الوشوم... خفايا تستدعيها الروح للإقامة على الجسد

حكاية كلوي أنطون التي ترسم لتَبادُل الشفاء

كلوي أنطون في الوسط بين رسومها (حسابها في «إنستغرام»)
كلوي أنطون في الوسط بين رسومها (حسابها في «إنستغرام»)
TT

الوشوم... خفايا تستدعيها الروح للإقامة على الجسد

كلوي أنطون في الوسط بين رسومها (حسابها في «إنستغرام»)
كلوي أنطون في الوسط بين رسومها (حسابها في «إنستغرام»)

كلوي أنطون، لبنانية غادرت بيروت للإقامة بين باريس ونيويورك، مصطحبة معها سنواتها الخمس والعشرين. دفعتها ذهنية تُرغم الأبناء على الاستجابة لمشيئة الآباء والالتحاق باختصاصات يفقدون الودّ حيالها، إلى دراسة إدارة الأعمال، لكنّ الحاجة إلى أن تصبح رسّامة وشوم غمرتها في سنّ الرابعة عشرة. من أجل ذلك الإلحاح، شاءت هجر المدرسة. لم تتقبّل العائلة: «تخصّصي بما يُلائم، وطاردي، لاحقاً، الشغف».

من رسوم كلوي أنطون المولعة في الوجوه (حسابها في «إنستغرام»)

لحقت بأنثى الوشوم نظرة إدانة، مُنطلقها ذهنية تربط هذه الصنعة بالرجل وتصنّفه ضمن خانة يمكن إلحاق المتسكّعين فيها. بالنسبة إليها، اتّضح الاتجاه منذ البداية. تُخبر «الشرق الأوسط» قصتها، وهي تدرك منذ تشكُّل الوعي بأنّ الرسم يحرّكها. عرقل الرفض التحاقَها بكلية الفنون بذريعة أنّ مستقبل ممتهني الريشة واللون غيره مستقبل المنكبّين على الأرقام. أمام معادلة مشروطة مفادها أنْ تلقى دعم العائلة وتمويلها إنْ تخصّصت في عالم الأعمال، أو أنْ تختار الفنون فتؤمّن بنفسها الأقساط والمصاريف، والعود لم يشتدّ بعد؛ أذعنت لمصير قسري. لم يطل الوقت قبل التأكد بأنّ الحياة في مكان آخر.

تُلهم كلوي أنطون الإيمان بالأحلام وتصديقها. كثُرت اللاءات، وظلّت عنيدة. أمام والدة أبدت شيئاً من الانفتاح، ووالد هائم في عالمه، لا يدري أي دروب تنادي الابنة، تحوّل ما كان يُعتَقد أنه هواية إلى قدر كافحت من أجله.

كلوي أنطون تفضّل الرسم على الورق قبل الوشم (حسابها في «إنستغرام»)

لم يكن الأمر شبيهاً بهبّات مفاجئة تطرأ، كأنْ تستيقظ ذات صباح وتخبر والدتها برغبتها في امتهان العزف على الغيتار. «الرسم والتاتو شكّلا ظلّي منذ الطفولة. أبهرتني الألوان وأنا في الثالثة. تلقّيت بعض الدروس، إنما المسألة لم تتخطَّ حفظ المعلومات. أرادت أمي مهنة تتيح تمكّني المادي. لم تعلم أنّ الوشوم تعود أيضاً بالمال. أنهيتُ تخصّص إدارة الأعمال بصعوبة. كنتُ أرتاد الجامعة بدموع تسبقني إلى مقعدي. هدّأتُ قسوة الواقع بالتخيُّل، ووسط كم هائل من الأرقام، رحتُ أحلم بأنني أزيّن الأجساد برسوم مختلفة».

كثر يرسمون، لكنّ كلوي أنطون تعزف بالإبرة. في بيروت وأماكن أخرى، ارتفع عدد الاستوديوهات ومَن يضيفون إلى الأجساد ما يعبّر عن الدواخل. تنصح الراغبين بالتخصّص والاحتراف، ويؤلمها الانزلاق صوب المنحى التجاري. تقول: «يبدو أنْ لا مفرّ من طغيان هذا الواقع. فالبعض يفتتح متجراً للوشوم من دون خلفية متينة في الرسم ولمجرّد الحاجة إلى مصدر دخل. غادرتُ لبنان لجعل النظرة أشدّ دفئاً وعمقاً. آلمني أن أكون شاهدة على منطق سائد يحدّ من نُبل المهنة. بالنسبة إليّ، الرسم على الورق ينبغي أن يسبق الرسم على الجسد».

ما سرّ النجاح في عالم الوشوم؟ لوهلة، تبدو الإجابة مستغربة: «التواضع». تشرح: «أُذكّر نفسي بأنّ آخرين يتفوّقون عليَّ ولستُ وحيدة في ملعبي. لي أدواتي، لكن ثمة مَن يسبقني في (التكنيك). حين أنشأتُ استوديواً في بيروت، فقدتُ التواضع. ظننتُ أنني بلغتُ أقصى الطموح: مهنة أحبها ومال، فماذا أريد بعد؟ ثم تنبّهتُ إلى أنّ لجميع رسّامي الوشوم استوديوهاتهم أيضاً! محوتُ اقتصار التميُّز عند هذا الحد، وضّبتُ حقيبتي وغادرت».

من أعمال كلوي أنطون (حسابها في «إنستغرام»)

حطَّ بها الفضول في فرنسا لاستكشاف عمل الرسّامين على الأجساد. تُكمل: «يتيح (إنستغرام) الدخول إلى استوديوهات العالم، لكنّ المعاينة عن قرب مختلفة. هالتني المستويات العالية وعلّمتني أهمية إبقاء القدمين على الأرض. خطأ كبير الظنّ أننا الأفضل».

الوجه الياباني يحمل دلالات القوة وفق كلوي أنطون (حسابها في «إنستغرام»)

كان قرارها تكثيف التعلُّم ولجم الانبهار. راح الوهم يسقط بعدما ظنّت أنها فنانة لمجرّد إمساكها الإبرة ورسمها خطاً مستقيماً. ودّعت الاستوديو في بيروت ولوّحت معه لبدايات غير ناضجة انتفخت، فتصوّرت لها على هيئة نجاحات كبرى. باريس لقّنتها، بجانب التواضع، عظمة صقل النفس. «كانت مغامرة شئتُ خوضها بملء إرادتي. قلَّ مالي، وزاد وقت الفراغ، لكنّ هذا ما أريده: أن أضحّي من أجل الإشباع الداخلي».

تُسمّي فترة الزهو في لبنان، «الصفعة الأولى». وهي خلَّفت بقعة حمراء في داخلها، لتذكّر على الدوام بأنّ الإنسان رحلة طويلة، في الحياة والمهنة. على صفحتها في «إنستغرام»، تشكّل الرسوم ما يشبه الحديقة. وإذا بوجوه يابانية تنادي زائر الصفحة وتستوقفه عند تفاصيلها. لِمَ هذه العيون المحدّقة بجفون عالية؟ تجيب: «الوجوه ثقافة وقصص، وهي في اليابان تحمل قيماً إيمانية وبُعداً يتعلّق بالقوة. أكثر الوشوم قرباً من اليابانيين هي لوجوه نساء مقنّعات. ذلك لاستعادة دور المرأة في الحرب، مرتدية القناع لتبدو رجلاً. الحكاية تطفح بالقوة».

المسألة ليست خطوطاً من عالم الهندسة الرياضية. وفق كلوي أنطون هي طاقة يحرّكها لاوعي الإنسان، ويستدعيها لتقيم على جسده. تقول: «حين أرسم الوشوم، أضع نفسي أيضاً على الورق، فتصبح مرايا حياتي. مجموعها هو خلاصة مشاعري خلال سنوات». أكثر ما يستهويها هو «حرية التصميم»، كأن يأتي أحدهم ويخبرها قصته ليتركها حرّة في ابتكار الرسم المناسب.

الوشوم علاج، فتتحدّث عن ارتياح يغمر مَن يسكبون خفايا أرواحهم على أجسادهم: «مثل مَن يرتاد النادي الرياضي أو جلسة طب نفسي. أشعر أنني بعضٌ من رحلة الشفاء ولملمة الجروح. أشفي وأُشفَى».


مقالات ذات صلة

تعاطف في مصر مع عبد الرحمن أبو زهرة إثر تدهور صحته

يوميات الشرق الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة (حساب نجله على «فيسبوك»)

تعاطف في مصر مع عبد الرحمن أبو زهرة إثر تدهور صحته

يرقد الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة بغرفة العناية المركزة بأحد مستشفيات القاهرة إثر تدهور صحته قبل أسبوعين.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق إحدى الأحافير المكتشفة حديثاً في الصين (دورية «ساينس»)

اكتشاف 700 أحفورة تُعطي لمحة عن الحياة قبل 539 مليون سنة

اكتشف العلماء في الصين أحافير تكشف عن لحظة حاسمة في تحول الحياة من البساطة إلى الوجود على الأرض.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ركوب الدراجة الكهربائية قد يكون الأرخص (غيتي)

بريطانيا: حافلة أم دراجة؟... اشتراك جديد يُشعل المنافسة على وسيلة نقل أرخص

يستمتع جيمس، الأنيق دائماً، برحلته اليومية التي تستغرق 15 دقيقة إلى المنزل قادماً من العمل، لكنه لا يستقل الحافلة ولا القطار ولا الترام، بل دراجة كهربائية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا يابانيون يتمشون تحت شجر الكرز في حديقة بطوكيو (أ.ب)

اليابان... مقتل 500 مسن على يد أفراد من أسرهم

الوفاة كانت ناتجة عن إما القتل وإما سوء المعاملة على يد أفراد أسرهم أو أقاربهم الذين كانوا يقدمون لهم الرعاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مارلين ديتريش والسموكينغ الشهير (غوغل)

هل تكسب المرأة نفوذها من تقليد زيِّ الرجل؟

إن اقتراب المرأة من المساحة المخصصة للرجل، ولو على مستوى المظهر، قد يكون رغبة في الاستحواذ على مجالات أكثر جدية، رغم شعورها بأنها لم تنَل كامل حقوقها.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».