كرم موسم أصيلة الثقافي الدولي الـ44، في دورته الصيفية، الفنان المغربي عبد الكبير ربيع، الذي يعد، كما جاء في ورقة تقديمه، ركناً أساسياً في مغامرة التجريب التي خاضها رواد الحداثة التشكيلية المغربية منذ النصف الثاني من القرن الماضي؛ ويُحسب على الرعيل المؤسس للتجربة الرمزية المغربية، من جهة خوضها إعادة وعي التراث البصري وتقليب احتمالات تقاطعه مع الكشوفات الفنية المعاصرة، لأجل صوغ مدونة تشكيلية لها أصالتها وبلاغتها وقواعدها النافذة.
ويقول المنظمون إنهم أرادوا، من خلال هذا التكريم الذي أخذ عنوان «عبد الكريم ربيع: سفر في المشغل»، توجيه تحية إلى منجز هذا الفنان الرائد، وتسليط الضوء مجدداً على اجتهاده التصويري، ودعوة المشهد الفني إلى استقراء التجربة في خصوبتها وحصيلتها الفذة.
بالنسبة إلى الناقد شرف الدين ماجدولين، أستاذ التعليم العالي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، يتعلق التكريم بـ«اسم ومسار بعمق إنساني» للمحتفى به، الذي «إذا أردنا أن نختصره في كلمة واحدة، فهي مفردة (الصدق)؛ فهو صادق مع ذاته، ومع محيطه، ومع اختياراته التعبيرية». ولهذا «كان دوماً عصياً على التقليد، ولا يجارَى في عمله واختياراته وأسلوبه».
وسجل محمد بن عيسى، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، أن ربيع «فنان عصامي، تسكنه الطبيعة والأصالة، في حياته وفي عمله؛ فالرجل متواضع، ويكاد في تواضعه يكون إنساناً منعزلاً». ورأى أن هذا التكريم سيبقى في الذاكرة، لأنه «به بدأنا مرحلة جديدة؛ فالفن التشكيلي كان دائماً هو الأرضية الصلبة التي زُرعت فيها بذور تظاهرة أصيلة منذ 1978. لم نُعْنَ بالجوانب الأخرى للفنون التشكيلية إلا هذا العام، حيث بدأنا ندخل في جوانب أخرى من عالم الفنون، ليست فقط الصباغة والمشاغل والصباغة على الجداريات، ولكن أيضاً ما تواجهه الفنون، من حيث الجوانب التسويقية والمعايير التي يمكننا أن نسمي بها الفنان فناناً. وكذا من حيث ما تقوم به أروقة المعارض، وغيرها». وأضاف: «لا أقول إن أصيلة هي عاصمة للفنون، لكننا نبذل جهداً لتناول الأمور، ليس تناولاً مهرجانياً، لذلك سمّينا تظاهرة أصيلة موسماً وليست مهرجاناً».
إثر ذلك، جرى عرض فيلم من إخراج نجيب الزروالي، جاء في شكل وثيقة بصرية، تناولت مسار وتجربة الفنان المحتفى به، مركِّزة على العناصر التي غذَّت خياله الفني، امتزجت فيها الطبيعة بمنجزه، مع نص تقديمي بصوته، عبَّر عن قيمة وقيم تجربة أصيلة وغنية.
وتحدث محمد نور الدين أفاية، مدير المعهد الأكاديمي للفنون بأكاديمية المملكة المغربية، عن «نبل» اختيار تكريم ربيع، الذي يشكّل «إحدى العلامات الكبرى في تاريخ الممارسة التشكيلية المغربية». وقال أفاية إن ربيع «معلّم بالمعنى الكلاسيكي والنبيل للمعلم. كان هكذا وبقي كذلك، يقوم بهذه المهمة شبه المقدسة بتواضع مثير، ذلك الصنف من التواضع الذي يُخفي شجاعة داخلية وكرامة ثابتة تعبّر عن ذاتها بصمت أو اعتماداً على كلام محسوم بدرجة يشعر فيها المرء بأن التواصل مع ربيع مسؤولية أخلاقية عليا».
وأوضح أفاية أن هذه المسؤولية الأخلاقية هي التي ميّزت ربيع في كل تجاربه التعليمية والبيداغوجية، وفي باقي تعاملاته الفنية، لذلك «عبَّر وما زال يعبّر عن ذاته بوصفه كائناً أخلاقياً لا يحرّكه في ذلك أي وهم لاستقطابك أو ترويضك أو التأثير عليك».
وتطرق أفاية إلى منجز ربيع، فقال إنه جرَّب كل أشكال الرسم والصباغة، تشخيصياً كان أم تجريباً، فأبدع في هذه الأنماط، باحثاً فيها عمّا يلائم تساؤلاته الخاصة عن الوجود والحياة والموت والأثر والآخر.
وأضاف أن البعض يلاحظ أن لوحات ربيع، على الرغم من السكينة الداخلية التي تبدو على صاحبها، تختزل إيقاعاً راقصاً يضمِّنها موسيقى داخلية يحرص في كل مرة على تغيير موازينها ونبراتها وأصواتها، حتى وإن ارتمى منذ مدة في عوالم الأسود بتموجاته وتمايلات خطوطه، حين حرص على أن يمنح لمساحات لوحاته حياة وحركات داخلية، كثيراً ما تبدو مستعصية على فك شفراتها وأبعادها ودلالاتها.
وشدد أفاية على أن المدارج والشروط التي يتطلبها الفعل الإبداعي، كما يراه ربيع، ليست مُعطاة لأيٍّ كان، أو لأيِّ فضولي يسعى إلى الارتماء في متاهة الصباغة، لأن العقول المتشبعة بالمُثُل وحدها، في نظره، يمكنها أن تصبو إلى مثل هذه المراهنة.
ولاحظ أفاية أن الأمر يتعلق بنداء داخليّ يتطلع إلى تحرير التوترات العميقة وغير المتوقعة التي تؤجج النزوع القوي في تشكيل عرض على سطح اللوحة، مهتدياً بعناصر تصنع كثافة تلغي ما يسميها التمايزات والأساليب الوسيطة، لخلق أثر قوي اعتماداً على عنصرين بقدر ما يكونان متطرفين أو متنافرين فإنهما متكاملان، وهما: المضيء الناصع والمعتم الغامق.
وأشار أفاية إلى أن ربيع لا يحصر جدلية المضيء والغامق في الإنجاز التقني فقط، أو أنه يختزلها فيما يمكن عدّه أثراً، وإنما هي تركيب مفهوميّ ينشّط الأهواء على الدوام، وإليه يهفو كل مبدع رسام إلى التعالي، ما دام أنه لا يرى في توترات المضيء والمعتم سوى مقولتين رئيسيتين للمجال وللفضاء، وطريقة لا تقل توتراً في المعالجة، لتحويل ما هو خارجي وتشغيله بطريقة يكشف بها عن ذاته وعن وجوده وعرض خصائصه.
ورأى أفاية أن ما هو مهم في الرسم، ويسعى ربيع إلى طرحه بالأساس يتمثل فيما يسميه «ضوء الروح»، يهتدي به في ليله، حين تنهض الحياة الداخلية وتنتفض لترتمي في التأمل إلى درجة تجعله يشعر بنوع من السكْر داخل حالة من الانفعال والروحانية، تصل إلى مدارج من التسامي الصوفي.
وسار باقي المداخلات على نفس المنوال، مقدمةً شهادات نقاد وفنانين وفاعلين في مجال الفنون التشكيلية تربطهم بربيع وتجربته أواصر شتى؛ حيث تحدث كل من محمد رشدي، الفنان التشكيلي والناقد الفني ومنظم المعارض، وعز الدين هاشمي الإدريسي، الأستاذ الجامعي والناقد الفني والفنان التشكيلي، ونبيل دا يحيا، الفنان والكاتب ومؤسس رواق، والمهندس عمر بنموسى، ويوسف وهبون، الفنان التشكيلي وأستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، عن فنان مارس حياته وفنه وصداقاته مستنيراً بأخلاقيات حرص على الدوام على استحضارها. كما استحضروا العلاقة الإنسانية والمهنية التي جمعتهم به، مع حرصهم على توجيه تحية رمزية إلى فنان ومثقف وتربوي لاسمه منه نصيب كبير في منجزه، مع رسم بورتريه ينقل شخصية ربيع القوية، فقدموه فناناً كبيراً تعبّر أعماله عن ربيع الخضرة والتجدد والشباب الدائم، ما دامت الروح لا تشيخ، كما جاء على لسان هاشمي الإدريسي، الذي حرص على استحضار حس الفكاهة الذي يميّز ربيع، بالموازاة مع ما يميز شخصيته من صرامة تقتضيها المواقف وتتطلبها طبيعة الاختيارات والقناعات.
وعبّر ربيع، في كلمة ختامية، بمناسبة تكريمه، عن شكره لبن عيسى ومؤسسة منتدى أصيلة، مشدداً على أن التكريم «مفخرة» بالنسبة إليه، لأنه يصدر عن «مؤسسة عتيدة دأبت على تعزيز الحوار الثقافي والحضاري من خلال موسم أصيلة».
ورأى ربيع أن الاحتفاء به هو احتفاء بالفن التشكيلي المغربي، الذي قال عنه إن جهوداً كثيرة تضافرت، منذ عقود، لرعايته وضمان إشعاعه في الساحة الفنية، من أبرزها مبادرات مؤسسة منتدى أصيلة.

