فرنسا: القضاء وجهاز الشرطة وجهاً لوجه

تصريحات مدير عام الشرطة الوطنية تثير جدلاً واسعاً ووزير الداخلية صامت

المدير العام للشرطة الوطنية الفرنسية فريدريك فو (أرشيفية: أ.ب)
المدير العام للشرطة الوطنية الفرنسية فريدريك فو (أرشيفية: أ.ب)
TT

فرنسا: القضاء وجهاز الشرطة وجهاً لوجه

المدير العام للشرطة الوطنية الفرنسية فريدريك فو (أرشيفية: أ.ب)
المدير العام للشرطة الوطنية الفرنسية فريدريك فو (أرشيفية: أ.ب)

عملية لي ذراع قائمة حاليا في فرنسا بين الشرطة من جهة والقضاء من جهة ثانية، وبينهما الحكومة والطبقة السياسية المنقسمة على نفسها. وإذا كان من المبالغة القول إن حركة تمرد آخذة بالتمدد داخل جهاز الشرطة، فإن الصحيح أن تيارا من التململ الجاري في أوساط الشرطة منذ أكثر من أسبوع مرشح لأن يتطور في الأيام القليلة القادمة.

نقطة البداية كانت المقابلة التي أجرتها صحيفة «لو باريزيان» ونشرت الأحد الماضي مع فريدريك فو، المدير العام للشرطة الوطنية، الذي زار قبل يوم واحد قواته في مدينة مرسيليا حيث ألقي أحد أفرادها في السجن.

وفي تصريحاته للصحيفة المذكورة، طالب فو بالإفراج عن الشرطي السجين معتبرا أنه «لا مكان لشرطي في السجن، حتى لو ارتكب أخطاء أو أخطاء جسيمة أثناء عمله».

وذهب المسؤول الأمني الكبير إلى حد القول إن «علمي بكون الشرطي قابعا في السجن يمنعني من النوم». وبحسب فو، فقد كان يتعين على القضاء أن يترك الشرطي حرا، حتى بعد توجيه اتهامات له، بانتظار أن تتم محاكمته.

أساس القضية انطلق عندما وجهت اتهامات لأربعة من أفراد الشرطة في المدينة المتوسطية لارتكابهم أعمال عنف بحق شاب (اسمه هادي) يبلغ من العمر 21 عاما عندما كانت الكثير من المدن الفرنسية تشهد أعمال عنف وشغب عقب مقتل الشاب المراهق (نائل المرزوقي) في حادثة تدقيق مروري في مدينة نانتير الواقعة على مدخل باريس الغربي. ووفق الشاب المذكور، فإنه تعرض للضرب من قبل مجموعة من أربعة أو خمسة من رجال الشرطة عقب إصابته برصاصة مطاطية في الصدغ. وقال محاميه أنطوان بريزيوس إن موكله «تم جره مثل الأرنب ثم تعرض للضرب» وهو ما تبينه تسجيلات الكاميرات المنشورة بكثرة في شوارع المدن الفرنسية. وبسبب الدعوى المقدمة من المدعي وعقب التحقيقات التي أجريت، تم توجيه اتهامات لأفراد الشرطة الأربعة. إلا أن القضاء طلب الحبس الاحتياطي لواحد منهم الأمر الذي أثار، بداية، حفيظة زملائه في مرسيليا ثم أخذ التململ يتوسع ليشمل مدنا إضافية رئيسية مثل طولون ونيس وأفينيون (وكلها مدن تقع جنوب البلاد) ولكن أيضا في باريس العاصمة ومدن أخرى في محيطها.

جانب من «مسيرة المواطنين» ضد عنف الشرطة في باريس 8 يوليو الماضي (أ.ب)

وتجدر الإشارة إلى أن الشرطي الذي أطلق الرصاصة القاتلة على نائل المرزوقي صبيحة 27 يونيو أودع هو أيضا الحبس الاحتياطي. إلا أن حركة التضامن معه لم تسفر عن أزمة بين القضاء والشرطة، لكن بالمقابل ثار الجدل حول «صندوق الدعم» لأسرته الذي أطلقه جان مسيحا، وهو ناشط سياسي ينتمي إلى اليمين المتطرف، مصري الجنسية في الأساس. وقد جمع الصندوق ما يزيد على 1.5 مليون يورو بينما التبرعات التي جمعت لدعم والدة نائل بقيت دون سقف الـ500 ألف يورو.

وإلى جانب البيانات الصادرة عن نقابتين رئيسيتين من الشرطة والتي تدين القضاء وتدعو للإفراج عن الشرطي المعتقل، فإن مئات من أفرادها عمدوا إلى تعطيل عملهم بأشكال مختلفة مثل التحجج بالمرض أو بتلقيهم صدمات نفسية بسبب عملهم أو القيام بالحد الأدنى من المهمات والوظائف المناطة بهم... وكل ذلك لغرض زيادة الضغط على الحكومة والقضاء.

كان متوقعا أن تثير كلمة مدير عام الشرطة ردود فعل على أعلى المستويات لأنها تصدر عن مسؤول أمني رفيع ينتقد عمل القضاء.

وجاء الرد الأول من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي قال الاثنين: «لا يوجد أحد في الجمهورية فوق القانون». إلا أنه أعرب عن تقديره للعمل الذي قامت به القوى الأمنية لوضع حد لأعمال العنف والشغب مشيرا إلى أن 900 فرد منها أصيبوا بجراح خلال اندلاعها.

اشتباكات بين الشرطة ومحتجين بنانتير في 29 يونيو الماض (أ.ب)

ثم أعقبه وزير العدل أريك دوبون موريتي في تغريدة أكد فيها أنه «لا أحد فوق قوانين الجمهورية ويتعين على القضاء أن يقوم بعمله بكل استقلالية الأمر الذي يعد الشرط الأساسي لاحترام دولة القانون وعمل ديمقراطيتنا».

وكتب أوليفيه لوران، رئيس المحكمة الجنائية في مدينة مرسيليا، حيث اتخذ قرار حبس الشرطي المشار إليه، في بيان أن «استقلالية القضاء هي الضمانة الرئيسية لدولة القانون». وأثنى على البيان المذكور ثلاثة من كبار القضاة هم فرنسوا مولينس، المدعي العام السابق لدى محكمة التمييز ولو بروتون دو فانواز، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في مدينة أيكس أون بروفانس وماري سوزان لو كيو، المدعية العامة في المدينة نفسها.

كذلك أصدرت النقابتان الرئيسيتان للقضاة بيانا اعتبرتا فيه تصريحات مدير عام الشرطة «خطيرة للغاية»، فيما اعتبرت كيم ريفليت، رئيسة نقابة القضاة المصنفة يسارية، أن أحد المبادئ الأساسية المعمول بها في الديمقراطيات هو أن «القانون هو نفسه بالنسبة للجميع». أما زميلتها سيسيل ماميلان، نائبة رئيس اتحاد القضاة، فقد عدت تصريحات فريدريك فو «فاضحة وخطيرة للغاية». وبحسب ماميلان، فإن قرار الحبس الاحتياطي «يخضع لمعايير دقيقة وقانونية وهو قرار لا يدل بالضرورة على ارتكاب جرم» الأمر الذي تقرره المحكمة. ونبه بيان نقابة القضاة إلى أن «مدير عام الشرطة الخاضع لسلطة وزير الداخلية يعمد إلى ممارسة ضغوط على السلطة القضائية وذلك في عملية تخص فردا واحدا من الشرطة». وأخيرا، فإن المجلس الأعلى للقضاء، الضامن الأعلى لاستقلالية العدالة، شدد على أن القضاء هو «الجهة الوحيدة» المخولة إيداع أشخاص في التوقيف الاحتياطي.

المفارقة أن الغائب الأكبر عن هذا الجدل هو وزير الداخلية، جيرالد دارمانان، المسؤول عن جهاز الشرطة والذي يتبع له مديرها العام.

والحال أن دارمانان الذي يرافق الرئيس ماكرون في جولته في منطقة المحيط الهادئ لم يصدر عنه شيء مباشرة. وأشارت مصادر قريبة منه إلى أنه «يمحض (فريديرك فو) كامل ثقته» كذلك، فإنه لا تدبير تم اتخاذه بحق مدير عام الشرطة على المستوى الرسمي لا بل إن الأخير حظي بدعم من لوران نونيز، مدير الشرطة في العاصمة الفرنسية الذي أكد أنه «يشاطر» زميله الرأي.

رئيسة الحكومة الفرنسية أليزابيت بورن (أ. ف. ب)

ونفت

أليزابيت بورن، رئيسة الحكومة، وجود أي خلاف بين الرئيس ماكرون والوزير دارمانان بخصوص التطورات الجارية في ملف الشرطة، مؤكدة في تعليق لها من مدينة لو هافر الساحلية «شمال غربي فرنسا» أن «الجميع يقول الشيء نفسه» وأن «الضرورة تقضي بأن يقوم القضاء بعمله بكل صفاء».

إلا أن أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي، وصف ما صدر عن بورن بأنه «مزحة». وتساءل: «بعد يومين من تصريحات (مدير عام الشرطة)، لا أحد (من المسؤولين) يعلق على كلامه ولا أحد يعاقب أعلى هرم الشرطة التي تريد تجاوز المبادئ الجمهورية». ودعا فور لاجتماع طارئ للبرلمان لمناقشة هذا الملف.

أما جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، فقد عد أن رئيسة الحكومة تدعم «زارعي الفتن» متهما إياها بكلام غير مباشر بـ«الخوف» من التعرض للشرطة. بالمقابل، فإن اليمين الفرنسي لا يبدي الشدة نفسها في توصيف ما صدر عن كبير مسؤولي الشرطة التي يقف إلى جانبها باستمرار.


مقالات ذات صلة

أين سيختبئ ماكرون إذا اقتحم المتظاهرون قصر الإليزيه؟ كتاب يكشف التفاصيل

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب) p-circle

أين سيختبئ ماكرون إذا اقتحم المتظاهرون قصر الإليزيه؟ كتاب يكشف التفاصيل

كشف كتاب جديد أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يمتلك مخبأً سرياً خارج باريس، يمكنه اللجوء إليه في حال اقتحم محتجون قصر الإليزيه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا عناصر من شرطة مكافحة الشغب يعتقلون متظاهراً خلال مواجهات قبيل انطلاق مظاهرة ضد غلاء المعيشة في مرسيليا جنوب فرنسا 17 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب) p-circle

محامون فرنسيون يعتزمون مقاضاة وزير الداخلية على خلفية عنف بحق متظاهرين

أعلن محامون، يمثلون 18 شخصاً على الأقل أُصيبوا خلال الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا في الأسابيع الأخيرة، أنّهم سيقاضون وزير الداخلية لوران نونييز.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)

مُعلمو ليبيا يضيّقون الخناق على «الوحدة» برفض استئناف الدراسة

ضيق مُعلمو ليبيا الخناق على حكومة الوحدة «المؤقتة» بالتلويح بـ«الإضراب الشامل» في جميع المدارس

خالد محمود (القاهرة )
أوروبا متظاهرون يسيرون في باريس ضمن يوم تحرك وطني يجمع الإضرابات النقابية والاحتجاجات الطلابية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

احتجاجاً على غلاء المعيشة... شوارع فرنسا تكتظ بمئات آلاف المتظاهرين

خرج مئات الآلاف في مختلف أنحاء فرنسا للمشاركة في مظاهرات وتحركات احتجاجية تنظمها الهيئات النقابية تحت شعار «طفح الكيل» للمطالبة بزيادة الأجور والحد من الغلاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

حراك عمالي متصاعد يعزز حضور النقابات في المشهد الليبي

اتسع حضور النقابات المهنية والحراكات العمالية في المشهد الليبي أخيراً مع تصاعد المطالب بـ«تحسين الأجور والأوضاع المعيشية»، في تحرك يعزز دورها الاجتماعي والسياسي

علاء حموده (القاهرة )

بولندا: منفِّذ هجوم كراكوف «الإرهابي» متأثر بأفكار اليمين المتطرف

قوات الأمن والشرطة تنتشر أمام منزل منفِّذ هجوم كراكوف في بولندا عقب العثور على 3 جثث يُعتقد أنها لأفراد من عائلته (إ.ب.أ)
قوات الأمن والشرطة تنتشر أمام منزل منفِّذ هجوم كراكوف في بولندا عقب العثور على 3 جثث يُعتقد أنها لأفراد من عائلته (إ.ب.أ)
TT

بولندا: منفِّذ هجوم كراكوف «الإرهابي» متأثر بأفكار اليمين المتطرف

قوات الأمن والشرطة تنتشر أمام منزل منفِّذ هجوم كراكوف في بولندا عقب العثور على 3 جثث يُعتقد أنها لأفراد من عائلته (إ.ب.أ)
قوات الأمن والشرطة تنتشر أمام منزل منفِّذ هجوم كراكوف في بولندا عقب العثور على 3 جثث يُعتقد أنها لأفراد من عائلته (إ.ب.أ)

قُتل ستة أشخاص وأُصيب 15 آخرون على الأقل في مدينة كراكوف الواقعة جنوب بولندا، السبت، بإطلاق نار نفَّذه مسلّح متأثر بأفكار اليمين المتطرف، حسبما أفادت به السلطات، في حادث وصفه رئيس الوزراء دونالد توسك، بأنّه «عمل إرهابي».

وحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد أكد توسك في حديث إلى الصحافيين خلال تفقده المدينة، السبت، العثور «على جثث امرأتين ورجل في منزل المنفذ»، متحدثاً عن مؤشرات ترجح «أنهم من أفراد عائلته».

كما أعلن رئيس الوزراء الحداد يومين على ضحايا حادث إطلاق النار الذي وصفه بـ«الإرهابي».

من جهته، قال وزير الداخلية البولندي مارسين كيرفينسكي، إن «كل المؤشرات توحي بأن منفذ الهجوم كان مبهوراً بآيديولوجيات اليمين المتطرّف».

وأفادت الشرطة بأن المشتبه به، وهو بولندي من مواليد عام 2002، اقتحم بسيارته ساحة السوق الرئيسية في كراكوف وبدأ يطلق النار عشوائياً على المارة.

وأشارت الشرطة إلى إصابة اثنين من عناصرها، قبل أن يطلقا النار على المشتبه به الذي نُقل إلى المستشفى.

«بطولة» الشرطة

وقال المتحدث باسم قائد الشرطة، أندريه فيجوليك، إن المشتبه به استخدم بندقية نصف آلية في الهجوم.

ولم تكشف السلطات بعد عن جنسيات جميع ضحايا الهجوم الأعنف في بولندا منذ عام 1989.

وقال توسك: «نكنّ أقصى درجات التقدير لعناصر الشرطة الأبطال الذين خاطروا بحياتهم في أثناء أداء واجبهم».

ومساء السبت، شاهد مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية الساحة الرئيسية للسوق التي تعجّ عادةً بالحركة، مغلقةً بالكامل، فيما كان عناصر شرطة مدججين بالسلاح ومحققون جنائيون يعاينون موقع الهجوم.

وقالت أنيت التي كانت في الموقع، لوكالة الصحافة الفرنسية: «رأيت رجلاً يطلق النار على الناس وهو يتجول في الساحة. إنها مأساة لكراكوف، لم نشهد أمراً كهذا من قبل».

وقالت ستيلا، وهي سائحة تبلغ من العمر 22 عاماً من مدينة رين شمال غربي فرنسا: «من المرعب التفكير بأنه لا يزال هناك مثل هذه المخاطر في أوروبا... مخاطر ذات طبيعة إرهابية».

عنصر أمن يركض في موقع إطلاق النار بوسط مدينة كراكوف البولندية (رويترز)

«حوادث نادرة»

تُعد حوادث إطلاق النار المميتة نادرة في بولندا التي يبلغ عدد سكانها 38 مليون نسمة، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

لكن البلاد تشهد حالة تأهب قصوى، منذ سلسلة من حوادث الطعن في أكتوبر (تشرين الأول) التي قال توسك إنها من تنفيذ «جماعة تتبنى العنف» غذّتها مواقع التواصل الاجتماعي.

وتتهم بولندا الواقعة على الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، روسيا مراراً بتنفيذ أعمال «تخريبية» منذ بدء غزو موسكو الواسع النطاق لأوكرانيا عام 2022.

وتشهد البلاد أيضاً ارتفاعاً حاداً في عدد تراخيص الأسلحة النارية. وفي عام 2025، تم إصدار أكثر من 50 ألف ترخيص جديد، ليصل الإجمالي إلى 411 ألفاً، وفقاً لأرقام الشرطة.

وكراكوف مدينة تاريخية تقع في جنوب بولندا وكانت يوماً عاصمتها، وهي وجهة سياحية زارها عام 2025 أكثر من 16 مليون سائح.

ردود فعل

من جهته، قال رئيس الوزراء البريطاني ​أندي بيرنهام إنه «مصدوم وحزين جراء إطلاق النار المروع».

وكتب عبر منصة «إكس»: «قلبي مع عائلات أولئك الذين فقدوا أرواحهم، ومع كل المصابين والمتضررين من هذا العنف العبثي».

بدوره، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي: «أوكرانيا تتضامن مع بولندا والشعب البولندي. من حق الناس أن ينعموا بالأمان».

وأكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، عبر منصة «إكس»، أن «ألمانيا تقف إلى جانب بولندا كصديق وشريك خلال هذه الأوقات العصيبة».

من جانبها، وصفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ما حدث بأنه «مأساة»، مشيرةً عبر منصة «إكس» إلى أن تداعياتها ستمتد «إلى ما هو أبعد بكثير من حدود بولندا».


تغريم كبير موظفي مكتب زيلينسكي لتحدثه باللغة الروسية خلال مهام رسمية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

تغريم كبير موظفي مكتب زيلينسكي لتحدثه باللغة الروسية خلال مهام رسمية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

تحدّث رئيس مكتب الرئاسة الأوكرانية، كيريلو بودانوف، باللغة الروسية في أثناء أداء مهامه الرسمية، واضطر إلى دفع غرامة بسبب ذلك، وفقاً لما أعلنته مفوضة حماية اللغة الرسمية، أولينا إيفانوفسكا، عبر موقع «فيسبوك»، اليوم (السبت)، دون أن تذكر اسم بودانوف صراحة.

وكتبت أن الشخص المتهم اعترف بالمخالفة، وأنه سيدفع الغرامة في الموعد المحدد. وينص قانون اللغة الأوكرانية على فرض غرامات تتراوح بين 3400 و8500 هريفنيا (ما يعادل 75 إلى 187 دولاراً) في حالة ارتكاب المخالفة للمرة الأولى.

ولم يصدر بودانوف أي تعليق على الواقعة حتى الآن.

احتجاجات أمام سجن عسكري مؤقت

ومع ذلك، أشارت إيفانوفسكا إلى الواقعة التي تحول خلالها رئيس مكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى التحدث باللغة الروسية.

ويوم الاثنين، تظاهر عدة مئات من الأشخاص أمام سجن عسكري مؤقت في إحدى ضواحي كييف، للاشتباه في أن «الحرس الوطني» يسيء معاملة الجنود المتهمين بالفرار من الخدمة العسكرية والمحتجزين هناك. وقد حظيت الواقعة باهتمام دولي.

ويحقق القضاء الأوكراني فيما إذا كان أفراد من القوات العسكرية قد تجاوزوا صلاحياتهم، كما ينظر في الشبهات المتعلقة باحتمال تعمّد التحريض على أعمال الشغب.

وكان بودانوف، وهو جنرال سابق في جهاز الاستخبارات، قد حاول تهدئة الأوضاع. ويُظهر مقطع فيديو له وهو يتحدث مع أحد المتظاهرين المصابين (14 عاماً)، مستخدماً الأوكرانية في بعض الأحيان والروسية في أحيان أخرى. كما رد باللغة الروسية على شقيقة الفتى المصاب عبر الهاتف، وأصدر تعليمات باللغة الروسية أيضاً.

ومع ذلك، فإن هذا الموقف الحواري يُعد أمراً شائعاً في كييف، حيث يتنقل كثير من السكان بين اللغتين الأوكرانية والروسية في حياتهم اليومية. وحتى داخل المؤسسة العسكرية، تُعدّ الأوكرانية لغة الأوامر الرسمية، لكن العديد من الجنود يتحدثون الروسية فيما بينهم.

وبفضل عملياته الاستخباراتية الجريئة، يتمتع بودانوف بسمعة البطل في أوكرانيا.

لكن على مواقع التواصل الاجتماعي، وُجهت إليه اتهامات بالتحدث بلغة «العدو»، أي اللغة الروسية. ولا يحظر قانون اللغة على المسؤولين الحكوميين التحدث بالروسية في حياتهم الخاصة، لكنه يُلزمهم باستخدام لغة الدولة الرسمية، وهي الأوكرانية، في أثناء أداء مهامهم الرسمية.


مظاهرات جديدة في فرنسا ضد غلاء المعيشة لكنها بمشاركة أقل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

مظاهرات جديدة في فرنسا ضد غلاء المعيشة لكنها بمشاركة أقل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)

بدأت مظاهرات جديدة في فرنسا، السبت، «ضد غلاء المعيشة ومن أجل الشباب»، بمشاركة أقل مقارنةً بالأسابيع الثلاثة السابقة، وسط تدابير أمنية مشددة، ولا سيما في باريس.

وتسعى السلطات إلى تجنب تكرار مشاهد الشغب والنهب التي وقعت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) خلال المظاهرات. وباستثناء باريس التي تُعدّ بؤرة الحراك، شارك نحو 7000 شخص في 68 مظاهرة حتى وقت مبكر من بعد الظهر، وهو ما يمثل تراجعاً «ملحوظاً» في حجم المشاركة، وفق أوساط وزير الداخلية.

تهدف هذه التعبئة الجديدة، التي أعقبت مظاهرات نقابية ضخمة جرت الخميس، إلى إبقاء الضغط على السلطات قبل مؤتمر دعت الحكومة إلى عقده صباح الاثنين بمشاركة النقابات وأرباب العمل، قبل لقاءات مع المنظمات الطلابية بعد الظهر.

رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو (يسار) ووزير التربية إدوار جيفري خلال جلسة استماع في الجمعية الوطنية في 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

وقد أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عقد مؤتمر يوم الاثنين بمشاركة النقابات العمالية واتحادات أصحاب الأعمال لمناقشة القدرة الشرائية والأجور. وأشارت الحكومة إلى عزمها على رفع الحد الأدنى للأجور، كما تعهدت بتوفير المزيد من الكوادر التعليمية في المدارس وزيادة التمويل المخصص لها، فيما دعت اتحادات تمثل طلاباً ومعلّمين إلى إضراب الثلاثاء المقبل، لمواصلة الضغط على الحكومة من أجل زيادة الإنفاق على التعليم، في إطار تحركات تتواصل منذ أسابيع وتشمل إغلاق مدارس واحتجاجات.

وقالت هذه الاتحادات في بيان مشترك، السبت، إن «حراكنا في موقع قوة، بينما الحكومة في موقع ضعف وبدأت ترضخ»، مضيفة: «حان الوقت لتوسيع نطاق التحركات الاحتجاجية ومواصلة الضغط على الحكومة».

رؤساء جامعات أو ممثلون عنهم يتظاهرون في باريس الجمعة للمطالبة بإيلاء الجامعات والمدارس مزيداً من الاهتمام الحكومي (أ.ف.ب)



وبدأت الأزمة بحركة لتلامذة الثانويات احتجاجاً على وضع التربية الوطنية، قبل أن تضاف إليها مطالب بشأن غلاء المعيشة واحتجاجاً على ماكرون الذي يغادر الرئاسة في مايو (أيار) بعد عشر سنوات في السلطة.

وأكد لوكورنو في رسالة وجهها الجمعة إلى الشركاء الاجتماعيين أنه يستمع إلى «التطلعات التي يتم التعبير عنها بشأن الأجور والقدرة الشرائية» و«هواجس» أرباب العمل، مؤكداً أن المؤتمر «سيسمح بعرض الردود الملموسة على تطلعات الفرنسيين». ودعا اتحاد النقابات الشبابية والنقابات المحلية إلى التظاهر السبت «ضد غلاء المعيشة ومن أجل الشباب» ضمن مسيرة مرخص لها تتوجه من ساحة لا ريبوبليك في قلب باريس إلى ساحة لا ناسيون. وقرابة الساعة الثالثة بعد الظهر كانت المسيرة تتقدم في هدوء.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

من جانبها، دعت تنسيقية «السترات الصفراء» إلى تجمع منفصل حظرته السلطات في ساحة الكونكورد بالقرب من مقر الجمعية الوطنية. وتجمّع نحو 100 منهم في المكان بعد ظهر السبت. وأفادت مراسلة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الشرطة سارعت إلى تطويق المتظاهرين الذين كان معظمهم لا يرتدون «السترات الصفراء»، كما تم توقيف أحد قادة الحراك أمام الجمعية الوطنية. وتعتزم «السترات الصفراء» أن تنظم نحو 120 تحركاً السبت في مواقع مختلفة من فرنسا، بعدما نظمت نحو 1700 تحرك في 17 أكتوبر.

وقبل أقل من ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية التي تتصدرها مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، لا يمكن لحكومة سيباستيان لوكورنو الاعتماد على أغلبية في الجمعية الوطنية، فيما يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون أزمة اجتماعية جديدة يعتزم استغلالها مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون الذي تتوقع استطلاعات الرأي انتقاله إلى الدورة الثانية من الانتخابات. ويعقد ميلانشون تجمعاً ضخماً لإطلاق حملته.

ويعتزم ‌ميلونشون برفع الحد الأدنى للأجور وخفض سن التقاعد في البلاد إلى 60 عاماً، ​وذلك عند إطلاقه برنامجه لانتخابات 2027 السبت.

يُنظر إلى ميلونشون (75 عاماً) على أنه أقوى مرشح من اليسار، وأظهرت أحدث استطلاعات الرأي أنه سيصل إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) المقبل في مواجهة لوبان، لكنها تشير أيضاً إلى أنه سيخسر في الجولة الثانية.

يتجمع محتجون في ساحة الجمهورية (Place de la République) في باريس بفرنسا (رويترز)

ويحمل برنامجه عنوان «مستقبل مشترك»، وهو ‌النسخة الخامسة من برنامج ‌حزبه «فرنسا الأبية»، ويعيد إلى ​حد ‌كبير ⁠التأكيد ​على سياسات شكلت ⁠العمود الفقري لحملات ميلونشون السابقة للانتخابات الرئاسية.

ومن بين تعهداته الرئيسية إلغاء إصلاح نظام المعاشات التقاعدية الذي أقره الرئيس إيمانويل ماكرون، والذي رفع تدريجياً الحد الأدنى لسن التقاعد في فرنسا من 62 إلى 64 عاما ًفي محاولة لتعزيز المالية العامة. ويقول حزب «فرنسا الأبية» إنه سيعيد سن ⁠التقاعد إلى 60 عاماً لمن أسهموا في ‌النظام لمدة 40 عاماً.

كما يدعو ‌البرنامج إلى زيادة الحد الأدنى ​الصافي للأجر الشهري من نحو ‌1480 يورو إلى 1700 يورو، ويتضمن خططاً لإلغاء ‌الضريبة الموحدة على دخل رأس المال، وزيادة الضرائب على الأسر الأكثر ثراء، ووضع سقف لأسعار المواد الغذائية الأساسية.

متظاهر يرفع علماً وطنياً في ساحة الجمهورية (بلاس دو لا ريبوبليك) خلال يوم من الاحتجاجات ضد تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الوقود (أ.ف.ب)

ويؤكد حزب «فرنسا الأبية»، كما نقلت عنه «رويترز»، أيضاً دعمه للتخلي التدريجي عن الطاقة النووية لصالح نظام كهرباء ‌يعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة، بما في ذلك إلغاء برنامج المفاعلات النووية وعدم ⁠تمديد عمر محطات ⁠الطاقة النووية إلى ما بعد 60 عاماً.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، يجدد برنامج ميلونشون انتقاده طويل الأمد لحلف شمال الأطلسي، ويدعو إلى انسحاب فرنسا التدريجي من الحلف، بدءاً بالخروج من قيادته العسكرية المتكاملة.

كما ينتقد البرنامج النفوذ الألماني على السياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، ويصف برلين بأنها المدافع الرئيسي في أوروبا عن «الليبرالية المنظمة»، وهي فلسفة اقتصادية تقوم على قواعد صارمة للميزانية واستقرار الأسعار وسياسة نقدية مستقلة. ويدعو البرنامج إلى توفير حماية أكبر للصناعة ​المحلية، بما يشمل اتخاذ ​إجراءات لتشجيع نقل الإنتاج إلى فرنسا، ويدافع عن دور أكثر تدخلاً للدولة في الاقتصاد.