أفلام عربية حائرة بين أصولها المحلية والتمويل الأجنبي

بينما تنعم السينما السعودية بالاختلاف والتنوّع

لقطة من السباحتان  (أ-زد سلتِك فيلمز)
لقطة من السباحتان (أ-زد سلتِك فيلمز)
TT

أفلام عربية حائرة بين أصولها المحلية والتمويل الأجنبي

لقطة من السباحتان  (أ-زد سلتِك فيلمز)
لقطة من السباحتان (أ-زد سلتِك فيلمز)

ما هو مثير بالنسبة إلى السينما السعودية ليس أنها بدأت، قبل سنوات قريبة، قويّة ومدعومة وواعدة. هذا في حدِّه ممتاز، لكن المثير هو أن أفلامها مصنوعة في السعودية. أفلام وطنية. منذ أن قدّم محمود الصبّاغ «بركة يقابل بركة» ليتبعه عبد العزيز الشلاحي في «حد الطار»، وشهد أمين في «سيدة البحر»، وهيفاء المنصور في «المرشّحة المثالية»، ثم المجموعة الجديدة التي أطلقت مؤخراً أفلاماً عدّة من بينها «أغنية الغراب» لمحمد السلمان، و«سطار» لعبد الله العراك، و«طريق الوادي» لخالد فهد، و«المدرسة القديمة» لعبد الله الخميس. منذ ذلك الحين وهناك منوال صحيح لتأمين الدعم الكافي لهذه الإنتاجات من هيئة الأفلام في المملكة بالتعاون مع الشركات الخاصّة المنتجة لها.

هوية الفيلم إنتاجه

هذه أفلام عضوية في المنشأ والصناعة والعروض وتختلف عن مهام أخرى لصناديق الدعم السعودية المستعدة لمنح إنتاجية لأفلام غير سعودية.

على أن هذا التميّز لا يقف وحده، بل هناك تميّز مهم آخر متّصل به: الأفلام المذكورة وعدد آخر من الإنتاجات الوطنية ثرية بالتنوّع ما بين الدراما الجادة والكوميديا والرومانسية والرعب وسينما الطرق والرحلات. إنها سينما تحتفل باختياراتها من النصوص وأساليب العمل. السبب في ذلك يعود، ولو إلى حد معيّن، إلى حقيقة أنها أفلام تتجه إلى السوق السعودية الكبيرة أولاً كأفلام تجارية صرفة. إذا ما حققت الخطوة للعروض الخارجية، كما الحال في أفلام هيفاء المنصور ومحمود الصباغ وآخرين، كان ذلك فعلاً بديعاً، لكن في الأساس هي تعبير عن سينما وطنية.

هذه لا نجدها في التداول كثيراً هذه الأيام في سينمات عربية أخرى ولسبب مهم آخر: بات الكثير من الأفلام المنتجة يبحث عن تمويل خارجي لأنه لا توجد قدرات اقتصادية وصناعية محلية كافية.

لم يعد خافياً أن الكثير مما يلفّ مهرجانات العالم من أفلام عربية هو، في عرف احترافيٍّ محض، ليس عربياً. القول بأن هوية المخرج هي التي تمنح هوية الفيلم ليس صحيحاً. أفلام فريتز لانغ الهوليوودية ليست ألمانية تبعاً لمنشئه. أفلام ألفريد هيتشكوك الأميركية ليست بريطانية. أفلام يوسف شاهين ليست كلها مصرية لأنه مصري.

انتماء الفيلم الفعلي هو إلى التمويل الغالب. نعم يبقى لبعض الأفلام قدر من الوطنية لكنه قدر محدود لأن الشركة التي عمدت إلى تمويل الفيلم بنسبة تزيد على الثلثين هي أجنبية.

هذا الاعتماد على الإنتاج الأجنبي ازداد منذ مطلع هذا القرن، وفي المقابل باتت الإنتاجات العربية - العربية أمراً شبه مفقود منذ ذلك الحين أيضاً. انحسرت أكثر من أي وقت مضى بينما ارتفع الاعتماد على التمويل الغربي أكثر من أي وقت مضى أيضاً.

الفيلم السعودي «إنشودة الغراب» (تلفاز 11)

هذا الوضع يطول الكثير من الأفلام التي نمت في لبنان من أفلام فيليب عرقتنجي ودانيال عربيد، إلى أفلام نادين لبكي وغسان سلهب، مروراً بنحو 75 في المائة من الأفلام الأخرى.

«ذيب» و«أوديسا عراقية» و«لأجل سما» هي إنتاجات بريطانية لمخرجين عرب (إخراج ناجي أبو نوّار، وسمير جمال الدين، وعهد الخطيب، على التوالي). الكثير من أفلام المغرب العربي، مثل «أمهات»، و«نحبك هادي»، و«بابيشا»، و«ريح ربّاني»، إلخ... هي أفلام منتجة من شركات فرنسية. أفلام نادين لبكي هي شغل ألماني، كذلك أفلام التونسية كوثر بن هنية، خصوصاً فيلميها الأخيرين «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».

ومؤخراً شاهدنا «ولد من الجنة» لطارق صالح، و«السباحتان» لسالي الحسيني. الأول إنتاج دنماركي، والآخر بريطاني.

الدعم الفعلي

طبعاً لا يخلو الأمر من رأسمال محلّي (يسمّونه Seed Money) وفي الكثير من الحالات هناك جهات عربية داعمة بنسب متفاوتة، لكن من دون وجود الإنتاج الأجنبي فإن معظم هذه الأفلام لن يشهد نور التوزيع الخارجي والكثير منها لن يجد طريقه إلى المهرجانات وفرص الخروج بالجوائز على غرار ما حدث مؤخراً لأفلام مثل «بنات ألفة» و«على فوهة بركان» و«أم كل الأكاذيب». رأس المال الأول لهذه الأفلام تونسي ولبناني ومغربي لكن الدعم الفعلي ألماني وفرنسي.

هذا يحدث لأسباب محددة تختلف من بلد لآخر أحياناً.

على سبيل المثال، يحتاج بلد يعيش أزمات اقتصادية حافلة، مثل لبنان، إلى التمويل الخارجي. يحتاج بعض شركات الإنتاج المحلية إلى هويات أجنبية لتسهيل التسويق. كذلك يرمي المخرجون المعروفون من خلال تحقيق أفلام مموّلة من الخارج إلى تثبيت أسمائهم في تلك الأسواق الخارجية. على أن السبب الجامع يكمن في أن السوق المحلية لمعظم الدول العربية لا تكفي لتأمين التكلفة لو أُتيحت من داخل البلد ذاته، ناهيك بجني أرباح ما.

ضعف السوق العربية له أسباب أخرى من بينها صعوبة اللهجات وقلة عدد صالات السينما واختفاء التوزيع البديل وفوضى التوزيع للمنصات والمحطات التلفزيونية ثم المشكلات السياسية التي تمنع وصول أفلام بعض الدول إلى أسواق بعض الدول الأخرى.

بعض الدول (كلبنان وسوريا والعراق) تمتعت سابقاً بمثل هذه الصناعات المحلية، لكنَّ ذلك كان من قبل أن تتحوّل صالات السينما في الكثير من مدنها إلى محلات بيع ملابس أو تُهدم لصالح بناء عمارة بمرآب تحتها. هذا حدث لسبب آخر إضافي وهو حقيقة أن صالات السينما لم تعد القناة الوحيدة لعرض الأفلام، بل باتت العروض المنزلية سمة طاغية في بلاد عربية كانت حتى نهاية الثمانينات تعيش رغداً ملحوظاً.

مشهد من «الباريسية» (لو فيلم بيلييه).

الفيلم

إيضاح هذه المسببات المتآلفة والتي تشكّل عراقيل وعوائق تمنع ازدهار صناعة السينما داخل حدود الدول العربية (مفترقة أو مجتمعة) يؤدي بنا إلى دراسة ما يوفره معظم هذه الأفلام للعين الأجنبية التي للمنتج الأجنبي حق اعتمادها كدافع لتمويل فيلم ما.

هل هناك رغبة في مشاهدة فيلم يوظّف الخيال بعيداً عن الواقع على طريقة الأفلام الفانتازية الكبرى؟ هل هو بصدد قبول فيلم كوميدي ولو كان جيّداً؟ هل هو وراء الإبداع والتميّز بحد ذاتيهما؟ هل يريد فيلماً عن فرد ناجح ومجتمع سعيد؟

معظم الأفلام العربية التي وجدت طريقها للمهرجانات والجوائز عبر سنوات (بما فيها جوائز من مهرجانات كان وبرلين وفينيسيا ولوكارنو وسواها) كانت من تلك التي تتناول مواضيع الأزمات التي تفتح العين الغربية على مصاعب عيش وعلى مجتمعات بائسة. تلك التي تتحدّث عن نساء منكوبات، ورجال تحت الأعباء، وبيئات غير سعيدة، ومواضيع سياسية وعاطفية تدخل في بند الممنوعات.

تبعاً لذلك، استجاب عدد كبير من الذين يكتبون عن الأفلام فباتت كتاباتهم تبحث في المضمون ولا تكترث للشكل أو الأسلوب أو العناصر الفنية ذاتها. المضمون الذي لا يصنع الفيلم مهما كان مهمّاً بل يحكيه فقط.

إنها حجارة الدومينو التي إذا أُحسن رصفها تتساقط على التوالي: المنتج بحاجة لتمويل. التمويل بحاجة لموضوع يهم المُشاهد الأجنبي. الاثنان يريدان فيلماً يُعرض في المهرجانات. الجميع لا يسأل عن الصورة الغائبة أو عن تقييم صحيح للأوضاع الاجتماعية وبالتأكيد ليس عن الوجه الإيجابي لأي شيء عربي. وفي النهاية لديك حماس بعض النقاد والكتّاب من دون تخيل أو فحص لما يدور.

مخرجون عرب حققوا مؤخراً الاختلاف عن السائد

قائمة ببعض المخرجين الذين أنجزوا أفلامهم (بصرف النظر عن تقييم نقدي) ضمن حدود السينما العربية وحدها.

شهد أمين: «سيدة البحر»، (السعودية).

محمد السلمان: «أنشودة الغراب»، (السعودية).

حكيم بلعبّاس: «لو يطيحو الحيوط»، (المغرب).

حميد بن عمرة: «كيوكو، موسم حصاد الأحلام»، (الجزائر).

رضا الباهي: «جزيرة الغفران»، (تونس).

مروان حامد: «تراب الماس»، (مصر).

يوسف الشابي: «أشكال»، (تونس).


مقالات ذات صلة

«سيجيء يوم آخر»: صوت حيّ من فلسطين إلى العالم

يوميات الشرق أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)

«سيجيء يوم آخر»: صوت حيّ من فلسطين إلى العالم

يمرُّ الفيلم على مشاهد البحر والشاطئ وأشجار السرو، بينما تتردّد في الخلفية رسالة صوتية تقول إنّ ملامح فلسطين الحقيقية طُمست تحت طبقات الإسفلت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

«كونتيسة الدم»... عودة أسطورة قديمة برؤية سينمائية معاصرة

عودة غامضة لـ«كونتيسة الدم» بعد اختفاء طويل، حيث تظهر من جديد في قلب فيينا الحديثة، وكأنها خرجت من زمن آخر لتستأنف وجودها وسط عالم تغيّر كثيراً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في سويسرا (الشركة المنتجة)

«ثمن الشمس»... فيلم وثائقي يسلط الضوء على أمازيغ المغرب

يقدم الفيلم الوثائقي البلجيكي «ثمن الشمس» توثيقاً لكيفية تغير نمط حياة مجموعة من السكان المحليين في المغرب مع تنفيذ مشروع ضخم للطاقة النظيفة.

أحمد عدلي (القاهرة )
لمسات الموضة أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)

«The Devil Wears Prada 2»: عندما تتحول الموضة إلى اقتصاد كامل

كان الفيلم، لا سيما الجزء الثاني، نقطة تحوُّل في كيفية تعامل هوليوود مع الموضة بوصفها طرفاً أساسياً وشريكاً يمكن أن يجمعهما الفني والاقتصادي بشكل ذكي ومتكامل.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق جعفر جاكسون يؤدي دور البطولة في الفيلم الذي يتصدر شباك التذاكر السعودي (imdb)

«مايكل» و«الشيطان يرتدي برادا 2» يسيطران على نصف إيرادات شباك التذاكر السعودي

في خطوة غير معتادة على شباك التذاكر السعودي، سيطر فيلمان على صف إيرادات الأسبوع، حيث استحوذ كل من «مايكل» و«الشيطان يرتدي برادا 2» على 58 % من إجمالي الإيرادات.


«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز