كيف تستفيد القارة السمراء من القمة الروسية - الأفريقية الثانية؟

«الأمن الغذائي» ومستقبل «فاغنر» يهيمنان على اجتماع سانت بطرسبرغ

القادة الأفارقة خلال القمة الأولى في سوتشي مع الرئيس الروسي بوتين (الرئاسة الروسية)
القادة الأفارقة خلال القمة الأولى في سوتشي مع الرئيس الروسي بوتين (الرئاسة الروسية)
TT

كيف تستفيد القارة السمراء من القمة الروسية - الأفريقية الثانية؟

القادة الأفارقة خلال القمة الأولى في سوتشي مع الرئيس الروسي بوتين (الرئاسة الروسية)
القادة الأفارقة خلال القمة الأولى في سوتشي مع الرئيس الروسي بوتين (الرئاسة الروسية)

وسط مشهد دولي متشابك، تستضيف مدينة سانت بطرسبرغ، القمة الروسية - الأفريقية الثانية، في الفترة من 27 إلى 28 يوليو (تموز) الجاري، فيما تتصدر قضايا «الأمن الغذائي»، ومستقبل مجموعة «فاغنر» في أفريقيا، أجندة الاجتماع. ووفق سفير المهام الخاصة لوزارة الخارجية الروسية ورئيس الأمانة العامة لمنتدى التعاون الاقتصادي والإنساني الروسي - الأفريقي، أوليغاوزيروف، فإن القمة تهدف إلى «تعزيز العلاقات بين روسيا والدول الأفريقية بشكل نوعي، وأن تنتقل من مرحلة عودة روسيا إلى القارة الأفريقية في قمة سوتشي الأولى عام 2019، إلى مرحلة تطورها على أساس المنفعة المتبادلة».

ووفق تصريحات المسؤول الروسي، الأحد، فإن «العلاقات الروسية – الأفريقية شهدت خطوات متسارعة، بعد القمة الأولى عام 2019، لكنّ التداعيات السلبية لتفشي وباء كورونا والأزمة الأوكرانية، لم تعطِ لموسكو الفرصة لدفع العلاقات الثنائية إلى الأمام بشكل واسع».

ويتضمن برنامج القمة أكثر من 30 جلسة نقاشية وفعاليات حول أهم قضايا التعاون بين روسيا والدول الأفريقية، فيما توقع نائب مدير إدارة أفريقيا بالخارجية الروسية، ألكسندر بولياكوف، مشاركة 49 دولة، رغم «الضغوط الأميركية على الحكومات الأفريقية للتحريض على عدم المشاركة»، حسب تصريحات روسية سابقة.

* تنافس روسي - غربي

تأتي القمة في ظل تنافس استراتيجي شرس على النفوذ في القارة الأفريقية بين روسيا والقوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تتبنى استراتيجية جديدة في القارة تهدف في الأساس إلى كبح النفوذ الروسي والصيني فيها، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

يقول عبد القادر محمد علي، الباحث الإريتري في الشؤون الأفريقية، إن المنافسة الدولية على القارة «تتيح للقادة الأفارقة بدائل مختلفة فيما يتعلق بالشراكات المطلوبة في عمليات التنمية وغيرها، وهذا يتطلب من القادة الأفارقة صياغة استراتيجيات واضحة أولاً لهيكلة خطط متوسطة وبعيدة المدى تلبّي الاحتياجات الأفريقية تستطيع موسكو تقديم الخبرات فيها».

ومن بين ما تهدف إليه روسيا من هذه القمة «إرسال رسالة بأنها ليست معزولة وأن لديها حلفاء وأصدقاء خارج المنظومة الغربية وضم المزيد من الدول الأفريقية للوقوف إلى جانبها أو على الحياد»، كما يشير علي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «ضمان ذلك يزداد صعوبة في ظل الضغوط الغربية على القارة لتغيير مواقفها مقابل مِنح واستثمارات وتقارب سياسي والتلويح بالعزلة والعقوبات ولو بشكل غير معلن... لذا على أفريقيا أن تنطلق في تفكيرها من كون أن قوى العالم كله تحتاج إليها، مثلما تحتاج هي إليها».

ويطالب رامي زهدي، الخبير المصري في الشؤون الأفريقية، دول القارة بـ«التوصل لمبادئ استراتيجية متوافَق عليها ولو بشكل نسبي تحدد أولويات التعاون في جميع المجالات مع كل القوى بما يضمن أن تتصدر هذه الأولويات مصالح شعوب القارة الاقتصادية والسياسية والأمنية والتعامل مع القارة بندِّية واحترام وتكافؤ وليس كمتلقٍّ خاضع لمن يدفع أكثر أو يملك نفوذاً أكبر».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: على أفريقيا في جميع المجالات «التمسك بمواقف تفاوضية قوية مع كل الأطراف مبنيّة على الثقة في إمكانات القارة الكبيرة».

بدوره، قال حسن أيدين، باحث الدكتوراه في العلاقات الدولية بجامعة شنغهاي الصينية، إن «تلك القمم والاجتماعات التي تخيِّم عليها ظروف استثنائية مثل الحرب الروسية - الأوكرانية، تعد سلاحاً ذا حدين، حيث الحديث عن التبعات المباشرة التي تعاني منها أفريقيا جراء الحرب يجعل التفكير في التعاون المستدام يتراجع كأولوية»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: على القادة الأفارقة «التركيز على التفاوض الاستراتيجي المستقبلي، وهذا بدوره يتطلب تغييرات كبيرة في طريقة قادة المؤسسات الأفريقية، وقادة القارة، حيث عليهم تبني أجندات وخطط تضمن الحفاظ على مصالح شعوبهم مهما كانت الظروف الدولية دون تجاهلٍ بالطبع الطوارئ».

* الأمن الغذائي

من المتوقع أن يهيمن ملف الأمن الغذائي على مناقشات القمة، وسط مخاوف أفريقية من آثار انسحاب موسكو من اتفاق الحبوب وتحذيرات المنظمات الدولية المعنية من مجاعات ومخاطر كبرى تضر بالقارة نتيجة لذلك الانسحاب.

ويرى أستاذ قانون الأعمال والاقتصاد في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، بدر الزاهر الأزرق، أن مناقشات القمة ستتصدرها مشكلات الأمن الغذائي الذي تعاني فيه القارة بشدة على خلفية الحرب الروسية - الأوكرانية، لافتاً إلى أن على «القادة الأفارقة ضمان مصالحهم بالتأكيد على عدم دفع شعوبها مستقبلاً أثماناً لصراعات لا دخل لهم بها وذلك عبر ضمانات وتفاهمات رسمية».

وأضاف الأزرق: «حتى لو تم ذلك النوع من الاتفاقات مع موسكو، على القادة الأفارقة ضمان تأمين احتياجاتهم الأساسية عبر تنويع مصادرها من دول وقوى أخرى بعيدة عن الصراع مثل البرازيل والهند والصين وغيرها».

ويرى علي أن القمة تمثل فرصة للدول الأفريقية «لعقد اتفاقيات منفردة مع روسيا تضمن بها الحصول على مواد غذائية على رأسها القمح والغلال الأساسية، وكذلك متطلبات الزراعة كالأسمدة بأسعار وعروض منافسة بالنظر إلى الحاجة والرغبة الروسية في التصدير، ودون الارتباط باتفاقيات دولية قد تكون عرضة للإلغاء للكثير من الأسباب».

* النفوذ العسكري والأمني

رغم النفوذ الروسي الكبير لموسكو في أفريقيا على صعيد التعاون العسكري الأمني، كانت أفريقيا من بين أكثر المتابعين بترقب لتطورات التمرد الفاشل الذي شنّته مجموعة «فاغنر» في روسيا، حيث تنشط قوات تابعة لـ«فاغنر» في دول عدة بها، سواء بشكل معلن أو سرّي.

ويعتقد علي أن موسكو خلال القمة «ستسعى إلى إقناع القادة الأفارقة بالحفاظ على توسيع نفوذها الجيوسياسي الذي كانت أداته الأساسية نشاط شركة (فاغنر)». وقال: «رغم أن تداعيات محاولة التمرد ليست واضحة بعد، فإن المرجح أن تسعى موسكو إلى الحفاظ على نفوذها في القارة سواء بشركات أمنية أخرى أو حتى بالتوافق مع (فاغنر) فيما يتعلق بالحضور الخارجي». وأضاف: «حال تعذر الاتفاق مع (فاغنر) ستحاول موسكو إقناع القادة الأفارقة بتقويض وجود (فاغنر) في بلدانهم لكن بشرط استبدالها شركات أمنية روسية أخرى بها بشكل يضمن استمرارية النفوذ الروسي».

من جانبه، يرى محمد الأمين ولد الداه، الخبير الموريتاني في الشؤون الأفريقية، أن على موسكو استغلال القمة في «إعلان التخلي عن مقاربتها الجيوستراتيجية المعتمَدة على (فاغنر) أو ما يشبهها والتفاوض مع القادة الأصدقاء على آليات بديلة، لأن (فاغنر) فقدت مصداقيتها تماماً حتى قبل التمرد، ولم يتسبب حضورها في دول مالي أو بوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى في تحقيق الأمن للمواطنين بقدر ما كان الهدف الأساسي لها هو ضمان مصالح سياسية ومادية مع قادة تلك الدول».

وأضاف الأمين ولد الداه أن المسؤولية «تقع في أيدي قادة أفريقيا، الذين عليهم بناء شراكات أمنية متنوعة ومتعددة مع القوى المختلفة دون الخضوع لضغوط أو شروط ترقى لتهديدات من أي قوة جراء الرغبة في التعاون مع قوى أخرى».

بدوره، يرى أيدين أن ثمة عاملاً إيجابياً في انخراط روسيا مع القارة، وهو أنها «لا تتدخل في الشؤون الداخلية لدول تفرض أجندتها عليها في مجالات مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، حيث تحاول الإدارة الروسية اتخاذ مقاربة واقعية بعيدة عن المثالية والسياسات العقابية على الأنظمة والحكومات». لكنّ هذه المقاربة الروسية لها مخاطرها، حسب أيدين، حيث التقارب مع القادة الأفارقة في دول غير مستقرة «لا يعني بالضرورة رضا الشعوب عن مستقبل ذلك النوع من التعاون»، لذا على موسكو أن «تدشن في هذه القمة صيغ تعاون مع الدول الأفريقية في مجالات الحكم الرشيد والتنمية الشاملة والمساعدة في التغلب على الصراعات الإثنية والعِرقية التي تعاني منها معظم دول أفريقيا بغية التوصل إلى شركاء وقادة شرعيين يمكن البناء على التوافق معهم بشكل مستدام».

* الاقتصاد والتنمية

رغم زيادة النفوذ الروسي في القارة في السنوات الماضية، فإن حجم انخراطها الاقتصادي لا يتناسب مع هذا النفوذ. ويعتقد الأزرق أن «هناك مجالات كبيرة للتعاون الاقتصادي يمكن وضع خطط مشتركة طويلة المدى بخصوصها بين موسكو والقارة، مثل: الصناعات الاستخراجية، وصناعات الطاقة الأحفورية، وتكنولوجيا الطاقة النووية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا الزراعية علاوة على مشروعات البنية التحتية والنقل».

ورأى الأزرق أن «على روسيا الدفع بقطاعها الخاص في الاستثمار في القارة بشكل تنافسي لا يعتمد فقط على النفوذ الأمني أو السياسي، رغم أن هذا التنافس سيكون مهمة شاقة في ظل حضور الصين الكبير، علاوة على الحضور الغربي والأميركي باقتصاداتهما الضخمة».

من جانبه، يرى زهدي أنه لا يمكن لروسيا «الاستمرار في مقاربتها الاقتصادية القائمة على التركيز على أربع أو خمس دول على رأسها الجزائر ومصر وجنوب أفريقيا في قارة تحتوي على أكثر من خمسين دولة، منها دول تحتاج إلى كل شيء، وهناك الكثير الذي تستطيع موسكو تقديمه».


مقالات ذات صلة

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)
الاقتصاد صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 % التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا موظف في شركة طاقة يتفقد محولاً كهربائياً بعد أن ألحقت غارات جوية روسية بطائرات مسيرة وصواريخ أضراراً بالغة بالبنية التحتية المدنية الحيوية في كييف (رويترز)

هجوم روسي كبير على شبكة الطاقة الأوكرانية... وواشنطن تريد إنهاء الحرب قبل الصيف

أعلنت شركة تشغيل شبكة الكهرباء الأوكرانية، اليوم (السبت)، أن القوات الروسية شنّت «هجوماً واسع النطاق» على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.


«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
TT

«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، الأربعاء، أن مستشفاها في لانكين بجنوب السودان تعرض لغارة جوية حكومية خلال الليل، بعد نهب منشأة صحية أخرى تابعة لها.

وقالت المنظمة الخيرية الطبية إن المستشفى الواقع في ولاية جونقلي «تعرض لغارة جوية شنتها قوات حكومة جنوب السودان ليل الثلاثاء».

أضافت في بيان إنه تم «إخلاء المستشفى وإجلاء المرضى قبل ساعات من الهجوم» بعد تلقيها معلومات عن ضربة محتملة ضد المدينة، مشيرة إلى إصابة أحد موظفي المنظمة بجروح طفيفة.

وتابع البيان «تم تدمير المستودع الرئيسي للمستشفى خلال الهجوم، وفقدنا معظم إمداداتنا الحيوية لتقديم الرعاية الطبية».

وفي حادث منفصل، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن منشأة صحية تابعة لها في بلدة بييري في جونقلي أيضا، تعرضت للنهب الثلاثاء على يد مهاجمين مجهولين، ما يجعلها «غير صالحة للاستخدام للمجتمع المحلي».

وأضافت المنظمة «اضطر زملاؤنا من لانكين وبييري إلى الفرار مع السكان المحليين، ولا يزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولا، ونحن نحاول الاتصال بهم».

وشدد غول بادشاه، مدير عمليات منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان، على أن المؤسسة الخيرية «شاركت إحداثيات نظام تحديد المواقع لجميع منشآتنا مع الحكومة وأطراف النزاع الأخرى من قبل، وتلقينا تأكيدا بأنهم على علم بمواقعنا».

وأضاف أن «القوات المسلحة لحكومة جنوب السودان هي الطرف المسلح الوحيد الذي يملك القدرة على تنفيذ هجمات جوية في البلاد».

وأوضحت منظمة أطباء بلا حدود أنها المزود الصحي الوحيد الذي يخدم نحو 250 ألف شخص في لانكين وبييري، محذرة من أن الهجمات على منشآتها هناك «تعني أن المجتمعات المحلية ستترك من دون أي رعاية صحية».

ويعاني جنوب السودان، الدولة الأحدث عهدا في العالم، من حرب أهلية وفقر وفساد مستشر منذ نيله الاستقلال في عام 2011.

وأحصت منظمة أطباء بلا حدود تعرضها لثماني هجمات في جنوب السودان العام الماضي، ما أدى إلى إغلاق مستشفيين في أعالي النيل الكبرى وتعليق أنشطة الرعاية الصحية العامة في جونقلي وأعالي النيل وولاية الاستوائية الوسطى.

وجاء استهداف مستشفى منظمة أطباء بلا حدود هذا الأسبوع بعد أن فرضت حكومة جنوب السودان في ديسمبر (كانون الأول) قيودا على وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جونقلي، ما حد من قدرة المنظمة على تقديم المساعدات الطبية الأساسية هناك.


مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

ذكرت الشرطة النيجيرية أن مسلحين قتلوا 13 شخصاً على الأقل في شمال نيجيريا، الأربعاء، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تعصف بالدولة الواقعة في غرب أفريقيا، بعد يوم على مقتل نحو 160 شخصاً في وسط البلاد.

وقال المتحدث باسم الشرطة، أبو بكر صادق عليو، في بيان، إن المهاجمين «المسلحين بأسلحة خطيرة، بدأوا في إطلاق النار بشكل متقطع» الثلاثاء، في قرية دوما بمنطقة فاسكاري، في ولاية كاتسينا، شمال غربي البلاد، وأن التحقيقات تجري الآن لتحديد ملابسات الهجوم وهوية المسؤولين.

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

وفي هجوم منفصل، الثلاثاء، قتل مسلحون أشخاصاً عدة في منطقتي: وورو، ونوكو، في ولاية كوارا شمال وسط البلاد، طبقاً لما ذكره حاكم الولاية عبد الرحمن عبد الرزاق، في بيان.

ولم يحدد عدد القتلى، إلا أن تقارير محلية تحدثت عن أكثر من 162 ضحية. ووصف عبد الرزاق الهجوم بأنه «تعبير جبان عن الإحباط من قبل خلايا إرهابية» رداً على العمليات الجارية لمكافحة الإرهاب في الولاية.