عميل فرنسا الأول في طرابلس زمن القذافي يصفي حساباته مع مخابرات بلاده الخارجية

موسى كوسا أوحى للمخابرات الفرنسية برغبته في اللجوء لباريس لكنه حطَّ في لندن وحصل على اللجوء السياسي

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)
غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

عميل فرنسا الأول في طرابلس زمن القذافي يصفي حساباته مع مخابرات بلاده الخارجية

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)
غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

ثمة أسرار تلف السياسة الفرنسية إزاء ليبيا زمن رئاسة العقيد معمر القذافي، رغم مرور 12 عاماً على الإطاحة بنظامه وقتله وهو ما ساهمت به باريس بشكل فاعل عندما كان يرأسها نيكولا ساركوزي.

ولا يفهم المتابعون، الأسباب التي دفعت ساركوزي الذي استقبل القذافي في باريس، وفرش تحت قدميه السجاد الأحمر، وأتاح له أن ينصب خيمته في حدائق «بيت الضيوف» التابع للرئاسة والواقع في الجانب المقابل لقصر الإليزيه، إلى تعبئة بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والحلف الغربي ومجلس الأمن، لإتاحة التدخل العسكري الدولي في ليبيا.

ساركوزي والقذافي في طرابلس 15 يوليو 2007 (غيتي)

وما كاد مجلس الأمن يصوت على القرار 1973 الصادر بتاريخ 17 مارس (آذار) الذي يمنح حق التدخل العسكري «لحماية المدنيين الليبيين»، حتى كانت الطائرات المقاتلة الفرنسية تطلع من مطاراتها، وتوجه أول ضربة لدبابات العقيد المقتربة من بنغازي.

وقبل ذلك، كانت العلاقات بين باريس وطرابلس (الغرب) في أحسن حالاتها، والتعاون الأمني والاستخباري قائم على قدم وساق. كذلك كانت باريس ترغب في بيع السلاح لليبيا وتحديداً طائرات «رافال» المقاتلة، التي لم تكن وقتها قد وجدت أول زبون خارجي لها. من هنا، الحاجة إلى فهم التحول الجذري في سياسة باريس، وهو ما سعى إلى توضيحه جان فرنسوا لويلييه، في كتابه الصادر حديثاً عن منشورات «دار ماروي» تحت عنوان: «رجل طرابلس» والعنوان الفرعي: «مذكرات عميل سري». وترك لويلييه المخابرات الخارجية في عام 2014 وهو برتبة ضابط، ولم يتردد لاحقاً في توجيه انتقادات لاذعة لطريقة عملها.

تكمن أهمية الكتاب في أمرين: الأول، أنه يصدر عن شخص يروي من الداخل كيفية عمل المخابرات الفرنسية الخارجية التي كان عميلاً لها لفترة طويلة من حياته. بمعنى أن يخبر قصة حياته بصيغة المتكلم. والثاني، أنه كان في ليبيا، مديراً لمكتب مخابرات بلاده، وذلك بعلم المخابرات الليبية التي كان يتعاون معها في مسائل تخص الإرهاب وشؤوناً أخرى أفريقية.

القذافي وساركوزي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (غيتي)

كذلك يروي لنا، أن مكاتب مخابرات أخرى كانت بدورها قوية الحضور في طرايلس، أكانت المخابرات الأميركية أو البريطانية أو الإيطالية. ويعطي أسماء ممثليها، الذين كان كل واحد منهم، يتمتع بتغطية دبلوماسية، كما كان الحال معه هو، العميل الفرنسي. من هنا، فائدة الكتاب الذي يصور لحظة بدء انفراط عقد النظام، والتحول الذي أصاب الدبلوماسية الدولية على وقع «الربيع العربي»، وسقوط نظامي زين العابدين في تونس وحسني مبارك في مصر، والتسابق بين الدول الغربية لإقامة علاقات مع «القوى الثورية» الطالعة التي تعد رهان الغد.

بيد أن العميل السابق يستفيد من كتابه كذلك، لتصفية حسابات شخصية مع المخابرات الخارجية الفرنسية، متهماً إياها أحياناً بـ«عدم الكفاءة»، وأحياناً أخرى بالمحاباة، فضلاً عن البيروقراطية. ويعد كتاب «عميل في طرابلس»، إلى حد بعيد، سيرة ذاتية تتضمن وصف حالاته النفسية وتنويعاتها، وأحياناً أخرى تظلمه لأنه لم يحصل على تعيين أو ترقية أو مهمة. والأطرف في كتابه أنه يخبرنا أن زوجته «أنياس» بعد اضطرارهما السريع إلى الخروج من طرابلس عندما بدأ الحراك الثوري يدق أبوابها، بناء على طلب الإدارة المركزية، كانت قريبة من الانهيار العصبي لأنها تركت وراءها أثاث المنزل، واضطرت إلى السكن مع ابنتيها في شقة ضيقة قريبة من ساحة الباستيل في باريس. والأطرف إصابتها بالكآبة لأن هرتها «بابوش» بقيت في ليبيا، ولم ترحل مع من رحلوا.

بالتوازي يمكن اعتبار الكتاب بمثابة «دليل» يكشف طريقة عمل المخابرات الفرنسية من الألف إلى الياء. إذ إنه يشرح بالتفصيل القواعد التي يتعين على العميل التقيد بها، والتسلسل الهرمي والأقسام الفاعلة فيها، والتنافس بين أفرادها، وأحياناً كثيرة قادتها، حيث إن لكل منهم حاشية ومحظيين. ويسهب المؤلف في شرح كيفية تجنيد العملاء والقواعد المفترض التقيد بها، ويحدثنا عن أشخاص حاول تجنديهم شخصياً، مسمياً منهم «غابي العجيب» وفيصل وبشير وياسمين، ولا يتردد في تعريفنا بفلسفته في الحياة، والعمل حيث قضى سني حياته باحثاً عن إنجازات. وأحياناً يمل القارىء ويضيع في متابعة تفاصيل عمل المؤلف في طرابلس حيث يصيبه النجاح أحياناً والخيبة أحياناً أخرى.

وزير الخارجية الليبي السابق موسى كوسا (غيتي)

لطمة موسى كوسا للمخابرات الفرنسية

يكشف الكتاب الواقع في 359 صفحة، مجموعة من الأسرار التي يعرف بعضها للمرة الأولى، وأحدها محاولة المخابرات الفرنسية إقناع موسى كوسا، وزير الخارجية الليبي وقتها، والرجل المقرب من القذافي، بالانشقاق عن النظام والانتقال إلى باريس، مما كان سيشكل «نصراً سياسياً» لسياسة ساركوزي. ويروي المؤلف أن طلب لقاء مسؤولين فرنسيين كبار في جهاز المخابرات الخارجية هما إيرارد كوربان دو مانغو، مدير عام الأمن الخارجي وباتريك كالفار، مدير المخابرات، جاء من الطرف الليبي عبر «وسيط» لبناني اسمه س. ر. ويقدمه الكتاب كالتالي: س. ر. لبناني مسيحي، صحافي التكوين ورجل أعمال، سبق له أن انضم إلى «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، التي كان يقودها نايف حواتمة، نجح في التقرب من المسؤولين الليبيين، وعمل وسيطاً لهم مع دول أفريقية وأوروبية، وخصوصاً بريطانيا.

وحصل س. ر المقيم في فرنسا، على الجنسية الفرنسية، وبفضل علاقاته، نجح في التقرب من المخابرات الفرنسية التي كان يبيعها معلومات تتناول ليبيا. وقد أسر لكلود غيان، وزير الداخلية، والمسؤول الأقرب لساركوزي، أن موسى كوسا يود الانشقاق، وهو بإمكانه الحصول بسهولة على إذن من القذافي للقاء الفرنسيين، من أجل «مناقشات سياسية» سرية في جربا. وهذا ما حصل. وجرت اللقاءات على مرحلتين: الأولى بين دو مانغو وكالفار من جهة، ومن جهة أخرى، موسى كوسا وعبد اللطيف العبيدي، مسؤول الملفات الأوروبية في وزارة الخارجية الليبية. وجرت «مسرحية» المحادثات السياسية كما هو مكتوب لها: الجانب الفرنسي يريد من النظام «وقف عدوانه» على المدنيين، ووقف إطلاق النار، وانسحاب القذافي من السلطة، الأمر الذي رفضه المسؤولان الليبيان باعتبار أنه شأن «وطني». لم يرفضا وقف النار، لكنهما أصرا على مشاركة مراقبين من الاتحاد الأفريقي. وهكذا دواليك.

معمر القذافي (غيتي)

أما في الواقع، فإن المسؤولين الفرنسيين، كانا يتحينان الفرصة لإبلاغ موسى كوسا، أن باريس مستعدة لإعطائه اللجوء السياسي حال انفصاله، وأن طائرة حكومية فرنسية تنتظره في مطار جربا. وبعد جلسة محادثات ثانية لم يحضرها موسى كوسا، سأل الفرنسيان س. ر، عما إذا كان موسى كوسا لا يزال راغباً في الانشقاق والرحيل عن ليبيا. وكان الجواب بتأكيد ذلك. وكم كانت مفاجأة الفرنسيين كبيرة، عندما علموا بعد ساعات قليلة، أن كوسا صعد على متن طائرة تجارية متجهة إلى لندن، وحصل على اللجوء السياسي حال هبوطه من الطائرة.

وبذلك تكون المخابرات الفرنسية قد خدعت، ولم تكن اجتماعات جربا سوى حجة، لتمكين موسى كوسا من طلب اللجوء إلى بريطانيا بتواطؤ من س . ر.

يسرد المؤلف قصة خروج الدبلوماسيين الفرنسيين من طرابلس، مع اقتراب الأحداث من العاصمة، ورحيل الغربيين باستثناء الإيطاليين الذين كانوا آخر من خرج، الأمر الذي فاجأ مدير مكتب المخابرات الفرنسية الذي كان على تواصل دائم مع الجنرال سالم كركا، رئيس مكتب العلاقات الخارجية في المخابرات الليبية ومع عبد الله السنوسي، الرجل الثاني في النظام. ويشير الكاتب إلى أن استعجال ترحيل الفرنسيين مرده لكون باريس تحضر لتدخل عسكري سريع في ليبيا. وقد حصل الترحيل صبيحة يوم 26 فبراير (شباط) عام 2011، وسبق ذلك إتلاف المستندات الموجودة كافة في مكتب المخابرات، وتعطيل ماكينات المراسلة المشفرة حتى لا تقع بأيد غير صديقة.

وجاء في الكتاب: «أطلقت فرنسا عملية (هارماتان) منذ 19 مارس (آذار ) والغموض الذي أحاط بقرار مجلس الأمن أصبح اليوم واضحاً . إذ إن فرنسا أطلقت العمليات الحربية، وطلب تدمير الأرشيف سببه، أن العملية تهدف إلى تدمير نظام القذافي»، بينما يدعو قرار مجلس الأمن لحماية المدنيين.

وقبل بدء العملية العسكرية، طلب من العميل أن يساعد على تحديد إحداثيات المواقع المهمة في ليبيا، والقواعد العسكرية، والمضادات الجوية التي تحميها والشخصيات المسؤولة، والغريب في الأمر أن الليبيين كانوا يعيشون في كوكب آخر، والدليل على ذلك، أن عبد الله السنوسي، الشخصية الثانية في النظام وقريب القذافي، طلب مباشرة من عميل المخابرات الفرنسية «مساعدة فرنسا» لمحاربة الإسلاميين في بنغازي ودرنة وطبرق والبيضاء، محذراً من قيام «إمارة إسلامية» في الجبل الأخضر، والسطو على مخازن سلاح الجيش في هذه المناطق.

وفي آخر لقاء له مع الكاتب، طلب السنوسي «مساعدة لوجستية ومسلحة فرنسية باعتبار أن الحرب على الإرهاب مشتركة»، مما يعكس جهلاً تاماً بسياسة باريس وخططها، بالنسبة إلى ليبيا، إذ تجدر الإشارة إلى أن فرنسا كانت الأكثر استعجالاً للتدخل العسكري ضد النظام والتخلص من القذافي. ويكشف الكتاب أمرين: الأول، أن فرنسا زودت «الثوار» بأسلحة متنوعة، إضافة إلى الضربات الجوية التي وجهتها طائراتها المقاتلة لقوات النظام، ومنها الضربة التي أصابت موكب القذافي وأدت إلى القبض عليه ثم قتله والتنكيل بجثته التي دفنت لاحقاً في مكان غير معلوم. والثاني، أن أفراداً من القوات الخاصة الفرنسية، عملوا إلى جانب «الثوار»، وهو أمر لم تعترف به فرنسا أبداً.

ويشكو المؤلف، من أنه علم بهذا الأمر عن طريق عميل بريطاني وليس مباشرة من إدارته.

وبعد ليبيا، أعيد إرسال الكاتب عقب إقامة قصيرة في باريس، إلى تونس التي كانت الوجهة المفضلة للاجئين الليبيين وبعض رجالات النظام الراغبين في الانشقاق السياسي. وكانت مهمته «وفق توجيهات عليا»، أي من قصر الإليزيه، «البحث عن مسؤولين يودون الانفصال عن النظام» وجلبهم إلى فرنسا وإبرازهم كغنائم، ونظراً لمعرفته العميقة بأوضاع ليبيا، أعيد العميل إلى الميدان الليبي ليعمل إلى جانب «الثوار»، ويواصل المهمات التي كلف بها سابقاً.

بشير صالح (غيتي)

بشير صالح وعبد الله السنوسي

إذا كان القارىء يبحث عن تفاصيل مثيرة حول مقتل العقيد القذافي، الذي قصفت طائرات التحالف موكبه وهو يحاول الفرار مع أحد أبنائه (المعتصم) ومجموعة من أتباعه عقب سقوط طرابلس، فإنه يخرج فارغ الوفاض. كذلك تخيب آماله إذا منى النفس بالحصول على معلومات عن سر انقلاب ساركوزي على القذافي أو عن المعلومات التي تتحدث عن قيام الأخير بتمويل حملة الرئيس الأسبق في عام 2007، حيث أكد القذافي وسيف الإسلام، أن طرابلس مدت ساركوزي بالملايين.

وتجدر الإشارة، إلى أن محكمة باريسية وجهت اتهامات خطيرة للرئيس الأسبق بخصوص تمويل حملته وتلقيه أموالاً من ليبيا. مرة واحدة فقط، يلمح الكاتب عن بعد، لهذه المسألة حيث يتساءل عن «سر العلاقة بين بشير صالح، مدير مكتب العقيد القذافي وكلود غيان»، أمين عام رئاسة الجمهورية في عهد ساركوزي ثم وزير داخليته. كذلك، فإن شخصية أخرى هي عبد الله السنوسي، تحتل مكاناً بارزاً في رواية لويلييه.

يسهب الكاتب في سرد قصة اقتناص بشير صالح، مدير مكتب العقيد القذافي الخاص والمقرب منه، الذي شغل أواخر التسعينات منصب مدير «محفظة ليبيا وأفريقيا للاستثمار»، التي مكنته من إنشاء شبكة واسعة من العلاقات كانت مفيدة له لاحقاً. ويؤكد الكاتب أنه جمع، وهو في هذا المنصب، ثروة طائلة استثمرها في الغرب. بقي صالح وفياً للقذافي حتى قرب سقوط طرابلس. بعد ذلك، وعند شعوره بالخطر، سلَّم نفسه لكتيبة «ثوار زنتان»، واستفاد من حمايتها الأمنية، ومن علاقاته مع غيان ودومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء الأسبق، ليحصل على ترحيل عائلته إلى فرنسا على أيدي المخابرات الفرنسية. ثم إن الفرنسيين تدخلوا مجدداً لصالحه لدى مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الليبي الانتقالي (الحكومة) ليتاح له الخروج من ليبيا. وكانت «الأوساط العليا» في فرنسا تأمل أن يلتحق بعائلته. وبالفعل، سافر صالح إلى باريس حيث التقى عدداً من المسؤولين، إلا أنه لم يبق فيها، بل فضل التوجه إلى جنوب أفر يقيا. وعاد إلى الواجهة السياسية مجدداً عندما قدم ترشيحه لانتخابات رئاسة الجمهورية في عام 2021. بيد أن تلك الانتخابات لم تحصل أبداً.

عبد الله السنوسي (غيتي)

ثمة شخصية ليبية عسكرية من الطراز الأول، كانت تهم منذ البداية عبد الله السنوسي، رئيس المخابرات العسكرية ونسيب القذافي لأنه زوج أخت عقيلته ويده اليمنى. يروي الكاتب، أنه كان على علاقة مباشرة مع السنوسي الذي اتهم سابقاً بتدبير مجزرة سجن «أبو سليم» وإسقاط طائرة لوكربي، وبرغم ذلك، لم تتردد المخابرات الفرنسية في التعاطي معه لا بل العمل على دفعه للانشقاق عن النظام. بيد أن االسنوسي لم يستجب للإغراءات الفرنسية وبقي وفياً للقذافي حتى النهاية، مما شكل نكسة أخرى للمخابرات الفرنسية.

والمعلوم أن السنوسي، الذي كان يعد بمثابة «البعبع» لليبيين وقد دارت بخصوصه أخبار متناقضة. وبحسب العميل الفرنسي، فإن مخابرات بلاده بذلت جهداً استثنائياً لوضع اليد عليه، وخططت مع المخابرات الليبية بعد قتل القذافي للقيام بعملية مشتركة للقبض على السنوسي في مالي. لكن الأخير توارى عن الأنظار، لترد أخبار تفيد بوجوده في النيجر أو الكاميرون وأيضاً في المغرب أو الجزائر. لكن السنوسي وقع في قبضة الأمن الموريتاني لدى نزوله من الطائرة في مطار نواكشوط. ويعترف الكاتب أن المخابرات الفرنسية لعبت دوراً في ذلك، ولكن ليس عن طريق مكتبها في طرابلس. وبعد إصرار المجلس الانتقالي وضغوط غربية، أبرمت الحكومة الموريتانية «صفقة» رابحة مع طرابلس سلمت بموجبها السنوسي إلى سلطاتها. وفي 2015، قضت محكمة ليبية بإعدامه. بيد أن الحكم لم ينفذ وفي عام 2019 طالبت قبيلة «المقارحة» التي ينتمي إليها بإطلاق سراحه لأسباب صحية.

طرابلس - ليبيا (شاترستوك)

في الفصل الأخير من الكتاب، يرخي المؤلف العنان لتوجيه انتقادات حادة للدولة الفرنسية، متهماً إياها بـ«الطيش والخداع» في ليبيا. فالعملية العسكرية التي دفعت بها باريس إلى الأمام «كان غرضها الرسمي حماية المدنيين في الشرق» . إلا أنها «تسببت في آلام ومآسٍ لشعب بأكمله». ويضيف الكاتب: «لقد قضينا على رجل (القذافي) ودمرنا بلداً من غير أن نأخذ بعين الاعتبار، أنه كان يشكل (حصناً بوجه الإسلاموية)». وفي نظره، فإن القضاء على النظام الليبي، أعقبه نسف الاستقرار في منطقة الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) وحتى وسط أفريقيا والكاميرون. ويذهب أبعد من ذلك، ليؤكد أن «مروجي التدخل العسكري سعوا إلى التغطية على الحصيلة الكارثية (لتدخلهم) الذي زرع الفوضى والبؤس. ولكن ما همهم؟ لقد حققوا هدفهم وقضوا على القذافي. لكن مع دفنه وأدوا أيضاً الأخلاقيات الغربية . . . ».


مقالات ذات صلة

ليبيا: اتفاق مرتقب بين «النواب» و«الدولة» بشأن «الميزانية الموحدة»

شمال افريقيا صورة وزعتها حكومة «الوحدة» الأحد لاستلام وزيرها للاقتصاد مهام عمله بطرابلس

ليبيا: اتفاق مرتقب بين «النواب» و«الدولة» بشأن «الميزانية الموحدة»

تحدثت مصادر بمجلسي النواب و«الدولة» في ليبيا عن اتفاق مرتقب على إعداد «ميزانية موحدة» للعام الحالي، مع توقعات بإقرارها خلال الأسبوع الحالي.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي في لقاء سابق بالعاصمة طرابلس يوم 23 أغسطس 2011 (رويترز)

غضب في أوساط «القذاذفة» من تأخّر كشف قتلة سيف الإسلام

طالب موالون لنظام الرئيس الراحل معمر القذافي بسرعة كشف المتورطين باغتيال سيف الإسلام بمدينة الزنتان معبرين عن قلقهم من «التباطؤ» في سير القضية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

عاد شبح الانقسام ليخيّم مجدداً على المؤسسة القضائية في ليبيا، منذراً بأزمة جديدة، على وقع تحذير أحد الطرفين المتنازعين على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)

تقرير فرنسي يكشف وجود عسكريين أوكرانيين في ليبيا... و«الوحدة» تلتزم الصمت

عاد الحديث عن التعاون العسكري بين سلطات غرب ليبيا وأوكرانيا إلى واجهة المشهد الليبي، على وقع تقرير فرنسي تحدث عن وجود عشرات العسكريين الأوكرانيين في 3 مدن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الشيخ الصادق الغرياني (الصفحة الرسمية لدار الإفتاء)

«فتاوى الغرياني» تشغل اللليبيين في ظل أزمات سياسية ومعيشية

تواصل فتاوى المفتي الليبي، الصادق الغرياني، شغل الليبيين بغرب البلاد على المستويين الشعبي والسياسي، إذ بات ينظر لها أخيراً على أنها تؤثر بشكل مباشر بالاقتصاد.

علاء حموده (القاهرة )

الجيش السوداني يعزز تعاونه عسكرياً مع سلطات غرب ليبيا

رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
TT

الجيش السوداني يعزز تعاونه عسكرياً مع سلطات غرب ليبيا

رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

عزّز الجيش السوداني تعاونه مع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا برئاسة عبد الحميد الدبيبة بمحادثات مفاجئة تناولت سبل دعم التعاون العسكري والأمني بين البلدين.

وقالت رئاسة الأركان العامة التابعة لقوات حكومة «الوحدة الوطنية»، الأحد، إن رئيسها الفريق أول صلاح النمروش استقبل مدير الاستخبارات العسكرية للقوات المسلحة السودانية الفريق محمد علي صبير والوفد المرافق له، مشيرة إلى أن «الاجتماع رفيع المستوى خُصص لبحث سبل تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين الشقيقين».

جانب من اجتماع عسكري ليبي - سوداني رفيع المستوى في العاصمة الليبية يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب البلاد)

يأتي هذا اللقاء على خلفية انقسام سياسي وعسكري بين غرب ليبيا وشرقها الذي يسيطر عليه المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويواجه حفتر اتهامات بـ«التعاون» مع «قوات الدعم السريع» برئاسة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وعدّ مصدر مقرب من حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا الاجتماع، «تحركاً مهماً من جانب الجيش السوداني في مواجهة (الدعم السريع) الذي يستفيد من حالة الانقسام العسكري والأمني في ليبيا»، حسب قوله.

وأجرى رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان أول زيارة رسمية إلى العاصمة الليبية طرابلس في 26 فبراير (شباط) 2024، التقى خلالها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، وأجريا حينها مباحثات ثنائية تناولت «سبل تعزيز العلاقات الثنائية الممتدة بين البلدين ودعمها وتطويرها».

المنفي مستقبلاً البرهان في فبراير 2024 (المجلس الرئاسي الليبي)

واتفق حينها المنفي والبرهان على تبادل الوفود بين البلدين وتفعيل الاتفاقات الموقعة بينهما، كما تناولت المباحثات - التي حضرها وفدا البلدين - القضايا ذات الاهتمام المشترك، سعياً «لإحلال السلام والاستقرار في السودان والمنطقة»، حسب المجلس الرئاسي حينها.

وفي اللقاء الذي عُقد في مقر رئاسة الأركان في طرابلس (الأحد)، أكد النمروش على «عمق الروابط التاريخية والعلاقات الراسخة التي تجمع الشعبين الليبي والسوداني»، مشدداً على «أهمية تطوير التنسيق المشترك بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة».

ونقلت رئاسة الأركان أن الاجتماع تناول «بحث آليات تفعيل التعاون في مجالات تبادل المعلومات والتنسيق الأمني، بما يعزز من قدرة المؤسستين العسكريتين على مواجهة التحديات المشتركة»، كما اتفق الجانبان «على توسيع برامج التدريب العسكري وتبادل الخبرات، بهدف رفع كفاءة العناصر وتعزيز الجاهزية، في إطار شراكة استراتيجية تعكس متانة العلاقات الثنائية وتطلعاتها نحو مزيد من التعاون البنّاء».

وسبق وتجاهل «الجيش الوطني» الليبي الاتهامات التي تربطه بتقديم دعم لـ«قوات الدعم السريع» في السودان عقب تقارير تحدثت عن استخدام مهبط للطائرات في مطار الكفرة، بجنوب شرق ليبيا، منصة لوجستية لتعزيز السيطرة على مدينة الفاشر، في سياق الحرب الأهلية السودانية.

كانت وكالة «رويترز» قد ذكرت في تقرير لها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن «خط الإمداد عبر الكفرة كان محورياً في تعزيز سيطرة (الدعم السريع) على مدينة الفاشر؛ ما أتاح لها ترسيخ وجودها في دارفور»، وهي الاتهامات التي تجاهلت القيادة العامة للجيش التعليق عليها.

ومنذ بداية الحرب الأهلية في السودان في أبريل (نيسان) 2023، تعرض «الجيش الوطني» الليبي لاتهامات متكررة بتقديم الدعم لـ«قوات الدعم السريع»، إلا أن القيادة العامة سارعت إلى نفي ذلك حينذاك، مؤكدة «استعدادها للوساطة» بين الأطراف السودانية لوقف القتال.


تداعيات حرب إيران... ارتفاع كبير في أسعار الخبز والوقود بالسودان

سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)
سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

تداعيات حرب إيران... ارتفاع كبير في أسعار الخبز والوقود بالسودان

سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)
سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)

عصفت موجة غلاء بالأسواق في السودان، بعد نحو أسبوع من ارتفاع تكاليف النقل جراء زيادة كبيرة في أسعار الوقود، تاركة المواطن العادي يرزح تحت وطأة أسعار وُصفت بأنها «غير مسبوقة».

وقفزت أسعار الخبز بواقع 50 جنيهاً للرغيف الواحد، وحددت السلطات رسمياً سعر أربعة أرغفة بمبلغ 1000 جنيه سوداني، أي ما يزيد على دولارين، وهي زيادة تثقل كاهل المواطن بمزيد من الأعباء المعيشية في وقت لا تزال رحى الحرب تدور في البلاد.

وعزا المتحدث باسم «اتحاد أصحاب المخابز»، عصام الدين عكاشة، هذه الزيادة إلى تأثر البلاد بارتفاع أسعار الوقود عالمياً بسبب الحرب الإيرانية، وقال: «هذه الأوضاع تسببت في ارتفاع تكاليف النقل داخلياً، التي أدت بدورها إلى ارتفاع سعر الدقيق ومستلزمات إنتاج الخبز الأخرى، على نحو دفع باتجاه زيادة سعر رغيف الخبز».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «نخشى في ظل استمرار الحرب بالمنطقة من زيادات أكثر في التكاليف قد تدفع أصحاب المخابز إلى بيع ثلاثة أرغفة بسعر 1000 جنيه».

من جانبه قال فتح الرحمن البدري، صاحب مخبز، لــ«الشرق الأوسط» إن زيادة أسعار الخبز طُبقت في العاصمة الخرطوم وكل ولايات البلاد، مضيفاً: «الزيادات غير المسبوقة في التكاليف أجبرتنا على اتخاذ هذا القرار الصعب بزيادة تسعيرة الخبز لتقليل خسارتنا».

وأشار البدوي إلى أنه خلال الأسبوعين الماضيين ارتفع سعر جوال طحين القمح زنة 25 كيلوغراماً من 59 ألف جنيه إلى 73 ألف جنيه، (الدولار يساوي 3500 جنيه سوداني في السوق الموازية للعملات)، كما زاد سعر كرتونة الخميرة اللازمة لصناعة الخبز من 135 ألف جنيه إلى 166 ألفاً.

وأضاف أن أصحاب المخابز ظلوا طوال الأشهر الماضية يتحملون الزيادات المفروضة على أسعار الغاز من 2500 جنيه إلى 3300 جنيه، دون أن يفرضوا سعراً جديداً للخبز يتحمله المواطن.

وإلى جانب تكلفة الدقيق العالية، لا يزال أصحاب المخابز يواجهون مشاكل مستمرة في استقرار التيار الكهربائي، مما يضطرهم في بعض الأحيان لاستخدام الحطب لتشغيلها.

وعقب اندلاع الحرب في السودان بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، توقف الإنتاج المحلي من القمح، ما دفع الحكومة إلى زيادة حجم استيراد الدقيق لتغطية الاستهلاك المحلي من الخبز.

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

وأرجع خبراء اقتصاديون ارتفاع أسعار الخبز والسلع الغذائية في السودان، مثله مثل كثير من الدول، إلى اضطراب إمدادات الوقود نتيجة للحرب الإيرانية، بجانب استمرار الحرب في الداخل، فضلاً عن تدهور قيمة الجنيه السوداني إلى مستويات «قياسية» مقابل العملات الأجنبية.

وأرجع الخبير الاقتصادي، محمد الناير، ارتفاع أسعار الوقود والخبز وغيره من المواد الغذائية إلى تأثر السودان بزيادة أسعار النفط عالمياً جراء الصراع في المنطقة، مشيراً في الوقت ذاته إلى ما تسببت فيه الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» من تفاقم كبير في الأوضاع الاقتصادية بالبلاد.

وقال الناير لـ«الشرق الأوسط» إن الزيادة الكبيرة في أسعار السلع والخدمات تشكل عبئاً إضافياً على المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب، وإن هذه المتغيرات الاقتصادية ستؤدي إلى ارتفاع نسبة التضخم بقوة، مما سينعكس على أسعار السلع التي يحتاجها السودانيون في معاشهم اليومي.

وفقد ملايين السودانيين وظائفهم ومصادر دخولهم جراء الحرب في الداخل، ما جعلهم يعانون أوضاعاً اقتصادية مريرة زادت قسوة بارتفاع «جنوني» في أسعار السلع والخدمات.

وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من خمسة ملايين سوداني يواجهون خطر المجاعة، بينما يُعد 18 مليوناً آخرون في «مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي».


فرص تنافسية «محدودة» في مقترح نظام انتخابات المحليات المرتقبة بمصر

إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

فرص تنافسية «محدودة» في مقترح نظام انتخابات المحليات المرتقبة بمصر

إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

تبدأ لجان مجلس النواب المصري، الاثنين، مناقشة مشروع قانون انتخابات المجالس المحلية، التي يُرتقب إجراؤها بعد غياب دام 18 عاماً، في ظل اتهامات لمشروع القانون المقدم من الحكومة، باعتماد نظام يخلق تنافسية سياسية «محدودة».

وتقضي بنود المشروع، التي تداولتها وسائل إعلام محلية، باعتماد نظام انتخابي مختلط يخصص 75 في المائة من مقاعد المجالس المحلية لنظام «القوائم المغلقة المطلقة»، مقابل 25 في المائة لنظام الانتخاب «الفردي». ويدافع مؤيدو هذا التوجه عن جدواه، معتبرين أنه يحقق «تمثيلاً أكثر توازناً»، في ضوء اختلاف طبيعة البيئة الانتخابية بين الانتخابات البرلمانية والمحلية.

في المقابل، أثار المشروع مخاوف لدى عدد من السياسيين من احتمال هيمنة الأحزاب الكبرى على نتائج الانتخابات عبر نظام القوائم، خصوصاً في ضوء التجربة البرلمانية الأخيرة، التي خُصص فيها 50 في المائة من المقاعد لنظام القوائم، وأسفرت عن سيطرة الأحزاب الكبرى الموالية للحكومة، بينها «مستقبل وطن» و«الجبهة الوطنية» و«حماة الوطن»، على التمثيل داخل مجلسي النواب والشيوخ.

يقول مدحت الزاهد، القيادي في «الحركة المدنية» المعارضة، ورئيس حزب «التحالف الشعبي»، إن حزبه سبق أن تقدم بمشروع قانون خلال دورة برلمانية سابقة لمعالجة مخاوف هيمنة الأحزاب الكبرى، عبر تبني نظام انتخابي مزدوج يجمع بين القائمة النسبية وإتاحة الفرصة للمستقلين.

وذهب الزاهد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى اقتراح بديل آخر، وهو «الاستعانة بالنظام الفردي»، مؤكداً «رفض حزبه لما يتم تداوله بشأن مشروع القانون الحالي باعتباره لا يحقق التوازن المطلوب في التمثيل، ولا يضمن تكافؤ الفرص بين القوى السياسية والمستقلين».

وزيرة التنمية المحلية المصرية الدكتورة منال عوض ميخائيل في لقاء مع رئيس لجنة المحليات في مجلس النواب المصري محمود شعراوي في مارس الماضي (مجلس الوزراء المصري)

«التنافسية المحدودة» حال تطبيق هذا المقترح، حذر منها كذلك الدكتور عمرو هاشم ربيع، عضو «مجلس أمناء الحوار الوطني» السابق، ونائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «المقترحات المطروحة داخل البرلمان قد تفتح المجال أمام الأحزاب الكبرى للهيمنة على أغلبية المقاعد».

وأوضح ربيع: «هذا الطرح يعيد إنتاج الإشكاليات التي ظهرت في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ حين منح نظام القوائم نسبة 50 في المائة، ما منح الأفضلية للقوى الأكبر تنظيماً وتمويلاً». وأضاف: «توسيع هذه النسبة إلى 75 في المائة في الانتخابات المحلية قد يؤدي إلى نتائج أكثر اتساعاً من حيث تركّز النفوذ السياسي»، محذراً من تقليص فرص التعددية الحزبية الحقيقية داخل المجالس المحلية.

ويرى ربيع، أن «هيمنة القوائم بهذا الشكل تتيح تشكيل تنافس ومعارضة محدودة التأثير داخل المجالس»، مشدداً على أن ملف الإدارة المحلية مرتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن، ما يستدعي نظاماً انتخابياً يضمن تمثيلاً متوازناً وتنافساً حقيقياً يعزز كفاءة المجالس ودورها الرقابي والخدمي.

وينظر إلى الانتخابات المحلية على أنها مصدر اهتمام لقطاعات واسعة من المصريين، خصوصاً أن آخر انتخابات للمجالس المحلية جرت في أبريل (نيسان) 2008، وتم حل المجالس بحكم قضائي عام 2011 عقب ثورة 25 يناير.

وسبق أن شهد البرلمان المصري نقاشات بين عامي 2016 و2020 بشأن مشروع قانون المحليات، لكنه لم يقر.

وأمام مجلس النواب 3 مشروعات تشريعية مطروحة، وفق عبد الناصر قنديل، مدير «المجموعة المصرية للدراسات البرلمانية»، الذي يشير إلى أن من بينها مشروعاً حكومياً لا تزال تفاصيله غير واضحة، وأن «جميع هذه المشروعات تتفق على تخصيص 75 في المائة من المقاعد لنظام القوائم».

في هذا السياق، قال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، النائب محمد عبد العليم داود، إن «إقرار مشروع قانون المحليات يتطلب وجود ضمانات قوية تحول دون توظيفه لصالح أحزاب بعينها»، مؤكداً أن «نزاهة العملية الانتخابية تمثل ركيزة أساسية لنجاح التجربة المحلية وتعزيز ثقة المواطنين».

واقترح داود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إطلاق حوار مجتمعي واسع بالتوازي مع المناقشات البرلمانية، يضم الأحزاب والقوى السياسية وخبراء الإدارة المحلية والمحافظين السابقين ومؤسسات المجتمع المدني، من شأنه معالجة أي مخاوف أو سلبيات محتملة قبل إقرار القانون. وشدد على «ضرورة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات لضمان الشفافية والنزاهة، ما يمثل عاملاً حاسماً في بناء مجالس محلية فاعلة».

وتنص المادة 180 من الدستور المصري، على تخصيص ربع المقاعد للشباب دون سن 35، وربع العدد للمرأة، مع ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن 50 في المائة، بما يتضمن تمثيلاً مناسباً للمسيحيين وذوي الإعاقة.

في المقابل، دافعت النائبة البرلمانية سحر عتمان، عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، عن تخصيص 75 في المائة من مقاعد المجالس المحلية لنظام القوائم، معتبرة أن المخاوف بشأن سيطرة الأحزاب الكبرى «تبدو مقاربة غير عادلة»، مشيرة إلى محدودية حضور الأحزاب في القرى والمراكز مقارنة بالبرلمان، وأن نظام القوائم يتيح فرصاً أكبر لذوي الإمكانات المحدودة للانخراط في العمل المحلي.

وعتمان، التي تقدمت بأحد مشاريع القوانين الثلاثة، تعتقد أن التجربة العملية قبل 2011 أثبتت أن «العمل الجماعي ضمن القوائم يعزز فرص المشاركة ويدعم العناصر الجديدة»، مشيرة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التجربة الجديدة يجب منحها فرصة قبل تقييمها وإدخال أي تعديل بعد دورة كاملة للمجالس في ظل المقترح الحالي».

وقلل قنديل من المخاوف المرتبطة بزيادة نسبة القوائم وما قد تثيره من هيمنة محتملة للأحزاب الكبرى عادّاً أنها «مبالغ فيها»، ومشيراً إلى أن الانتخابات المحلية تتم في نطاقات ضيقة وتتنوع جغرافياً، ويصعب على حزب واحد السيطرة على نتائجها، كما أن وجود نواب معارضين سيتيح دعم مرشحين محليين، ما يعزز التعددية ويحد من الهيمنة الحزبية لأحزاب كبرى.

وتحظى انتخابات المحليات باهتمام سياسي رفيع المستوى في مصر، إذ سبق أن وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حكومة مصطفى مدبولي عقب اليمين الدستوري في فبراير (شباط) الماضي إلى استكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية، وهو ما أكد مدبولي الالتزام به.

وتنص المادة 180 من الدستور على اختصاص المجالس المحلية بمتابعة تنفيذ خطة التنمية، ورصد نشاط الأجهزة التنفيذية، وممارسة أدوات الرقابة المختلفة، بما في ذلك سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية وفق القانون.