هل تهزم «براغماتية» ميتسوتاكيس «تعقيدات» التاريخ والجغرافيا؟

حكومته الثانية قد تحمل تحولات جوهرية في «شرق المتوسط»

ميتسوتاكيس مصافحا أردوغان في قمة ناتو الاربعاء الماضي (أ.ب)
ميتسوتاكيس مصافحا أردوغان في قمة ناتو الاربعاء الماضي (أ.ب)
TT

هل تهزم «براغماتية» ميتسوتاكيس «تعقيدات» التاريخ والجغرافيا؟

ميتسوتاكيس مصافحا أردوغان في قمة ناتو الاربعاء الماضي (أ.ب)
ميتسوتاكيس مصافحا أردوغان في قمة ناتو الاربعاء الماضي (أ.ب)

يبدو رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس شخصية هادئة، لم تُعرف عنه الحدة قولاً أو فعلاً، ولم يُضبَط يوماً وهو يمارس سياسة القرارات الصادمة، بل أبدى خلال سنوات حكمه نمطاً «براغماتياً» يوازن بين إدارة تحولات بلاده، التي لا تزال مثقلة بأعباء أزمتها السابقة التي وصلت بها إلى حافة الإفلاس، وبين إدارة سياسة خارجية لا يتمتع من يديرها بأريحية كاملة. هذا السياسي المحافظ المعتدل مثقل، في الواقع، بأعباء وهموم تاريخية لطالما أدخلت اليونان في مواجهات مع جيران بالإقليم، وتعقيدات جغرافية كادت تؤجج جذوة حروب قديمة. لقد تعلم ميتسوتاكيس (55 سنة) من الأميركيين الذين تخرج في أرقى جامعاتهم (هارفارد) القدرة على إدارة المتناقضات. وتعوّد عبر عمله الطويل السابق في شركة «ماكينزي» الأميركية للاستشارات دقة الحسابات، والتحسب المسبق للخطر. وفي حين أكسبه ميراثه السياسي العائلي العريق (بما في ذلك كونه نجل كونستانتينوس ميتسوتاكيس، رئيس وزراء اليونان من 1990 حتى 1993) فهماً عميقاً للماضي وسطوته، فإنه لا يزال يحتفظ بذلك الشغف اليوناني القديم بالمستقبل وجرأته. واليوم، يعزّز ميتسوتاكيس موقعه السياسي، بشعبية كبيرة و«تفويض واضح» -كما وصفه هو نفسه- عقب فوز حزبه اليميني «الديمقراطية الجديدة» بغالبية مطلقة في الانتخابات اليونانية الأخيرة ما مكّنه من تأمين 158 مقعداً في البرلمان المكون من 300 مقعد، مقابل 47 مقعداً فقط لمنافسه اليساري حزب «سيريزا». ومن ثم، تبدو اليونان مقبلة على تحولات جوهرية تفرضها طبيعة المتغيرات العميقة في الإقليم، لا سيما في أعقاب الحرب الروسية - الأوكرانية، والتسابق الإقليمي والدولي على منطقة شرق المتوسط، التي باتت «بحيرة» الطاقة الواعدة في ظل اكتشافات الغاز الكبيرة خلال السنوات الأخيرة. وهذه الطاقة، وإن بدت أداة لصناعة مستقبل اقتصادي كبير لدول المنطقة، فهي في الوقت ذاته يمكن أن تكون عود الثقاب الذي يطلق الشرارة الأولى في منطقة معبأة برائحة الغاز وأعباء الماضي.

الولاية الحكومية الأولى لرئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، التي بدأت عام 2019، اختتمت عقداً من الأزمات عانت اليونان خلاله تداعيات ثقيلة لما عُرفت بأزمة «الديون السيادية»، التي عصفت بالبلاد في أبريل (نيسان) 2010 حين عجزت عن سداد ديونها الخارجية. وآنذاك طلبت أثينا من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي إنقاذها من خطر الإفلاس والتخلف عن السداد عبر تفعيل خطة إنقاذ تتضمن تقديم قروض ضخمة مقابل تنفيذ أثينا إجراءات تقشف.

تلك كانت فترة مثقلة بأعباء استمرار خطة التقشف، لكنها أيضاً كانت فرصة لإعادة إطلاق مسار علاقات خارجية أكثر انفتاحاً لوريثة الحضارة الإغريقية، لا سيما في منطقة شرق المتوسط، واستعادة اليونان دورها كلاعب محوري في معادلة التأثير في منطقة تتعاظم أهميتها الجيو - استراتيجية والاقتصادية بشكل متسارع.

سياسات متوازنة

استطاع ميتسوتاكيس الاستثمار في الشراكات الثنائية لبناء سياسة خارجية إقليمية نشطة تقوم على الدبلوماسية، بعكس حكومة «جاره» الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي اتخذ نهجاً صدامياً مع جيرانه في المنطقة وحلفائه الغربيين، وهكذا حافظت اليونان على علاقات دفاعية وثيقة مع واشنطن وباريس. وبينما كان إردوغان يقود تركيا باتجاه تقارب كبير مع موسكو، كان ميتسوتاكيس يقود اليونان في الاتجاه المقابل نحو مزيد من الاندماج الغربي، مولّياً ظهره لميراث التقارب اليوناني - السوفياتي إبان حكومات أثينا اليسارية.

وبالفعل، نجحت اليونان خلال السنوات الأخيرة في بناء شبكة من التحالفات والعلاقات الوثيقة مع دول منطقة الشرق الأوسط، من دون أن تتورط في مشكلات المنطقة. وبناءً عليه، نجحت في تعزيز الروابط مع ليبيا على الرغم من الانقسام السياسي فيها، وتقديم المساعدة للبنان بعد انفجار مرفأ بيروت. لكن ربما جاء نجاحها الأكبر عبر صياغتها استراتيجية موازنة إقليمية من خلال التعاون مع دول الجوار الرئيسية مثل مصر وإسرائيل.

لقد مثّل التقارب اليوناني مع مصر في إطار «تحالف ثلاثي»، يضم قبرص إلى جانبهما، واحدة من قصص نجاح إدارة السياسة الإقليمية لحكومة ميتسوتاكيس الأولى، ومساراً يراهن عليه رئيس الوزراء اليوناني في حكومته الجديدة. ثم إن هذا التعاون الثلاثي يتجاوز إطار منتدى غاز شرق المتوسط الذي أُسس في مطلع 2019، وتستضيف القاهرة مقره الأساسي، وتشارك فيه اليونان ومصر وقبرص إضافةً إلى إيطاليا، والأردن، وفلسطين، وإسرائيل. وقد اكتسب المنتدى زخماً كبيراً مع حرص البنك الدولي على حضور جميع فعالياته، وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة بصفة مراقبين.

الدكتور عبد اللطيف درويش، أستاذ الاقتصاد وإدارة الأزمات بجامعة «كارديف متروبوليتان» البريطانية -المقيم في العاصمة اليونانية– أوضح في حوار مع «الشرق الأوسط» أن سياسة اليونان تجاه الشرق الأوسط، «سعت حقاً إلى تحقيق التوازن، اتساقاً مع الموقف الرسمي اليوناني والأوروبي الملتزم بحل الدولتين في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية» إلا أنه من الملاحَظ أن «التقارب مع الكيان الصهيوني والعلاقات قد فاقا كل الأزمنة من حيث التعاون العسكري والأمني والدفاعي وشراء الأسلحة والطائرات المسيّرة وغيرها من التجهيزات العسكرية الإسرائيلية وذلك بغرض مواجهة تركيا».

التوتر مع تركيا

محدد المواجهة مع تركيا يبدو أحد العناصر الرئيسية في صياغة تحركات اليونان الخارجية، سواء خلال عهد الحكومة الأولى لميتسوتاكيس، أو حتى في سنوات حكومته الثانية. وللتاريخ هنا تأثير لافت، وذاكرة الصراع بين أثينا وأنقرة تمثل عبئاً ثقيلاً على البلدين، لا سيما أن نوازع التوتر حاضرة بقوة، ومتوافرة طوال الوقت. وقد فرضت الطبيعة الجغرافية لانتشار الجزر اليونانية، التي لا يبعد بعضها عن الساحل التركي سوى كيلومترين فقط، حالة تماس دائم واشتباك محتمل.

وهنا يرى الدكتور درويش، أن الكثير من الدول الأوروبية والولايات المتحدة «تسعى إلى الضغط على الطرفين (تركيا واليونان) لخلق تقارب بهدف مواجهة موضوع اللاجئين واستغلال الثروات البحرية بين الطرفين وتيسير اللقاءات بين رئيس الوزراء اليوناني والرئيس التركي على هامش اجتماعات الناتو كبداية لإيجاد أرضية مشتركة... ومن هنا يمكن القول إن سياسة الحكومة اليونانية تتجه غرباً وتلتزم بالمواقف الأوروبية والأميركية».

ومن ثم، يذهب درويش إلى القول إن اليونان «رأت أن الخلاف المصري - التركي لمصلحتها ولا ترى في التقارب إيجابية، بل ترى أنها تخسر قوة يمكن أن تعينها وتفيدها في الصراع مع تركيا... ولكن يمكن القول إنه قد يساعد على إمكانية الاستفادة من الثروات البحرية من خلال خفض التوتر أو من خلال انضمام تركيا إلى منتدى غاز شرق المتوسط للغاز».

من جهة أخرى، مع أن جذور التوتر في العلاقات التركية - اليونانية تمتد إلى أمد بعيد، سواء في عهد الدولة العثمانية أو بعد تأسيس الجمهورية التركية، فإن تطورات الواقع في المنطقة تُبقي نوازع التوتر قابلة دوماً للاشتعال. ولقد اقتربت مياه منطقة شرق المتوسط من درجة الغليان في أغسطس (آب) 2020، عندما أصبحت المنطقة على أعتاب مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا واليونان، على خلفية مواصلة أنقرة التنقيب عن الغاز في المناطق المتنازَع عليها بالقرب من الجزر اليونانية. وما زاد من تعقيد الأوضاع التصادم البحري بين فرقاطة يونانية وأخرى تركية، أعقبه نشر فرنسا سفناً حربية لإجراء تدريبات مشتركة مع البحرية اليونانية، علاوة على نشرها مقاتلات فرنسية من طراز «رافال» في جزيرة كريت اليونانية. غير أن مساعي دبلوماسية متعددة، كان أبرزها تلك التي بذلتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (آنذاك)، أسهمت في نزع فتيل الأزمة ولو مؤقتاً.

وهنا يُبدي الدكتور أحمد قنديل، رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تصوراً يقوم على أنه «رغم كل اعتبارات التوتر التي يمكن أن يقدمها السياق التاريخي للمنطقة، فإن ثمة متغيرات كثيرة تفرض نفسها على جميع الأطراف، ومن بينها الأزمات الاقتصادية التي باتت شبحاً يخيِّم على جميع دول العالم، في مرحلة ما بعد جائحة (كوفيد – 19) والحرب الروسية - الأوكرانية».

ويعتقد قنديل أن هناك أيضاً «تحولات لافتة باتجاه تقاربات إقليمية في منطقة شرق المتوسط، فضلاً عن إدراك كثير من صناع القرار أن إدارة العلاقات البينية وفق نموذج المصالح المشتركة هو الأفضل للجميع». ومن هنا يمكن بناء تصوّر يقول إن التقاربين المصري – التركي، واليوناني – التركي، اللذين انعكسا في أعقاب أزمة زلزال فبراير (شباط) الماضي يمكنان أن يكونا «خطوة على طريق يُفضي إلى نوع من التفاهمات نحو ترسيم الحدود البحرية التركية - اليونانية». وهو ما يراه قنديل «حجر زاوية في إرساء تفاهمات خفض التوتر في شرق المتوسط». هذا، ويتوقع الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن تسلك أثينا «مساراً تصالحياً» في هذا الشأن. «لأنه مع إعادة انتخاب ميتسوتاكيس، وكذلك إعادة انتخاب إردوغان، تبدو الحاجة إلى إجراءات لبناء الثقة العسكرية والأمنية بين البلدين، وربما ترسخت قناعة لدى قيادتي البلدين أن استمرار التوتر يحرم الجميع من الاستفادة من عوائد استغلال الثروات البحرية في المنطقة»، وهنا يمكن لـ«دبلوماسية الغاز» أن «توفر إطاراً فعالاً لحلحلة صراعات تاريخية مثل الأزمة القبرصية وترسيم الحدود البحرية، وإحراز تقدم في ملف تجنب عسكرة الجزر اليونانية القريبة من الحدود التركية»، وفي كل الأحوال «ستبقى اليونان لاعباً مهماً في معادلة الأمن والاستقرار في شرق المتوسط، وستحدد تحركات حكومتها في الفترة المقبلة الكثير من ملامح المستقبل»، حسب قنديل.

هوية جيو - سياسية جديدة

في سياق متصل، «المستقبل» كلمة لا تبدو دائماً حاضرة عند النظر إلى المشهدين السياسي والأمني في شرق المتوسط. إذ إن الماضي ربما يكون أكثر تأثيراً على طبيعة العلاقات داخل تلك المنطقة، كونه يفرض حضوراً طاغياً عند قراءة سطور ملف العلاقات اليونانية - التركية، أو القبرصية – التركية، أو العربية – التركية، أو العربية - الإسرائيلية. ولكن يبدو أن اليونانيين، الذي اهتموا منذ قرون بعيدة بقراءة المستقبل، باتوا أكثر ميلاً لاستشراف المستقبل. واليوم، ثمة أدوات ووسائل أخرى لبناء المستقبل، ومن الواضح أن حكومة ميتسوتاكيس تراهن على أن مستقبلها يتجه غرباً، رغم انخراطها تاريخياً في الشرق، حيث تقوم أثينا ببناء هوية جيو - سياسية جديدة كحصن للغرب في شرق المتوسط... ويرى كثيرون أنه يمكن إسناد مسؤوليات جديدة إلى اليونان في إطار تخطيط حلف شمال الأطلسي «ناتو» وأوروبا لمسارات الأمن الإقليمي.

ويذهب تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» في سبتمبر (أيلول) 2020 إلى أن «أثينا تعيد إحياء نفسها كقوة دبلوماسية»، مستشهداً بتحركات يونانية مكثفة بين إسرائيل وفلسطين، وذهاب رئيس وزرائها في جولة إلى شمال أفريقيا شملت طرابلس والقاهرة، وتوثيق العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع المملكة العربية السعودية، وتنشيط العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا، والحفاظ على تنامي العلاقات بصورة غير مسبوقة مع مصر والأردن والإمارات وقبرص.

وحقاً، تسعى اليونان، التي تتمتع بموقع متميز بين ثلاث قارات، وتمتلك أكبر أسطول تجاري يعمل على مستوى العالم، ولديها في موانئ بيرايوس وتيسالونيكي وألكساندروبوليس «بوابات» للاتحاد الأوروبي ومنطقة البحر الأسود، إلى استغلال قدراتها تلك لتعزيز وجودها كقوة في شرق المتوسط، سواءً كمركز للطاقة بين الأسواق الأوروبية والمنتجين الإقليميين، أو كقوة عسكرية عبر تعزيز قدراتها بالتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا.

وبالمناسبة، أعلن رئيس الوزراء اليوناني في منتصف سبتمبر (أيلول) 2020، عن «برنامج مهم» لتعزيز القدرات العسكرية للبلاد، يشتمل على شراء أسلحة بينها 18 مقاتلة «رافال» فرنسية، وأربع فرقاطات متعددة المهام، فضلاً عن تجنيد 15 ألف جندي إضافي، كما تخطط أثينا أيضاً لزيادة حجم إنفاقها العسكري خلال السنوات العشر المقبلة، ليصل إلى 10 مليارات يورو.

ثم إن اليونان، على الرغم من الأزمة المالية التي هزّتها خلال العقد الماضي، تأتي في مرتبة متقدمة بين الدول الأعضاء في «الناتو» من حيث نسبة الإنفاق العسكري بالنسبة لحجم الاقتصاد الوطني. فخلال العام الماضي، أنفقت اليونان نحو 2.29 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على السياسات الدفاعية، علماً بأن متوسط حجم الإنفاق الدفاعي في دول الحلف (قبل الحرب في أوكرانيا) تراوح بين 1.2 و2 في المائة.

وأيضاً، تعاقدت اليونان مع الولايات المتحدة لشراء نحو 20 طائرة من مقاتلات «إف - 35» (الشبح)، مع إمكانية إضافة 20 طائرة أخرى في المستقبل، وانتشرت أنباء عن اتفاق بشأن مشاركة اليونان في برنامج تصنيعها، إلى جانب تعاقدها على ترقية 84 طائرة «إف - 16»، علاوة على شراء المسيّرات الأميركية «إم كيو - 9»، ووضع مشروع تصنيع طائرات مسيّرة يونانية الصنع على أجندة المرحلة المقبلة في إطار مواجهة المسيّرات التركية.

هذا، وتراهن اليونان في مسعاها لزيادة حضورها الإقليمي على علاقات تاريخية تجمعها مع واشنطن. إذ يبدو ملف العلاقات الأميركية مع أثينا واحداً من ملفات معدودة لا يختلف عليها الجمهوريون والديمقراطيون، وتتجه العلاقات بثبات نحو بناء «تحالف استراتيجي جديد» بين البلدين، يمكن أن يكون بمثابة بديل لتركيا... بل تشير تقارير أميركية عدة إلى أن هناك دراسة لاستخدام الجزر اليونانية بديلاً لقاعدة «إنغرليك» الجوية في تركيا. وما يُذكر أن أثينا كانت قد استغلت التوتر بين أنقرة وواشنطن لتوطيد علاقتها بالأخيرة. وفي 12 مايو (أيار) 2022 مدّدت اتفاقية دفاعية مبرمة مع واشنطن لمدة 5 سنوات، ما يسمح للجيش الأميركي بالوصول إلى 3 قواعد في البر الرئيسي لليونان إلى جانب وجوده العسكري في جزيرة كريت.

ومع استراتيجية واشنطن لدعم وحماية شرق أوروبا من التمدد الروسي، خصوصاً مع تفاقم الأزمة بين روسيا و«الناتو» بسبب الحرب في أوكرانيا، زادت واشنطن وجودها العسكري في رومانيا وبلغاريا واليونان. وهو ما دعا نيكولاس بيرنز، السفير الأميركي السابق لدى الناتو وأثينا وأستاذ السياسة الدولية بجامعة «هارفارد»، إلى وصف اليونان خلال فعالية على الإنترنت لـ«صندوق مارشال الألماني» في بروكسل عام 2021 بأنها «أهم شريك عسكري للولايات المتحدة في شرق المتوسط».

كذلك رأى وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، الذي يعد أحد مهندسي الاتفاقية العسكرية مع اليونان، في تصريح له -بعد مغادرته منصبه– لصحيفة «كاثميريني» اليونانية في 29 مارس (آذار) 2022، أن «قاعدة كريت العسكرية الأميركية ستُغير موازين قوى المنطقة، وستؤمّن طرق التجارة البحرية العالمية». ومعلوم أن أثينا عززت أيضاً تحالفها مع أبرز شركائها التاريخيين في أوروبا، إذ وقَّعت مطلع العام الماضي مع فرنسا اتفاقية للتعاون العسكري يتضمن صد أي هجوم ضد إحداهما، وهذه الاتفاقية هي الثانية العسكرية بين الدولتين بعد توقيعهما في سبتمبر 2021 على اتفاقية الدفاع الثنائية.

هذه السياسة يراها الدكتور عبد اللطيف درويش «استمراراً لسياسات اليمين اليوناني على الصعيد العسكري»، حيث تسعى الحكومة إلى دعم قواها من خلال الانتشار العسكري الواسع في الجزر وشراء الأسلحة والطائرات من فرنسا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى النجاح الدبلوماسي الذي «حال خلال السنوات الأخيرة دون حصول تركيا على طائرات F16 وF52 الأميركية وأنواع أخرى من التجهيزات العسكرية الغربية، الأمر الذي خلق توتراً مع تركيا». ولكن في المقابل يرى الدكتور أحمد قنديل أن تعزيز العلاقات اليونانية - الأميركية، وإن كان يمثل ركيزة لبناء منظومة الأمن اليونانية، فإنه قد «يمثل في الوقت ذاته أداة لإثارة مخاوف تركيا، واستدعاء استقطابات دولية في المنطقة».

كيرياكوس ميتسوتاكيس (إيبا إيفي)

محطات مهمة في تاريخ «شرق المتوسط»

> تبدو منطقة «شرق المتوسط»، وبخاصة على المسرح «اليوناني - التركي - القبرصي»، حافلة بالمحطات التاريخية ذات الدلالة، التي تسهم إلى اليوم في صياغة ملامح العلاقة بين أطراف المنطقة. ولعل من أبرز تلك المحطات ما يلي:

- يرجع توتر العلاقات بين اليونان وتركيا إلى تأسيس دولة يونانية مستقلة عن الإمبراطورية العثمانية عقب حرب الاستقلال اليونانية عام 1820، ومنذ ذلك الحين، لعبت العوامل القومية والدينية والجيو - سياسية دورها كمحفزات دائمة للتوتر بين الدولتين.

- تجدد الصراع بين تركيا واليونان، بعد مشاركة اليونان مع الحلفاء ضمن الحرب العالمية الأولى، في احتلال جزء من الأراضي التركية، وما جاء بعدها من «حرب تحرير» قادها مصطفى كمال «أتاتورك» انتهت بإنهاء «الاحتلال اليوناني» لغرب تركيا وتأسيس الدولة التركية عام 1923.

- بعد الحرب العالمية الثانية، ومن خلال «اتفاقية باريس 1947»، تخلّت إيطاليا عن سيادتها على 14 جزيرة في بحر إيجة لليونان، وهو ما أطلق خلافاً جديداً بين أنقرة وأثينا بسبب قرب هذه الجزر من السواحل التركية. وحتى الآن يبقي موضوع ترسيم الحدود البحرية بين تركيا واليونان في بحر إيجة وشرق المتوسط مشكلة دون حل جذري.

- عام 1966 اتخذ البرلمان التركي قراراً يفيد بأن إعلان اليونان مد حدودها البحرية في بحر إيجة إلى 12 ميلاً بحرياً يعني «إعلان حرب» بين البلدين.

- في 20 يناير (كانون الثاني) 2021 أعلن رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس مد الحدود البحرية لليونان في البحر الأيوني (جنوب بحر إيجة) إلى 12 ميلاً بحرياً، مع الاحتفاظ بحق اليونان في توسيع هذا الحق إلى بحر إيجة لاحقاً.

- عام 1974 قُسمت جزيرة قبرص عندما غزت تركيا ثلثها الشمالي، رداً على الانقلاب اليميني الذي وقع في الجزيرة بدعم من حكام اليونان العسكريين الانقلابيين.

- في ديسمبر (كانون الأول) 2019 وقّعت تركيا اتفاقية مع «حكومة الوفاق الوطني» الليبية، لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط، وهو ما رفضته مصر واليونان وقبرص.

- في 9 يونيو (حزيران) 2020 أبرمت إيطاليا واليونان اتفاقية لتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين، ومثّلت الاتفاقية أهمية كبيرة لأنه يمكن استخدامها لتقويض اتفاق تركيا مع «حكومة الوفاق الوطني» الليبية.

- في 6 أغسطس (آب) 2020، وقّعت مصر واليونان اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية بينهما بعد ما يقرب من 13 جولة تفاوضية خلال أكثر من 15 سنة. وتسهم الاتفاقية في إضفاء شرعية قانونية ودولية على كل الأنشطة البحرية المتعلقة باستغلال الثروات الطبيعية في المنطقة المشمولة بالاتفاق، كما أنها تؤمّن حقوق البلدين في أي اكتشافات مستقبلية للغاز في تلك المنطقة، وأعلنت تركيا اعتراضها على الاتفاق. مثّل التقارب اليوناني مع مصر في إطار «تحالف ثلاثي» يضم قبرص إلى جانبهما واحدة من قصص نجاح إدارة السياسة الإقليمية لحكومة ميتسوتاكيس الأولى


مقالات ذات صلة

شراكة مصر مع قبرص واليونان لم تمنع تطور علاقاتها بتركيا

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)

شراكة مصر مع قبرص واليونان لم تمنع تطور علاقاتها بتركيا

يثير التعاون المتنامي بين القاهرة وأنقرة، الذي امتد إلى مجالات التنسيق العسكري، تساؤلات بشأن انعكاساته على الشراكة الاستراتيجية التي تجمع مصر باليونان وقبرص.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا ختام تدريب عسكري بين مصر واليونان (المتحدث العسكري للجيش المصري)

مناورات جوية مصرية - يونانية لتطوير القدرات القتالية

أجرى الجيش المصري ونظيره اليوناني مناورات عسكرية استمرت لمدة 5 أسابيع بمشاركة عناصر من القوات الجوية للبلدين إلى جانب مشاركة القوات الجوية الإسبانية بصفة مراقب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر مستقبلاً رئيس أركان الجيش المصري (المتحدث العسكري المصري)

«الجيش الوطني» الليبي يدعو إلى التصدي لـ«التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود»

تحدّث الفريق خالد حفتر، رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي عن «تحديات أمنية تواجه دول البحر المتوسط، من بينها نشاط التنظيمات الإرهابية متعددة الجنسيات».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا صورة جوية لنهر ميلجاكا شبه الجاف والطحالب التي تظهر من خلاله وسط موجة حر وجفاف في سراييفو - البوسنة (أ.ب)

منذ أبريل... الجفاف يطال أكثر من نصف أوروبا وحوض البحر المتوسط

طال الجفاف 52 % من الأراضي الأوروبية وسواحل البحر المتوسط في يوليو (تموز) للشهر الرابع على التوالي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي وزير الخارجية اللبناني عبد الله بوحبيب مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاجاني في مؤتمر «حوار روما المتوسطي»... (إ ب أ)

لبنان أمام «حوار روما المتوسطي»: نتطلع إلى دعمكم لبناء دولة قوية

جدّد وزير الخارجية اللبناني، عبد الله بوحبيب، التأكيد أن بلاده مستعدة للوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في القرار «1701»، مشدداً على أنه «لن يكون هناك سلاح دون…

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.