الحكومة الفرنسية متهمة باستخدام إجراء لمكافحة الإرهاب ضد ناشطين أوروبيين

القرار كان بهدف منع رحيل الشباب إلى العراق وسوريا للالتحاق بالجهاد

استنفار أمني فرنسي في أحد شوارع مدينة لافور (جنوب غربي فرنسا) بعد أن أطلق رجل النار على مساعد رعاية في 26 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
استنفار أمني فرنسي في أحد شوارع مدينة لافور (جنوب غربي فرنسا) بعد أن أطلق رجل النار على مساعد رعاية في 26 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
TT

الحكومة الفرنسية متهمة باستخدام إجراء لمكافحة الإرهاب ضد ناشطين أوروبيين

استنفار أمني فرنسي في أحد شوارع مدينة لافور (جنوب غربي فرنسا) بعد أن أطلق رجل النار على مساعد رعاية في 26 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
استنفار أمني فرنسي في أحد شوارع مدينة لافور (جنوب غربي فرنسا) بعد أن أطلق رجل النار على مساعد رعاية في 26 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

تواجه وزارة الداخلية الفرنسية اتهامات بتحوير «الحظر الإداري من دخول الأراضي» الذي أقر بالأساس بحق الجهاديين، من أجل منع مواطنين أجانب من التظاهر في فرنسا، في إجراء يقول منتقدوه إنه بات يستهدف الناشطين الأجانب البيئيين و«الراديكاليين».

في نهاية مارس (آذار)، توجهت مجموعة من البيئيين السويسريين إلى سانت سولين بوسط غربي فرنسا، للمشاركة في احتجاجات مقررة في نهاية الأسبوع ضد مشروع «الأحواض العملاقة» لاحتجاز احتياطات مسحوبة من المياه الجوفية، بدعوة من المجموعة البيئية «انتفاضات الأرض» التي حلتها الحكومة لاحقاً.

ضباط من الشرطة الفرنسية (أرشيفية متداولة)

وأوقف الناشطون عشية التظاهرة، خلال تدقيق في الهوية. وروى أحدهم اسمه لو (تم تغيير الاسم الأول) لوكالة الصحافة الفرنسية، أنه عندما قدم هويته لعناصر الدرك «ظهر شيء ما على شاشتهم»، فقال له الدركي: «ليس من المفترض أن تكون على الأراضي الفرنسية».

واكتشف الناشط البالغ من العمر 24 عاماً، أنه موضع «حظر إداري من دخول الأراضي» صدر بحقه، كما أُبلغ في اليوم السابق، باعتبار أن وجوده في فرنسا «سيشكل تهديداً».

ولم يعرف مزيداً من التفاصيل، لكنه أمضى 4 ليالٍ في زنزانة.

وتم ترحيله بالطائرة مكبل اليدين بمواكبة 3 شرطيين إلى مطار جنيف، وتسليمه إلى الشرطة السويسرية التي اكتفت بمرافقته خارج المطار. وأوضح: «قالوا لي ليس لدينا أي شيء ضدك، نتمنى لك يوماً سعيداً».

ويستند الإجراء الذي استهدفه إلى قانون لمكافحة الإرهاب صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وكان يهدف في ذلك الوقت إلى منع رحيل الفرنسيين الشباب إلى العراق وسوريا للالتحاق بالجهاد.

وأضيف إلى النص أثناء مناقشته حظر «دخول» إلى الأراضي الفرنسية، يستهدف «المقاتلين الإرهابيين الأجانب».

ويمكن إصدار الحظر بحق أي مواطن من بلد أوروبي «عندما يشكل وجوده في فرنسا، بسبب سلوكه الشخصي، سواء على صعيد النظام العام أو الأمن العام، تهديداً حقيقياً وواقعياً وخطيراً، بما يكفي لمصلحة أساسية للمجتمع».

إجراء «يقضي على الحرية»

ويجب تبرير الإجراء إلا إذا كانت «اعتبارات تمتّ إلى أمن الدولة تمنع ذلك». وأكدت المحامية المتخصصة في حقوق الأجانب كاميل إسكويلييه، أن هذا الإجراء «شديد القيود» لم يكن يستهدف في السابق «سوى الإرهابيين المتطرفين».

ويتهم كثير من المحامين الحكومة بالإفراط في استخدام الحظر الذي «يقضي على الحرية»، المخصص بالأساس لأشخاص يشكلون «خطراً بالغاً» لإبعاد المعارضين السياسيين، وفق ما أوضحت المحامية كاميل فانييه.

وأعلن وزير الداخلية جيرالد دارمانان في مطلع يونيو (حزيران) على «تويتر»، «17 حظراً» في باريس، بحق «عناصر من اليسار المتطرف قادمين من الخارج»، في الذكرى العاشرة لمقتل الناشط المعادي للفاشية كليمان ميريك، الذي قتل بأيدي «حليقي رؤوس» من أقصى اليمين.

وبعد أسبوعين، أعلن الوزير «رد 96 مواطناً أجنبياً معروفين لدى الأجهزة (الأمنية) على الحدود» قبل تظاهرة ضد خط القطار فائق السرعة بين ليون وتورينو.

وأكد مصدر أمني رداً على أسئلة وكالة الصحافة الفرنسية، أن الوزارة «لطالما استخدمت هذه الأداة في سياق تدارك الإرهاب»، كما استخدمتها «منذ فترة طويلة للحفاظ على النظام العام، عند توقع تظاهرات تنطوي على مخاطر وعند رصد مشاركة ناشطين عنيفين قادمين من الخارج»، مؤكداً أنها تستخدم «على الدوام بصورة فردية ومحدودة الهدف».

غير أن هذا التبرير لا يقنع المحامين جون بينغهام وفيصل خلف وأميد خلوف وألكسندر ميسل وكاميل فانييه الذين يعدون لتقديم التماسات لصالح نحو 25 إيطالياً منعوا من دخول الأراضي الفرنسية، على أمل أن يقر القاضي بـ«عدم شرعية» هذه التدابير.

ولوكا من «المواطنين الإيطاليين» الذين منعوا من الدخول على الحدود قبل التظاهرة ضد خط القطار فائق السرعة، رغم أن الشاب الذي يدرس في إيطاليا فرنسي وأبرز بطاقة هويته لعناصر الدرك».

سوابق

وهو طعن في قرار منعه من دخول الأراضي الفرنسية أمام المحكمة الإدارية، لكن وزارة الداخلية ألغت الإجراء عشية الجلسة، مبددة بذلك فرص مناقشة الموضوع أمام القضاء.

وجاء في الوثيقة التي اطلعت عليها وكالة الصحافة الفرنسية، أنه «تبين من معلومات جمعت لاحقاً أن لوكا إكس مواطن فرنسي».

ورأى محامي الشاب جون بينغهام أن «هذا يدعو إلى التشكيك في (العمل الاستخباراتي) الذي جرى قبل الإجراء»، مشتبهاً بأن القرارات «اتخذت بالصورة الملائمة عند الحدود».

وأوضحت وزارة الداخلية رداً على أسئلة بهذا الصدد، أنها تستهدف الأشخاص بموجب «معلومات استخباراتية» يتم جمعها عنهم و«سوابقهم»، غير أن القرارات التي اطلعت عليها وكالة الصحافة الفرنسية تتشابه بصورة مدهشة باستثناء الأسماء وتواريخ الولادة.

وتذكر القرارات المتعلقة بالمتظاهرين ضد خط القطار أن جمعية «انتفاضات الأرض»، «معروفة باعتبارها العنف ضرورة من أجل دفع القضية البيئية قدماً».

وهي تنص على أن الحركة «سبق أن عبّأت التيار الأوروبي المناهض للفاشية، وعلى الأخص التيار الإيطالي، الذي أظهر قدراً خاصاً من العنف، وتواجه بصورة عنيفة مع قوات حفظ النظام، ما تسبب بكثير من الإصابات الخطيرة والأضرار».

أما بالنسبة لتظاهرات إحياء ذكرى كليمان ميريك، التي جرت في السنوات الأخيرة من دون حوادث، فتذكر القرارات أن «التظاهرة الضخمة التي يفترض أن يشارك فيها ناشطون من اليسار المتطرف من جنسيات مختلفة (تبعث) مخاوف من ارتكاب أعمال عنف»، وتنطوي على «مخاطر وقوع مواجهات مع ناشطين من اليمين المتطرف».

ولا تأتي القرارات على ذكر أي سوابق أو سجل عدلي للأشخاص المستهدفين، مكتفية بالإشارة إلى أنهم «ممنوعون من دخول» الأراضي الفرنسية، لأنهم «قد يتوجهون» إلى التظاهرة، و«ينضمون إلى مجموعة تسعى إلى تدبير عمل عنيف».

وتبلّغ 3 ناشطين إيطاليين مناهضين للفاشية قدموا للمشاركة في مسيرة إحياء ذكرى كليمان ميريك في مطلع يونيو، في باريس قرار «منعهم من الدخول» بعيداً عن الحدود.

وكان الثلاثة في صيدلية بضاحية باريس قبل التظاهرة المقررة بعد الظهر، حين تم توقيفهم، ما يعني برأي محاميتهم كاميل فانييه «أنه كان يتم تعقبهم».

وعلى غرار لو، بقي الإيطاليون الثلاثة أياماً عدة قيد الاعتقال قبل إطلاق سراحهم.

وقالت فانييه: «لم يكن هناك أي عنصر يتعلق بارتكابهم أي عمل عنف، ربما يرد عنصر أمام المحكمة الإدارية». لكن من غير المتوقع الحصول على إجابة قبل عام ونصف العام، بسبب المدة التي تستغرقها الجلسات.

ولم يتسنَّ للمحامين تقديم التماسهم وفق آلية مسرعة، لأن تدابير الحظر محدودة المدة، وهي سارية لمدة أسبوع بالنسبة لتكريم كليمان ميريك، و10 أيام بالنسبة للتظاهرة ضد خط القطار.

وذكّرت وزارة الداخلية وكالة الصحافة الفرنسية، بأن القانون لا ينص على «مدة معينة»، وأنها تحددها بالتالي بموجب «مدة الحدث المعني».

وعلقت كاميل فانييه بأن هذا «أمر لا يصدق إطلاقاً»، مؤكدة أن الإجراء غير معد لتطبيقه لبضعة أيام فقط، إذ ينص القانون على إعادة النظر في القرار كل 5 سنوات.

وقالت إنه «إجراء عاجل لمنع إرهابيين محتملين من القدوم لارتكاب اعتداءات في فرنسا، وهو يستخدم اليوم بهدف الحفاظ على النظام».

ويؤكد لو الناشط البيئي الشاب السويسري، أنه لم يتوجه إلى سانت سولين «لرشق عناصر الدرك بالحجارة»، مثلما اتهمت الحكومة المتظاهرين.

وتمكن لو الذي يسكن «على بعد مائتي متر من الحدود» ويقيم بين سويسرا وفرنسا، من تقديم التماس عاجل أمام القضاء، إذ إن حظره من الدخول غير محدود المدة.

وجرت الجلسة الأسبوع الماضي، لكن محاميته كانت وحيدة أمام القاضية في محكمة باريس الإدارية، في غياب ممثل عن وزارة الداخلية، إذ إن القرار ألغي في اليوم السابق. وكتبت الوزارة: «بعد إعادة النظر في الوضع، ليس هناك ما يدعو إلى إبقاء الحظر سارياً».


مقالات ذات صلة

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)
آسيا تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا 31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان، والشبهات تحوم حول حركة «طالبان» باكستان وتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (إسلام أباد)
أفريقيا مسيحيون بعد عودتهم إلى ولاية كادونا كانوا قد اختُطفوا من قبل مجموعات مسلحة في كومين والي (أ.ب)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

نُشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»... وعمدة محلي يقول إن الهجوم استمر ساعات دون أي تدخل عسكري.

الشيخ محمد (نواكشوط)

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
TT

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)

قال جهاز الأمن الاتحادي الروسي، اليوم الأحد، إن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى روسيا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال محققون إن اللفتنانت جنرال أليكسييف، الذي يشغل منصب نائب رئيس المخابرات العسكرية، تعرض لعدة طلقات نارية في بناية سكنية في موسكو، يوم الجمعة. وذكرت وسائل إعلام روسية أنه خضع لعملية جراحية بعد الإصابة.

وأشار جهاز الأمن الاتحادي الروسي إلى أن روسياً يدعى ليوبومير كوربا اعتقل في دبي للاشتباه في تنفيذه الهجوم.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء محاولة الاغتيال التي قال إنها تهدف لإفساد محادثات السلام.

وقالت كييف إنه لا علاقة لها بإطلاق النار عليه.

ويقود الأميرال إيغور كوستيوكوف، رئيس المخابرات العسكرية ومدير أليكسييف، الوفد الروسي في مفاوضات مع أوكرانيا في أبوظبي بشأن الجوانب الأمنية في اتفاق سلام محتمل.


زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».