كما يسميها الأميركيون والبريطانيون، الملف الذي لا يغيب عن كل اجتماع أو اتصال. بعد اجتماعات طويلة بيننا كفريق ليبي وتحديد موقفنا، التقيتُ مع الأخ العقيد صحبة عبد العاطي العبيدي ومحمد بلقاسم الزوي وعرضنا عليه آخر ما تم التوصل إليه مع الطرفين الأميركي والبريطاني. اقترح الطرفان أن يظهر الأخ العقيد مباشرةً وعلى الهواء على شاشة التلفزيون الليبي ويعلن تخلي ليبيا عن كامل برامجها النووية والكيماوية وكذلك الصواريخ بعيدة المدى، وأن يخرج بعده الرئيس جورج بوش الابن، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، يرحبان بما جاء في تصريحه، لكنه رفض ذلك بشدة، وقال إن «هذه مؤامرة خطيرة من طرفهما، وهدفهما تسجيل اعترافنا الرسمي بامتلاكنا أسلحة دمار شامل ليقوما بعمل عسكري مباشر ضدنا». أصرَّ على موقفه، وكان الأميركيون والبريطانيون يصرون على رأيهم ولا يتوقفون عن الاتصال بنا ينتظرون ردنا العاجل، لكن الأخ العقيد لم يتزحزح عن موقفه. ذهبت له يوم 18 ديسمبر وكان في منزله بباب العزيزية وأبلغته بآخر مستجدات تواصلنا مع الطرفين. ردَّ بغضب وقال: «لن أخرج، ولن أتحدث، وليكن ما يكون». تركني ودخل إلى غرفة الطعام فلحقتُ به، فقال لنوري المسماري مدير المراسم: «أبعده عنّي، خلاص لن أتحدث»، لكنه عاد وقال: «لنسجل أنا والرؤساء الاثنان فيديوهات بما نتفق عليه ونتبادلها وتوضع بالترتيب على شاشات التلفزيون».

يوم 19 ديسمبر التقيتُ صباحاً عبد العاطي والزوي في مكتبي والتحق بنا موسى كوسا رئيس جهاز الأمن الخارجي، وبدأنا الاتصالات مع الطرفين الأميركي والبريطاني وأبلغناهما اقتراح الأخ العقيد، لكنهما رفضا ذلك بشدة. انتقل العبيدي والزوي إلى منطقة المربعات، حيث يوجد الأخ العقيد، وبقيت في مكتبي بوزارة الخارجية ومعي موسى كوسا نتواصل مع الأميركان والبريطانيين. الساعات تمر بسرعة ونال منّا التعب والتوتر وشعرنا أننا وصلنا إلى باب مغلق. الأخ العقيد يتصل بي هاتفياً دون توقف مستفسراً عن آخر ما توصنا إليه مع الطرفين. الساعة السابعة مساءً، قال الأميركيون إن الأخبار بدأت تتسرب إلى وسائل الإعلام وذلك سيحرق المشروع بمجمله. بعد نقاش طويل قال الأخ العقيد: «قولوا لهم لدينا الدقيق والماء والنار ولكننا لم نصنع الخبز».

رددتُ عليه مازحاً بما قاله الشاعر أبو نواس عندما قُبض عليه وهو يحمل حلَّة لصناعة الخمر، وقيل له سنقيم عليك حدّ شارب الخمر، فقال لهم: أنا أحمل عدة صناعتها، لكنني لم أصنعها، وكلكم تحملون عدة الزنى ولم تزنوا، إذن فليقام عليكم جميعا حد الزنى. ردَّ الأخ العقيد ضاحكاً: «ترجم هذا الكلام إلى الإنجليزية وأرسله لهم». موسى كوسا خرج من المكتب خجلاً. كتبنا مشروع بيان عُرض على الأخ العقيد لكنه أبدى بعض الملاحظات عليه، وبعد النقاش والتعديل تم الاتفاق على أن أقوم بإعلانه في مؤتمر صحافي ويُثني عليه مباشرةً الأخ العقيد، ويظهر بعده مباشرة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وبعده الرئيس الأميركي جورج بوش، يرحّبان بالبيان الذي ينتظران.

بعد إلقائي البيان مباشرةً أدلى الأخ العقيد بتصريح لوكالة الجماهيرية للأنباء أيَّد فيه بوضوح البيان الذي أدليتُ به في المؤتمر الصحافي، وبشكل عاجل صرح رئيس الوزراء البريطاني مرحباً بتصريح الأخ العقيد، وبعده قام الرئيس الأميركي بذات الشيء. فوراً اتصل بي الأخ العقيد وقال في ابتهاج كبير: «مبروك لقد نجحتم، والله لم أكن أصدّق أن بلير شخصياً وكذلك بوش سيخرجان سريعاً ويباركان بياننا».

مشروع القنبلة الذرية الليبية

حدثان هزَّا الأخ العقيد معمر القذافي، رغم أن كل واحد منهما دفعه في اتجاه مغاير للآخر؛ الأول كان الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية على طرابلس وبنغازي سنة 1986 واستهدفته شخصياً. والآخر الاجتياح الأميركي للعراق.

في أثناء وقوع الحدث الأول، كنت سفيراً في روما ولم أعش ارتدادات ذلك الزلزال عن قرب، لكنني راقبت بشكل أو آخر أعاصير الانفعالات التي لم تتوقف رداً على تلك الغارات الأميركية. بالطبع كان ذلك أمراً متوقعاً لكي يؤكد النظام قوته وتماسكه وقدرته على المواجهة مع الخارج المعتدي الذي تمثله الولايات المتحدة الأميركية. صباح الغارة سَرَت أخبار في الشارع الليبي تفيد بأن بعض أعضاء اللجان الثورية هاجموا مثاباتهم وأحرقوا، السجلات ومنهم من غادر طرابلس إلى واحته أو قريته تحسباً لانهيار النظام برمّته. بعد أن استعاد الأخ العقيد السيطرة على كامل المشهد بدأ مرحلة جديدة من التفكير في إعادة تأهيل البلاد دفاعياً.

تحدث الأخ العقيد مع عدد من رجال الحلقة الأولى عن ضرورة التحرك عملياً لتصنيع سلاح نوعي رادع وهو القنبلة النووية. شخصيات مهمة جمعت بين الخبرة الهندسية والعلمية وعملت مع الأخ العقيد عن قرب لسنوات أبدت تحفظاً مبرراً على هذا التوجه، ورأت أنه قد يكون هو المحرك لعمل عدواني مسلح من الطرف الآخر، في حين تحمست أطراف أخرى وأيَّدت التحرك نحو امتلاك السلاح النووي.

استمر التفكير في الموضوع سنوات، وفي النصف الثاني من عقد تسعينات القرن الماضي تقرر المضيّ عملياً في تنفيذ المشروع. البداية كانت التواصل مع العلماء الذين عُرف باعهم في هذا المجال وكان أبرزهم الباكستاني عبد القدير خان الذي يوصف بأنه أبو القنبلة الذرية الباكستانية، وكذلك مع علماء آخرين من أوروبا وآسيا. كان الكثير من العلماء في هذا المجال تعجّ بهم السوق العالمية.

تولى عبد المجيد القعود، المشروع، وهو مهندس لعب دوراً في مشاريع التنمية الزراعية مبكراً ورافق الأخ العقيد في جولاته الطويلة والكثيرة في أنحاء البلاد، وتولى رئاسة الحكومة، وكذلك إدارة مكتب الأخ العقيد وبلدية طرابلس. اختيار المهندس عبد المجيد القعود لإنجاز المشروع له أكثر من دلالة، أولاها جدية توجه الأخ العقيد الجازم إلى اقتناء القنبلة الذرية، فالقعود رجل المهام العملية وإن كانت صعبة. الدلالة الثانية هي أن تصنيع السلاح النووي هو مشروع الأخ العقيد شخصياً والقعود من حلقة الثقة المباشرة له. لماذا لم يكلف الأخ العقيد المهندس جاد الله عزوز الطلحي بالمشروع، وهو مهندس صناعي وتولى وزارة الصناعة ورئاسة الحكومة مرتين وكذلك إدارة مكتب الأخ العقيد؟ الطلحي شخصية لها تكوينها وله القدرة على معالجة الكثير من القضايا بأسلوبه الذي ركّبه عبر سنوات.

كنت أجلس معه مرة في مكتبه برئاسة الحكومة واتصل به الأخ العقيد هاتفياً وطلب منه الشروع في بناء مصنع للدبابات. شعرتُ أن من الأفضل أن أستأذن وأخرج من المكتب وهممت بذلك ولكنه أشار إليّ بالبقاء. تحدث جاد الله مطولاً مع الأخ العقيد عن متطلبات المشروع العلمية والتصنيعية وأهمية الجودة والتسويق. بعد انتهاء المكالمة حدّثني المهندس جاد الله عن شروط أساسية لتوطين الصناعة بصفة عامة والعسكرية بصفة خاصة وتحدث عن تجارب الكثير من الدول في هذا المجال ما نجح منها وما فشل.

بالنسبة إلينا في ليبيا، ماذا كان الدافع الذي يجعلنا نعمل على امتلاك سلاح نووي؟ لا أحد يحتل أرضنا أو يهدد أمننا وليس لنا عدو يخطط لمهاجمتنا واحتلال بلادنا. منذ أن وقَّعت إسرائيل اتفاقية السلام مع مصر انتهى الخيار العسكري في الصراع العربي – الإسرائيلي، وتأكد ذلك بعد اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهل تستطيع ليبيا مواجهة إسرائيل بمفردها أو مع غيرها من العرب من دون مصر؟ وهل كان الهدف من امتلاك ليبيا القنبلة الذرية استعمالها سلاحاً لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر؟


مقالات ذات صلة

ليبيا: خوري تدافع عن مسار «4+4» لتجاوز خلافات «النواب» و«الدولة»

شمال افريقيا شكشك مستقبلاً خوري وأولريكا ريتشاردسون في ديوان المحاسبة 23 أبريل (ديوان المحاسبة)

ليبيا: خوري تدافع عن مسار «4+4» لتجاوز خلافات «النواب» و«الدولة»

دافعت ستيفاني خوري نائبة المبعوثة الأممية في ليبيا عن إطلاق ما يعرف بـ«المجموعة المصغرة»، مشددة على ضرورة إبعاد التشكيلات المسلحة عن عمل الأجهزة الرقابية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

يعمل «الجيش الوطني» الليبي على توسيع قاعدته الشعبية والأمنية والعسكرية في جنوب البلاد، في مواجهة تحركات تقودها «غرفة تحرير الجنوب» عبر الحدود المترامية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)

مأزق «البديل الوطني» في ليبيا يلاحق رافضي «الحلول الخارجية»

تتباين الآراء في ليبيا بشأن مدى قبول أو رفض «المبادرات الخارجية» التي تُسوَّق لحلحلة الأزمة السياسية المسيطرة على البلاد، في ظل عدم القدرة على تقديم بديل محلي.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي مستقبلاً تيتيه بمكتبه في طرابلس في 21 أبريل الحالي (مكتب المنفي)

إحاطة تيتيه لـ«مجلس الأمن» تفرق أطراف الأزمة الليبية

انفتح المشهد السياسي في ليبيا على انقسام حيال الإحاطة التي قدمتها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.