نقص الحماية للأطفال اليمنيين يحصد مئات الضحايا

أعداد الوفيات تزداد جراء الإهمال والحوادث والظواهر الطبيعية

أطفال يمنيون أمام مجرى لتصريف مياه الصرف الصحي قرب مخيم للنازحين (غيتي)
أطفال يمنيون أمام مجرى لتصريف مياه الصرف الصحي قرب مخيم للنازحين (غيتي)
TT

نقص الحماية للأطفال اليمنيين يحصد مئات الضحايا

أطفال يمنيون أمام مجرى لتصريف مياه الصرف الصحي قرب مخيم للنازحين (غيتي)
أطفال يمنيون أمام مجرى لتصريف مياه الصرف الصحي قرب مخيم للنازحين (غيتي)

يتنافس الفقر مع الحرب والكوارث والأوبئة في حصد أرواح أطفال اليمن في حوادث متنوعة، أغلبها بسبب ظواهر الطبيعة أو عمالة الأطفال، ليبرز الإهمال متهماً رئيسياً؛ غير أن الطابع الأعم على تلك الحوادث هو الفقر وتأثيرات الحرب غير المباشرة التي تؤدي إلى المخاطرة من دون وعي بحياة الأطفال.

تقول «اليونيسيف» إن «أثر النزاع يتغلغل عميقاً في اليمن ولم يوفّر ولو طفلاً واحداً. العنف المهول على مدى السنوات الماضية، وارتفاع مستويات الفقر، إضافة إلى عقود من النزاعات والإهمال والحرمان، تضع عبئاً ثقيلاً على المجتمع اليمني، وتمزق نسيجه الاجتماعي، الذي هو أمر أساسي لأي مجتمع، خاصة الأطفال».

تشكل الفيضانات خطراً كبيراً على حياة الأطفال في اليمن (غيتي)

وتزداد وفيات الأطفال خلال مواسم الأمطار بشكل ملحوظ، دون أن يكون للجهات الرسمية والمجتمعية دور للحد منها، في حين يتعرض الأطفال الذين يعملون في مختلف المهن لحوادث خطيرة كثيراً ما تؤدي للوفاة في ظروف لا تتوافر لهم فيها أي حماية.

وتتنوع طرق وفاة الأطفال خلال مواسم الأمطار؛ بالصواعق الرعدية أو بالغرق في السدود والحواجز المائية والمستنقعات أو بالفيضانات وجرف السيول، ورغم أن هذه العوامل تتسبب بوفيات لمختلف الفئات العمرية؛ فإن الأطفال أكثر عرضة لها لانعدام وعيهم أو قلة خبرتهم في التعامل مع هذه الظروف.

فمنذ أيام توفيت طفلة ووالدتها غرقاً في خزان مياه في إحدى قرى مديرية جبل حبشي غربي محافظة تعز، وجاء غرق الأم بعد محاولتها إنقاذ طفلتها التي غرقت بينما كانت هي مشغولة بملء غالون بالمياه لجلبه إلى المنزل، وذلك بالتزامن مع وفاة طفلة في مديرية بني العوام التابعة لمحافظة حجة (شمال غرب) بصاعقة رعدية.

وخلال يومين من هاتين الحادثتين، شهدت عزلة عفار في مديرية كحلان بمحافظة حجة أيضاً، وفاة شقيقتين بصاعقة رعدية أصابت والدتهما بحروق شديدة، تلاها غرق طفل في مستنقع لمياه الأمطار في مديرية مبين في المحافظة نفسها أيضاً.

وفي مركز مديرية يريم التابعة لمحافظة إب (جنوب صنعاء)، توفي طفل يبلغ من العمر عامين ونصف العام فقط، إثر انزلاق قدمه بسبب الأوحال التي سببتها الأمطار، ليهوي في حفرة مخصصة لمياه الصرف الصحي، عقب يومين من وفاة طفل آخر جراء صاعقة رعدية في عزلة بني منبه التابعة للمديرية نفسها.

الإهمال صنيعة الفقر

في الأسبوع الماضي، توفي طفل في الـ16 من عمره غرقاً في عزلة الأهمول التابعة لمديرية فرع العدين غربي محافظة إب، وقبل هذه الحادثة وقعت 7 حوادث مشابهة في المديرية نفسها خلال موسمي الأمطار هذا العام، وفي مدينة الحديدة، توفي طفل بعد إصابته بالجفاف بسبب ارتفاع درجة الحرارة وتعرضه للشمس خلال عمله بائعاً متجولاً.

طفل آخر في صنعاء جرى نقله إلى المستشفى في حالة حرجة الأسبوع الماضي، بعد تعرضه لحادث سير خلال مزاولة عمله بائعاً متجولاً في أحد الشوارع.

ويعدّ الإهمال الأسري وعدم حذر الأطفال في التعامل مع سيول الأمطار وفيضاناتها عاملين واضحين في كثرة حوادث غرق الأطفال ووفياتهم، إلى جانب ضعف البنية التحتية للطرقات والأحياء ومصارف السيول؛ والأمر نفسه تقريباً وراء كون الأطفال من أكثر الفئات العمرية الذين تستهدفهم الصواعق.

تسببت الصواعق الرعدية في اليمن بعدد كبير من الوفيات خلال الأشهر الأخيرة أغلبهم من الأطفال (رويترز)

يفسّر أستاذ الهندسة الكهربائية في قطاع التعليم الفني في محافظة تعز أحمد الجلال لـ«الشرق الأوسط»، إصابة الأطفال بالصواعق أكثر من غيرهم، بسبب انطلاقهم في اللهو واللعب أوقات هطول الأمطار، على أسطح المنازل أو قرب البرك والمستنقعات والأشجار وأعمدة الكهرباء، وجميعها أشياء جاذبة للصواعق.

ويفيد الجلال بأنه حتى داخل المنازل، التي تعدّ آمنة ضد الصواعق؛ فإن الأطفال يكونون وقت حدوث الصواعق قرب الأجهزة الكهربائية والمعادن الجاذبة للصواعق، وغالباً ما يلجأون إليها بسبب الملل من منع أهاليهم لهم من الخروج وقت هطول الأمطار، بينما ينبغي للأهالي فصل الأجهزة الكهربائية تماماً وقت حدوث العواصف الرعدية.

وينوه بأن معدات الطاقة الشمسية التي لجأ إليها اليمنيون بسبب انقطاع الكهرباء منذ الحرب تعدّ أكثر مسببات حوادث الصواعق الأليمة في اليمن مؤخراً، لعدم الحذر في التعامل معها، وبسبب غياب الوعي والقدرة المالية للمستخدمين لحمايتها من الصواعق.

الإهمال أيضاً يلعب دوراً في وفيات الأطفال بحوادث الغرق أو السقوط أو أي حوادث أخرى كما يرى الناشط الحقوقي مطهر البذيجي، وهو شائع في العائلات الفقيرة التي تكثر انشغالاتها داخل المنزل وخارجه، حيث يقضي الأب أغلب وقته في أعمال شاقة ومرهقة، ويستغل ما يتوافر له من وقت للراحة، بينما تضطر الأم إلى أعمال مرهقة داخل المنزل وخارجه.

أطفال بلا حماية

لا يقتصر سقوط الضحايا من الأطفال على الحوادث المتعلقة بالأمطار والفيضانات؛ بل إن الفقر يفرض نفسه على تصرفات تنعدم فيها الحيطة وتفتقر لشروط الأمان، كما حدث لعائلة في عزلة بني الجبلي بمديرية الرجم ضمن محافظة المحويت فقدت طفلتيها اختناقاً،

ووفقاً لأهالي المنطقة، فقد قضت الطفلتان وأصيبت امرأتان من العائلة باختناق دخان حرق مخلفات الماشية، الذي اعتاد الأهالي هناك استخدامه لطرد البعوض، غير أن عائلة الطفلتين لم تتخذ احتياطات للتهوية الجيدة خلال النوم.

يرى البذيجي، وهو ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏المدير التنفيذي للتحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن أطفال اليمن يعيشون ظروفاً قاسية ويتعرضون لانتهاكات جسيمة جراء استمرار الحرب والأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ويضيف: «يضطر الكثير منهم لمزاولة مهن عدة لمساعدة أسرهم، وبسبب هذه الأشغال نسمع باستمرار عن تعرضهم لحوادث وإصابات خطيرة بعضها تؤدي إلى الوفاة».

طفل يمني يعمل في جبل الشروف مديرية حراز ضمن محافظة صنعاء (غيتي)

ويشدد البذيجي على أن اتفاقية حقوق الطفل والقانون الدولي الإنساني والقوانين المحلية جرّمت في مجملها عمالة الأطفال وكفلت لهم حياة كريمة، وألزمت الدولة والأسرة بالاهتمام ورعاية الأطفال.

من جهته يؤكد المحامي صلاح أحمد غالب، لـ«الشرق الأوسط»، أن أطفال اليمن محميون بقانون حقوق الطفل وتشريعات تحدّ من عمالة الأطفال، لكنها بحاجة إلى تحديث تشريعي يراعي سهولة تطبيق القانون والأوضاع المعيشية للناس التي تدفعهم إلى استخدام أبنائهم في العمل.

ويبين غالب أن المجتمع اليمني يعاني من مآسٍ كبيرة بسبب حوادث تؤدي لإصابة الأطفال بعاهات دائمة، إضافة إلى التفكك الأسري الذي يعود بالضرر الكبير على الأطفال كالإهمال والتشرد والتسول والعمالة.

وبحسب رأيه، فإن المسؤولية القانونية في كل ما ذكره تقع أولاً على الأسرة في حال تقصيرها في رعاية الأطفال والاهتمام بهم.


مقالات ذات صلة

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

العالم العربي تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

حذَّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن حصار الحوثيين لتعز يهدد حياة 147 ألف امرأة وفتاة، مع عمل 5 مستشفيات جزئياً من أصل 27، وتعذُّر وصول آلاف الحوامل للرعاية.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)

المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

حوّل الحوثيون مساجد صنعاء إلى منصات لجمع التبرعات والتجنيد، مستغلين خطب الجمعة لحشد الأموال والمقاتلين للجبهات، وسط ضغوط معيشية متفاقمة وعزوف شعبي.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي عربة حوثية على متنها مجندون جدد ضمن التعزيزات الحوثية الأخيرة إلى تعز (فيسبوك)

الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

تدفع الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية من صنعاء وذمار وإب إلى تعز، من ضمنهم مجنّدون من المهمّشين وعناصر أمنية، وسط تعثر استقطاب مقاتلين جدد وخسائر متواصلة...

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي قوات الجيش اليمني في تعز تدحر الحوثيين من أحد المواقع وتستولي على آليات عسكرية (إعلام عسكري)

«فجر اليمن» تنهك الحوثيين في تعز وتستعيد مواقع وأسلحة ثقيلة

تواصل القوات الحكومية اليمنية تقدمها في تعز ومأرب ضمن «فجر اليمن»، مع 1326 استهدافاً خلال يوم، وتحييد 370 حوثياً وفق حصيلة أولية، وسط قصف مأرب، وتدمير طريق حيوي

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الروسي سيرغي لافروف في المنامة (واس)

فيصل بن فرحان ولافروف يبحثان التصعيد في اليمن وتهديدات الملاحة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الأحد، التطورات الإقليمية وفي مقدمتها التصعيد في اليمن والتهديدات المتواصلة للملاحة

«الشرق الأوسط» (الرياض)

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
TT

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)

يهدد الحصار الذي تفرضه الميليشيات الحوثية على مدينة تعز اليمنية حياة أكثر من 147 ألف امرأة وفتاة في سن الإنجاب، في ظل تراجع الخدمات الصحية، وتعذُّر الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة، وسط تصاعد الأعمال العدائية وتدفق موجات جديدة من النازحين من الساحل الغربي.

وحذَّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن أكثر من 147 ألفاً و600 امرأة وفتاة في سن الإنجاب يواجهن صعوبات في الحصول على الخدمات الصحية الضرورية، مع استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى المدينة، وتفاقم الضغوط على المرافق الطبية بفعل العنف والنزوح ونقص الإمدادات.

وتكشف الأرقام الأممية عن تدهور حاد في خدمات الأمومة وحديثي الولادة؛ إذ لا يعمل سوى 5 مستشفيات بشكل جزئي من أصل 27 مستشفى مخصصاً لهذه الخدمات في حالات الطوارئ داخل المدينة. ويؤدي نقص الوقود والمستلزمات الطبية والكوادر المؤهلة للمساعدة في الولادة إلى ارتفاع تكاليف العلاج والنقل، ويقلص فرص حصول النساء على الرعاية الضرورية في الوقت المناسب.

الحوثيون شرَّدوا أكثر من 150 ألفاً من سكان ريف تعز (إعلام محلي)

وتواجه النساء الحوامل مخاطر متزايدة في ظل هذا التراجع. ويقدِّر الصندوق الأممي أن أكثر من 13 ألفاً ومائة امرأة حامل يواجهن صعوبة في الوصول إلى خدمات صحة الأم، بينهن نحو 1500 امرأة يُتوقع أن يضعن مواليدهن خلال الأسبوعين المقبلين. وتحتاج 500 امرأة على الأقل إلى رعاية توليدية طارئة وخدمات لحديثي الولادة، ما يعرضهن لمضاعفات قد تهدد حياتهن في حال تعذُّر التدخل الطبي العاجل.

قيود وانعدام الحماية

لا تقتصر تداعيات الحصار الحوثي على الخدمات الصحية؛ بل تمتد إلى الحماية الإنسانية. ووفق البيانات الأممية، توقف نحو 75 في المائة من خدمات الحماية من العنف الموجهة للنساء والفتيات في محافظة تعز، بما يشمل المساحات الآمنة والملاجئ. كما تواجه النازحات ذوات الإعاقة نقصاً في الأجهزة المساعدة والمستلزمات الخاصة باحتياجاتهن اليومية.

وأشار صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن القيود المفروضة على الوصول تحول دون إيصال «حقائب الكرامة» إلى المدينة، ما يحرم النساء والفتيات النازحات من مستلزمات الصحة الشخصية، ويزيد تعرضهن لمخاطر الاستغلال والعنف وزواج الأطفال القسري.

الحوثيون يواصلون استهداف الأحياء السكنية في تعز (إعلام محلي)

وقال فرانشيسكو غالتيري، ممثل الصندوق في اليمن، إن تعذُّر الوصول إلى الخدمات المنقذة للحياة يزيد المخاطر التي تواجه صحة النساء والفتيات وسلامتهن وفرص بقائهن على قيد الحياة، مؤكداً استعداد الشركاء الإنسانيين للاستجابة، ولكنهم يحتاجون إلى وصول آمن ومستدام ومن دون عوائق، للوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر.

يأتي ذلك في وقت يسجل فيه اليمن أحد أعلى معدلات وفيات الأمهات في المنطقة العربية، مع وفاة 3 نساء يومياً بسبب مضاعفات الحمل التي يمكن الوقاية منها، بينما تفتقر 6.2 مليون امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية الأساسية، وفق البيانات الواردة عن الصندوق الأممي.


المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
TT

المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)

حوّلت الميليشيات الحوثية المساجد في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها إلى أدوات للتعبئة العسكرية وجمع الأموال، مستغلةً المنابر لحشد المقاتلين واستنزاف جيوب المصلين تحت لافتة ما تسميه «المجهود الحربي»، في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية وتتراجع قدرة السكان على توفير احتياجاتهم الأساسية.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات الحوثية كثّفت، خلال الأيام الأخيرة، حملات جمع التبرعات داخل المساجد وعلى أبوابها في ثماني مديريات بصنعاء، عبر نصب صناديق مالية وحث المصلين على تقديم الأموال لتمويل أنشطتها العسكرية، بما في ذلك ما تسميهما «القوة الصاروخية» و«الطيران المسيّر».

وأضافت المصادر أن معمَّمي الميليشيات الحوثية استغلوا المساجد للدعوة إلى التبرع العاجل، بالتوازي مع حملات تحريض معنوي تستهدف دفع المواطنين إلى الاستجابة، وربط الامتناع عن تقديم الأموال بالتقاعس عن نصرة الجماعة، في مسعى لتوظيف الضغط الديني والتخوين السياسي لانتزاع مزيد من الموارد.

مسجد في صنعاء حوله الحوثيون إلى مكان للتعبئة (إعلام حوثي)

ولا تقتصر التحركات الحوثية على جمع الأموال، إذ امتدت إلى استقطاب مقاتلين جدد من داخل المساجد، من خلال دعوات إلى ما تسميه «النفير العام»، وتسجيل أسماء الراغبين في الالتحاق بدورات عسكرية وتعبوية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال، خصوصاً في تعز ومأرب والجوف والساحل الغربي.

وتكشف هذه الحملات عن مساعٍ حوثية للجمع بين تأمين التمويل واستقطاب المقاتلين، في وقت تواجه فيه الجماعة خسائر بشرية وعسكرية على عدد من الجبهات، بينما يتحمل السكان أعباء اقتصادية متزايدة.

ضغوط من المنابر

حسب مصلّين، تضمّنت الدعوات الحوثية اتهامات لمن يمتنعون عن التبرع بالتقاعس واللامبالاة، وربطت عدم التجاوب مع الدعوات بالوقوف إلى جانب الحكومة الشرعية، في محاولة لدفع المصلين إلى تقديم الأموال تحت ضغط ديني وسياسي.

وأثارت هذه الممارسات استياءً بين سكان رأوا فيها استغلالاً لحرمة دور العبادة وتحويلها إلى نقاط لجمع الأموال وتمويل الحرب، في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من تدهور القدرة الشرائية وتراجع مصادر الدخل، وتكافح أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها اليومية.

عنصر أمني حوثي في تفتيش يسبق تجمعاً مسلحاً في صنعاء (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الحملات شملت مديريات الوحدة، ومعين، والسبعين، والتحرير، وآزال، وصنعاء القديمة، والثورة، والصافية، حيث وُضعت صناديق للتبرعات داخل المساجد وعلى أبوابها، مع حث المصلين على تمويل الأنشطة العسكرية للجماعة.

وتزامنت هذه التحركات مع تصعيد دعوات التجنيد، إذ دفعت الجماعة بعناصر تابعة لها إلى بوابات عدد من المساجد عقب صلاة الجمعة، حاملين سجلات وطاولات وكراسي، بهدف تسجيل بيانات الراغبين في الالتحاق بدورات عسكرية وتعبوية.

عزوف عن التجنيد

يقول رامي، وهو أحد سكان صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن عناصر حوثية ترتدي بزات عسكرية وصلت في وقت مبكر من يوم الجمعة الماضي إلى بوابات أحد المساجد في منطقة التحرير وسط العاصمة، مصطحبةً سجلات التسجيل، بالتزامن مع مناشدات أطلقها خطباء تابعون للجماعة لحث المصلين على الاستجابة.

تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز (رويترز)

وأضاف أن معظم المصلين رفضوا التجاوب مع الدعوات، وغادر كثيرون منهم عقب الصلاة من دون الالتفات إلى العناصر التي كانت تنتظرهم عند البوابات، في مؤشر على تنامي العزوف عن حملات التحشيد، وفق روايته.

وأفادت المصادر بأن معمّمي الجماعة ربطوا المشاركة في الدورات العسكرية بما وصفوها بالواجبات الدينية والوطنية، في مسعى لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في المقاتلين، بالتزامن مع المواجهات المستمرة في عدد من خطوط القتال.

وتضع هذه التحركات المساجد في قلب مساعي الجماعة لتعبئة الموارد البشرية والمالية، بعدما باتت المنابر وسيلة لحشد الدعم لأنشطتها العسكرية، بدلاً من الاقتصار على دورها الديني والاجتماعي.


الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
TT

الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)

دفعت الميليشيات الحوثية بتعزيزات عسكرية جديدة من صنعاء وذمار وإب باتجاه محافظة تعز، في مسعى لتعويض خسائرها البشرية وتعزيز مواقعها القتالية، وسط تعثر جهود استقطاب مقاتلين جدد من السكان والقبائل في مناطق سيطرتها.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن التعزيزات التي تحركت خلال الساعات الماضية ضمت عشرات العربات العسكرية التي تُقلّ مئات المسلحين، متجهة إلى جبهات القتال في تعز، خصوصاً الجبهة الغربية للمدينة التي تشهد مواجهات متواصلة.

وأوضحت المصادر أن غالبية المجنّدين الذين شملتهم التعزيزات ينتمون إلى فئة المهمّشين من ذوي البشرة السمراء، إلى جانب عناصر وضباط أمنيين سُحبوا من مراكز الشرطة والسجون وأُلحقوا بالتشكيلات المتجهة إلى الجبهات، في مؤشر على الضغوط التي تواجهها الجماعة لتوفير مقاتلين جدد وسد النقص في صفوفها.

ويأتي إرسال هذه التعزيزات في ظل تراجع قدرة الجماعة على استقطاب مزيد من المقاتلين من المواطنين وأبناء القبائل، مع تصاعد الرفض الشعبي والقبلي لحملات الحشد والتعبئة؛ مما يدفعها إلى نقل عناصر من محافظات عدة خاضعة لسيطرتها لتعزيز خطوط المواجهة.

عربة حوثية على متنها مجندون جدد ضمن التعزيزات الحوثية الأخيرة إلى تعز (فيسبوك)

ورصد سكان في مناطق حزيز بصنعاء، ومعبر بمحافظة ذمار، ومفرق حبيش ومنطقة القاعدة بمحافظة إب، أرتالاً عسكرية حوثية تعبر الطريق الرئيسية الرابطة بين المحافظات الثلاث وتعز، مساء السبت والأحد الماضيين.

وقال السكان إن العربات كانت تمر على دفعات متتابعة تفصل بينها بضع دقائق، وعلى متنها المسلحون الحوثيون، في تحركات بدت جزءاً من عملية نقل منظمة لتعزيز الوجود العسكري للجماعة في المحافظة.

وذكرت المصادر أن المجنّدين نُقلوا بعد تلقي تدريبات قتالية مكثفة أشرف عليها قادة ميدانيون، مشيرة إلى أن التحركات سبقتها عمليات نقل أسلحة ومعدات عسكرية متنوعة إلى عدد من جبهات القتال في تعز.

ضغوط التجنيد

تتزامن التعزيزات الحوثية مع استمرار المواجهات في محيط مدينة تعز، وسط خسائر بشرية وعسكرية تتكبدها الجماعة الحوثية، وفقاً للمصادر، في وقت تسعى فيه إلى تدعيم مواقعها بمزيد من الأفراد والعتاد.

عمال النظافة في اليمن مستهدفون حوثياً بالتجنيد والحشد (فيسبوك)

ويعكس اللجوء إلى استقدام مجنّدين من محافظات مختلفة، بالتزامن مع تعثر استقطاب أبناء القبائل والسكان، صعوبة رفد الجبهات بالمقاتلين، ويزيد من اعتماد الجماعة على حملات التعبئة ونقل العناصر إلى خطوط المواجهة.

كما يسلّط هذا التحرك الضوء على التكلفة التي يفرضها الحوثيون على السكان في مناطق سيطرتهم، مع الدفع بمزيد من المجنّدين إلى جبهات القتال بدلاً من الاستجابة لمعالجة الانهيار المعيشي والخدمي.