تحليل إخباري
بعد أن سارع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى إعلان أن المكالمة الهاتفية التي أجراها معه الرئيس الأميركي، جو بايدن، كانت «ودية وحميمة تلقى خلالها دعوة للقاء قريب بينهما في الولايات المتحدة»، يتضح أن الصورة ليست بهذه الوردية، وأن الأميركيين يتعاملون مع الموضوع بشكل مختلف.
فالخلافات القائمة بين الحكومتين، التي منعت دعوة نتنياهو إلى البيت الأبيض طيلة الأشهر السبعة الماضية، ما زالت قائمة. والرئيس بايدن وضع نتنياهو في اختبار جديد عليه أن يجتازه، إذا كان معنياً باللقاء. وحسب «العلامة» التي ستُعطى له خلال الشهرين المقبلين، سيتقرر إن كان سيحصل هذا اللقاء أم لا. وما شكل اللقاء في البيت الأبيض أم في نيويورك، على هامش اجتماعات الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة.

ففي العادة، كان الرؤساء الأميركيون يوجهون الدعوة إلى رؤساء حكومات إسرائيل، حال انتخابهم. ويكون اللقاء مميزاً عادة، محاطاً بالدفء والمودة، مقتصراً على اثنين في الغرفة البيضاوية في البيت الأبيض في واشنطن، تتخلله وجبة غداء أو عشاء ويختتم ببيان مشترك يدل على عمق التحالف وشدة التقارب واتساع القواسم والمصالح المشتركة. لكن نتنياهو لم يحصل على ذلك هذه المرة، واحتاج إلى 7 أشهر حتى يحظى بمكالمة هاتفية.
وقد حرص مكتب نتنياهو، على إظهار المكالمة وكأنها نهاية الجفاء بينهما، فقال في بيان عاجل بعد لحظات من انتهائها: «مكالمة هاتفية طويلة (نصف ساعة) وودية، قام بايدن خلالها بدعوة نتنياهو لعقد لقاء في الولايات المتحدة قريباً». وأبرز أن «رئيس الوزراء قَبِل الدعوة، وتم الاتفاق على أن يقوم الفريقان (الإسرائيلي والأميركي) بتنسيق التفاصيل». ولم يذكر البيان شيئاً تفصيلياً عن نقاط الخلاف. وقال إن محور الحديث، كان تعزيز التحالف القوي بين الدولتين، وكبح جماح التهديدات من إيران وأذرعها، وتوسيع دائرة السلام الإقليمي، واستمرار جهود التهدئة والاستقرار في يهودا والسامرة (الضفة الغربية).

لكن البيان الأميركي حول الاتصال الهاتفي، الذي نُشر بعد وقت طويل نسبياً من البيان الإسرائيلي، لم يذكر من جهته أي شيء عن «عقد لقاء أو تقديم دعوة». وفقط عندما سأل الصحافيون المتحدثَ باسم مجلس الأمن القومي، جون كيربي، قال إن «بايدن ونتنياهو اتفقا على اللقاء، ربما قبل نهاية هذا العام أو ربما في الخريف». ورفض تأكيد ما إذا كان ذلك يعني دعوة إلى البيت الأبيض، موضحاً أن العمل لا يزال مستمراً على التفاصيل كلها؛ أين ومتى؟
وحذر كيربي من أن موافقة بايدن على لقاء نتنياهو، «لا تعني أن مخاوفنا قلت بشأن الإصلاحات القضائية، أو بشأن بعض الأنشطة والسلوكيات المتطرفة من قبل بعض أعضاء حكومة نتنياهو. بل إن هذه المخاوف لا تزال قائمة. إنها مثيرة للقلق».
وأشار البيان الأميركي إلى الخلافات في موضوعين أساسيين، هما «خطة الحكومة الإسرائيلية للانقلاب على منظومة القضاء، والسياسة التي تتبعها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية». وبحسب البيان الأميركي حول المكالمة، فإن «بايدن أعرب عن قلقه بشأن النمو المستمر للمستوطنات اليهودية، وشدد على الحاجة إلى اتخاذ إجراءات للحفاظ على قابلية إقامة دولة فلسطينية مستقبلية إلى جانب إسرائيل».
وفيما يتعلق بالخطة «كرر بايدن الحاجة إلى أوسع إجماع ممكن في إسرائيل حولها، وأكد أن القيم الديموقراطية المشتركة كانت دائماً، ويجب أن تظل سمة مميزة للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل». وفقط بعد نشر البيان في واشنطن، تطرق مكتب نتنياهو إليه، قائلاً إنه «قام بإطلاع الرئيس الأميركي على القانون الذي سيتم إقراره الأسبوع المقبل في البرلمان، وعزمه محاولة الحصول على دعم شعبي واسع خلال فترة العطلة الصيفية حول بقية عملية (التشريع)».

ويتضح أن بايدن وافق على مكالمة نتنياهو بطلب من الرئيس يتسحاق هيرتسوغ، الذي بدأ، (الثلاثاء)، زيارة إلى الولايات المتحدة خُصّصت للاحتفال الأميركي بالذكرى السنوية الـ75 لقيام إسرائيل. فهو لا يريد أن يظهر مثل مَن يوافق على نبذ نتنياهو في واشنطن.
من جهتهم، يرى الأميركيون أن التأثير على نتنياهو سيكون أكبر عندما يحافظون على حد أدنى من العلاقة مع نتنياهو، عندما يكون موضوع الضغط إسرائيلياً، أي لمصلحة إسرائيل، وليس دفاعاً عن الفلسطينيين. هذا فضلاً عن أن بايدن، الذي يذكر جيداً ما فعله نتنياهو برئيسه باراك أوباما، وهو اكتوى بشكل شخصي من تصرفات نتنياهو، ولا يريد تكرار تلك الأيام.
ولذلك فهو يتحرك بحذر في ممارسة الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي، مع العلم بأن المتظاهرين في إسرائيل يطالبونه بممارسة الضغط، وباشروا منذ أسبوعين في جعل مقر السفارة الأميركية في تل أبيب (الذي ما زال قائماً وفعالاً رغم انتقال السفارة إلى القدس)، محطة أساسية لمظاهراتهم تحت شعار «SOS» مطالبين بـ«التدخل الأميركي لإنقاذ الديمقراطية الإسرائيلية».
