مصير الصناعة الدفاعية السودانية بعد حرب الجنرالين

تنتج المدرعات والطائرات والمدفعية والقذائف الموجهة

حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)
TT

مصير الصناعة الدفاعية السودانية بعد حرب الجنرالين

حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مستودع للغاز قرب مصنع اليرموك جنوب الخرطوم في مطلع يونيو (أ.ف.ب)

بدأت الصناعة الدفاعية في السودان تستقطب الانتباه عقب قصف الطيران الحربي الإسرائيلي لـ «مجمع اليرموك الصناعي» التابع لـ«هيئة التصنيع العسكري» السودانية، في أكتوبر (تشرين الأول) 2012، ثم عادت الأنظار لتتركز عليها مجدداً بعد إعلان قوات «الدعم السريع» السيطرة على مجمع اليرموك العسكري في 8 يونيو (حزيران) الماضي، الذي يعد أحد أكبر مجمعات الصناعة العسكرية السودانية.

ولا تعد الصناعة العسكرية والحربية حديثة في السودان. فقد بدأ تأسيسها منذ عام 1959، أي بعد الاستقلال بأقل من ثلاث سنوات، في إطار ما عرف بـ«مجمع الشجرة الصناعي»، والمعروف اليوم بـ«مصنع الذخيرة»، لإنتاج مجموعة متنوعة من ذخائر الأسلحة الصغيرة، لتلبية احتياجات الجيش والقوات النظامية الأخرى، والذي أصبح جزءاً من «هيئة التصنيع الحربي» التي تأسست عام 1993، وعرفت لاحقاً بـ«منظومة الصناعات الدفاعية».

صناعات عسكرية ومدنية

ومنظومة الصناعات الدفاعية مؤسسة حكومية تابعة للقوات المسلحة، وتضم داخلها عدداً من المصانع والصناعات والاستثمارات العسكرية وغير العسكرية، وتنتج مجموعة كبيرة من الأدوات الدفاعية، بما في ذلك الأسلحة والذخائر والمدرعات والدبابات والطائرات والمدفعية، إلى جانب صناعات ذات طابع مدني، مثل صناعة السيارات والجرارات والأجهزة الكهربائية ومواد البناء وغيرها، ويديرها حالياً اللواء ميرغني إدريس، تحت إشراف وزارة الدفاع.

آليات عسكرية للجيش السوداني بأحد شوارع العاصمة السودانية الخرطوم يوم 26 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

 

وتنقسم المنظومة إلى عدد من المجمعات الموزعة حول العاصمة الخرطوم، وأهمها «مجمع اليرموك العسكري»، الذي افتتح عام 1996، ويقع في منطقة حصين، جنوبي العاصمة الخرطوم، بالقرب من مستودعات المواد البترولية الرئيسية، ويخضع لإجراءات سرية مفرطة. وكان مقرراً وقتها أن ينتج المعدات ذات الاستخدام المزدوج، بما في مواد البناء والنقل والصناعة التحويلية، تحت إدارة جهاز الأمن والمخابرات الوطني، لكن بعد تطور العلاقات السودانية الإيرانية، نشأت علاقة تعاون عسكري، دعمت إيران بموجبه إنتاج الأسلحة في السودان، وكان مجمع اليرموك رأس الرمح في هذه العملية.

قصف إسرائيلي

ثم فوجئ السودانيون ليلة 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 بانفجار هائل جنوبي الخرطوم، وقيل وقتها إن الطيران الإسرائيلي قصف المجمع العسكري. وأعلن السودان آنذاك، وعلى لسان وزير إعلامه أحمد بلال عثمان، أن بلاده سترد في الزمان والمكان المناسبين على الهجوم الإسرائيلي، واعتبر القصف الذي تعرض له المصنع منافياً للأعراف الدولية. ولم تعلق إسرائيل رسمياً على العملية، لكن المسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد، وصف السودان في اليوم التالي للقصف بأنه «دولة إرهابية خطيرة»، واتهمه بنقل السلاح الإيراني إلى من أطلق عليهم «الإرهابيين الفلسطينيين» من حركتي «حماس والجهاد الإسلامي»، عبر سيناء المصرية.

 

ألسنة اللهب تتصاعد بعد قصف مصنع اليرموك للأسلحة في الخرطوم في أكتوبر 2012 (إ.ب.أ)

 

ولاحقاً، أعاد الجيش السوداني ترميم المصنع وتطويره بسرية تامة. لكنه عاد مرة أخرى إلى واجهة الأحداث في 8 يونيو (حزيران) الماضي، عقب إعلان قوات «الدعم السريع»، التي تخوض حرباً مع الجيش السوداني منذ 15 أبريل (نيسان) الماضي، السيطرة على المصنع المهم والاستيلاء على عدد كبير من الذخائر والمعدات، ونشرها فيديوهات تؤكد مزاعمها.

إنتاج دبابات ومدرعات

المجمع الثاني ضمن المنظومة هو مجمع «الشهيد إبراهيم شمس الدين للصناعات الثقيلة»، وأطلق عليه اسم العميد شمس الدين، أحد أشهر وأشرس قادة انقلاب الإسلاميين، والذي لقي حتفه في حادث طائرة أثناء الحرب مع قوات جنوب السودان بقيادة الراحل جون قرنق دمبيور. وأنشئ هذا المجمع في عام 2002، داخل مدينة جياد الصناعية جنوب شرقي الخرطوم، لتصنيع وصيانة المركبات المدرعة والمركبات الصناعية الثقيلة.

ويؤكد موقع «منظومة الصناعات الدفاعية» على «فيسبوك» أن مجمع شمس الدين ينتج عدداً من الدبابات الحديثة، وأشهرها «الدبابة الزبير»، إلى جانب الدبابة «البشير» وغيرها من أنواع الأسلحة صينية المنشأ، التي يعاد تصنيعها في السودان.

القوة الثالثة في أفريقيا

ووفقاً لما نشرته مجلة (Military watch) في 2022، فإن السودان أصبح ثالث أكبر قوة عسكرية أفريقية، ويملك صناعة عسكرية رائدة، وأصبحت قواته من أفضل القوات تجهيزاً، وإن السودان أعاد إنتاج الدبابة الصينية (T96) وأطلق عليها اسم «البشير»، وطور طريقة التلقيم الخاصة بها لتصبح آلية، وطور طريقة توجيه القذائف إلى التوجيه بالليزر وتزويدها بمناظير رؤية ليلية، وزودها بمدفع 125 ملم، مما جعلها الأقوى بين مثيلاتها في الخدمة، والأفضل في مواجهة الدروع.

وفي فبراير (شباط) 2023، أعلنت منظومة الصناعات الدفاعية السودانية المشاركة في معرض «إيديكس» بدورته السادسة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقالت إنها شاركت بنحو 144 منتجاً عسكرياً، تتضمن الأسلحة والذخائر وتسليح الطيران والمركبات القتالية المدرعة وأجهزة الاتصالات، والطائرات المسيَّرة، والمواد الدافعة والمتفجرة، وخدمات تأهيل وصيانة الطائرات، وذلك وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الرسمية «سونا» وقتها.

 

السودان أعاد انتاج الدبابة الصينية (T96) وأطلق عليها اسم "البشير" (الرئيس السابق) (أ.ف.ب)

 

وفي 22 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت قوات «الدعم السريع» سيطرتها على «مجمع جياد للصناعات»، لكن الجيش نفى تلك المزاعم، وقال إنه يسيطر على المجمع الصناعي المهم. لكن الشهود يقولون إن مراكز سيطرة قوات «الدعم السريع» تنتشر في المكان وعلى طول الطريق المار أمام المجمع.

إلى جانب المجمعين، «اليرموك» و«شمس الدين»، ينتج «مجمع الزرقاء الهندسي»، الذي افتتح عام 2004 شمالي الخرطوم بحري في منطقة «حلفايا»، الأجهزة الإلكترونية والكهربائية والبصرية للجيش السودان، وفي الوقت ذاته يشارك في سوق الاتصالات السودانية، وينتج البرمجيات ونظم التتبع الآلي، وماكينات الدفع الإلكتروني وعدادات المياه، إضافة إلى تصميم البرمجيات العسكرية وغيرها، وهو من المواقع التي تزعم قوات «الدعم السريع» السيطرة عليها. ونقل شهود عيان أن المجمع تعرض لتدمير ونهب واسعين أثناء وبعد العمليات القتالية بين الطرفين.

إنتاج الطائرات والسيارات

ويعد «مجمع الصافات للطيران» أحد أذرع منظومة الصناعات الدفاعية السودانية المهمة. وقد تأسس في 2005 لدعم القوات الجوية السودانية، والحفاظ على قدرات الطيران العسكري السوداني، ويقع شمالي أم درمان. وبدأ هذا المجمع عمله بصيانة وتأهيل الطائرات المدنية والعسكرية، وتطور إلى ترقية الطيران، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 أعلنت منظومة الصناعات الدفاعية إنتاج طائرة سودانية بنسبة مائة في المائة في «مجمع الصافات»، وقالت إن المجمع يمتلك ثلاثة مراكز لصيانة الطائرات الثقيلة والمروحيات وتطوير وتصنيع طائرات الهيلكوبتر، وإنه يعمل بالتعاون مع أوكرانيا على إنتاج طائرات إليوشن وأنتونوف، ومروحيات ومقاتلات من طرز مختلفة.

وبدأ إنتاج الطائرات في «صافات» عام 2009، بإنتاج طائرة التدريب ذات المقعدين (SAFAT-03) المعتمدة على تصميم الطائرة الصربية (UTVA 75)، ثم أنتج الطائرة المطورة (SAFAT- 03)، إضافة إلى تجميع الهليكوبتر الخفيفة (SAFAT 02) المبنية على تصميم (Aerokopter AK1-3) الأوكرانية.

 

وتتبع لمنظومة الصناعات الدفاعية العديد من المؤسسات المدنية والاستثمارية الأخرى، بما في ذلك «مصنع جياد للسيارات»، والذي ينتج سيارات كورية وصينية من طرز مختلفة، إلى جانب استثمارات في المطاحن والمسالخ، وغيرها من الأعمال المدنية التي تديرها المنظومة، وفقاً لمركز «الحاكم نيوز» الموالي لجهاز المخابرات السوداني.

ودارت معارك سجالية بين الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وقيادة الجيش السوداني، على ملكية الأصول المدنية، وخضوع استثمارات الجيش لوزارة المالية الاتحادية، وأعلن وقتها أن قيادة الجيش وافقت على الخروج من الأنشطة ذات الطابع المدني، وأن تخضع المنشآت ذات الطابع العسكري لوزارة المالية. إلَّا أن انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 أطاح بتلك الاتفاقات، وزاد الطين بلة نشوب الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، المالكين للمنظومة بنسبة 70 في المائة للجيش، و30 في المائة لـ«الدعم السريع».

وتلقت المنظومة ضربة قاسية إثر نشوب الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع» منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بفرض عقوبات على شركة «ماستر تكنولوجي» المنتجة للأسلحة والمركبات العسكرية، و«هيئة التصنيع الحربي»، التي تنتج معدات وأسلحة للجيش السوداني، بينما ظلت المنظومة شبه معطلة منذ اندلاع القتال بين القوتين المتصارعتين، إذ تقع معظم مواقعها في المناطق التي تنتشر فيها قوات «الدعم السريع»، ما عدا «مجمع الصافات» غربي أم درمان، الذي تسيطر عليه القوات المسلحة.

ولا يعرف ما هي أوضاع المصانع والورش التابعة لـ«هيئة التصنيع الحربي» بعد العمليات القتالية العنيفة التي دارت داخلها أو حولها، لكن الحرب في شهرها الرابع، أثرت حتماً بشكل أو آخر على قدرات السودان العسكرية التي كانت تؤهله ليكون «القوة العسكرية الثالثة أفريقياً».


مقالات ذات صلة

غارة على دارفور تقتل قيادياً بارزاً في حكومة «الدعم السريع»

شمال افريقيا القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل في غارة على منزله في مدينة نيالا (تحالف «تأسيس«)

غارة على دارفور تقتل قيادياً بارزاً في حكومة «الدعم السريع»

قُتل قيادي في التحالف المؤسس للحكومة المدعومة من «قوات الدعم السريع»، في ضربة شنها الجيش السوداني على منزله في العاصمة نيالا بجنوب دارفور.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

في خطوة عدّها البعض تُكرس تقسيم السودان إلى دولتين، أعلنت حكومة «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في مناطقها.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر على أعتاب «الندرة المطلقة» للمياه

قال وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم إن بلاده «تُعد من أكثر دول العالم جفافاً وتعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل» 

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا صورة جوية لملاجئ مؤقتة بمخيم أدري في تشاد للسودانيين الذين فرّوا من الصراع بدارفور (رويترز)

السودان يمدد فتح معبر «أدري» مع تشاد وسط ضغوط دولية

أعلنت وزارة الخارجية السودانية تمديد فتح معبر «أدري» على الحدود مع تشادية لـ3 أشهر أخرى، أمام المعونات الإنسانية وسط ضغوط دولية ومخاوف أمنية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا من وقفة للأساتذة المضربين (لجنة أساتذة الجامعات السودانية)

أساتذة الجامعات السودانية يُنفذون إضراباً عن العمل لتدني الرواتب

دخل إضراب أساتذة الجامعات السودانية الشامل والمفتوح عن العمل؛ احتجاجاً على تدني الرواتب، يومه الثاني، وتوقفت الدراسة بشكل كامل، بينما لا تلوح في الأفق بوادر حل.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
TT

تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)

قال متحدث عسكري سوداني، الخميس، إنه تم تعيين ​الفريق أول ركن ياسر العطا، عضو «مجلس السيادة» ومساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيساً لهيئة أركان القوات ‌المسلحة السودانية.

وهذه ‌الخطوة هي أهم ​تغيير ‌في ⁠المناصب ​منذ بدء الحرب ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» قبل ثلاث سنوات، ويمكن أن تفضي إلى تغييرات في الاستراتيجية مع فتح ⁠جبهة جديدة في الحرب في ‌ولاية ‌النيل الأزرق جنوب ​شرق البلاد، على ما أفادت وكالة «رويترز».

ويتولى العطا منصب رئيس الأركان خلفاً لعثمان الحسين، مما يقلص حضوره السياسي، لكنه يمنحه سيطرة أكبر على القوات المسلحة.


رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
TT

رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)

حمّل رئيس حكومة «تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)»، المدعومة من قوات «الدعم السريع»، محمد الحسن التعايشي، الحركة الإسلامية السودانية، المسؤولية عن إدخال الاغتيالات السياسية إلى البلاد، باغتيال القيادي في «التحالف» أسامة حسن حسين، في هجوم بطائرة مُسيرة.

وشنّت مُسيرة تابعة للجيش السوداني هجوماً على منزل في مدينة «نيالا»، التي تتخذ منها حكومة «تأسيس» عاصمة لها، كان يضم عدداً من أعضاء الحكومة، ما أدى إلى مقتل القيادي البارز في «التحالف» أسامة حسن، في حين نجا الآخرون.

حطام مُسيّرة قالت «قوات الدعم السريع» إنها من طراز «بيرقدار أكينجي» تركية الصنع أسقطتها قرب مدينة نيالا (قوات «الدعم السريع»)

ووصف التعايشي، الذي كان يتحدث في خطاب جماهيري، ليل الأربعاء-الخميس، العملية بأنها «اغتيال سياسي مباشر»، وامتداد لنهجٍ أدخلته «الجماعة» إلى الحياة السياسية في السودان (الحركة الإسلامية هي الاسم المحلي لجماعة الإخوان المسلمين)، وقال: «إن الهدف من هجوم المُسيرة هو تقويض دور حكومة تأسيس وزعزعة الاستقرار في المناطق» التي تخضع لسيطرتها.

ووصف التعايشي القتيل بأنه «أحد الوجوه الشابة البارزة في العمل السياسي»، وقال إنه أسهم في ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وفي تأسيس التحالف، وتعهّد بألا يعرقل اغتيالُه «مشروع التغيير»، وإنه سيظل «ملهماً للأجيال»، وفق تعبيره.

ودعا المجتمع الدولي «لتحمُّل مسؤوليته وفقاً القانون الدولي الإنساني، الذي يَعدّ استهداف القيادات المدنية تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين»، وطالب بإدانة الهجمات ومحاسبة المسؤولين عنها.

كما اتهم «جماعة الإخوان المسلمين» بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ومنع الوصول لهدنة إنسانية، رغم وجود ثماني بؤر للمجاعة في مناطق مختلفة. وأضاف: «تعطيل الوصول الإنساني يستوجب عقوبة مباشرة ومواجهة مباشرة من المجتمع الدولي».

وقال التعايشي إن الاغتيال الذي حصل «ليس معزولاً عن التصعيد الذي تقوم به مُسيرات الجيش في مدينة نيالا والمناطق المجاورة لها طوال الأيام الماضية، وأسفر عن سقوط عشرات الضحايا، من أجل إرباك الأوضاع في مناطق تشهد استقراراً نسبياً».

مبنى مدمَّر في موقع غارة جوية في نيالا بولاية جنوب دارفور (هيومن رايتس ووتش)

وأضاف: «نيالا، عاصمة حكومة (تأسيس)، تضم نحو مليونيْ نسمة بينهم نازحون، تشهد استمرار العمل في الأسواق وتقديم الخدمات الأساسية»، وعَدَّ ذلك مؤشراً «على قدرة الحكومة على إدارة مناطق واسعة، رغم ظروف الحرب».

وأوضح رئيس حكومة «تأسيس» أن مِن بين الدوافع الرئيسية لتشكيل حكومته «عدم ترك مساحات واسعة من البلاد دون إدارة أو مؤسسات»، وقال: «لا يمكن ترك نحو 70 في المائة من السودانيين بلا حكومة أو أجهزة سلطة، وحكومة (تأسيس) جاءت لسدّ هذا الفراغ الإداري والأمني».

وتعهّد التعايشي «بالمُضي قُدماً في استكمال هياكل الدولة، بما فيها السلطات القضائية والنيابية والشرطة والسجون والوزارات المختلفة، في المناطق الخاضعة لسيطرة تحالف (تأسيس)، فضلاً عن بناء هياكل للحكم الإقليمي والمحلي يضمن وجود إدارة مدنية في كل مدينة وقرية».

ووفقاً للمسؤول عن حكومة نيالا، فإن وزارة الداخلية شرعت في ترتيبات نشر الشرطة الفيدرالية بمدينتي الفاشر ونيالا، بعد عودة نحو 40 ألف شخص إلى عاصمة ولاية شمال دارفور (الفاشر)، من بين الذين نزحوا إبّان القتال بين الجيش و«الدعم السريع»، وتوقَّع عودة أعداد أكبر، خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع تحسن نسبي في خدمات المياه والصحة والتعليم بالمدينة.

مجلس وزراء حكومة «تأسيس» (أرشيفية-فيسبوك)

وقال التعايشي إن الخطوات التي تقوم بها حكومته لاستعادة مؤسسات الدولة تهدف لسدّ ما سمّاه «حالة الفراغ الإداري والأمني». وشدد على أن حكومته تتحرك بما أطلق عليه «خططاً مدروسة وإرادة قوية» لإعادة الحياة الطبيعية وتهيئة الظروف لعودة النازحين.

وتعهّد بأن تُواصل حكومة «تأسيس» محاربة الإرهاب، والقضاء على هيمنة الحركة الإسلامية على القرار السياسي والمؤسسات العسكرية، بوصفها التهديد الرئيسي لاستقرار البلاد، وعَدَّ القضاء على نفوذها «شرطاً لتحقيق السلام المستدام».

ومقابل ذلك، جدَّد التعايشي تأكيد انفتاح «حكومة تأسيس» على أي مبادرات قد تُحقق «سلاماً عادلاً وشاملاً» يخاطب جذور الأزمة. وتابع: «نحن مستعدّون للتعامل مع جميع المبادرات، ولا سيما مبادرة الرباعية الدولية، التي تتعلق بالهدنة الإنسانية ووقف الحرب في السودان».

التعايشي يؤدي اليمين الدستورية أمام رئيس «المجلس الرئاسي» لتحالف «تأسيس» محمد حمدان دقلو «حميدتي» رئيساً للحكومة التي تتخذ من نيالا عاصمة مؤقتة (إعلام «الدعم السريع»)

وتكوَّن «تحالف السودان التأسيسي» في فبراير (شباط) 2025، في العاصمة الكينية نيروبي، من قوى عسكرية؛ على رأسها قوات «الدعم السريع» وقوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، وحركات مسلَّحة أخرى، ومن قوى مدنية على رأسها التيار الرئيسي في حزب «الأمة القومي»، وتيارات وأحزاب مدنية أخرى.

وشكَّل التحالف بعد تأسيسه حكومة «أمر واقع» موازية للحكومة المُوالية للجيش وتتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة، تتكون من مجلس رئاسي يترأسه قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وحكومة تنفيذية يترأسها عضو «مجلس السيادة الانتقالي» السابق محمد الحسن التعايشي.


انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
TT

انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)

تصاعدت موجة الانتقادات الليبية حيال الدور الأميركي في البلاد، وسط اتهامات لواشنطن بتبني نهج «براغماتي» يولي الأولوية لعقد «الصفقات التجارية وتأمين المصالح الاقتصادية»، على حساب الجهود الفعلية الرامية لحلحلة الانسداد السياسي المتأزم.

وكانت «كتلة التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة، قد عبّرت عن استهجانها لما سمّته «التحركات المشبوهة» لمستشار الشؤون الأفريقية الأميركي، مسعد بولس، وتدخلاته في ليبيا «من حيث مضمونها وسياقها»، فضلاً عن «تضارب المصالح وشبهات الفساد حولها».

ولفت بيان «كتلة التوافق» بالمجلس إلى مخاوف عديدة لدى شريحة واسعة من الليبيين، مفادها أن «التعاطي الخارجي مع الأزمة، وفي مقدمته الدور الأميركي، لم يعد يستهدف إيجاد حل مستدام للأزمة السياسية، بل تحول وانحرف إلى منطق الصفقات الاقتصادية، وتحديداً المرتبطة بقطاع النفط».

غير أن هذا الجدل فجّر تساؤلات جوهرية، أبرزها: هل تستطيع الأطراف الليبية في ظل انقسامها وتنازع حكومتين على السلطة إقناع واشنطن بتغيير سياساتها؟ والأهم من ذلك، هل تملك القدرة على طرح حلول وطنية بديلة تتصدى تدريجياً للتدخلات الخارجية؟

وعدّ عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن بيان كتلته «عبّر عما يجول بعقول قطاع واسع من الليبيين حول إدارة بولس للملف بعقلية التاجر، الذي يركز على صفقات ثنائية بقطاع النفط، المصدر الرئيسي لدخل البلاد التي تصب في مصلحة بلاده والقوى الفاعلة شرقاً وغرباً، دون التفات لمصالح الشعب».

وقال بن شرادة لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد أي مستجد حقيقي بالمشهد السياسي، سوى ما يتداول عن سعي بولس لإيجاد حكومة موحدة، عبر التنسيق بين تلك القوى الفاعلة، أو إبقاء الوضع كما هو، مع الحيلولة دون نشوب أي نزاعات تعرقل تدفق النفط»، وأضاف متسائلاً: «ماذا أحرز بولس من تقدم في معالجة الأزمة السياسية، وتحديداً الانقسام السياسي والحكومي والتمهيد للانتخابات؟».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس بالغرب مقراً لها، وحكومة ثانية مكلفة من البرلمان ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب برئاسة أسامة حماد.

ولعب بولس دوراً محورياً في إبرام اتفاقيات «شراكة ضخمة» بين مؤسسة النفط الليبية وشركات أميركية، أبرزها مع «كونوكو فيليبس» و«شيفرون» بقيمة 20 مليار دولار.

واستبعد بن شرادة أن تُقدم واشنطن على تغيير سياساتها في المرحلة المقبلة بشأن ليبيا، مؤكداً أن كتلته ستواصل «التنديد بهذه الصفقات وكشف تداعياتها، وفي مقدمتها ترسيخ نفوذ القوى الفاعلة، وهو ما يعني استمرار تأجيل الاستحقاق الانتخابي».

من جهته، أقر رئيس الائتلاف الليبي - الأميركي، فيصل الفيتوري، بـ«وجود احتقان واسع من إدارة بولس للملف»، مرجعاً ذلك إلى «حصر تعاملاته مع القوى الفاعلة، وتهميش باقي المؤسسات، دون مراعاة الحساسية الشديدة لدى المجتمع الليبي لمثل هذا السلوك».

ورأى الفيتوري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن جزءاً من الانزعاج الليبي من بولس «يعود إلى تباين النظر إليه ما بين كونه دبلوماسياً ورجل أعمال»، داعياً إلى «التفريق بين الموقف منه والترحيب الليبي الدائم بالدور الأميركي، وثقله الدولي القادر على حلحلة أي جمود سياسي بأي ملف».

وأشار الفيتوري إلى أن اجتماعات بولس المتكررة مع صدام حفتر، نائب رئيس القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وإبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي بغرب البلاد، «جاءت في إطار إدراكه أنهما الأكثر فاعلية بمناطق نفوذهما في شرق ليبيا وغربها، وقناعته بأنه يستطيع بناء جسر من التفاهم بينهما». مشيراً إلى أن تلك الاجتماعات «أظهرت أن واشنطن تريد معالجة الملف الليبي بشكل منفرد، بعيداً عن البعثة الأممية وخريطتها الرامية إلى تهيئة المناخ للانتخابات، ما أضعف دور الأخيرة، خصوصاً مع إخفاقها المستمر بحل الأزمة لأكثر من عقد».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

من جانبه، يرى أستاذ العلاقات الدولية والسياسات المقارنة الليبي، إبراهيم هيبة، أن «الأزمة لا تنحصر فقط في تصاعد التدخلات الخارجية لواشنطن، وإنما في غياب الحل الليبي - الليبي»، مشيراً إلى أن السياسة الأميركية «اتخذت منذ البداية طابعاً براغماتياً ذا طابع اقتصادي بحت؛ وأيضاً إيجاد قدر من الاستقرار الأمني، يضمن مصالح شركاتها وأمن خبرائها العاملين داخل ليبيا، دون التفات يذكر لقضية الانتخابات وتطلعات أبناء البلاد».