عبد الرحمن شلقم: القذافي كان يرى أن صدام دفع ثمن تصرفاته وأهدر مقدرات العراق

وزير خارجية ليبيا السابق: الحروب التي دخلناها كانت بقرار منّا وليس من الآخرين

شلقم ممثلاً بلاده في احدى جلسات مجلس الأمن الدولي
شلقم ممثلاً بلاده في احدى جلسات مجلس الأمن الدولي
TT

عبد الرحمن شلقم: القذافي كان يرى أن صدام دفع ثمن تصرفاته وأهدر مقدرات العراق

شلقم ممثلاً بلاده في احدى جلسات مجلس الأمن الدولي
شلقم ممثلاً بلاده في احدى جلسات مجلس الأمن الدولي

شغل وزير الخارجية الليبي السابق والسياسي والكاتب الليبي المعروف عبد الرحمن شلقم مواقع مهمة في القرار الليبي إلى جانب معمر القذافي؛ من مسؤول عن الإعلام في مجلس قيادة الثورة، إلى سفير لبلاده لفترة طويلة في روما، ثم وزير خارجية، rnوصولاً إلى تمثيل بلاده في الأمم المتحدة خلال الفترة لتي سبقت سقوط نظام القذافي. وظل شلقم قريباً من الرئيس الليبي يدافع عنه إلى انفجرت موجة الاحتجاجات ضد النظام المخلوع، عندما أعلن شلقم رفضه قمع الاحتجاجات بالقوة، ووافق على القرار الدولي رقم 1970 الذي فرض عقوبات على ليبيا، ووصفه شلقم بأنه سيساعد على إنهاء «النظام الفاشي» في طرابلس.rnفي هذه المقتطفات من مذكرات عبد الرحمن شلقم التي ستصدر عن دار الفرجاني بعنوان «سنواتي مذكرات»، يعرض مراحل مختلفة من بدايات معرفته وقربه من القذافي، ولا يُخفي إعجابه بشخصية الزعيم الليبي السابق، ويتطرق في مذكراته إلى حدثين يقول إنهما كانا الأكثر تأثيراً على القذافي: الغارات الأميركية على طرابلس وبنغازي رداً على تفجير الطائرة الأميركية فوق بلدة لوكربي الأسكوتلندية سنة 1988، أما الحدث الثاني فهو الغزو الأميركي للعراق، الذي أثار مخاوف القذافي من أن تمتد ذيول الغزو إلى أنظمة عربية أخرى بهدف تغييرها بالقوة. ومما ينقله شلقم عن القذافي رأيه في الرئيس العراقي السابق صدام حسين يقول فيه إن صدام كان مهتماً بمجده الشخصي وليس بمجد العراق.

غلاف مذكرات عبد الرحمن شلقم

قُلْ ما تشاء عن معمر القذافي، تستطيع أن تنتقد شخصيته بلسان أو قلم سياسي أو آيديولوجي، إلا أنه لا أحد يستطيع أن يُنكر أنه كان قارئاً من الطراز الأول، بل هو دارس يتعمق في ما يقرأ ويختار كتبه بعناية. درس مبكراً وبعناية كتاب ميكيافلي «الأمير» ولم يفارقه طوال حياته، وكذلك كتاب هتلر «كفاحي»، و«الكتاب الأحمر» للزعيم الصيني ماوتسي تونغ، إضافةً إلى «مقدمة ابن خلدون»، وكتب التاريخ القديم والحديث، لكنه في كتابه الأخضر لم يقتبس مباشرة شيئاً من تلك الكتب ولم يستعن بأي شخص في التأليف، وإنما اصطاد فكرة تأليف كتاب يحوي أفكاره وأعطاه عنوان النظرية العالمية الثالثة باللون الأخضر من خضمّ أحداث عاشها. في سنة 1982 أبلغني المهندس إبراهيم علي أن الأخ العقيد يريد تأسيس مكتبة نوعية ضخمة في القيادة وطلب أن أتعاون معهم في اختيار العناوين. التقيت المهندس إبراهيم علي وأردت أن أعرف منه بالتحديد الموضوعات التي يريد الأخ العقيد الاطّلاع عليها، وقلت له: لا أظن أن لديه من الوقت ما يسمح له بقراءة المجلدات كاملة، وإن من الأفضل أن نختار الكتب التي تعالج موضوعات عصرية خصوصاً الاجتماعية والسياسية والدينية والفلسفية والاقتصادية، وألا نهمل كتب التاريخ ونحن نعلم مدى عشقه للتاريخ وغوصه فيه. باشرت جمع فهارس الإصدارات العربية الحديثة واخترت منها عدداً كبيراً من العناوين في مختلف الموضوعات وسلّمتها للمهندس إبراهيم الذي عبّر لي عن شكره وامتنانه وباشر التواصل مع الجهات المعنية لجلب الكتب المطلوبة.

لقد صارت المكتبة من الأماكن المفضلة للأخ العقيد حيث يقضي وقتاً طويلاً بها. فيها يستقبل الضيوف ويعقد الاجتماعات ويقتنص الوقت لقراءة بعض الكتب. أذكر أنه تحدث معي مرات حول بعض الكتب والكتّاب العرب، خصوصاً الأستاذ المغربي عبد الله العروي الذي كتب عدداً من المؤلفات تحت عنوان المفاهيم، وعبد المجيد الشرفي المفكر التونسي، والمفكر العراقي علي الوردي وغيرهم. في تقديري أن الأخ العقيد كان يعيش حالات من القلق الثقافي، كان ميالاً إلى القراءة والاطلاع على الإصدارات الفكرية الحديثة العربية والأجنبية، لكنّ مخاض السياسة والأزمات الداخلية والخارجية كثيراً ما كانت يَحول بينه وبين تخصيص وقت للقراءة. معمر القذافي المثقف غير ذلك الثائر والسياسي، فهو في غاية الديمقراطية والانفتاح في أحاديثه ومناقشاته الفكرية، ويحرص على أن يستمع إلى أي معلومة لم يسبق أن مرّت به وكثيراً ما يقوم بكتابتها في مذكرته. حدث مرات ومرات أن استدعاني لأمر سياسي ووجدته غاضباً منفعلاً لكن بمجرد الدخول إلى منعرج فكري أو أدبي خصوصاً الشعر والفلسفة يتحول إلى شخصية هادئة محاورة ومستمعة بل في كثير من الأحيان إلى مستفسر.

القذافي وصدام وغزو العراق

بعد الغزو الأميركي للعراق وإسقاط صدام ونظامه البعثي، تنازعت الأخ العقيد مشاعر وهواجس عدَّة. لم يكن آسفاً على صدام ونظامه لكن السؤال بالنسبة إليه كان، هل سيكون ما حدث ضربة أميركية استثنائية أم سيكون لها امتداد وتفتح باباً لسياسة تغيير الأنظمة بقوة السلاح، وفي القمة العربية التي عُقدت في دمشق سنة 2008 قال في خطابه أمام القمة: «لقد غزت أميركا العراق وأعدمت رئيسه ونحن نتفرج، والدور جاي عليكم كلكم». في خضمّ ما حدث للعراق التقيت الأخ العقيد وكان يضع يده على خده ويطرح الكثير من الأسئلة حول مواقف الدول العربية والأجنبية مما حدث، وماذا يمكن أن نفعل، وفي سياق حديثه قال: «لم يعمل صدام من أجل العراق بل سخَّر إمكانات بلاده لمجده الشخصي، وخاض معارك عبثية مع الأكراد ومع إيران، وغزوه للكويت أضاع فيه المئات من أرواح العراقيين، وأهدر فيه مقدرات العراق الهائلة»، وقال إنه «لا فائدة من أن ندخل في صدامات سياسية مع أحد بسبب ما حدث، لقد دفع صدام ثمن تصرفاته الطائشة».

هزّه ذلك الحدث بقوة، وبدأ يراجع سياساته وتوجهاته. لأول مرة أسمع منه عبارة صاغها في سؤال مكثف يقرع جدران الماضي، ويلقي حجراً ضخماً في بحيرة صبَّت فيها روافد تدفقت عبر سنوات طويلة من العداء والمواجهة الكلامية والسياسية والعسكرية مع أميركا، قال: «لا أعرف ما الذي دفعنا للدخول في عداء وصراع عنيف وطويل مع أميركا». طبعاً لم أنطق بالإجابة التي أعرفها. هو يعلم أكثر من أي شخص آخر الدافع الذي جعله يخوض معارك عن قُرب وبُعد مع الولايات المتحدة الأميركية رغم تغير رؤسائها الجمهوريين والديمقراطيين.

معركة أسلحة الدمار الشامل

يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2003، كان من أطول الأيام في حياتي. هو خاتمة معركة أو نهاية رحلة لم تغب عن فجاجها المفاجآت والتوتر العنيف. نقاش طويل مع الأميركيين والبريطانيين حول التطبيع الكامل للعلاقات بين ليبيا وهاتين الدولتين. بعد تحقيق اختراقات فعلية في الملفات الملتهبة الأخرى وأكبرها ملف لوكربي، كان موضوع أسلحة الدمار الشامل الليبية، كما يسميها الأميركيون والبريطانيون، الملف الذي لا يغيب عن كل اجتماع أو اتصال. بعد اجتماعات طويلة بيننا كفريق ليبي وتحديد موقفنا، التقيتُ مع الأخ العقيد صحبة عبد العاطي العبيدي ومحمد بلقاسم الزوي وعرضنا عليه آخر ما تم التوصل إليه مع الطرفين الأميركي والبريطاني. اقترح الطرفان أن يظهر الأخ العقيد مباشرةً وعلى الهواء على شاشة التلفزيون الليبي ويعلن تخلي ليبيا عن كامل برامجها النووية والكيماوية وكذلك الصواريخ بعيدة المدى، وأن يخرج بعده الرئيس جورج بوش الابن، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، يرحبان بما جاء في تصريحه، لكنه رفض ذلك بشدة، وقال إن «هذه مؤامرة خطيرة من طرفهما، وهدفهما تسجيل اعترافنا الرسمي بامتلاكنا أسلحة دمار شامل ليقوما بعمل عسكري مباشر ضدنا». أصرَّ على موقفه، وكان الأميركيون والبريطانيون يصرون على رأيهم ولا يتوقفون عن الاتصال بنا ينتظرون ردنا العاجل، لكن الأخ العقيد لم يتزحزح عن موقفه. ذهبت له يوم 18 ديسمبر وكان في منزله بباب العزيزية وأبلغته بآخر مستجدات تواصلنا مع الطرفين. ردَّ بغضب وقال: «لن أخرج، ولن أتحدث، وليكن ما يكون». تركني ودخل إلى غرفة الطعام فلحقتُ به، فقال لنوري المسماري مدير المراسم: «أبعده عنّي، خلاص لن أتحدث»، لكنه عاد وقال: «لنسجل أنا والرؤساء الاثنان فيديوهات بما نتفق عليه ونتبادلها وتوضع بالترتيب على شاشات التلفزيون».

يوم 19 ديسمبر التقيتُ صباحاً عبد العاطي والزوي في مكتبي والتحق بنا موسى كوسا رئيس جهاز الأمن الخارجي، وبدأنا الاتصالات مع الطرفين الأميركي والبريطاني وأبلغناهما اقتراح الأخ العقيد، لكنهما رفضا ذلك بشدة. انتقل العبيدي والزوي إلى منطقة المربعات، حيث يوجد الأخ العقيد، وبقيت في مكتبي بوزارة الخارجية ومعي موسى كوسا نتواصل مع الأميركان والبريطانيين. الساعات تمر بسرعة ونال منّا التعب والتوتر وشعرنا أننا وصلنا إلى باب مغلق. الأخ العقيد يتصل بي هاتفياً دون توقف مستفسراً عن آخر ما توصنا إليه مع الطرفين. الساعة السابعة مساءً، قال الأميركيون إن الأخبار بدأت تتسرب إلى وسائل الإعلام وذلك سيحرق المشروع بمجمله. بعد نقاش طويل قال الأخ العقيد: «قولوا لهم لدينا الدقيق والماء والنار ولكننا لم نصنع الخبز».

رددتُ عليه مازحاً بما قاله الشاعر أبو نواس عندما قُبض عليه وهو يحمل حلَّة لصناعة الخمر، وقيل له سنقيم عليك حدّ شارب الخمر، فقال لهم: أنا أحمل عدة صناعتها، لكنني لم أصنعها، وكلكم تحملون عدة الزنى ولم تزنوا، إذن فليقام عليكم جميعا حد الزنى. ردَّ الأخ العقيد ضاحكاً: «ترجم هذا الكلام إلى الإنجليزية وأرسله لهم». موسى كوسا خرج من المكتب خجلاً. كتبنا مشروع بيان عُرض على الأخ العقيد لكنه أبدى بعض الملاحظات عليه، وبعد النقاش والتعديل تم الاتفاق على أن أقوم بإعلانه في مؤتمر صحافي ويُثني عليه مباشرةً الأخ العقيد، ويظهر بعده مباشرة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وبعده الرئيس الأميركي جورج بوش، يرحّبان بالبيان الذي ينتظران.

بعد إلقائي البيان مباشرةً أدلى الأخ العقيد بتصريح لوكالة الجماهيرية للأنباء أيَّد فيه بوضوح البيان الذي أدليتُ به في المؤتمر الصحافي، وبشكل عاجل صرح رئيس الوزراء البريطاني مرحباً بتصريح الأخ العقيد، وبعده قام الرئيس الأميركي بذات الشيء. فوراً اتصل بي الأخ العقيد وقال في ابتهاج كبير: «مبروك لقد نجحتم، والله لم أكن أصدّق أن بلير شخصياً وكذلك بوش سيخرجان سريعاً ويباركان بياننا».

مشروع القنبلة الذرية الليبية

حدثان هزَّا الأخ العقيد معمر القذافي، رغم أن كل واحد منهما دفعه في اتجاه مغاير للآخر؛ الأول كان الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية على طرابلس وبنغازي سنة 1986 واستهدفته شخصياً. والآخر الاجتياح الأميركي للعراق.

في أثناء وقوع الحدث الأول، كنت سفيراً في روما ولم أعش ارتدادات ذلك الزلزال عن قرب، لكنني راقبت بشكل أو آخر أعاصير الانفعالات التي لم تتوقف رداً على تلك الغارات الأميركية. بالطبع كان ذلك أمراً متوقعاً لكي يؤكد النظام قوته وتماسكه وقدرته على المواجهة مع الخارج المعتدي الذي تمثله الولايات المتحدة الأميركية. صباح الغارة سَرَت أخبار في الشارع الليبي تفيد بأن بعض أعضاء اللجان الثورية هاجموا مثاباتهم وأحرقوا، السجلات ومنهم من غادر طرابلس إلى واحته أو قريته تحسباً لانهيار النظام برمّته. بعد أن استعاد الأخ العقيد السيطرة على كامل المشهد بدأ مرحلة جديدة من التفكير في إعادة تأهيل البلاد دفاعياً.

تحدث الأخ العقيد مع عدد من رجال الحلقة الأولى عن ضرورة التحرك عملياً لتصنيع سلاح نوعي رادع وهو القنبلة النووية. شخصيات مهمة جمعت بين الخبرة الهندسية والعلمية وعملت مع الأخ العقيد عن قرب لسنوات أبدت تحفظاً مبرراً على هذا التوجه، ورأت أنه قد يكون هو المحرك لعمل عدواني مسلح من الطرف الآخر، في حين تحمست أطراف أخرى وأيَّدت التحرك نحو امتلاك السلاح النووي.

استمر التفكير في الموضوع سنوات، وفي النصف الثاني من عقد تسعينات القرن الماضي تقرر المضيّ عملياً في تنفيذ المشروع. البداية كانت التواصل مع العلماء الذين عُرف باعهم في هذا المجال وكان أبرزهم الباكستاني عبد القدير خان الذي يوصف بأنه أبو القنبلة الذرية الباكستانية، وكذلك مع علماء آخرين من أوروبا وآسيا. كان الكثير من العلماء في هذا المجال تعجّ بهم السوق العالمية.

تولى عبد المجيد القعود، المشروع، وهو مهندس لعب دوراً في مشاريع التنمية الزراعية مبكراً ورافق الأخ العقيد في جولاته الطويلة والكثيرة في أنحاء البلاد، وتولى رئاسة الحكومة، وكذلك إدارة مكتب الأخ العقيد وبلدية طرابلس. اختيار المهندس عبد المجيد القعود لإنجاز المشروع له أكثر من دلالة، أولاها جدية توجه الأخ العقيد الجازم إلى اقتناء القنبلة الذرية، فالقعود رجل المهام العملية وإن كانت صعبة. الدلالة الثانية هي أن تصنيع السلاح النووي هو مشروع الأخ العقيد شخصياً والقعود من حلقة الثقة المباشرة له. لماذا لم يكلف الأخ العقيد المهندس جاد الله عزوز الطلحي بالمشروع، وهو مهندس صناعي وتولى وزارة الصناعة ورئاسة الحكومة مرتين وكذلك إدارة مكتب الأخ العقيد؟ الطلحي شخصية لها تكوينها وله القدرة على معالجة الكثير من القضايا بأسلوبه الذي ركّبه عبر سنوات.

كنت أجلس معه مرة في مكتبه برئاسة الحكومة واتصل به الأخ العقيد هاتفياً وطلب منه الشروع في بناء مصنع للدبابات. شعرتُ أن من الأفضل أن أستأذن وأخرج من المكتب وهممت بذلك ولكنه أشار إليّ بالبقاء. تحدث جاد الله مطولاً مع الأخ العقيد عن متطلبات المشروع العلمية والتصنيعية وأهمية الجودة والتسويق. بعد انتهاء المكالمة حدّثني المهندس جاد الله عن شروط أساسية لتوطين الصناعة بصفة عامة والعسكرية بصفة خاصة وتحدث عن تجارب الكثير من الدول في هذا المجال ما نجح منها وما فشل.

بالنسبة إلينا في ليبيا، ماذا كان الدافع الذي يجعلنا نعمل على امتلاك سلاح نووي؟ لا أحد يحتل أرضنا أو يهدد أمننا وليس لنا عدو يخطط لمهاجمتنا واحتلال بلادنا. منذ أن وقَّعت إسرائيل اتفاقية السلام مع مصر انتهى الخيار العسكري في الصراع العربي – الإسرائيلي، وتأكد ذلك بعد اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهل تستطيع ليبيا مواجهة إسرائيل بمفردها أو مع غيرها من العرب من دون مصر؟ وهل كان الهدف من امتلاك ليبيا القنبلة الذرية استعمالها سلاحاً لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر؟


مقالات ذات صلة

«النواب» الليبي يكلّف أبو خزام محافظاً للمصرف المركزي

شمال افريقيا لقاء الدبيبة مع أبو خزام في طرابلس يوم الاثنين (حكومة الوحدة)

«النواب» الليبي يكلّف أبو خزام محافظاً للمصرف المركزي

كلف مجلس النواب الليبي خلال جلسة رسمية في مدينة سبها بجنوب البلاد، الاثنين، فوزي أبو خزام محافظاً لمصرف ليبيا المركزي، ورفع سن التجنيد في الجيش.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وقفة احتجاجية لنقابة العاملين بالتدريس الجامعي في جامعة طرابلس الأحد (صفحة النقابة)

«فجوات الرواتب» تثير انتقادات داخل قطاعات حكومية في ليبيا

أعاد مشروع قانون لزيادة الأجور بليبيا فتح ملف التفاوت في الرواتب بين العاملين بالدولة، بعدما كشفت أرقام متداولة لمسودته الأولية التي أعدها البرلمان وجود فجوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)

بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

تحدث مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس عن «إحراز تقدم في مسار التعاون العسكري بين شرق ليبيا وغربها»

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)

مطالب متصاعدة بمشاركة أوسع للمرأة الليبية في الحياة السياسية

يتسع حضور المرأة الليبية تدريجياً في مواقع القيادة والعمل البرلماني مع اختراقات لافتة حققتها أخيراً بالمجالس البلدية إلى جانب مشاركتها بالحوار السياسي

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من ظاهرة «حراك معلمي ومعلمات جنزور» غرب ليبيا الشهر الماضي (النقابة العامة للمعلمين)

معلمو ليبيا يواصلون الإضراب وسط قلق بشأن مستقبل الطلاب

يواصل معلمو ليبيا الإضراب المستمر منذ منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي وسط قلق بشأن مستقبل الطلاب.

جاكلين زاهر (القاهرة )

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
TT

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)

تُلاحق أجهزة الأمن المصرية المئات من صناع المحتوى بعدة تهم أشهرها «التعدي على قيم الأسرة المصرية»، والتي تتضمن في غالبيتها نشر مقاطع رقص، أو الخروج في بث مباشر بملابس كاشفة وجريئة، أو التلفظ بألفاظ نابية، وهي قضايا تثير جدلاً واسعاً بين مؤيدين لـ«الضربات الأمنية»، ومعارضين يعدونها «انتقائية ومطاطة»، وتحمل «تمييزاً ضد فئات بعينها».

وللمرة الأولى يفتح صُناع محتوى هذا الملف خلال لقاء مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، مطالبين بوضع تعريف محدد لهذه القيم، فيما بدا أنه قلق من أن تطولهم هذه التهمة يوماً، حتى لو وصفتهم الحكومة في بيان رسمي لها بـ«الجادين».

والتقى رشوان، الأحد، «نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي ضمت نحو 70 متخصصاً في المحتوى الجاد بأنواعه، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، ممن يبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 500 مليون متابع»، في إطار لقاءات يعقدها مع جميع أطراف منظومة الصحافة والإعلام والوسائل الرقمية المؤثرة في الرأي العام، وفق بيان لوزارة الدولة للإعلام.

عدد من «صناع المحتوى» خلال لقائهم وزير الدولة للإعلام مطلع الشهر (الوزارة)

وبينما أقر وزير الدولة للإعلام بقدرة المحتوى الرقمي على التأثير في الرأي العام، مبدياً رغبة الحكومة في التواصل مع صُناع المحتوى والاستماع إلى مقترحاتهم ومشكلاتهم و«سبل توفير الدعم الذي يؤدي إلى تطوير الأداء والنهوض بهذا القطاع المهم»، طلب صُناع المحتوى، ومن بينهم ريهام عياد وسامح سند وإسلام فوزي وغيرهم، عدة مطالب من بينها «وضع تعريف محدد لبعض المصطلحات التي يعاقَب صناع المحتوى بسبب الخروج عليها، مثل قيم الأسرة المصرية وغيرها».

واستحدث القانون المصري تهمة الخروج على قيم الأسرة المصرية خلال قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

«قيم الأسرة»

وقال المحامي حسن شومان إن «النص «فضفاض، لكن المشرِّع قصد ذلك لاستيعاب أشكال المحتوى المختلفة والمتجددة التي تظهر كل فترة»، لافتاً إلى أن «عدم وجود نص محدد بقيم الأسرة لا يعني أنها غير معرفة، فبالرجوع إلى الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع نفهم أن مخالفة قيم الأسرة هي ارتكاب الأفعال المخالفة للفقه والتي يشمئز منها المجتمع، وترفضها أعرافه».

وتنشر وزارة الداخلية المصرية بشكل شبه يومي بياناً عن توقيف عدد من صُناع المحتوى لمخالفتهم قيم الأسرة المصرية، آخرها توقيف صانعة محتوى في الإسكندرية لقيامها «بنشر مقاطع فيديو على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعى تتضمن قيامها بالرقص بطريقة خادشة للحياء، والتلفظ بألفاظ خارجة تتنافى مع القيم المجتمعية» وفق بيان الداخلية، الاثنين. كما أعلنت في بيان آخر توقيف صانعة محتوى أخرى «لقيامها بالرقص بطريقة خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية».

ولم يؤيد شومان في حديثه إلى «الشرق الأوسط» مطلب صُناع المحتوى بتحديد «قيم الأسرة المصرية»، بما قد يفتح الباب لإفلات البعض من العقاب رغم ارتكابهم أشياء تثير استياء المجتمع.

في المقابل، ينتقد المحامي الحقوقي في مؤسسة «قضايا المرأة»، أحمد مختار، المواد الفضفاضة الخاصة بقيم الأسرة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «من المفترض في القوانين أن تكون محكمة ومحددة، وأن يعلم من يحاكم بها ما الخطأ الذي ارتكبه على وجه الدقة، كمواد العقوبات على السرقة مثلاً، أما (قيم الأسرة) فمفهوم فضفاض وقابل للتأويل بطرق مختلفة، ووفق سياقات متعددة، ويحتاج إلى تعديل».

واستشهد باستمرار انتشار المحتوى الذي تصنفه قوات الأمن مخالفاً لقيم الأسرة رغم عشرات القضايا أسبوعياً، معتبراً أن الأوضاع الاقتصادية تعد الدافع الرئيسي لانتشار مثل هذا المحتوى الذي لم تنجح المواجهة الأمنية في السيطرة عليه أو تقليله.

وطالب المؤثرون في اجتماع وزير الإعلام أيضاً بإطار قانوني يميزهم عمن يقومون بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الانتشار؛ وكان رد رشوان أنه لا توجد دولة في العالم استحدثت مثل هذا الكيان، ودعا المؤثرين إلى الاعتماد على أنفسهم في إيجاد مثل هذه الآلية.

«الإشكاليات القانونية»

وأثار لقاء وزير الدولة للإعلام بصناع المحتوى، بالتوازي مع مضي قوات الأمن في مواجهة الخارجين منهم عن القيم الأسرية، تساؤلات حول علاقة الحكومة بهذا الملف، وما إذا كان هذا اللقاء جاء بعد تغير في موقف الدولة من صناع المحتوى.

ورأى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، معتز نادي، أن لقاء رشوان مع صناع المحتوى مؤشر على تطور في فهم المؤسسات الرسمية لطبيعة الاتصال الرقمي، وإدراك أن صورتها الذهنية تتشكل أيضاً خارج قنواتها التقليدية عبر شخصيات يفترض أن تمتلك القدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه، بشرط ألا يكون فقط عدد المتابعة هو معيار جودة محتواهم.

وأضاف نادي لـ«الشرق الأوسط»: «طرح قضية قيم الأسرة المصرية خلال اللقاء يمثل نقطة مهمة؛ لأنه ينقل النقاش من الحديث عن أهمية صناع المحتوى إلى الإشكاليات القانونية التي تواجههم بالفعل»، لافتاً إلى ضرورة التفرقة بين «تنظيم صناعة المحتوى وتجريم بعض الممارسات، فمن حق المجتمع أن تكون هناك ضوابط تحمي الخصوصية وتواجه التشهير والتحريض والمخالفات القانونية، لكن ينبغي أن تكون هذه الضوابط واضحة بالدستور والقانون، ولا خلاف عليها، وألا يصبح الاختلاف مع طبيعة المحتوى أو عدم استحسانه سبباً كافياً للعقاب».

وعادة ما تشير بيانات وزارة الداخلية عن صُناع المحتوى الموقوفين أنهم «اعترفوا بنشر هذه المقاطع (المخالفة للقيم الأسرية) بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية».

وقال نادي: «الأمر يستحق نقاشاً مجتمعياً توافقياً عبر دراسة قانونية، لأن وضوح المصطلحات يساعد صانع المحتوى على معرفة حقوقه والتزاماته، ويحد من تفاوت التفسيرات».


لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
TT

لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)

بعد أكثر من 15 عاماً على انتشار الميليشيات في غرب ليبيا، تبدو محاولات تفكيكها وإنهاء نفوذها أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد نزع السلاح أو حل تشكيلات بعينها؛ فقد نجحت الحكومات الليبية المتعاقبة في إدماج أعداد كبيرة من عناصر هذه المجموعات في مؤسسات الدولة، وتوفير مصادر تمويل رسمية لها، لكنها لم تتمكن من إنهاء استقلالية القرار والسلاح لدى كثير منها.

ومع تحول الملف الأمني إلى ما يشبه «الحلقة المفرغة» في عدد من مدن غرب ليبيا، يبرز تساؤل حول ما إذا كان تفكيك الميليشيات أصبح هدفاً تجاوزته الوقائع على الأرض ودخل مرحلة «اللاعودة» أم أن نفوذها لا يزال قابلاً لإعادة التنظيم والاحتواء وصولاً إلى إنهائه؟

وتبرز مدينة الزاوية مثالاً واضحاً على هذه المعضلة، مع تكرر الاشتباكات بين مجموعات مسلحة فيها؛ ما دفع رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة إلى عقد لقاءين، الشهر الماضي، مع قيادات مسلحة، مع الدعوة لوقف الاقتتال «فوراً ونهائياً» والالتزام بالانضباطية العسكرية.

وتعكس علاقة الدبيبة بمجموعات الزاوية، كما هو الحال في مدن أخرى من الغرب الليبي، مقاربة براغماتية قائمة على المصالح المتبادلة، إذ استفادت حكومته من ثقل بعضها العسكري، مقابل دمج عناصر وقيادات في أجهزة الدولة، وتوفير الدعم والغطاء الرسمي لها، بحسب مراقبين.

لكن المراقبين يؤكدون أن هذا التفاهم يظل عرضة للتراجع عندما تتعارض مصالح الحكومة مع حسابات الميليشيات، أو تتجدد المنافسة على النفوذ والموارد، بما يكشف حدود سياسة الاحتواء وصعوبة الانتقال من استيعاب هذه التشكيلات إلى تفكيكها.

ولا يرى «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» أن مشهد الميليشيات في غرب ليبيا دخل مرحلة «اللاعودة»، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن المعضلة الأساسية تكمن في أن هذه المجموعات «دخلت بالفعل في منظومة الدولة، وأصبح لها حضور داخل مؤسسات اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية».

ويقول مدير المركز، شريف بوفردة، لـ«الشرق الأوسط» إن عدداً من عناصر هذه التشكيلات «اكتسب شرعية رسمية من خلال الانضمام إلى مؤسسات أمنية أو عسكرية والحصول على مرتبات من الدولة».

من مخلفات اشتباكات الميليشيات المسلحة في طرابلس (أ.ف.ب)

وهذا التشابك، وفق بوفردة، «جعل معالجة الملف أكثر صعوبة، إذ لم تعد الميليشيات كيانات منفصلة بالكامل عن الدولة، وإنما أصبحت، في بعض الحالات، جزءاً من بنيتها ومصالحها وشبكاتها الاقتصادية».

ويعتقد الباحث المتخصص في الشؤون الأمنية إبراهيم الأصيفر أن المشكلة لا تتعلق بشرعنة السلاح وحدها، وإنما أيضاً بـ«شبكات النفوذ والمصالح والارتباطات المحلية التي نشأت خلال سنوات الانقسام ومع تعاقب الحكومات».

ومن هنا، تراوحت سياسة حكومة «الوحدة» خلال السنوات الأخيرة بين احتواء مجموعات مسلحة ومواجهة أخرى، من بينها جهازا «دعم الاستقرار» و«الردع» في طرابلس، من دون إنهاء دور القوى المسلحة في المشهدين الأمني والسياسي.

ويشير الأصيفر خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الدولة استطاعت خلال السنوات الماضية احتواء جزء كبير من هذه التشكيلات، وربط بعضها بمؤسسات رسمية، لكن ذلك لم يؤدِّ حتى الآن إلى إنهاء استقلالية القرار والسلاح لدى جميع المجموعات.

كما يرى أن لقاءات الحكومة مع قيادات الميليشيات، ومنها اللقاء الأخير في الزاوية، تعكس سياسة تقوم على «الاحتواء ومنع التصعيد والحفاظ على الاستقرار»، لكنه يرى أن هذا النهج «لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة».

قادة ميليشيات من الزاوية خلال ملتقى اجتماعي في مصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة)

وكان الدبيبة قد أطلق قبل أكثر من عام عملية عسكرية ضد ما وصفه بـ«عصابات التهريب» في الزاوية، قبل أن تنتهي العملية من دون حسم واضح، ليعود لاحقاً إلى سياسة التهدئة، وفتح قنوات التواصل مع مجموعات مسلحة. ورغم ذلك، عاد في يوليو (تموز) الماضي إلى الحديث عن تفكيك الميليشيات.

ولا يغيب العامل الخارجي عن المشهد؛ إذ يقول بوفردة إن «هناك أطرافاً دولية تتعامل مع بعض التشكيلات المسلحة وفقاً لمصالحها على الأرض»، مشيراً إلى مجموعات في الزاوية وغرب طرابلس يقول إنها «تنشط في تهريب البشر والمهاجرين».

ومع ذلك، فإنه يستبعد تحول الميليشيات إلى أمر واقع دائم، مستشهداً بانتهاء دور تشكيلات سابقة مثل «ثوار طرابلس» و«القعقاع»، وتحجيم دور «جهاز دعم الاستقرار» بعد مقتل قائده عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، في مايو (أيار) 2025. ويرى أن ارتباط كثير من التشكيلات بقياداتها «يجعل فقدان القائد عاملاً قد يؤدي إلى تفكك التشكيل نفسه».

عناصر من ميليشيات تابعة لحكومة «الوحدة» في عملية لتعزيز الأمن بطرابلس (رويترز)

في المقابل، يرى الأصيفر أن تفكيك هذه المجموعات لا يحتاج إلى مواجهة عسكرية جديدة، وإنما إلى عملية تدريجية تشمل «إعادة التنظيم والدمج» وضبط التمويل والقرار الأمني، محذراً من أن استخدام القوة وحدها «قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلة في شكل آخر».

ويقترح تحويل الميليشيات «من مراكز قوة مستقلة إلى جزء من الدولة»، عبر مشروع واضح يجعل حاملي السلاح جزءاً من مؤسسة رسمية واحدة «وفق قانون واحد وقيادة واحدة».

أما بوفردة فيرى أن تفكيك نفوذ هذه المجموعات يتطلب رفع الغطاء الرسمي عنها، وتجفيف مصادر التمويل الحكومي، وتفعيل الرقابة والتحقيق في الجرائم، إلى جانب دور دولي من خلال مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات على المعرقلين.


مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

احتضنت القاهرة اجتماعاً رباعياً مصرياً - سودانياً برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا بعد اتهامها باستهداف أراضيها بالمُسيرات دعماً لقوات «الدعم السريع».

ويحمل الاجتماع رسائل مصرية - سودانية عديدة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أبرزها استمرار التنسيق والشراكة بعد أسابيع من حادثة حدودية، وتوجيه رسالة لإثيوبيا لوقف الاعتداءات على السيادة السودانية أو حقوق المياه بالنسبة للقاهرة والخرطوم.

ويعد ذلك أرفع اجتماع بين البلدين منذ أزمة مقتل عدد من المُعدِّنين السودانيين، الذين يُطلق عليهم «الدهابة»، بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ووفق بيان مشترك، الاثنين، فإن «أواصر البلدين تضرب في جذور التاريخ مُحصنة تماماً ضد أي محاولات خبيثة واهية تسعي للإيقاع بين أبناء وادي النيل». وحذر البيان من «الانجرار خلف دعاة الفتنة الذين يسعون لبث السموم في العلاقات الأزلية».

والأحد، قالت الخرطوم إنها تقدمت بشكوى ضد إثيوبيا أمام مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، على خلفية ما وصفته بـ«الاعتداء السافر» على مرافق مدنية بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، بحسب بيان لوزارة الخارجية السودانية.

وتتهم الخرطوم أديس أبابا بالوقوف إلى جانب «قوات الدعم السريع»، في حين تتهم إثيوبيا السودان بدعم متمردي إقليم تيغراي.

وكان مجلس السيادة الانتقالي في السودان الذي يرأسه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد قال إن «أكثر من 180 طائرة مسيرة هاجمت السودان خلال العام الحالي انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

ووفق بيان مشترك نقلته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، عقد وزراء الخارجية والري بالبلدين، بدر عبد العاطي وهاني سويلم من مصر، ومحيي الدين سالم وعصمت قرشي من السودان، اجتماعاً تناول سُبل تطوير العلاقات في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والمائية والثقافية والاجتماعية والإنسانية.

ويمثل هذا الاجتماع الجولة الثالثة لاجتماعات آلية «2+2» التشاورية لوزراء الخارجية والري، وسبقته الجولة الثانية في سبتمبر (أيلول) 2025، في حين عُقدت الجولة الأولى في الشهر نفسه.

وزير الخارجية المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن الاجتماع الرباعي «يكتسب أهمية بالغة في توقيت استثنائي، لا سيما أنه يعقب تحركات سودانية رسمية ضد إثيوبيا».

بينما يعتقد خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط»، حسين البحيري، أن الاجتماع يهدف إلى إيصال مجموعة من الرسائل السياسية المهمة، أولاها «التأكيد على استمرار التنسيق المصري - السوداني على المستوى السياسي والدبلوماسي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المياه، ورفض السياسات والممارسات العدائية الإثيوبية أحادية الجانب في ملف النيل».

ويرى البحيري أن الاجتماع يحمل رسائل للداخل السوداني تتمثل في «محورية الدعم السياسي والاقتصادي والأمني المصري للأشقاء في السودان».

وشددت مصر والسودان على رفضهما أي تهديد لوحدة وسلامة السودان، و«عزمهما على تعزيز التنسيق المشترك من أجل استعادة الاستقرار في السودان».

وأكدت مصر «الرفض القاطع لإنشاء أي كيانات موازية أو الاعتراف بها على أساس أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه»، كما أكدت استعدادها الكامل «لاتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين لدعم السودان، وضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها.

واستعرض الجانبان التطورات في ملف نهر النيل، وشددا على «ترابط الأمن المائي السوداني والمصري كجسم واحد لا يتجزأ»، واتفقا على ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتي مصب نهر النيل.

واتفق الجانبان على أن السد الإثيوبي «يترتب عنه آثار جسيمة، ويمثل تهديداً مستمراً لدولتي مصب نهر النيل»، وطالبا إثيوبيا بتغيير سياستها الأحادية واستعادة التعاون.

توقيع مذكرة تفاهم بين مصر والسودان الاثنين لتنفيذ مشروعات تنموية في الموارد المائية (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

وجرت مفاوضات بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، ثم تجمدت 3 أعوام قبل استئنافها في 2023. وتجمدت المفاوضات مجدَّداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر بمصر ولا السودان، دولتَي المصب.

وبالنسبة للبحر الأحمر، أكدت مصر والسودان «ضرورة احترام مبدأ حرية الملاحة»، وأن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية لدوله المشاطئة وفقاً لقواعد القانون الدولي.

وشدد البلدان على الرفض التام لأي نفاذ بحري لأي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها وموانيها، ورفض أي محاولات لاستغلال الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس سيادة ووحدة أراضي دول الإقليم.

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوداني الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

ويرتكز الاجتماع على مسارين رئيسيين متكاملين بحسب حليمة «أولهما الملف الأمني والعسكري ومواجهة التهديدات الإثيوبية والاعتداءات المستمرة التي تمس السيادة السودانية بدعم الأطراف المناوئة للدولة».

وقال: «يأتي الملف المائي والجيوسياسي (النيل والبحر الأحمر) كمسار ثانٍ بهدف تنسيق المواقف المشتركة حيال ملف مياه النيل، فضلاً عن رفض الأطماع والادعاءات الإثيوبية الأحادية والباطلة بشأن السعي للتواجد على البحر الأحمر بالقوة المسلحة».

وأشار إلى أن التقارب المصري - السوداني وصل إلى مستوى متقدم من التطابق والتشابه والتماثل في المواقف والتوجهات والإجراءات الاستراتيجية.

من جهته، قال البحيري إن مصر «رقم مهم في معادلة توازنات القوى بمنطقة شرق أفريقيا، ولا يمكن عقد أي ترتيبات أو مفاوضات تخص الأزمة السودانية دون المشاركة المصرية في هذه المفاوضات».

وأضاف: «الاجتماعات المصرية - السودانية رسالة مهمة بأن هناك تنسيقاً مصرياً - سودانياً ضد التوجهات الإثيوبية، مع ترجيح أن تقوم الدولتان بتحركات دبلوماسية مكثفة خلال الفترة المقبلة على جميع المستويات الإقليمية والدولية للتأكيد على حقوقهما في مياه نهر النيل من جهة، ورفض التدخلات الإثيوبية في الصراع السوداني وتأجيجه من جهة أخرى».