رسائل الملك سلمان تؤسّس لمرحلة جديدة من التعاون السعودي الأفريقي

جولة قطّان الموسّعة أفضت إلى تأكيد أفريقي على دعم ملف «الرياض إكسبو 2030»

الملك سلمان بن عبد العزيز استقبل عدداً غير مسبوق من الزعماء الأفارقة منذ توليه الحكم مطلع العام 2015 (واس)
الملك سلمان بن عبد العزيز استقبل عدداً غير مسبوق من الزعماء الأفارقة منذ توليه الحكم مطلع العام 2015 (واس)
TT

رسائل الملك سلمان تؤسّس لمرحلة جديدة من التعاون السعودي الأفريقي

الملك سلمان بن عبد العزيز استقبل عدداً غير مسبوق من الزعماء الأفارقة منذ توليه الحكم مطلع العام 2015 (واس)
الملك سلمان بن عبد العزيز استقبل عدداً غير مسبوق من الزعماء الأفارقة منذ توليه الحكم مطلع العام 2015 (واس)

عزّزت الرسائل الشفهية التي بعث بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى عدد من الزعماء الأفارقة، خلال الشهر الحالي، من توجّهات السياسة الخارجية السعودية خلال السنوات الماضية إلى تعميق التعاون وبناء مسار جديد للعلاقات الاستراتيجية مع دول من خارج محيطها الجغرافي، على غرار الدول الأفريقية ودول آسيا الوسطى.

وكان أحمد قطان، المستشار في الديوان الملكي السعودي، يجري جولةً واسعة في عدد من الدول الأفريقية، في الوقت نفسه الذي احتضنت فيه محافظة جدة (غرب البلاد) القمة الأولى من نوعها لدول مجلس التعاون الخليجي ودول آسيا الوسطى، التي أفضت إلى الاتفاق على «تعزيز العلاقات السياسية والاستراتيجية بين الجانبين، وتطوير طرق النقل بين المنطقتين وبناء شبكات لوجستية وتجارية قوية وتطوير أنظمة فعالة تسهم في تبادل المنتجات»، فضلاً عن «تعزيز التعاون التجاري وتشجيع الاستثمار المشترك، وتعزيز التعاون في مجالات تنموية كثيرة»، والتقى ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي بزعماء آسيا الوسطى على هامش أعمال القمة.

وخلال الجولة التي يجريها المستشار قطان إلى عدد من بلدان القارة الأفريقية لنقل رسائل شفهية من الملك سلمان، أكّد الزعماء على دعمهم الكامل لطلب الرياض استضافة «معرض إكسبو 2030». فيما عبّرت السعودية في المقابل عن شكرها وتقديرها لهذا الدعم «الذي يأتي انطلاقاً من العلاقات المميزة بين السعودية وتلك البلدان».

المستشار في الديوان الملكي السعودي أحمد قطان متحدّثاً أمام اجتماع «المجلس الوزاري التنفيذي للاتحاد الأفريقي» (تنفيذي الاتحاد الأفريقي)

7 دول أفريقية

وشملت جولة قطّان خلال يوليو (حزيران) الحالي دول «كينيا، وجنوب أفريقيا، وأفريقيا الوسطى، والكونغو برازافيل، والكونغو الديمقراطية، والغابون، وأخيراً تشاد»، حيث أعرب الزعماء الأفارقة للضيف السعودي عن ترحيبهم بعقد القمتين؛ «القمة السعودية الأفريقية»، و«القمة العربية الأفريقية» في السعودية هذا العام.

وأجرى قطان عدداً من الجولات السابقة، كان آخرها في مايو (أيار) الماضي، كما يتوقّع أن تصل جولة المبعوث السعودي الحاليّة إلى دول أفريقية أخرى في الفترة المقبلة.

وخلال كلمته في اجتماع «المجلس الوزاري التنفيذي للاتحاد الأفريقي»، أكّد المستشار أحمد قطان على التزام بلاده بـ«تعزيز الشراكة مع دول أفريقيا وأهمية المجلس الوزاري في تحقيق هذه الشراكة التي تعكس التقارب بين الرؤيتين؛ (السعودية 2030) والأفريقية (أجندة 2063)»، موضحاً أن السعودية هي «أول دولة دعمت تنفيذ الأجندة الأفريقية عام 2063 من خلال مشروعات التنمية الضخمة التي تنفّذها»

وأعرب قطان في الوقت ذاته عن أمل بلاده في «العمل خلال الحقبة الزمنية المقبلة مع كل الدول الأفريقية لتحقيق أهداف التنمية»، مشيراً إلى «تقدير السعودية البالغ لجميع قادة الدول الأفريقية لدعمهم الثابت لترشح المملكة لاستضافة معرض (إكسبو 2030)».

علاقة تمتد لـ9 عقود

وتتمتّع العلاقات السعودية مع الجانب الأفريقي، التي انطلقت منذ 9 عقود، بعد افتتاح أول سفارة أفريقية في المملكة لدولة إثيوبيا عام 1943، بهامش من التطوّر، كما يرى مراقبون، حيث أجرى عدد كبير من زعماء القارّة السمراء زيارات كثيرة إلى السعودية خلال السنوات السبع الماضية، وعقدوا مباحثات رسمية مع الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وبالرغم من أن الاهتمام السعودي بالقارة السمراء لم ينقطع على مدى عقود خلت، حيث سبقت جولة المبعوث السعودي أحمد قطّان جولات سابقة إلى دول أفريقية أخرى، أجراها قطان ومسؤولون سعوديون آخرون خلال السنوات القليلة الماضية، فإن مراقبين اعتبروا أن التطورات الإيجابية التي شهدتها العلاقات المشتركة منذ تولّي الملك سلمان بن عبد العزيز حُكم البلاد قد تجلّى أثرها في الطفرة التي شهدتها العلاقات وأنماط المبادرات لتعزيز الشراكات، وصولاً إلى الأمر الملكي في فبراير (شباط) 2018 بتعيين السفير أحمد قطان وزير دولة لشؤون الدول الأفريقية بمرتبة وزير في وزارة الخارجية، في خطوة نادرة من نوعها.

رعاية السلام الأفريقي

واستضاف الملك سلمان بن عبد العزيز قمةً جمعت زعيمي إثيوبيا وإريتريا، في سبتمبر (أيلول) 2018، رعى خلالها توقيع اتفاق سلام، أنهى حالة الحرب التي استمرت لأكثر من عقدين بين البلدين الجارين.

فضلاً عن ذلك أسّست السعودية بالشراكة مع 7 دول عربية وأفريقية «مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» في يناير (كانون الثاني) عام 2020، الهادف إلى «تعزيز أمن الملاحة وحماية التجارة العالمية، والتعاون السياسي والاقتصادي بين أعضاء المجلس، وتعزيز الأمن الإقليمي والعالمي»، طبقاً لبيان التأسيس الذي وُقِّع ميثاقه في العاصمة السعودية الرياض.

وقامت السعودية بعمل عدة مناورات عسكرية بمشاركة دول أفريقية إسلامية وعربية ضمن إطار التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، ومناورات عسكرية أخرى.

وتلعب الرياض دوراً فاعلاً في التنمية داخل القارة الأفريقية، التي تعد ثاني أكبر قارة بعد قارة آسيا، حيث يساهم الصندوق السعودي للتنمية في عدد من المشروعات التنموية، ويقود مشروعات أخرى، كما يخطّط للقيام بمشروعات جديدة في عدد من الدول، ووصلت القروض والمنح التي يقدّمها «الصندوق السعودي للتنمية» لأكثر من 54 دولة أفريقية، بقيمة تقارب 14 مليار دولار، كما ينتظر أن تنفّذ الرياض مشروعات وقروضاً ومنحاً مستقبلية عبر الصندوق في الدول الأفريقية النامية تتجاوز قيمتها 800 مليون دولار خلال الفترة المقبلة، بحسب وزارة الخارجية السعودية.

الملك سلمان بن عبد العزيز يقلّد الرئيس الإريتري ورئيس الوزراء الإثيوبي قلادة الملك عبد العزيز، عقب توقيع «اتفاقية جدة للسلام» بين البلدين برعاية سعودية (واس)

التنمية الشاملة الاحتوائية

من جانبه، كشف تقرير صادر عن «مركز أسبار» للدراسات أن بعض الخبراء الأفارقة يرون أهمية «العمل على إعادة بناء العلاقات السعودية الأفريقية في مجالات التنمية الشاملة الاحتوائية، لتعود بالنفع المشترك على الشعب السعودي والشعوب الأفريقية». ومن أولويات هذا التعاون وفقاً للخبراء «الاستثمار في التنمية الاقتصادية والاجتماعية حتى تصل إلى المجتمعات الأفريقية بصفة ملموسة، وخاصة في مجالات تمكين المرأة والأسر المحتاجة، والاستثمار في الموارد البشرية والبنى التحتية، مثل بناء المستشفيات والمرافق العمومية والفنادق، وتمويل المشروعات أو تقديم القروض الميسرة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ وذلك من خلال بناء شراكات بين القطاع الخاص السعودي والأفريقي، بالإضافة إلى الاهتمام باستخراج واستغلال الموارد الطبيعية، بما فيها الطاقات المتجددة والمتوفرة، وكذلك استغلال موارد النفط والغاز والطاقة والذهب والنحاس والفسفور والحديد والمنتجات الزراعية والحيوانية».

نمو القدرات الاستراتيجية على الجانبين

واعتبر المحلل السياسي السعودي، عبد اللطيف الملحم، أن تطوّر العلاقات السعودية مع دول من خارج الشرق الأوسط «يعبّر عن القدرات الاستراتيجية التي تتمتّع بها السعودية، فضلاً عن تطلّعها للتأثير في محيط أبعد من الشرق الأوسط بالنظر إلى نمو قدراتها الاستراتيجية والاقتصادية في ضوء (رؤية السعودية 2030)». وأضاف الملحم، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «ارتباط السعودية بالتأثير الإيجابي في محيطها الإقليمي وبُعدها الدولي بالنظر لأهدافها المستقبلية كأحد أهم دول مجموعة العشرين، مثل تطلّعها لاستضافة معرض (إكسبو 2030)، يتطلّب الاهتمام بتعزيز العلاقات الثنائية مع دول ومكوّنات كان الاهتمام بها متواضعاً في المرحلة السابقة، وتتصدّر القائمة دول القارة الأفريقية بكل اتجاهاتها، بالإضافة إلى دول وسط آسيا بالنظر للمقدّرات التي تتمتّع بها دول تلك المناطق».

قمة سعودية - أفريقية نادرة من نوعها

ويُنتظر أن تستضيف السعودية «القمة السعودية - الأفريقية» الأولى من نوعها و«القمة العربية - الأفريقية» الخامسة من نوعها نهاية العام الحالي، وفق ما أشار إليه نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي في وقتٍ سابق.


مقالات ذات صلة

المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

أفريقيا عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

حثت فرنسا رعاياها في مالي على مغادرة البلاد «في ​أقرب وقت ممكن» عقب هجمات منسقة وقعت مطلع الأسبوع، بما في ذلك في العاصمة باماكو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أفريقيا قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)

أول ظهور رسمي لقائد المجلس العسكري في مالي منذ وقوع الهجمات

التقى قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا السفير الروسي، الثلاثاء، في أول ظهور رسمي له منذ الهجمات المنسقة التي نفّذها مسلحون قبل أيام.

«الشرق الأوسط» (باماكو )
شمال افريقيا عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

«أزمة باماكو»... هل تعيد ترتيب نفوذ روسيا والغرب في الساحل الأفريقي؟

معادلة النفوذ الدولية باتت تتصدر أسئلة المشهد في مالي عقب هجمات غير مسبوقة على باماكو التي اقتربت من موسكو، وابتعدت عن الغرب.

محمد محمود (القاهرة )
أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

يثير اختفاء رئيس مالي، أسيمي غويتا، كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)

مشاورات مصرية - كينية بحثاً عن «فرص متاحة» للتعاون بين دول حوض النيل

تتواصل المحادثات المصرية - الكينية لتعزيز التعاون بين دول حوض النيل في ظل خلافات جذرية تؤكدها القاهرة بشأن «سد النهضة» الإثيوبي

محمد محمود (القاهرة)

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.
جاء ذلك خلال اتصال تلقاه ولي العهد السعودي من رئيس الوزراء الكندي يوم الأربعاء، بحث الجانبان خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين، واستعرضا مجالات التعاون القائمة وسبل تعزيزها وتطويرها في عدد من المجالات.


«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
TT

«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)

أعلنت وزارة الداخلية السعودية، الأربعاء، مباشرة الجهات المختصة في حينه الإجراءات النظامية بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية، والتي تمثل خطاً أحمر لا يُقبل المساس به، أو التأثير عليه.

جاء ذلك في بيان للوزارة أشار إلى «ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى من شأنه المساس بالوحدة الوطنية، وتهديد السلم والأمن المُجتمعي، متضمناً عبارات مثيرة للتعصب القبلي المقيت»، في تصرف غير مسؤول، ولا يعكس وعي المجتمع السعودي، وإدراكه لخطورة تلك الممارسات الشاذة التي لا تمثل إلا أصحابها.

وحذَّرت «الداخلية» من «كل ما من شأنه المساس بالنظام العام»، مؤكدة أن الجهات الأمنية تقف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللُّحمة الوطنية بإثارة النعرات القبلية المقيتة، وأن الجزاء الرادع سيكون مصيره»، باعتبار أن تلك الأفعال تعدّ جريمة خطيرة يُعاقب عليها القانون.

من جانبها، أكدت النيابة العامة، في منشور على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن إثارة النعرات القبلية أو الدعوة للتعصب والكراهية بين أفراد المجتمع جرائم يعاقب عليها النظام، وتعرّض مرتكبيها للمساءلة الجزائية والعقوبات المقررة.

بدورها، قالت «هيئة تنظيم الإعلام»، في منشور عبر حسابها على منصة «إكس»، إن «قيمنا المجتمعية ترفض كل أنواع الفرقة وإثارة النعرات القبلية»، مؤكدة أن «أي محتوى يتضمن تعصباً قبلياً، أو قدحاً بالأنساب تصريحاً أو تلميحاً، يعدّ مخالفة صريحة للفقرة الرابعة من المادة الخامسة من نظام الإعلام المرئي والمسموع».

وأشارت الهيئة إلى ممارسات غير مباشرة تثير النعرات القبلية، هي: «الإيحاء بوجود أفضلية على أساس الانتماء، وإبراز الانتماء القبلي خارج سياق المحتوى، وعبارات عامة تحمل معاني تمييزية مبطنة، وطرح قضايا اجتماعية بإيحاءات توحي بالفرقة».


كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
TT

كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)

وجّه قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم التشاورية، في جدة غربي السعودية، الثلاثاء بضرورة استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية، مشيرين إلى أهمية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، والإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، ومشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون، والمضي قدماً في دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، إلى جانب التأكيد على أهمية تكثيف التكامل العسكري ما بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.

وعكست هذه التوجيهات التي كشف عنها البيان الإعلامي لجاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقب القمة، إشاراتٍ لافتة جاءت بالتوازي مع أخذ السعودية زمام المبادرة للدعوة لهذه القمة التشاورية، حيث تضمّنت «التوجيهات السامية»، كما وصفها البديوي، مصطلحات واضحة ومباشرة اشتملت على «الاستعجال» و«الإسراع» في مناسبتين، إلى جانب «أهمية»، والدعوة المباشرة لتكثيف التكامل العسكري، الأمر الذي لقي تفاعلاً واسعاً يكشف عن جدية، ووضوح في المبادرة السعودية، واللقاء التشاوري الخليجي، للخروج بنتائج حقيقية لهذا اللقاء في ظل الظروف الراهنة شديدة التعقيد.

ولي العهد السعودي وملك البحرين قبيل القمة (واس)

ودلّلت تعليقات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد عقب القمة على ذلك قائلاً: «قمتنا الخليجية التشاورية اليوم في جدة تجسد الموقف الخليجي الموحد تجاه الأوضاع الراهنة، وما تستلزمه من تكثيف التنسيق، والتشاور، بما يعزز الدور الفاعل لدولنا في دعم المسارات الدبلوماسية، وصون أمن المنطقة، واستقرار شعوبها، وتحقيق تطلعاتها نحو التنمية، والازدهار».

امتداد لجهود ولي العهد السعودي وقادة الخليج

الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، قال لـ«الشرق الأوسط» إن استضافة المملكة للقمة الخليجية التشاورية جاءت استجابة لبحث الظروف التي تمر بها منطقة الخليج العربي جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، والتشاور، وتنسيق مواقف دول مجلس التعاون الخليجي على ضوء ما أسفرت عنه هذه الحرب، ولاحتواء تداعيات الأزمة الراهنة، سواء من الناحية الأمنية، أو الاقتصادية، أو غيرهما. واستدرك أنها تهدف إلى تعزيز الجهود المبذولة لمعالجة هذه الأزمة، وتداعياتها، لتحقيق استقرار المنطقة، وحفظ مصالح دول مجلس التعاون، وتعزيز أمنها الجماعي، وتابع أنها تأتي امتداداً لجهود الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي.

ولي عهد الكويت لدى وصوله إلى جدة وفي استقباله ولي العهد السعودي (واس)

الدكتور عبد العزيز يرى أن رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز -لتعزيز العمل الخليجي المشترك، وترسيخ الوحدة الاقتصادية، وتطوير المنظومتين الدفاعية، والأمنية، وصولاً إلى تكامل خليجي أكثر رسوخاً واستدامة، بما يحقق قيمة مضافة لحماية مصالح دول مجلس التعاون الحيوية، ويعزز التعامل الجماعي مع ما قد تفرضه الأزمة الحالية من تحديات، أو تحسباً لأي أزمات قد تطرأ على المنطقة مستقبلاً- تعد من الملفات التي طرحت على طاولة لقاء القادة.

عدم ارتهان القرار الخليجي لجهات أخرى

وتوقع بن صقر خلال حديثه أن القمة سوف تبني على نجاح دول المجلس في التصدي للهجمات الإيرانية بالصواريخ الموجهة، والمسيرات، والبناء على هذا النجاح في وضع استراتيجية دفاعية متكاملة وشاملة لدول المجلس، تبدأ بالتسليح الحديث الذي يناسب الأجيال الجديدة من الحروب، والتدريب، والشراكات الدفاعية الخارجية، بما يرسي قواعد دفاع استراتيجية قوامها الاعتماد على الذات، والشراكات المناسبة، والمفيدة، وعدم ارتهان القرار الخليجي لأي جهات أخرى.

ولي العهد السعودي مستقبلاً أمير قطر (واس)

وكان القادة الخليجيّون أكدوا على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية سيادتها، وأمنها، واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

كما أشار الأمين العام للمجلس إلى إشادة القادة بما أظهرته القوات المسلحة لدول المجلس من «شجاعة وبسالة عاليتين في الدفاع عن دول المجلس في وجه الاعتداءات الإيرانية السافرة، وبما أبدته هذه القوات من قدرات وجاهزية مكنتها -بعد توفيق الله- من التصدي للاعتداءات الصاروخية، وبالطائرات المسيرة، والتعامل معها باحترافية وكفاءة عاليتين»، إلى جانب الحفاظ على أمن الدول الأعضاء، ومقدرات شعوبها.

الممرات البديلة «نقاش الفترة المقبلة»

وتوقّع بن صقر أن العمل على إيجاد ممرات بديلة لتأمين سلاسل إمدادات الطاقة سوف يكون محل نقاش خليجي جاد في الفترة المقبلة، وهو الأمر الذي تناوله بيان الأمين العام لمجلس التعاون الذي كشف عن توجيه القادة إلى الإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، علاوةً على استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية.

وزير الخارجية السعودي استقبل نظيره الإماراتي عقب وصوله للمشاركة في القمة (واس)

ويتّفق أحمد الإبراهيم، المحلل السياسي، مع هذا الطرح، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن البيان الذي أعقب القمة عكس أهميّتها، وأكّد على أن السعودية كما تولّت الأمر، وأمّنت سلاسل الإمداد لوجستيّاً لدول الخليج خلال الأزمة، وعملت على تأمين ممرات بديلة للطاقة عبر خط أنابيب شرق–غرب كجزء من معالجة أزمة مضيق هرمز، جدّدت اليوم خطواتها المبدئية عبر جمع دول الخليج على طاولة واحدة، للتعامل مع المرحلة المقبلة.

«توجيهات صريحة ومباشرة»

وأضاف: «هذه من المرّات النادرة التي أشهد فيها بياناً مباشراً وصريحاً يتضمن التوجيهات الصارمة، خاصةً في التعامل مع المتطلّبات المستقبلية، والسيناريوهات المفتوحة على كافة الاحتمالات الآن، مع احتمالية تعثر المفاوضات الأميركية–الإيرانية، أو أي سيناريو خطير قادم».

جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أدلى ببيان عقب القمة (مجلس التعاون)

بدوره يرى المحلل السياسي محمد الدوسري أن أهمية مجلس التعاون الخليجي تكمن في مقدرته على العبور من الكثير من الأزمات، ومن ذلك الحرب العراقية-الإيرانية، وأزمة احتلال العراق للكويت، ودور المجلس -وعلى رأسه السعودية- في تجاوز العديد من المحن، مشدّداً على أن العقل الجمعي لمواطني الخليج يرى أهمية توحيد الموقف الخليجي لعبور الأزمات، ومن ذلك الأزمة الجارية، وانعكاسات إغلاق مضيق هرمز.

«الخيمة السعودية»

ونوّه الدوسري إلى أن اللقاء التشاوري لقادة دول الخليج هو بمثابة رسالة لاجتماعها، واستظلالها في «الخيمة الكبيرة»، وهي السعودية، لتفتح آفاقاً جديدة، وتتفق على معالجة وتجاوز الأخطار الحالية المحدقة.