البناء والتكيُّف مع تغيُّر المناخ

سياسات عالميّة تدعم أساليب العمارة التقليديّة

ناطحات سحاب مبنية من الطين في مدينة شبام اليمنية القديمة المسورة في محافظة حضرموت (إ.ب.أ)
ناطحات سحاب مبنية من الطين في مدينة شبام اليمنية القديمة المسورة في محافظة حضرموت (إ.ب.أ)
TT

البناء والتكيُّف مع تغيُّر المناخ

ناطحات سحاب مبنية من الطين في مدينة شبام اليمنية القديمة المسورة في محافظة حضرموت (إ.ب.أ)
ناطحات سحاب مبنية من الطين في مدينة شبام اليمنية القديمة المسورة في محافظة حضرموت (إ.ب.أ)

عبر آلاف السنين كانت المساكن تُبنى من مواد طبيعية محلية توافِق مناخ وجغرافيا مناطقها ومجموعة العادات والتقاليد الثقافية لمجتمعاتها. وتنطوي المعارف المتوارثة في البناء على مجموعة من الأساليب العمرانية المميزة، التي تتنوّع بين المنازل ذات الأسقف المغطاة بالأعشاب في الدول الإسكندنافية، وناطحات السحاب الطينية في اليمن، وبينها كثير من التصاميم التي تقوم على الموارد والخبرات المحلية التي يُمكن توظيفها بنجاح في التكيُّف مع تغيُّر المناخ.

تناغم العمارة مع محيطها

تشتمل العمارة التقليدية، لا سيما تلك المستخدمة من عامة المجتمع، على مبانٍ متناغمةٍ مع البيئة المحيطة بها، تأخذ في الاعتبار السمات الجغرافية الفريدة والجوانب الثقافية التي تنتقل من جيل إلى آخر، فتعزز الهوية المحلية والشعور بالانتماء. ومن خلال استخدام المواد المتاحة محلياً وتقنيات البناء الأصيلة، توفّر العمارة التقليدية منشآت أكثر مرونة في مواجهة تحديات تغيُّر المناخ.

وتُعد مدينة شبام اليمنية نموذجاً مهماً لتوضيح كفاءة العمارة التقليدية في إقليم الهضاب شبه الصحراوية الذي يواجه الجفاف والسطوع الشمسي المرتفع. وتوصف المدينة بأنها «مانهاتن الصحراء»، حيث تعتمد العمارة فيها على الانغلاق والنمو عمودياً في أبنية من الطوب ترتفع ما بين 5 و8 أدوار على قواعد متينة من الحجر.

وتُوجّه الفضاءات المعمارية الخدمية في شبام إلى جهة الشمال، فيما تُطلّ الواجهات الرئيسية على الجنوب، وتحتوي فتحات ونوافذ صغيرة لتدفئة المساكن بأشعة الشمس في فصل الشتاء. ويضم الركن الجنوبي الشرقي من المدينة مجموعة من الأبنية العامة المنخفضة الارتفاع، ما يسمح بتوغل أشعة الشمس في فصل الشتاء إلى منطقة السوق.

تتميز مدينة شبام اليمنية القديمة في محافظة حضرموت بأبنيتها المتصالحة مع البيئة (إ.ب.أ)

وتُطلى واجهات الأبنية في شبام بالنورة البيضاء (الجير المطفأ) في قسميها السفلي والعلوي، ما يساعد في عكس أشعة الشمس، فيما يبقى الجزء الوسطي بلون الطوب الطيني لامتصاص الحرارة. كما تُستخدم القمريات، وهي كوى صغيرة في الأسقف مغطاة بالزجاج، لإدخال الضوء الطبيعي. وتساعد مواد البناء المستخدمة وترتيبات توجيه البناء والفتحات في تأمين التوازن الحراري الجيد والتهوية والإضاءة الطبيعيين، كما تسمح بإعادة تدوير المواد المستخدمة لإنشاء مبانٍ جديدة.

وفي العراق، يستخدم عرب الأهوار القصب على نحو فعّال في بناء مساكن قابلة للفك وإعادة التركيب، وتناسب تغيُّرات المياه في نهري دجلة والفرات. وتتميز هذه المساكن بهيكلها الخفيف الوزن، المتوارث بتصاميمه من جدران وأعمدة وأقواس منذ نحو 5000 عام، وهي ذات أسلوب معماري تقليدي ينطوي على حل أصيل للتكيُّف مع الفيضانات.

وكان الإدخال الحديث نسبياً للتقنيات والمواد الجديدة تسبب في تعطيل تقاليد البناء القديمة. ورغم أن المواد الحديثة، مثل الخرسانة والفولاذ، يمكنها تأمين منشآت أكثر ديمومة وأمتن وأخف وزناً، فإن العديد من هياكلها المتجانسة معمارياً غير مهيأة بطبيعتها للمناخات المحلية، وتتطلب غالباً كميات كبيرة من الطاقة للتدفئة أو التبريد.

وتساهم أساليب العمارة المعاصرة في البصمة الكربونية العالمية الكبيرة لصناعة البناء. ويشير تقرير الحالة العالمية للمباني لعام 2020، الصادر عن التحالف العالمي للمباني والتشييد (GlobalABC)، إلى أن صناعة تشييد المباني، إلى جانب الانبعاثات التشغيلية، تجعل حصة الانبعاثات الكربونية لقطاع البناء تعادل 38 في المائة من إجمالي الانبعاثات العالمية المرتبطة بالطاقة.

العودة إلى التصميم بالطاقة المنخفضة

في مواجهة المشاكل البيئية لعمارة الإسمنت المسلّح، التي أصبحت نهجاً عالمياً واسع النطاق بعد الحرب العالمية الأولى، أخذ عدد من المصممين على عاتقهم إحياء أشكال من العمارة التقليدية أكثر مرونة تجاه المناخ وأعلى كفاءة في استخدام الطاقة.

وكانت الدعوة للعودة إلى العمارة التقليدية ظهرت في خمسينات القرن الماضي ضمن مفهوم «العودة إلى الطبيعة»، ثم استُبدلت بـ«الطبيعة» فكرة «التصميم ذو الطاقة المنخفضة»، بسبب مشاكل التلوُّث وتغيُّر المناخ العالمي. وتبع ذلك حركات لتطويع البيئة لما فيه راحة الإنسان وبأساليب متعددة.

وفيما تظهر هذه الاتجاهات بارزةً في قطاع السياحة، حيث يسير عرض الثقافة المحلية جنباً إلى جنب مع مناهج التصميم المستدام ذات التفكير المتقدم، تمثّل تجربة المعماري المصري حسن فتحي نموذجاً رائداً للعمارة المستدامة الموجهة لكل فئات المجتمع، لاسيما الفقراء.

ويُعدّ المهندس حسن فتحي، الذي توفي عام 1989، أشهر المعماريين العرب الذين استخدموا المواد التقليدية ووسائل وأساليب البناء العاميّة للوصول إلى عمارة غير مكلفة للفقراء. وتعتمد مشاريعه على استخدام مجموعة محدودة من الأشكال والهياكل التقليدية كالأقواس، والمساحات المغطاة بالقباب، والشرفات ذات المشربيات التي توفر الإنارة الطبيعية وتضمن الخصوصية، وأبراج الرياح (الملاقف أو البراجيل) التي تمثّل حلاً طبيعياً لمشكلة المناخ الحار.

وبسبب القيمة التي ينسبها إلى العمل اليدوي، ولأسباب اقتصادية وثقافية، كان المهندس حسن فتحي يلجأ إلى التقنيات التقليدية التي تقلل بشكل كبير من استخدام الآلات وتستغل الموارد المتاحة والرخيصة، مثل التراب والقش والحجارة. ولذلك فإن مادة البناء التي يستخدمها في عمارته كانت الطوب المجفف بالشمس والمصنوع من التراب والقش (اللِبن)، أو الحجارة المحلية، أو الطوب المحروق.

بوابة مدينة شبام اليمنية القديمة المسورة في محافظة حضرموت وتعد أقدم مدينة في العالم تستخدم البناء الرأسي (إ.ب.أ)

وتقوم فلسفة حسن فتحي على إعطاء الطبيعة الأسبقية عند تصميم المنشآت الجديدة، ويرى ضرورة أن يراعي الشكل المعماري قوى الطبيعة من رياح ومطر وغيرها. ولذلك جاءت تصاميمه منسجمة مع محيطها، ومنخفضة الكلفة، وذات بصمة كربونية محدودة عند التشييد وخلال الاستثمار.

ويوظّف المعماريون أساليب العمارة التقليدية وموادها في أكثر المناطق تعرضاً لموجات الحر، كاستجابة لمشاكل تغيُّر المناخ. ويُعدّ تصميم وتخطيط مسجد الشيخ زايد في أبوظبي من أفضل الأمثلة على العمارة التقليدية، وهو يستفيد من عناصر التصميم الشائعة في المنطقة مثل استخدام الألوان الفاتحة، والأفنية المركزية، والتشكيلات المائية، والممرات الطويلة والضيقة التي توفر الظل والتهوية الطبيعية. ويؤثر اتجاه المبنى وتخطيطه أيضاً على عمل ساحاته الداخلية ويعزز تدفق الرياح المباشرة فيها لتلطيف درجة حرارة المكان.

وفي المغرب، حيث يتعذّر استخدام الطوب مادة هيكلية في تشييد الأبنية العامة بسبب ضعف مقاومته للزلازل، قام معماريون بتوظيف التصاميم المستخدمة في العمارة الطينية المحلية ضمن عمارة الباطون المسلح لتحسين دورة الهواء والتحكم في الضوء. ويظهر ذلك في تصميم المدرسة العليا للتكنولوجيا في مدينة كلميم، حيث وُضعت النوافذ الكبيرة على الواجهات الشمالية والنوافذ الصغيرة على الواجهات الجنوبية للتحكم في كمية أشعة الشمس المباشرة التي تدخل المبنى وتوفّر الإضاءة الطبيعية. ويُحسِّن تموضع كتل المباني تدفق الهواء ضمن مجمّع المدرسة، ما يشكّل نظام تبريد طبيعي ينفي الحاجة لتركيب أجهزة التكييف رغم المناخ الحار في شمال أفريقيا.

سياسات تدعم الخروج من القوالب العمرانية

في السعي للحدّ من الانبعاثات الكربونية، تفرض السياسات العالمية الجديدة البحث عن أساليب بناء مستدامة توظّف الخبرات المتوارثة محلياً بكلفة قليلة. وعلى سبيل المثال، أطلقت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مبادرة جديدة لتقليل الانبعاثات عبر توجيه الوكالات الفيدرالية لشراء مواد بناء ذات انبعاثات أقل، وتشجيع الولايات والحكومات المحلية على فعل الشيء نفسه في الأبنية المدعومة فيدرالياً. ومؤخراً، أضافت اليابان متطلبات العزل وخفض استهلاك الطاقة إلى برنامج الرهن العقاري الحكومي، بحيث تحظى المنازل القليلة الانبعاثات بأسعار فائدة مخفّضة.

ويتّسع توظيف الخبرات والموارد المحلية في مواجهة تغيُّر المناخ عمرانياً، ليشمل أيضاً المرافق العامة والتخطيط الحضري. ففي فرنسا، التي تواجه موجات حر متعاقبة منذ سنوات، جرى تبني برنامج لتحويل 761 مدرسة في باريس إلى جزر خضراء للمساعدة في التخفيف من ظاهرة جزر الحرارة الحضرية الناتجة عن انتشار الأسطح القاتمة ضمن المدن. وفي جنوب أفريقيا، يتسبب اعتماد مدينة كيب تاون على الهطولات المطرية لتأمين المياه العذبة في حدوث حالات جفاف كارثية، ونتيجة لذلك يجري استبدال أنواع محلية بديلة أكثر تحملاً للجفاف بالمروج والنباتات الحساسة للماء.

إن مستقبل العمارة يكمن في سد الفجوة بين التقاليد والابتكار، حيث تقدم ممارسات البناء التقليدية معرفة قيمة وإلهاماً للمعماريين الذين يسعون جاهدين من أجل مستقبل مستدام يحافظ على الثقافة والهوية ويقاوم تغيُّر المناخ في الوقت ذاته. وفيما يفرض الاحترار العالمي على العمارة المحلية إعادة التفكير في علاقتها ببيئتها القريبة، يصبح الخروج من قوالب العمارة المستحدثة لاستكشاف إمكانات العمارة التقليدية أمراً محتوماً أكثر من أي وقت مضى.


مقالات ذات صلة

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
يوميات الشرق مخطط يوضح حدود المحمية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

محمية «الإمام عبد الرحمن بن فيصل»... تنوّع طبيعي يجمع جبال طويق والكثبان والأودية

لا يؤثر تأسيس المحمية في الملكيات القائمة ولا يتضمن الإعلان نزع ملكية أراضٍ أو عقارات.

غازي الحارثي (الرياض)
علوم قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

ألواح الفلين والزجاج تضفي لمسة جمالية وملمساً مميزاً يكمل مظهر الجدران المطبوعة في قرية طلابية بالدنمارك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق سماء العُلا المرصعة بالنجوم تعكس انخفاض التلوث الضوئي ووضوح الأجرام السماوية ليلاً (واس)

العُلا تحرس زرقة سمائها من الواحات إلى النجوم بمنظومة بيئية مستدامة

تبني العُلا منظومة بيئية مستدامة تجمع مراقبة التلوث واستعادة الغطاء النباتي وحماية سمائها من التلوث الضوئي.

«الشرق الأوسط» (العلا)

العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
TT

العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)

مثُل 6 فرنسيين، الأحد، أمام القضاء في العراق؛ حيث يُحتَجز الآلاف من المشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» من جنسيات مختلفة بانتظار محاكمتهم.

وتلا قاضي محكمة الكرخ أمام المتهمين لائحة الاتهام الموجهة إليهم ومن ثم تلا انتداب محامين للدفاع عن المتهمين مع السماح للطرفين بالاجتماع ، ومن ثم تقرر رفع جلسة المحاكمة الأولى إلى الخامس من الشهر المقبل.

وأكّد مصدر قضائي عراقي، الخميس، أن الفرنسيين الـ6 الذين لم يكشف عن هويّاتهم هم ضمن مجموعة أولى من 47 مواطناً فرنسياً نُقلوا إلى العراق سنة 2025 من سوريا المجاورة، حيث استولى التنظيم على مناطق شاسعة اعتباراً من 2014، قبل أن يتمّ دحره من البلدين اللذين ارتكب فيهما مجازر وأعمالاً وحشية، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن بين هؤلاء أدريان غييال المعروف بنشاطه الإرهابي والذي تبنّى، خصوصاً باسم تنظيم «داعش»، الهجوم الذي نُفِّذ في نيس (جنوب فرنسا) وأودى بحياة 86 شخصاً في 14 يوليو (تموز) 2016 في يوم العيد الوطني الفرنسي.

وفي الأعوام الماضية، أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة، على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل، بحق أشخاص بينهم أجانب.

وفي عام 2019، صدرت أحكام إعدام في حقّ 11 مواطناً فرنسياً حُفّضت عقوباتهم في درجة الاستئناف إلى السجن مدى الحياة.

وندّدت مجموعات حقوقية بالطابع المستعجل لهذه المحاكمات التي تُقام في قضايا «إرهاب»، مشيرة إلى أنها لم تتقيّد بالضمانات الإجرائية اللازمة.

وما زال هناك كثير من الشهادات تنتظر التحقيق فيها حول أعمال العنف الوحشية التي ارتكبها التنظيم المتشدّد في العراق، حيث خلّف مقابر جماعية كثيرة لم تُكتشف كلّها بعد، وبعضها لم يتم فتحه.

محاكم كثيرة مقبلة

وطالب محامون فرنسيون أُبلغوا باقتراب موعد الجلسات، باريس بإعادة مواطنيها الذين قد يواجهون عقوبة الإعدام «على نحو عاجل».

وفي بيان نُشر الخميس، ندَّد المحامون ماري دوزيه، وماتيو باغار، وفيكتوار دوميير، وبولين غامبا-مارتيني، وباتيست فاشون، بانعدام الشفافية في الإجراءات القضائية في العراق وتعذُّر تمثيل الموكِّلين المحرومين، في نظرهم، من حقّهم في الدفاع عن أنفسهم.

وباتت السجون العراقية المكتظة أصلاً بأعضاء يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»، تضمّ آلاف السجناء الإضافيين الذين نُقلوا إليها منذ العام الماضي من سوريا.

وفي مطلع عام 2026، نُقل إلى العراق أكثر من 5700 شخص من نحو 60 جنسية يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» بعدما أمضوا سنوات في مخيّمات سورية بإدارة القوّات الكردية. ومن بينهم 5 مواطنين فرنسيين على الأقلّ، منهم مَن كان قاصراً عندما التحق أهله بالتنظيم.

وفي مطلع سبتمبر (أيلول)، أعلن القضاء العراقي استكمال استجواب أكثر من 5700 شخص يُشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش، و«الانتقال إلى المرحلة القضائية التالية المتمثلة في إحالتهم على محكمة الموضوع».

وأسفرت التحقيقات عن «كشف عدد من العناصر شديدة الخطورة (...) وقيادات من الصف الأول» في تنظيم «داعش»، وعن «معلومات مرتبطة بجرائم جسيمة ذات بعد دولي ارتُكبت بحق المجتمع الإيزيدي»، بحسب مجلس القضاء الأعلى العراقي.

والإيزيديون أقلية ناطقة باللغة الكردية تتبع ديانة خاصة، وكانت قد تمركزت بشكل أساسي في شمال العراق قبل تعرضها لهجمات واضطهاد من جانب «داعش» بدءاً من الثالث من أغسطس (آب) 2014، وفرار أفرادها جماعياً بعد ذلك.

وأدّت التحقيقات كذلك إلى تسليم فنلندي وأميركي لسلطات بلديهما في أبريل (نيسان)، وإطلاق سراح7 عراقيين، بينما يجري «استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاق سراح 457 محتجزاً من الجنسية السورية ممَّن لم تثبت بحقهم أدلة تستوجب استمرار الإجراءات القضائية بحقهم»، وفق مجلس القضاء الأعلى العراقي.

وكان تنظيم «داعش» سيطر على مساحات واسعة في شمال العراق وغربه اعتباراً من عام 2014، إلى أن تمكَّنت القوات العراقية من دحره في 2017، بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

وفي سوريا حيث هُزم التنظيم في عام 2019، احتُجز آلاف المشتبه بانتمائهم للجماعات المتطرف مع عائلاتهم، وبينهم أجانب، في سجون ومخيمات تولت إدارتها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» حتى يناير (كانون الثاني) 2026.


السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
TT

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)

أكدت السعودية التزامها بمواصلة جهودها الدولية والإقليمية لتعزيز استدامة الموارد البحرية، ومكافحة الصيد غير القانوني، ودعم الحوكمة الرشيدة للمصايد؛ بما يسهم في حماية الأمن الغذائي العالمي واستدامة النظم البيئية البحرية.

جاء ذلك خلال مشاركة وفدها الذي رأَسه الدكتور علي الشيخي الوكيل المساعد للثروة الحيوانية والسمكية بوزارة البيئة والمياه والزراعة، في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (COFI37)، والحدث الرفيع المستوى للاحتفال بمرور عشر سنوات على دخول اتفاق تدابير دولة الميناء حيز النفاذ، بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في العاصمة الإيطالية روما.

وأوضح الشيخي خلال كلمته أن المملكة تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية والازدهار، وأن التحديات التي تواجه الموارد البحرية تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب استجابة دولية متكاملة تقوم على التعاون والشفافية والابتكار والالتزام بالتنفيذ.

وأشار إلى أن المملكة انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» تواصل تطوير منظومتها الوطنية لإدارة المصايد البحرية، وتعزيز أطر الحوكمة والرقابة والامتثال، ورفع كفاءة التفتيش، وتحسين جودة البيانات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التتبع والرصد؛ بما يعزز الإدارة المستدامة للموارد البحرية، ويرسخ شفافية سلاسل الإمداد، ويدعم تنمية الاقتصاد الأزرق.

وأكد أن البحر الأحمر يحظى بمكانة خاصة في جهود السعودية، لما يتميز به من تنوع أحيائي فريد ونظم بيئية ذات أهمية بيئية واقتصادية وتنموية، مبيناً أن المملكة تعمل على ترسيخ نموذج متوازن بين طموحات التنمية ومتطلبات الاستدامة، عبر حماية الموائل البحرية الحساسة، وتنظيم أنشطة الصيد، وتعزيز الرقابة والتتبع، وتطوير إدارة عمليات الإنزال، وتشجيع ممارسات الصيد المسؤولة والمستدامة.

تشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (واس)

وشدد على أهمية تعزيز الشراكة الإقليمية بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وتبادل المعلومات والبيانات، وتكامل أعمال الرقابة والتفتيش، وبناء القدرات؛ بما يسهم في حماية موارده واستدامتها للأجيال القادمة.

وتشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك، التي تنعقد خلال الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر (أيلول) الجاري، وتناقش قضايا رئيسية في قطاعي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، بينها تقرير «حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2026»، والتقدم المحرز في مكافحة الصيد غير القانوني، وتنفيذ الصكوك الدولية ذات الصلة، والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، ودعم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية صغيرة النطاق.

وأكدت السعودية أهمية الانتقال خلال المرحلة المقبلة من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، ومن الاستجابة للمخالفات إلى استباقها، مع تعزيز التكامل بين دول العلم والساحل والميناء والسوق، وتوسيع استخدام أنظمة الرصد والتتبع وتحليل البيانات والتقنيات الحديثة.

كما جددت التزامها بمواصلة العمل مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية والشركاء؛ لتعزيز الحوكمة الرشيدة للمصايد، ومواجهة الصيد غير القانوني، ودعم استدامة الموارد البحرية والأمن الغذائي العالمي، وتحويل الالتزامات الدولية إلى نتائج وأثر مستدام.


ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
TT

ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التابعة للأمم المتحدة، الخميس، من أن ظاهرة «النينيو» القادمة ستكون الأقوى منذ بدء تسجيل بيانات مماثلة قبل 4 عقود، وكما صرح الأمين العام للأمم المتحدة بأن العالم في «منطقة خطر الطقس المتطرف». وأفادت المنظمة بأن هذه الظاهرة المناخية ستصبح «شديدة للغاية» في الأشهر المقبلة.

وقالت سيليست ساولو، رئيسة المنظمة، للصحافيين في جنيف: «إذا استمر هذا المسار، فقد تكون هذه الظاهرة أقوى من أي شيء شهدناه منذ بدء رصدنا لها». وتؤدي ظاهرة النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار. وتحدث ظاهرة النينيو عادةً كل سنتين إلى 7 سنوات، وتستمر من 9 إلى 12 شهراً. ويمكنها أن تُغير أنماط الطقس والمناخ على بُعد آلاف الكيلومترات من المحيط الهادئ الاستوائي.

التأثير المتوقع على منطقتنا العربية

قال جوش ويليس، عالم محيطات في مختبر الدفع النفاث في جنوب كاليفورنيا، أحد المختبرات التابعة لوكالة «ناسا» الأميركية: «يمتد نطاق ظاهرة النينيو إلى ما هو أبعد من المحيط الهادئ. حيث تتفاعل هذه الحرارة المخزنة مع الغلاف الجوي، مُحدثةً تيارات الحمل الحراري، ومؤديةً إلى تغيرات في أنماط الرطوبة وهطول الأمطار بعيداً عن المنطقة التي بدأت فيها».

تظهر الخريطة موجة دافئة عملاقة تعبر المحيط الهادئ (ناسا)

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للمنطقة العربية، يميل الوضع نحو ظروف أكثر رطوبة من المعتاد في أجزاء من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ومنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فيما تميل شمال أفريقيا عادةً إلى الجفاف. لكن هذه مجرد مؤشرات، وليست ضمانات.

فظاهرة النينيو هي أحد العوامل المؤثرة من بين مجموعة عوامل، ويمكن للأنماط الإقليمية أو الظواهر المناخية الأخرى، مثل تأثيرات ظاهرة النينيو في المحيط الهندي، أن تُضخّم أو تُبطل من هذا التأثير. وضربت عاصفة جوية صيفية نادرة وحالة من عدم الاستقرار الجوي لبنان وسوريا في أواخر شهر أغسطس (آب) 2026، مما أدى إلى هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة في هذا الوقت من العام وتشكل سيول مفاجئة.

وقال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «إن الطبيعة الجغرافية للمنطقة العربية والتضاريس الموجودة فيها من جبال ووديان ومنخفضات قد يعرض السكان في مثل هذه الظروف لخطر السيول، وحالات من عدم استقرار الظواهر المناخية والطقس، خصوصاً في الفصول الانتقالية مثل الربيع والخريف».

وأَضاف أن المنخفضات الجوية أيضاً هي أحد مظاهر فصل الخريف وتتكون على منطقة الشرق الأوسط، بعضها قادم من القارة الأفريقية من الجنوب وشمال السودان، وهناك أخرى تكون قادمة من جنوب أوروبا وتؤثر على المناطق الشمالية من المنطقة العربية. وتتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تشتدّ ظاهرة النينيو لتصبح حدثاً قوياً للغاية في الأشهر المقبلة، مع تأثيرات كبيرة على أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة، وما يصاحبها من مخاطر الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة».

مخاوف من تأثير ظاهرة النينيو على الزراعة في المنطقة العربية (د.ب.أ)

ووفق التحديث المناخي الموسمي العالمي فإن هناك احتمالاً كبيراً لارتفاع درجات الحرارة عن المعدل الطبيعي في معظم المناطق البرية. وتمتد أقوى مؤشرات هذا الاتجاه عبر أفريقيا، وجنوب أوروبا، وشبه الجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، وشرق آسيا، ومناطق أخرى من العالم.

وتُظهر توقعات هطول الأمطار للفترة من أغسطس إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2026 أنماطاً نموذجية لظاهرة النينيو القوية. ومن المتوقع هطول أمطار أكثر من المعتاد على منطقة القرن الأفريقي، وأجزاء من آسيا الوسطى، وجنوب أوروبا، وكذلك في مناطق أخرى بعيدة من العالم. في المقابل، من المرجح أن تسود ظروف أكثر جفافاً من المعتاد في شبه القارة الهندية، وجنوب وشرق أستراليا، وجنوب أميركا الوسطى وأجزاء من منطقة البحر الكاريبي، وشمال غرب أميركا الجنوبية، وشمال أوروبا.

الآثار الاستراتيجية على المنطقة العربية

ووفق مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري) يتزامن حدث النينيو لعام 2026 مع اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد، لا سيما حول مضيق هرمز. ويخلق هذا وضعاً بالغ الخطورة لانعدام الأمن الغذائي، حيث تتضافر عوامل فشل المحاصيل الناجمة عن تغير المناخ مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود.

ووفق قطب فإن أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية هي الزراعة؛ لأن المحاصيل الزراعية تحتاج لظروف مناسبة من درجة الحرارة والرطوبة ومعدلات المطر. وأضاف أن النقل البحري أيضاً أحد أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية، لا سيما شدة الأمطار وارتفاع الأمواج، وهو ما قد يؤثر على سلاسل الإمداد في المنطقة.

تؤدي النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

وحسب سيداري فإنه من المتوقع أن يؤدي النقص الناتج في المياه والغذاء، خصوصاً في المناطق الزراعية، إلى تأجيج التوترات على مستوى المجتمعات المحلية، والنزاعات المحلية، والاحتجاجات المتعلقة بالمياه. وقد تهدد موجات الحر الشديدة والفيضانات المفاجئة المحتملة البنية التحتية.

يقول ويليس: «لتأثيرات ظاهرة النينيو تداعيات اقتصادية عالمية. فالمياه الدافئة التي نرصدها من الفضاء لها ثمنها، وقد يظهر هذا الثمن في أسعار أعلاف الحيوانات والغذاء بعيداً عن المحيط الهادئ».

إدارة استباقية

وتُعد المنطقة العربية شديدة التأثر بتقلبات أسعار الغذاء العالمية، التي من المرجح أن تزيدها ظاهرة النينيو. ويؤدي تداخل الصراعات مع الظاهرة المناخية إلى تعطيل إنتاج ونقل الأسمدة النيتروجينية، وهي ضرورية لإنتاج الغذاء في المنطقة. ومع وجود 19 دولة عربية تعاني بالفعل من شح المياه، فإن النينيو تهدد بشكل مباشر إمدادات المياه الأساسية، وفق سيداري.

وحثت رئيسة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ساولو، سلطات إدارة الكوارث والقطاعات الحساسة للمناخ، مثل الزراعة ومصايد الأسماك والصحة والطاقة والمياه، على الاستعداد. وقالت: «إن ظاهرة النينيو الاستثنائية هذه لديها القدرة على توجيه ضربة قوية للمجتمعات والاقتصادات في جميع أنحاء العالم».

مخاوف علمية من حدوث سيول وفيضانات مفاجئة (أ.ب)

وشدد قطب على ضرورة اتخاذ الدول التدابير اللازمة للتكيف مع التغيرات المناخية، مثل سياسات التحول من استخدام الوقود الأحفوري إلى الطاقات الجديدة والمتجددة، والدفع نحو استخدام السيارات الكهربية والقطارات الحديثة الموفرة للطاقة والتي تقلل من نسب التلوث البيئي أيضاً، وبالطبع التوسع في إقامة المناطق الخضراء، وإنشاء مبانٍ سكنية صديقة للبيئة.

ووفق سيداري، تتطلب ظاهرة النينيو لعام 2026 إدارةً استباقيةً ومعززةً للموارد، بما في ذلك تسريع الاستثمارات في تحلية المياه والزراعة المستدامة، وتأمين طرق بديلة لإمدادات الغذاء، وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لإدارة الاضطرابات الاجتماعية المحتملة. كما أنه لا بدّ لنا من التساؤل: هل بنيتنا التحتية العربية مُهيأة لمواجهة ظاهرة مُتفاقمة على كوكبٍ ذي حساسيةٍ أعلى وحمايةٍ أقلّ؟ هل إجراءاتنا المعتادة للإغاثة الزراعية والإنسانية كافيةٌ لمواجهة تحوّل جذري؟ إننا نشهد أزمة متوقعة تواجه عالماً غير مُستعد. لم يعد السؤال ما الذي سيحدث، بل هل نحن أخيراً على أهبة الاستعداد للاستجابة لما يُشير إليه هذا الحدث؟