مصير الصناعة الدفاعية السودانية بعد حرب الجنرالين

تنتج المدرعات والطائرات والمدفعية والقذائف الموجهة

حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)
TT

مصير الصناعة الدفاعية السودانية بعد حرب الجنرالين

حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)

بدأت الصناعة الدفاعية في السودان تستقطب الانتباه عقب قصف الطيران الحربي الإسرائيلي لـ «مجمع اليرموك الصناعي» التابع لـ«هيئة التصنيع العسكري» السودانية، في أكتوبر (تشرين الأول) 2012، ثم عادت الأنظار لتتركز عليها مجدداً بعد إعلان قوات «الدعم السريع» السيطرة على مجمع اليرموك العسكري في 8 يونيو (حزيران) الماضي، الذي يعد أحد أكبر مجمعات الصناعة العسكرية السودانية.

ولا تعد الصناعة العسكرية والحربية حديثة في السودان. فقد بدأ تأسيسها منذ عام 1959، أي بعد الاستقلال بأقل من ثلاث سنوات، في إطار ما عرف بـ«مجمع الشجرة الصناعي»، والمعروف اليوم بـ«مصنع الذخيرة»، لإنتاج مجموعة متنوعة من ذخائر الأسلحة الصغيرة، لتلبية احتياجات الجيش والقوات النظامية الأخرى، والذي أصبح جزءاً من «هيئة التصنيع الحربي» التي تأسست عام 1993، وعرفت لاحقاً بـ«منظومة الصناعات الدفاعية».

صناعات عسكرية ومدنية

ومنظومة الصناعات الدفاعية مؤسسة حكومية تابعة للقوات المسلحة، وتضم داخلها عدداً من المصانع والصناعات والاستثمارات العسكرية وغير العسكرية، وتنتج مجموعة كبيرة من الأدوات الدفاعية، بما في ذلك الأسلحة والذخائر والمدرعات والدبابات والطائرات والمدفعية، إلى جانب صناعات ذات طابع مدني، مثل صناعة السيارات والجرارات والأجهزة الكهربائية ومواد البناء وغيرها، ويديرها حالياً اللواء ميرغني إدريس، تحت إشراف وزارة الدفاع.

آليات عسكرية للجيش السوداني بأحد شوارع العاصمة السودانية الخرطوم يوم 26 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

 

وتنقسم المنظومة إلى عدد من المجمعات الموزعة حول العاصمة الخرطوم، وأهمها «مجمع اليرموك العسكري»، الذي افتتح عام 1996، ويقع في منطقة حصين، جنوبي العاصمة الخرطوم، بالقرب من مستودعات المواد البترولية الرئيسية، ويخضع لإجراءات سرية مفرطة. وكان مقرراً وقتها أن ينتج المعدات ذات الاستخدام المزدوج، بما في مواد البناء والنقل والصناعة التحويلية، تحت إدارة جهاز الأمن والمخابرات الوطني، لكن بعد تطور العلاقات السودانية الإيرانية، نشأت علاقة تعاون عسكري، دعمت إيران بموجبه إنتاج الأسلحة في السودان، وكان مجمع اليرموك رأس الرمح في هذه العملية.

قصف إسرائيلي

ثم فوجئ السودانيون ليلة 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 بانفجار هائل جنوبي الخرطوم، وقيل وقتها إن الطيران الإسرائيلي قصف المجمع العسكري. وأعلن السودان آنذاك، وعلى لسان وزير إعلامه أحمد بلال عثمان، أن بلاده سترد في الزمان والمكان المناسبين على الهجوم الإسرائيلي، واعتبر القصف الذي تعرض له المصنع منافياً للأعراف الدولية. ولم تعلق إسرائيل رسمياً على العملية، لكن المسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد، وصف السودان في اليوم التالي للقصف بأنه «دولة إرهابية خطيرة»، واتهمه بنقل السلاح الإيراني إلى من أطلق عليهم «الإرهابيين الفلسطينيين» من حركتي «حماس والجهاد الإسلامي»، عبر سيناء المصرية.

 

ألسنة اللهب تتصاعد بعد قصف مصنع اليرموك للأسلحة في الخرطوم في أكتوبر 2012 (إ.ب.أ)

 

ولاحقاً، أعاد الجيش السوداني ترميم المصنع وتطويره بسرية تامة. لكنه عاد مرة أخرى إلى واجهة الأحداث في 8 يونيو (حزيران) الماضي، عقب إعلان قوات «الدعم السريع»، التي تخوض حرباً مع الجيش السوداني منذ 15 أبريل (نيسان) الماضي، السيطرة على المصنع المهم والاستيلاء على عدد كبير من الذخائر والمعدات، ونشرها فيديوهات تؤكد مزاعمها.

إنتاج دبابات ومدرعات

المجمع الثاني ضمن المنظومة هو مجمع «الشهيد إبراهيم شمس الدين للصناعات الثقيلة»، وأطلق عليه اسم العميد شمس الدين، أحد أشهر وأشرس قادة انقلاب الإسلاميين، والذي لقي حتفه في حادث طائرة أثناء الحرب مع قوات جنوب السودان بقيادة الراحل جون قرنق دمبيور. وأنشئ هذا المجمع في عام 2002، داخل مدينة جياد الصناعية جنوب شرقي الخرطوم، لتصنيع وصيانة المركبات المدرعة والمركبات الصناعية الثقيلة.

ويؤكد موقع «منظومة الصناعات الدفاعية» على «فيسبوك» أن مجمع شمس الدين ينتج عدداً من الدبابات الحديثة، وأشهرها «الدبابة الزبير»، إلى جانب الدبابة «البشير» وغيرها من أنواع الأسلحة صينية المنشأ، التي يعاد تصنيعها في السودان.

القوة الثالثة في أفريقيا

ووفقاً لما نشرته مجلة (Military watch) في 2022، فإن السودان أصبح ثالث أكبر قوة عسكرية أفريقية، ويملك صناعة عسكرية رائدة، وأصبحت قواته من أفضل القوات تجهيزاً، وإن السودان أعاد إنتاج الدبابة الصينية (T96) وأطلق عليها اسم «البشير»، وطور طريقة التلقيم الخاصة بها لتصبح آلية، وطور طريقة توجيه القذائف إلى التوجيه بالليزر وتزويدها بمناظير رؤية ليلية، وزودها بمدفع 125 ملم، مما جعلها الأقوى بين مثيلاتها في الخدمة، والأفضل في مواجهة الدروع.

وفي فبراير (شباط) 2023، أعلنت منظومة الصناعات الدفاعية السودانية المشاركة في معرض «إيديكس» بدورته السادسة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقالت إنها شاركت بنحو 144 منتجاً عسكرياً، تتضمن الأسلحة والذخائر وتسليح الطيران والمركبات القتالية المدرعة وأجهزة الاتصالات، والطائرات المسيَّرة، والمواد الدافعة والمتفجرة، وخدمات تأهيل وصيانة الطائرات، وذلك وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الرسمية «سونا» وقتها.

 

السودان أعاد انتاج الدبابة الصينية (T96) وأطلق عليها اسم "البشير" (الرئيس السابق) (أ.ف.ب)

 

وفي 22 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت قوات «الدعم السريع» سيطرتها على «مجمع جياد للصناعات»، لكن الجيش نفى تلك المزاعم، وقال إنه يسيطر على المجمع الصناعي المهم. لكن الشهود يقولون إن مراكز سيطرة قوات «الدعم السريع» تنتشر في المكان وعلى طول الطريق المار أمام المجمع.

إلى جانب المجمعين، «اليرموك» و«شمس الدين»، ينتج «مجمع الزرقاء الهندسي»، الذي افتتح عام 2004 شمالي الخرطوم بحري في منطقة «حلفايا»، الأجهزة الإلكترونية والكهربائية والبصرية للجيش السودان، وفي الوقت ذاته يشارك في سوق الاتصالات السودانية، وينتج البرمجيات ونظم التتبع الآلي، وماكينات الدفع الإلكتروني وعدادات المياه، إضافة إلى تصميم البرمجيات العسكرية وغيرها، وهو من المواقع التي تزعم قوات «الدعم السريع» السيطرة عليها. ونقل شهود عيان أن المجمع تعرض لتدمير ونهب واسعين أثناء وبعد العمليات القتالية بين الطرفين.

إنتاج الطائرات والسيارات

ويعد «مجمع الصافات للطيران» أحد أذرع منظومة الصناعات الدفاعية السودانية المهمة. وقد تأسس في 2005 لدعم القوات الجوية السودانية، والحفاظ على قدرات الطيران العسكري السوداني، ويقع شمالي أم درمان. وبدأ هذا المجمع عمله بصيانة وتأهيل الطائرات المدنية والعسكرية، وتطور إلى ترقية الطيران، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 أعلنت منظومة الصناعات الدفاعية إنتاج طائرة سودانية بنسبة مائة في المائة في «مجمع الصافات»، وقالت إن المجمع يمتلك ثلاثة مراكز لصيانة الطائرات الثقيلة والمروحيات وتطوير وتصنيع طائرات الهيلكوبتر، وإنه يعمل بالتعاون مع أوكرانيا على إنتاج طائرات إليوشن وأنتونوف، ومروحيات ومقاتلات من طرز مختلفة.

وبدأ إنتاج الطائرات في «صافات» عام 2009، بإنتاج طائرة التدريب ذات المقعدين (SAFAT-03) المعتمدة على تصميم الطائرة الصربية (UTVA 75)، ثم أنتج الطائرة المطورة (SAFAT- 03)، إضافة إلى تجميع الهليكوبتر الخفيفة (SAFAT 02) المبنية على تصميم (Aerokopter AK1-3) الأوكرانية.

 

وتتبع لمنظومة الصناعات الدفاعية العديد من المؤسسات المدنية والاستثمارية الأخرى، بما في ذلك «مصنع جياد للسيارات»، والذي ينتج سيارات كورية وصينية من طرز مختلفة، إلى جانب استثمارات في المطاحن والمسالخ، وغيرها من الأعمال المدنية التي تديرها المنظومة، وفقاً لمركز «الحاكم نيوز» الموالي لجهاز المخابرات السوداني.

ودارت معارك سجالية بين الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وقيادة الجيش السوداني، على ملكية الأصول المدنية، وخضوع استثمارات الجيش لوزارة المالية الاتحادية، وأعلن وقتها أن قيادة الجيش وافقت على الخروج من الأنشطة ذات الطابع المدني، وأن تخضع المنشآت ذات الطابع العسكري لوزارة المالية. إلَّا أن انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 أطاح بتلك الاتفاقات، وزاد الطين بلة نشوب الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، المالكين للمنظومة بنسبة 70 في المائة للجيش، و30 في المائة لـ«الدعم السريع».

وتلقت المنظومة ضربة قاسية إثر نشوب الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع» منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بفرض عقوبات على شركة «ماستر تكنولوجي» المنتجة للأسلحة والمركبات العسكرية، و«هيئة التصنيع الحربي»، التي تنتج معدات وأسلحة للجيش السوداني، بينما ظلت المنظومة شبه معطلة منذ اندلاع القتال بين القوتين المتصارعتين، إذ تقع معظم مواقعها في المناطق التي تنتشر فيها قوات «الدعم السريع»، ما عدا «مجمع الصافات» غربي أم درمان، الذي تسيطر عليه القوات المسلحة.

ولا يعرف ما هي أوضاع المصانع والورش التابعة لـ«هيئة التصنيع الحربي» بعد العمليات القتالية العنيفة التي دارت داخلها أو حولها، لكن الحرب في شهرها الرابع، أثرت حتماً بشكل أو آخر على قدرات السودان العسكرية التي كانت تؤهله ليكون «القوة العسكرية الثالثة أفريقياً».


مقالات ذات صلة

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

شمال افريقيا رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

صعّد رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لهجته مجدداً تجاه «قوات الدعم السريع»، وقال: «نمضي بخطى حثيثة لسحق المتمردين، والقضاء عليهم».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

خطابات العيد في السودان... السلام يتقدّم على لغة البنادق

تراجعت النبرة الحربية في خطابات قادة طرفي النزاع في السودان خلال معايدات عيد الأضحى، وقدموا خلالها رسائل تدعو إلى السلام والاستقرار وعودة النازحين واللاجئين.

أحمد يونس (كمبالا)
العالم العربي سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)

العيد والحرب في السودان

يدخل السودانيون عيد الأضحى هذا العام فيما تدخل الحرب عامها الرابع، وسط واقع إنساني واقتصادي قاس غيّر ملامح العيد، وأفقده كثيراً من معانيه الاجتماعية الراسخة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا جانب من مؤتمر «قوى إعلان المبادئ السوداني» الذي انعقد بالعاصمة الكينية نيروبي يومي الجمعة والسبت (إعلام محلي)

قوى سودانية تتوافق على مسار جديد لوقف الحرب

أجازت قوى سياسية ومدنية سودانية في العاصمة الكينية نيروبي ميثاق «إعلان المبادئ الثاني» وخريطة طريق لوقف الحرب والانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
TT

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

صعَّد رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، من لهجته تجاه «قوات الدعم السريع»، مؤكداً أنَّ الجيش السوداني يمضي بخطوات متسارعة وحاسمة للقضاء على ما وصفه بـ«التمرد»، وإنهائه بصورة نهائية، واستعادة دارفور.

وخلال مخاطبته كبار قادة القوات المسلحة بمقر القيادة العامة في العاصمة الخرطوم، مساء الخميس، شدَّد البرهان على أنَّ السودان يتجه بثبات نحو حسم المعركة عسكرياً، قائلاً إنَّ القوات المسلحة لن تسمح لـ«قوات الدعم السريع» أو لأي جهة تساندها أو ترفع راية التمرد بالعودة مجدداً إلى المشهد السوداني.

ونفى البرهان بشكل قاطع صحة ما تداولته بعض الوسائل الإعلامية بشأن وجود تفاهمات أو مصالحات جرت في البحرين أو رواندا بين طرفَي النزاع، مؤكداً أنَّ تلك الأنباء لا تستند إلى أي أساس من الصحة. وقال إن ما يتم تداوله حول وجود مفاوضات في المنامة أو كيغالي «مجرد شائعات»، مشيراً إلى أن «أي خطوات من هذا النوع سيتم الإعلان عنها رسمياً عبر مؤسسات الدولة المختصة».

لقاء البرهان كبار قادة الجيش في مقر القيادة بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

وجاءت تصريحات البرهان بعد يومين من إعلانه ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان؛ بهدف استكمال مسار الانتقال المدني الديمقراطي، مؤكداً أنَّ الحكومة ستوفِّر كل ما يلزم لإنجاح هذا الحوار بمشاركة مَن وصفهم بـ«أصحاب الوجعة»، في إشارة إلى القوى الوطنية المعنية بمستقبل البلاد.

وفيما يتعلق بالعناصر المنشقة أو الراغبة في الانسحاب من صفوف «قوات الدعم السريع»، جدَّد البرهان تأكيده أنَّ أبواب القوات المسلحة والدولة السودانية مفتوحة أمام مَن يرغب في العودة، لكنه أوضح أنَّ المؤسسة العسكرية تميِّز بين مَن تورطوا في ارتكاب جرائم، ومَّن تمَّ التغرير بهم.

وأكد أنَّ الحديث عن فتح الباب للجميع دون تمييز لا يعكس حقيقة الموقف، موضحاً أنَّ القوات المسلحة تدرك مَن المجرم ومَن الذي يمكن الاستفادة منه مستقبلاً، ومَن ينبغي تحييده أو محاسبته.

كما نفى البرهان ما يشاع حول أنَّ البلاد باتت تستقبل الجنجويد، في إشارة إلى قوات من «الدعم السريع»، مؤكداً أن ذلك «لم يحدث، ولن يحدث أبداً». كما أشار إلى أن الانفتاح الحالي يقتصر على القوى السياسية التي لم تتخذ مواقف عدائية تجاه القوات المسلحة أو الدولة السودانية، مشيراً إلى أن مَن ناصبوا الجيش العداء لا مكان لهم ضمن أي ترتيبات مستقبلية ما لم يغيروا مواقفهم ويعلنوا دعمهم للمؤسسة العسكرية.

وأكد أن الجيش سيواصل العمل مع القوى السياسية والمدنية الموجودة داخل البلاد من أجل تحقيق تطلعات الشعب السوداني.

البرهان يسلم على مساعده في شؤون التخطيط شمس الدين كباشي (إعلام مجلس السيادة)

وكان البرهان قد أعلن، في وقت سابق، أنَّ أبواب المصالحة الوطنية مفتوحة أمام كل مَن يرغب في الانضمام إلى الدولة، والوقوف في مواجهة «قوات الدعم السريع»، مؤكداً استمرار القوات المسلحة في القتال حتى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السودانية.

وقال إنَّ العمليات العسكرية التي بدأت في الخامس عشر من أبريل (نيسان) 2023 - وهو التاريخ الذي وصفه بأنه يوم «العدوان على الشعب السوداني» - ستتواصل حتى استعادة جميع المناطق التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع»، وإنهاء وجود ما وصفهم بالمرتزقة والمتمردين. كما أشار إلى وجود مجموعات تقاتل إلى جانب الجيش داخل إقليم دارفور، مؤكداً أن الوقت سيأتي لتوسيع نطاق المواجهة هناك، واستعادة إقليم دارفور.

وشدَّد البرهان على أنَّ القوات المسلحة تمضي بخطوات مدروسة للخروج من الحرب عبر بناء جيش حديث يتمتع بكفاءة أعلى، وتنظيم أكثر تطوراً، وتسليح متقدم مقارنة بالماضي.

وأوضح أنَّ القدرات العسكرية للقوات المسلحة تشهد تطوراً متسارعاً، وأنَّ الروح المعنوية للمقاتلين تزداد قوة وثباتاً مع استمرار العمليات العسكرية الرامية إلى حسم ما أطلق عليها «معركة الكرامة».

وشهد اللقاء حضور أعضاء القيادة العسكرية العليا، بينهم مساعدا القائد العام الفريق أول شمس الدين كباشي، والفريق أول ياسر العطا، وعدد من كبار الضباط.

البرهان ورئيس هيئة أركان الجيش ياسر العطا (إعلام مجلس السيادة - «فيسبوك»)

وفي تطور ميداني متزامن، قُتل ما لا يقل عن 28 مدنياً، وأُصيب العشرات جراء هجمات نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» استهدفت بلدات بولاية شمال كردفان.

وأعلنت «شبكة أطباء السودان»، في بيان نشرته عبر موقع «فيسبوك»، أن قوة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» نفَّذت هجوماً في ثاني أيام عيد الأضحى على منطقتَي أم سعدون والمَرّة؛ ما أدى إلى مقتل 28 مدنياً وإصابة عشرات آخرين.

وأكدت الشبكة أنَّ المنطقتين المستهدفتين لا تضمان أي وجود عسكري، عادّةً أن استهداف القرى والمناطق المدنية وقتل المدنيين العزّل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي.

من جانبه، أدان «حزب الأمة القومي»، أحد أبرز الأحزاب المنضوية تحت مظلة «تحالف صمود»، الهجمات المتكرِّرة التي تنفِّذها «قوات الدعم السريع» في المناطق الواقعة على أطراف محلية بارا في شمال إقليم كردفان.

وقال الحزب، في بيان رسمي، إنَّ تصاعد الهجمات ضد المدنيين في إقليم كردفان خلال الحرب المستمرة في السودان يحمّل قيادة «قوات الدعم السريع» المسؤولية المباشرة عن هذه الانتهاكات.

وأضاف أنَّ استمرار تمركز «قوات الدعم السريع» داخل المدن والقرى المأهولة بالسكان لا مبرِّر له، ويعرِّض حياة المدنيين لمخاطر جسيمة، كما يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات والخسائر الأمنية والإنسانية.


فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
TT

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)

فوجئت المصرية الثلاثينية، آلاء حواش، باستنزاف نزهة واحدة مع أولادها «لم تتضمَّن سوى تناول الطعام خارج المنزل» أكثر من 1500 جنيه (الدولار يعادل نحو 52.2 جنيه)، بعدما جمع الأبناء هذا المبلغ عيديةً من أقاربهم في عيد الأضحى. وتقول آلاء لـ«الشرق الأوسط»: «أي مبالغ نقدية لم تعد لها قيمة» في إشارة إلى الغلاء المتصاعد بالبلاد.

وتنوَّعت الفئات النقدية لدى أبناء آلاء الثلاثة بين 10 جنيهات و50 و100 و200 جنيه، والأخيرة هي الفئة النقدية الأكبر في مصر حالياً، والتي «لم تكفِ كل طفل لتناول وجبة طعام في أحد المطاعم بالمهندسين في محافظة الجيزة»، بحسب الأم المصرية، مشيرة إلى أن «أي فئة من العملة لم تعد تكفي؛ بل إن قيمتها قلت، فمثلاً عملة الـ100 جنيه فعلياً على أرض الواقع قلت كثيراً بسبب الغلاء».

وأمام موجات الغلاء التي يشهدها الشارع المصري، انتشرت شائعات عن توجه رسمي لإصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى؛ بسبب انخفاض قيمة العملات المتداولة حالياً؛ نتيجة ارتفاع أسعار السلع، ومن بين هذه الفئات إصدار ورقة نقدية بقيمة 10 آلاف جنيه. وقد تداول متابعون على «السوشيال ميديا» صورة لعملة شبيهة بالـ200 جنيه كُتب عليها 10 آلاف جنيه، وهو ما نفته الحكومة.

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، أخيراً، إن البنك المركزي المصري أفاد بأنَّه «لم يتم إصدار أي قرارات بهذا الشأن، ولا توجد حالياً أي خطط أو دراسات تتعلق بطرح هذه الفئة النقدية أو أي عملات ورقية أو بلاستيكية من فئات جديدة، بخلاف الفئات المتداولة بالفعل داخل السوق».

مسؤولون يراقبون الأسواق بهدف مواجهة أي ارتفاع للسلع (جهاز حماية المستهلك)

ورغم النفي الرسمي، فإنَّ خبراء لم يستبعدوا أن «تضطر الحكومة لإصدار فئات نقدية جديدة في حالة تفاقم التضخم والغلاء».

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، عاطف وليم لـ«الشرق الأوسط»: «إن إصدار فئات نقدية جديدة لن يكون سوى انعكاس لتفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر، وتآكل قيمة العملة، بحيث تضطر الحكومة إلى إصدار فئات أعلى، بعدما انخفضت قيمة الفئات الموجودة بالفعل». لكنه في الوقت نفسه يرى أنَّ ذلك لن يحدث سوى لو وصلنا لمرحلة «التضخم الجامح».

وسجَّل معدل التضخم الشهري في أبريل (نيسان) الماضي 1.1 في المائة مقابل 3.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي. كما سجَّل معدل التضخم السنوي في الشهر نفسه 13.8 في المائة.

ويعتقد وليم أن «معدلات التضخم التي يشعر بها المواطن في الشارع أكبر من المعدلات الرسمية»، قائلاً: «إن المواطنين يلهثون خلف الغلاء»، كما يرى أيضاً أن «الاقتصاد المصري بعيد نسبياً عن مرحلة (التضخم الجامح)»، عادّاً في الوقت نفسه أن «إصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى لن يكون مؤشراً جيداً، وسيؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار».

عملات مصرية من فئة الـ200 جنيه (البنك الأهلي المصري)

في حين يرجح الخبير الاقتصادي الباحث في سوق المال، محمد مهدي عبد النبي، أنَّ «طباعة فئات نقدية جديدة أعلى من عملة الـ200 جنيه أمر وارد قريباً في ظلِّ تراجع القوة الشرائية للجنيه منذ عام 2022».

وكان مجلس الوزراء نفى في مايو (أيار) الحالي، التوقف عن إصدار العملة البلاستيكية من فئتَي 10 و20 جنيهاً.

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»: «قد نشهد إصدار فئة نقدية أكبر، بمقدار 500 أو 1000 جنيه، حيث لم تعد الـ200 جنيه لها القوة الشرائية السابقة نفسها في ظلِّ الغلاء»، موضحاً أن «فئات العملات تلهث لملاحقة التضخم والغلاء».

مواطنون مصريون داخل سيارة أجرة في منطقة الجيزة (الشرق الأوسط)

عودة إلى عاطف وليم، الذي أشار إلى أنَّ «البرنامج الاقتصادي للحكومة على مدار سنوات لم يجنِ سوى تراجع قيمة الجنيه، فضلاً عن مزيد من الغلاء، والتضخم الذي يدفع ثمنه المواطن»، مطالباً بـ«تغيير البوصلة الاقتصادية نحو المشروعات الإنتاجية».

وتشهد مصر موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، متأثرة بالأوضاع الإقليمية، خصوصاً الحرب الإيرانية، فضلاً عن الزيادات المتكررة في أسعار السلع والخدمات، والتي تضع الأسر تحت ضغوط إضافية، مع ثبات ما لديها من عملات نسبياً، بينما تنخفض القوة الشرائية لهذه العملات.


سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
TT

سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

عادت السيول الجارفة لتضع مدينتي تهالة وغات في جنوب غربي ليبيا تحت ضغط كارثة موسمية متكررة، بعدما شهدت المنطقتان القريبتان من الحدود الجزائرية أمطاراً غزيرة منذ أول يوم في عيد الأضحى (الأربعاء)، أدت إلى جريان واسع للأودية ونزوح العائلات من المناطق المنخفضة، وسط استنفار حكومي، ودعوات متجددة إلى إنشاء سدود وشبكات حماية مائية لوقف الخسائر المتكررة.

وفيما أعلنت السلطات المحلية، الجمعة، عدم تسجيل خسائر بشرية حتى الآن، فإن المخاوف تصاعدت من تكرار سيناريوهات سابقة شهدتها المنطقة، التي تتاخم الحدود مع الجزائر خلال الأعوام الماضية، حين تحولت الأمطار الموسمية إلى كوارث خلفت وفيات، وأضراراً واسعة في البنية التحتية والمزارع والمساكن.

وجدد محمد علي مختار، مدير مكتب الإعلام ببلدية تهالة، مطالبة الحكومتين في غرب ليبيا وشرقها «بالحاجة العاجلة إلى مشاريع حماية مستدامة، تشمل إنشاء سدود أو تحويل مسارات الأودية، بعيداً عن التجمعات السكنية، بل وحتى دراسة إنشاء تجمع سكاني بديل إذا استمرت الأخطار الطبيعية على حالها».

أحد عناصر الطوارئ في الهلال الأحمر خلال جولة رصد بمدينة غات بالجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

وسلط المسؤول المحلي الضوء على معاناة المدينة التي تتكرر نتيجة السيول، وقال إنها دفعت جميع العائلات القاطنة في المدينة إلى النزوح نحو أماكن أكثر أماناً في إجراء احترازي، موضحاً أن الأضرار اقتصرت حتى اللحظة على خسائر مادية متفاوتة.

ولم تكن السيول الحالية الأولى التي تضرب المنطقة. ففي أغسطس (آب) قبل عامين، شهدت تهالة سيولاً قوية أودت بحياة ثلاثة أطفال، كما غمرت المياه الشوارع والمزارع، وألحقت أضراراً واسعة بالمنازل والبنية التحتية، بينما تعهدت السلطات حينها بإيجاد حلول جذرية، من بينها إقامة سدود لحجز المياه وتنظيم تدفق الأودية.

ويقول مختار إن المدينة تعاني منذ سنوات من هشاشة حادة في البنية التحتية، مشيراً إلى تكرار انقطاع الكهرباء وتعطل شبكات الاتصالات، وتوقف عدد من آبار المياه عن العمل مع كل موجة أمطار، مؤكداً أن الأزمة تتكرر منذ أعوام 2011 و2019 و2024 دون تنفيذ حلول جذرية تحد من أخطار السيول.

وتجددت مع الأمطار الأخيرة المطالب الشعبية والحقوقية بضرورة بناء منظومة سدود في الجنوب الغربي الليبي، خصوصاً في المناطق الواقعة على مسارات الأودية الآتية من المرتفعات الجزائرية.

وطالب الناشط السياسي والمدون فرج أبو سنينة بإنشاء سدود وحواجز مائية على الأودية المشتركة بين ليبيا والجزائر، إلى جانب إبعاد التجمعات السكنية عن مجاري السيول، وإنشاء بحيرات صناعية يمكن الاستفادة منها في الزراعة ومشروعات التشجير.

ويذهب سياسيون، من بينهم حسين الأنصاري، العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني» بجنيف السويسرية، إلى القول بأن بناء السدود في غات وتهالة بالجنوب الليبي أصبح «ضرورة وطنية حتمية» لحماية الأرواح والموارد، محذراً من أن استمرار تجاهل الحلول الهندسية الدائمة سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

أحد عناصر اللجنة العليا للطوارئ التابعة لحكومة الاستقرار يتفقد المركز الصحي بمدينة تهالة بالجنوب الليبي (بلدية تهالة)

وقال الأنصاري، إن «الدولة الليبية تنفق سنوياً ملايين الدنانير على عمليات الإغاثة الطارئة، والتعويضات وصيانة الطرق المتضررة بشكل مؤقت، بينما تبقى الحلول الترقيعية عاجزة عن منع تكرار الكوارث مع كل موسم أمطار»، وفق منشور عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وحسب تقدير العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني»، فإن إنشاء شبكة سدود ركامية وتخزينية في نقاط التحول الرئيسية داخل الأراضي الليبية، إلى جانب شق قنوات لتصريف المياه بعيداً عن المدن، سيكون أقل تكلفة على المدى البعيد مقارنة باستمرار سياسة «إدارة الأزمات». مشيراً إلى أن «الطبيعة الجغرافية لحوض غات وتهالة تجعل المنطقة في مواجهة مباشرة مع سيول ضخمة تنحدر من جبال التاسيلي داخل الجزائر، ما يتطلب تنسيقاً فنياً ومبكراً بين البلدين لدراسة حركة الأحواض المائية المشتركة وآليات الإنذار المبكر».

ومع تجدد الأزمة، أعلنت السلطات في شرق ليبيا على مدى يومين حالة الاستنفار لدعم المناطق المتضررة، حيث أصدر نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، الفريق أول صدام خليفة حفتر، الخميس، تعليمات بتقديم الدعم والإغاثة العاجلة لسكان تهالة، فيما وصلت قوافل طبية تابعة لوزارة الصحة التابعة للحكومة المكلفة من البرلمان إلى غات وتهالة لمتابعة التطورات الميدانية.

وكان نائب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، في غرب ليبيا سالم الزادمة قد كشف قبل عامين عن خطة حكومية لإنشاء سدود على الأودية، التي تصب في مناطق الجنوب الغربي، وذلك عندما كان يشغل المنصب ذاته في الحكومة المكلفة من البرلمان، لكن هذه الوعود لم تر النور في ظل الانقسام السياسي والحكومي الذي تشهده البلاد.

وبينما يترقب السكان انحسار السيول، يعود ملف السدود الغائبة مجدداً إلى واجهة النقاش في ليبيا، بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بأمن الجنوب وحماية مدنه من كوارث تتكرر كل عام تقريباً، في ظل غياب مشاريع بنية تحتية، قادرة على مواجهة التحولات المناخية والتقلبات الجوية الكثيرة.